عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر الغافقي، الملقب بـ "ابن سبعين" (614-669هـ/ 1217-1270م)، أحد أكثر الشخصيات الفلسفية والصوفية إثارةً للجدل في تاريخ الفكر الأندلسي والإسلامي. وُلد في بلدة رقوطة قُرب مرسية ببلاد الأندلس، ونشأ في بيئة علمية مكّنته من التحرر من التقليد، فاتسمت أفكاره بالجرأة والعمق. اشتهر بتنظيره لفكرة "الوحدة المطلقة"، وهي نزعة فلسفية صوفية تذهب إلى أن الوجود حقيقة واحدة لا تعدُّد فيها، ما جعله عرضة للاتهام بالقول بالحلول والاتحاد. برزت مكانته العلمية من خلال
الكلام على المسائل الصقلية، وهو كتابٌ ضمّ مراسلات فلسفية مع الإمبراطور
فريدريك الثاني (Fredericus II، 590-648هـ/ 1194-1250م)، أجاب فيها عن معضلات الميتافيزيقا ومنطق الخَلق. ترك مؤلفات مهمة مثل كتاب
بُدّ العارف، الذي لخَّص فيه مذهبه، ورسائل أخرى متنوعة في علم الحروف والأوْفاق. تنقّل في حياته بين الأندلس والمغرب وشمال أفريقيا، حتى استقر في مكة حيث نال شهرة واسعة وأتباعًا كثر، ثم توفّي هناك وتعددت الروايات حول وفاته بين الانتحار أو القتل أو الموت الطبيعي، ليظل إرثه شاهدًا على مرحلة من الصراع بين الفلسفة والتصوف والفقه.
حياته
أبو محمّد عبد الحقّ بن إبراهيم بن محمّد بن نصر الغافقيّ، ابن سبعين، متصوف وفيلسوف مسلم، لُقِّب "قطب الدّين" لاطلاعه على عدد وافر من علوم عصره. كما أطلق هو على نفسه لقبَ "ابن دارة"، ومن ثمّ لقب "ابن سبعين"؛ لأنّ الدّارة هي حرف العين الذي يكون وزنه الرّقمي في
حساب الجُمَّل سبعينًا، وعلى ذلك يكون لقبه ذا دلالة رمزية وإيحاء صوفيّ بالكمال والبصيرة والاتصال بالمطلق. وقد سُمّيت طريقته في التّصوّف بـ "السّبعينيّة"، كما سُمّي مُريدوه وأتباعه بـ "السبعينيّين"[1].
لم توفّر المراجع التّاريخيّة وكتب السّير معلومات كافية عن حياة ابن سبعين، إلا أن قسمًا كبيرًا منها يُشير إلى كون عائلته من أصول بربريّة اندمجت في الحضارة الإسلاميّة العربيّة، وربّما هذا ما جعل النّظرة إلى ابن سبعين على أنّه من أقحاح العرب[2]. ومع أن أسرته كانت لها مكانة مرموقة في المجتمع، آثَر ابن سبعين اعتزال حياة الرّفاهيّة وترك الانغماس في الملذّات التي أتيحت له، لاجئًا إلى التّصوّف.
تلقى ابن سبعين في مدينة ألمرية علومه الأولى، وعكف على دراسة التّفسير والفقه، كما درس العلوم العقليّة وعلوم التّصوّف الإسلاميّ، الذي تأثّر به كثيرًا، لا سيّما فكر المتصوّف
أبي إسحاق ابن دهاق (ت. 611ﮬـ/ 1214م)[3]. وكان من نتائج اكتسابه علومَ التّصوّف تأليفُه في سن مبكّرة من حياته كتابَه الشّهير
بُدّ العارف. وقد كانت المرحلة الأولى من حياته مهمّة جدًا في بلورة فكره وفلسفته. أما في المرحلة الثّانية من حياته، فقد انتقل ابن سبعين من مرسيّة التي أقام فيها إلى بلاد مختلفة من الأندلس وأطراف شمالي أفريقيا. ووجد ابن سبعين نوعًا من الاستقرار الاجتماعي في بلاد المغرب العربيّ، ما مكّنه من الاستقرار النّفسيّ الذي منحه إمكانيّة كتابة الكثير من مؤلّفاته، لا سيّما
الكلام على المسائل الصقلية. في بلاد المغرب الأقصى، وفي سبتة تحديدًا، خاض ابن سبعين مع الفقهاء والفلاسفة والمحدّثين جدالات فكريّة أذاعت صيته في بلاد الأندلس والعالم الإسلاميّ، لا سيّما بعد ردّه على فريدريك الثاني في الكتاب الآنف الذكر.
ومثل كثير من المتصوّفة الذين ذاع صيتهم، وطُردوا ونُفوا أو قتلوا، مثل
الحسين بن منصور الحلاّج (ت. 309هـ/ 922م) والسّهرورديّ المقتول (ت. 586هـ/ 1191م)، طُورِد ابن سبعين بعد أن اتّهم بالكفر والإلحاد في ظلّ قراءة لم تقبل نصوصه وأفكاره. فقد كان المجتمع الأندلسيّ بشكل خاصّ، والمجتمع الإسلاميّ بشكل عام، حذرًا من التّعامل مع الفكر الصّوفيّ؛ لخصوصيّته واشتغاله بمسائل مركّبة تتصل بالتجربة الروحية والذوق قد تُفضي إلى
الشّطح، وهو نمط من التعبير الرمزيّ أو المجازيّ فُسّر، في بعض السياقات التاريخية، بوصفه خروجًا عن الملة، ما جعله محلّ رفض من بعض المؤسسات السياسية والدينية في العصر الوسيط الإسلامي. لذا عارض ابنَ سبعين كثيرٌ من أبناء مجتمعه، وانتهى كلّ ذلك بطرده من سبتة، ومن بلدان عديدة بسبب أفكاره. في نهاية حياته انتقل ابن سبعين من الأندلس إلى مكّة، وهناك عاش سنواته الأخيرة مُعتكفًا. غير أنّ كيفيّة وفاته، قتلًا أو انتحارًا أو موتًا طبيعيًّا، غير معروفة على وجه الدقة.
مؤلّفاته
بعد تأثّر ابن سبعين بالفكر الصّوفيّ الإسلاميّ والفلسفيّ اليونانيّ باختلاف مذاهبه ومدارسه، عكف على كتابة مؤلّفاته الصّوفيّة التي أثارت جدلًا واسعًا في العالمين الإسلاميّ والغربيّ[4]. وقد عكست هذه المؤلّفات نظريّته الخاصّة في التّصوّف، وله عدة أعمال مطبوعة.
بدّ العارف
يُقال إنّ ابن سبعين ألّف هذا الكتاب وهو في الخامسة عشرة من عمره. ويحكي ابن سبعين في مقدمته السبب الباعث على تأليفه الكتاب، وإلى من يتوجّه بخطابه: "[...] والذي حملني على ذلك استدعاء وجب في شريعة الاسلام إجابته، وتعيّن على كل منصف عالم إسعافه وهدايته، فأجبته لذلك مستعينًا بالله سالكًا طريق الاختصار، متجنبًا من التطويل قاصدًا البيان والاستبصار، منبهًا المسترشد إلى واجبه ومعطيًا الطالب جميع مطالبه، ومعلمًا السعيد علم سعادته، ومبصرًا العابد من عبادته، مخرجًا المنكر من رعونته وعادته، ومغبطًا السالك بقصده ومشوّقه إلى لازمه وبده، والله يوفقنا للصواب بمنه ويمنه ويخلصني من الزلل بفضله وقوته".
في هذا الكتاب يناقش ابن سبعين قضايا أخلاقيّة وميتافيزيقيّة تنتهي بتصوّر فلسفيّ لخلْق العالَم
(كوزموغوني) {{الكوزموغونية: (Cosmogony) تصوّر روحيّ فلسفيّ لخلق العالم يعتمد مبدأ "التّأمّل الرّوحيّ" الذي يبدأ بنظرة إلى النّجوم، على طريقة النّبيّ إبراهيم الذي "نظر نظرةَ في النّجوم"، والذي يُفضي إلى نتيجة رياضيّة صوفيّة تفسّر حسب المنطق كيف ولماذا خلق الله العالم.}}[5]. ويعدّ هذا الكتاب من أبرز أعمال ابن سبعين، تناول فيه موضوعات فلسفيّة وصوفيّة تتعلّق بالمعرفة والتّوحيد. وقد سلّط ابن سبعين في كتابه هذا الضّوء على فكرة "الوحدة المطلقة"[6]. وقد حُقق المخطوط الأصليّ[7] لابن سبعين؛ فكانت أهمّ هذه التّحقيقات تحقيقٌ بعنوان
بدّ العارف[8]، وتحقيق ثانٍ أبكر بعنوان
بدّ العارف وعقيدة المحقّق المقرّب الكاشف وطريق السّالك المُتبتّل العاكف[9].
شرح كتاب إدريس
يُركّز هذا الكتاب على تفسير الكتاب المنسوب إلى النبي إدريس، والذي يُنسب إليه وضع أسس
علم الحرف. يُظهر هذا الشّرح اهتمام ابن سبعين بالعلوم الغامضة والفلسفيّة، ويعكس دمجه بين التّصوّف والفلسفة في أعماله[10]، والمخطوط لم يُعثر عليه.
كتاب الإحاطة
في هذا الكتاب يقدّم ابن سبعين رؤية شاملة لمدلولات
الوجود والعلاقة بين
الخالق والمخلوق، كما يناقش مسائل أساسيّة تتعلّق بالطّبيعة الوجوديّة والميتافيزيقيّة. ومن أبرز الموضوعات التي يتطرّق إليها الكتاب: جوهر الوجود والنّظام الكونيّ. يستعرض ابن سبعين في هذا الكتاب مفهوم الوجود وكيفيّة تنظيمه وترتيبه، مستندًا إلى أدلة فلسفيّة وتجارب صوفيّة. في باب التّجليات الإلهيّة يناقش الكتاب مظاهر التّجليّ الإلهيّ في
الكون وكيف يظهر الله في مظاهر
الطّبيعة والوجود. وفي باب العلاقة بين
الإنسان والكون يتناول الكتاب التّأمّل في طبيعة الإنسان وعلاقته بالكون، بما يعكس سعي ابن سبعين نحو فهم أعمق للحقيقة والوجود. وفي باب الأسس الفلسفيّة والصوفيّة يمزج المؤلف بين المنهج الفلسفيّ والمنظور الصّوفيّ، ما يعطي الكتاب طابعًا مميزًّا في دراسة المسائل الوجوديّة والميتافيزيقيّة[11]. وقد كان أوّل تحقيق لهذا الكتاب على يد
عبد الرّحمن بدوي (1917-2002)، وصدر عن المعهد المصريّ للدّراسات الإسلاميّة في مدريد[12].
رسالة العهد
غلاف كتاب رسائل ابن سبعين
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
هي رسالة يتحدث فيها ابن سبعين عن مفهوم العهد أو الميثاق الذي يُعدُّ الرّابط الرّوحيّ بين الخلق والخالق. وهذا العهد أساس العلاقة بين الله والإنسان، يُفتح الباب أمام التّأمّل في الطّبيعة الباطنيّة للكون والوجود. يعتمد ابن سبعين في هذا العمل على دمج العقلانيّة الفلسفيّة مع الحسّ الصّوفيّ، ما يساعد في كشف المعاني الرّمزيّة والعميقة للنّصوص الدّينيّة، ويعرض الكتاب كذلك تأمّلات في طبيعة الوجود وعلاقة الإنسان بالخالق، ويركّز على أثر العهد في تنظيم التّجربة الدّينيّة، إذ يُمثل التزامًا ذاتيًّا من الإنسان تجاه تحقيق مستوى أعلى من التّواصل مع الله. إضافة إلى أنه يتطرّق إلى كيفيّة تأثير هذا الميثاق في بناء الشّخصيّة الرّوحية وتوجيه السّلوك في ضوء الحقائق الإيمانية. وقد عمد أحمد فريد المزيدي إلى تحقيق الرسالة في كتاب
رسائل ابن سبعين. وأصل الرسالة صفحة موجزة جاء في مقدمتها: "[...] يا هذا! هل عمرك إلا كلمح أو إعطاء مكد لا سمح؟! وأصالك لهو وعلل، وأسحارك سهو وعلل، وما سرورك إن صدر إلا وساء كدر، والغرض [في هذه الدنيا] في تحصيل الكمالات وأسبابها والتجوهر بمدلول الإمكانات الإلهية وبما يجب كما يجب على ما يجب في الوقت الذي يجب، والاتصاف بالحكمة التي تفيد الصورة المتممة للسعيد، وبالحقيقة التي تقيمه في الصور المقومة، وتعمل على نيل الآلات التي تعطي الحق بحسب ما تعطيه، وتقضيه طبيعة البرهان" غير أنّ ابن سبعين عمد إلى شرح ألفاظها والوقوف على بعض معانيها[13].
الرّسائل
من بين هذه الرسائل رسالة النّصيحة النّوريّة، وهي رسالة في ريادة طريق التّصوّف وسلوكيّات المتصوّف في هذا الطّريق. يُعرف الكتاب أيضًا بـرسالة النّصيحة أو
الرّسالة النّوريّة. يتناول ابن سبعين في هذا الكتاب موضوعات تتعلّق بالتّصوّف والفلسفة، ويُظهر فيه عمق معرفته ورؤيته الفلسفية. وقد حقق الكتاب ونشره عبد الرّحمن بدوي في مجلة المعهد المصريّ للدّراسات الإسلاميّة في مدريد[14]. ومن بين هذه الرّسائل أيضًا "الرّسالة الفقيريّة"، و"الرّسالة القوسيّة"، و"رسالة في أنوار النّبي"، و"الألواح المباركة"، و"الرّسالة الرّضوانيّة"، و"رسالة في عرفة"، و"رسالة خطاب الله بلسان نوره"، و"رسالة نتيجة الحكم"، و"الرّسالة الإصبعيّة"، و"رسالة الكلام على الحكمة"، و"رسالة حكم القصص"[15]. إضافة إلى ذلك، ذكر ابن سبعين بعضًا من رسائله المفقودة في كتاب الرّسائل الذي جمعه وحقّقه عبد الرّحمن بدوي، ومنها: "رسالة في أسرار الكواكب والدّرج والبروج وخواصّها"، و"الرّسالة الحكميّة وقد ذكرها ابن سبعين في رسالة عرفة"[16].
الكلام على المسائل الصقلية
غلاف كتاب الكلام على المسائل الصقلية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يمثّل الكتابُ الرسالةَ الأشهر كما يرى عدد من الباحثين[17]، وهو خطاب علمي يوجّهه ابن سبعين إلى إمبراطور صقلية فريدريك الثاني
[18]، يردّ من خلاله على "مسائل غنوصيّة مركّبة" حول منطق الخلق وقِدَم العالم[19]، قدّمها الإمبراطور لجمهور عريض من الفلاسفة والمتصوّفة الأندلسيين ليدلوا برأيهم حولها. يحكي المؤرّخون أن فريدريك الثاني كان قد أرسل في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه[20] يطلب من العلماء باختلاف مدارسهم الفكريّة أن يُجيبوه على مسائل حول موضوعات فلسفيّة كبرى؛ مثل قدم العالم وأصله، والزّمن، والخلق والخالق، والعلّة والمعلول، وغيرها، كان قد توقّف عندها فريدريك الثاني في دراسته للاّهوت والأديان المقارنة، وتجمع المراجع المختلفة على أنّ الإمبراطور كان مُكبًّا على دراسة الفلسفة والأديان المقارنة، وقد بلغ الإمبراطور خبرٌ عن ابن سبعين الذي كان مُقيمًا في بلاد الأندلس، فأرسل له رسائله الآنف ذكرها[21]، وابن سبعين يردّ في كتابه هذا على الإمبراطور، بأسلوب العلماء المحاججين، بلغةٍ صوفية رفيعة تستند إلى منطقٍ دقيق، وتطرح الفكرة بأسلوب رياضي مُدعّم بآراء الفلاسفة اليونانيّين من جهة، ومن جهة أخرى آراء علماء زمانه، مازجًا كلّ ذلك مع المنطق الدينيّ الروحيّ. ويردّ ابن سبعين في هذه الرسالة على إمبراطور صقلية بأسلوب مُفصّلٍ شارحٍ، متوجّهًا بخطاب مُتودّد للإمبراطور[22]؛ عملًا بالفكر الصّوفي الذي ينتهجه، فالدّينُ في عُرف التّصوّف هو العشق، أي عشق الخالق، والمحبّة هي بالضّرورة ما أدّى إلى صدور فعل الخلق. وتقول الأخبار المجموعة عن سيرة ابن سبعين إنّه بعد توفيته الثّناء من إمبراطور صقلية، الذي دفع له بكتابه الأخير، قدّم إليه الإمبراطور مبلغًا من المال مكافأة له على رسالته، فأبى ابن سبعين أن يقبلها عملًا بالخُلق الصّوفي. من خلال رسالة
الكلام على المسائل الصقلية[23]، يظهر ابن سبعين محاججًا بطريقة منطقيّة مرتّبة ترتيبًا كرونولجيًّا وفق أبواب: المسألة الجدليّة الأولى والرّدّ عليها، المسألة الجدليّة الثّانية والرّدّ عليها، وهكذا؛ مسألة قدم العالم، مسألة العلم الإلهيّ، مسألة
المقولات، مسألة علم النّفس. يتوجّه ابن سبعين في مقدّمة الكتاب في خطاب علميّ يوضّح من خلاله أنّ هناك مسائل فلسفيّة مركّبة تناولها الفلاسفة في عصور مختلفة من وجهات نظر مختلفة، لكن لم يبتّوا فيها، ويكشف عن نيّته البتَّ فيها، مستعرضًا الآراء والفرضيّات التي طرحت في أزمنة مختلفة[24]. فهو يحاجج بطريقة علميّة منطقيّة، مستعملًا الإثبات الرّياضي الذي يقوم على
البرهان[25]. وتقوم الرّسالة على منهجٍ قريبٍ من مناهج البحث المعاصرة[26]، إذ تُستهلّ بطرح الفرضية منذ البداية، ثم يُساق البرهان عليها من خلال تحليل دقيق واستشهادات وافرة، تُستمدّ من ذخيرة وافرة من الأبحاث والنصوص التي تخدم بناء الأطروحة وتعضده. فابن سبعين يجعل مرجعيّته الكتب والنّظريّات اليونانيّة القديمة من جهة، ومن جهة أخرى يقاطع ذلك مع
المشّائين والبراهمة والأشاعرة والمتصوّفة وأهل السّيمياء. يفصّل ابن سبعين للإمبراطور أمّهات النّظريّات اليونانيّة التي خاضت في المسألة الجدليّة المطروحة[27]، ممثّلة بكبار باحثيها وفلاسفتها. ويزيد ابن سبعين مسألته بحثًا وعمقًا حين يقارنها بفلسفات زمانه، ثمّ ماذا يقول أصحاب الملل والنحل فيها، وبعدها يطرح ابن سبعين جدليّته الخاصّة المقعّدة على الفكر الصّوفيّ[28]. هذا النّهج الصّوفي يختلف عن النّهج الصّوفيّ التّقليديّ من حيث طريقة الإقناع والوصول لحلّ المسألة المطروحة.
وقد ذكر ابن سبعين في كتبه ورسائله المختلفة كتبًا أخرى لم يُعثر على مخطوطاتها، كما جاء في كتب التّاريخ بعضٌ من كتبه التي ما زالت مفقودة، ومنها: كتاب البهت؛ وشرح كتاب إدريس؛ وحزب الفتح والنّور؛ وحزب الفرج والاستخلاص؛ وحزب الحفظ والصّوت؛ وكتاب البدو؛ وكتاب اللّهو؛ وكنز المغرمين في الحروف والأوفاق؛ والرّسالة الإصبعيّة؛ وكتاب الكدّ؛ والكتاب الكبير؛ وكتاب السّفر[29]. ومن الكتب المنسوبة لابن سبعين: أسرار الحكمة المشرقيّة؛ وكتاب الأنوار؛ وكلام في العرفان.
إضافةً لذلك، فمن أعماله المخطوطة "كتاب بيعة أهل مكة"[30]، و"كتاب القسط"[31]، و"كتاب الدرج"[32]، و"كتاب الدرة المضيئة والخافية الشمسية"[33]، و"كتاب لسان الفلك الناطق عن وجه الحقائق"[34]، و"كتاب دعوة حرف القاف"[35]، و"كتاب حزب ابن سبعين"[36].
مذهبه في التّصوّف
أسهم ابن سبعين في تطوير الفكر الصّوفيّ الإسلاميّ؛ فقد أسّس نظريّته الصّوفيّة الخاصّة، وفق ما يُسمّى بـ "الفكر الصّوفيّ المسرّيّ"، الذي يُخاطب جمهور المتصوّفة والفلاسفة وعلماء الدّين، بخطاب قائم على التّعليل والتّفصيل وإحضار
البراهين والإثباتات[37]. وأثار فكر ابن سبعين الجدل في القِطاعات المعرفيّة المختلفة، لا سيما أنّ فكره الصّوفيّ لم يكن مألوفًا، بل اتّخذ مسارًا فكريًّا مُختلفًا وخاصًّا في الوقت نفسه[38]، وهذا ما ظهر في عدد من كتبه ومخطوطاته، وأشهرها
الكلام على المسائل الصقلية.
انتشر فكر ابن سبعين في العالمين الغربيّ والإسلاميّ، لا سيّما وأن تعاليمه أخذت مسارًا فكريَّا خاصًا في التّصوّف الإسلامي؛ فقد اعتقد أنّ كلّ إنسان يستطيع أن يكون قريبًا من الله؛ وذلك عبر مسار روحيّ يمارس فيه تجارب روحيّة. لقد بيّنت تعاليم ابن سبعين في مدونّاته الصّوفيّة المختلفة أهميّة التّجربة الشّخصيّة والحدس ومنزلتهما في الفكر الإسلامي، وأهميّة "التّنوير الرّوحيّ"[39] في سبيل تحصيل المعرفة اللاّزمة للوصول إلى الله.
ومن أكثر تعاليم ابن سبعين إثارة للجدل مفهومه عن "الإنسان الكامل" أو "الإنسان المثاليّ"، الذي يرى ابن سبعين أنه الشّخص الذي بلغ فهمًا عميقًا لله وأصبح واحدًا مع الله[40]. وقد اعتبر بعض علماء المسلمين هذه الفكرة "زندقة"، واعتقدوا أنّها تتعارض مع التّعاليم الإسلاميّة وفعل البشر. وثمة جانب آخر مثير للجدل في تعاليم ابن سبعين، وهو اعتقاده أنّه لا يوجد تناقض بين تعاليم الإسلام وتعاليم الدّيانات الأخرى؛ فقد اعتقد ابن سبعين أنّ جميع الأديان تشترك في حقيقة واحدة، وأنّ الاختلافات بينها هي ببساطة نابعة من عوامل ثقافيّة وتاريخيّة.
رؤيته للخبرة والحدس
اتّخذ ابن سبعين من التّجربة الدّاخليّة المباشرة وسيلةً للوصول إلى الحقيقة الإلهيّة، مُعززًا فكرة أنّ المعرفة الرّوحيّة لا تُستمد فقط من النّصوص والفقه، بل من الحدس والتّجربة الذّاتيّة. أسهم هذا المنهج في تحويل تركيز الصّوفيّة من النّهج المعهود الذي كان يعتمد على التّلقين النّصيّ والالتزام بالطّرق الجامدة، إلى توجه شخصيّ حدسيّ يُعلي من قيمة التّجربة الدّاخليّة والشّعور المباشر بالاتّحاد مع الله[41].
وقد كانت الصّوفيّة قبل ابن سبعين تركّز أساسًا على الالتزام بالشّكل الخارجيّ والطّقوس المتوارثة، ثم بدأ بعده التّأكيد على الجانب الوجدانيّ والدّاخليّ، إذ يُصبح المريد هو الباحث عن الكمال عبر تجربة شخصيّة عميقة. وقد أسهم هذا التّحوّل في إحداث نقلة نوعيّة في مفهوم الكمال الرّوحيّ، فقد بات يُنظر إليه على أنّه حالة يتجاوز فيها الفرد ذاته إلى حالة من
الفناء والاتّحاد مع الله[42].
أثره
كان لتعاليم ابن سبعين تأثير كبير في تطوّر الصّوفيّة، خاصّة في شمال أفريقيا والأندلس. وساعد تركيزه على الخبرة الشّخصيّة والحدس في تحويل تركيز الصّوفيّة من الطرائق المعرفية المألوفة في الفقه والكلام والتفسير إلى الممارسة الرّوحيّة. ومع ذلك، كانت تعاليم ابن سبعين تتعرّض لانتقاد بعض علماء المسلمين[43].
وقد انتشرت أفكار ابن سبعين بين بعض التّيّارات الصّوفيّة التي نشأت في مناطق الأندلس والمغرب، إذ ركّزت على علاقة البيعة والاتّحاد المباشر بين
المريد ومرشده. تلك التّيّارات أكّدت على ضرورة تجاوز المعرفة النّظريّة التّقليديّة والاعتماد على الخبرة الحدسيّة، ما ساعد في إرساء أسس طرق صوفيّة جديدة، تُعطي الأولويّة للتّجربة الذّاتيّة على المعرفة المكتسبة من المصادر الخارجيّة[44].
وفي القرون التي تلت وفاة ابن سبعين، أخذت تعاليمه تؤثّر في الفلسفة الإسلاميّة والتّصوّف، وقد اعتبره بعض الباحثين ممن أسهموا في تطوير الفكر الإسلاميّ، بينما رآه آخرون شخصيّةً مثيرةً للجدل تتعارض تعاليمها مع فهم التّعاليم الإسلاميّة الشرعيّة[45].
لغته
يواجه قارئ رسائل ابن سبعين إشكالًا كبيرًا يتمثّل في لغتها وأسلوب كتابتها[46]، التي قد تشكّل عائقًا أمام القارئ في فهم توجّهات النّص[47]. وقد يبدو الأمر مُربكًا أيضًا لدى الباحثين، فكتاب ابن سبعين لا يشكّل معضلة "تأويليّة" فقط، بل يمارس "انغلاقًا" مطلقًا في وجه الباحث والقارئ على السّواء؛ لأن النّصّ مركّب، واللّغة صوفيّة "مغلقة"، ويحتاج القارئ إلى إعادة قراءة الصّفحة الواحدة أكثر من مرّة للوصول إلى الفكرة المطروحة. وهذه حال اللّغة الصّوفيّة التي جعلها المتصوّفة "لغة الخواص" وليست لغة
العوام[48]. إلا أنّ تجربة ابن سبعين تميّزت بخلقها معضلةً حقيقيّة في الفهم والتّأويل[49].
اختلاف الآراء فيه
آراء أنصاره
يرى أنصار ابن سبعين أنّه كان رائدًا في تجديد الفكر الصّوفيّ، إذ رفع من قيمة التّجربة الشّخصيّة والحدس وسيلة لتحقيق الاتّحاد مع الله والكمال الرّوحيّ. ويعتبره أنصاره من الذين أسهموا في فتح آفاق جديدة لفهم العلاقة بين الخالق والمخلوق، إذ أتاحت أفكاره للمريدين فرصة تجاوز الصّيغ الشّكليّة للوصول إلى حقيقة وجوديّة داخليّة. وقد امتدّ تأثير ابن سبعين في بعض الطّرق الصّوفيّة المعاصرة في الأندلس والشّمال الأفريقيّ؛ فقد ظلّ تركيزه على التّجربة الذّاتيّة مصدر إلهام للباحثين عن التّجدّد الرّوحيّ[50].
آراء خصومه
لقد انتقد الكثير من العلماء والفلاسفة ابن سبعين، واعتبروه قد تجاوز الحدود الشّرعيّة واعتمد بشكل مفرط على الحدس والتّجربة الفرديّة، ما أدّى إلى نسب المعرفة الرّوحيّة إلى مستوى شخصيّ بحت. يشير خصومه إلى أنّ التّركيز الزّائد على الخبرة الذّاتية قد ينتج عنه تأويلات يُمكن أن تُفسر "منحرفة عن المنهج الشّرعيّ" الثّابت، وقد تفتح الباب أمام نسخ لا يمكن التّحّقق منها باستخدام الأساليب الشرعيّة[51]. كما اتّهمه بعض النّقّاد بوجود تناقضات في آرائه حول طبيعة الله والاتّحاد معه[52]، ما أثار جدلًا بين متبنيه وبين مَن يرون في ذلك خروجًا عن العقيدة الإسلاميّة.
المراجع
العربية
ابن سبعين، عبد الحق.
الكلام على المسائل الصقلية. تحقيق محمد شرف الدين يالتقايا. بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1941.
________. "رسالة النّصيحة النّوريّة". تحقيق عبد الرحمن بدوي.
صحيفة المعهد المصريّ للدّراسات الإسلاميّة في مدريد. مج 4، العدد 1-2 (1956).
________. "كتاب الإحاطة". تحقيق عبد الرّحمن بدوي. صحيفة المعهد المصري للدّراسات الإسلاميّة في مدريد. مج 6، العدد 1-2 (1958).
________.
رسائل ابن سبعين. حققه وقدم له عبد الرحمن بدوي. القاهرة: الدّار المصريّة للتّأليف والتّرجمة، 1965.
________.
بدّ العارف وعقيدة المحقّق المقرّب الكاشف وطريق السّالك المُتبتّل العاكف. تحقيق فريد المزيديّ. بيروت: دار الكتب العلميّة، 1974.
________.
بدّ العارف. تحقيق وتقديم جورج كتورة. بيروت: دار الأندلس؛ دار الكندي، 1978.
________.
رسائل ابن سبعين. تحقيق أحمد فريد المزيدي. بيروت: دار الكتب العلمية، 2007.
بالنثيا، آنخل.
تاريخ الفكر الأندلسيّ. ترجمة حسين مؤنس. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 1955.
بوحلوفة، محمّد الأمين. "الفكر الصّوفيّ المسريّ وصراع مدرسة ألمرية مع السّلطة السّياسيّة في الأندلس والمغرب الأوسط".
مجلّة العلوم الإنسانيّة. مج 5، العدد 1 (2015). ص 45-69.
التّفتازاني، أبو الوفا. ابن سبعين وفلسفته الصّوفيّة. بيروت: دار الكتاب العربي، 1973.
جراد، نوفل.
عبد الحقّ ابن سبعين: آراؤه الفلسفيّة والكلاميّة - الرّسائل الصقليّة أنموذجًا. القاهرة: مركز نماء للبحوث والدّراسات، 2022.
سبالينو، باتريسيا. "إشكاليّة الأصالة في المسائل الصقلية لابن سبعين".
التّراث العربيّ. العدد 62 (1996). ص 111-130.
شرف، محمّد ياسر. "الكلمة عند ابن سبعين". التّراث العربيّ. العدد 10 (1983). ص 167- 176.
________.
الوحدة المطلقة عند ابن سبعين. بغداد: دار الرّشيد، 1981.
________.
فلسفة التّصوّف السّبعينيّ. دمشق: منشورات وزارة الثّقافة، 1990.
الشّيبي، كامل مصطفى.
الفكر الصّوفي عند ابن سبعين. بيروت: دار الكتب العلميّة، 1982.
فريد، محمّد.
تاريخ الدّولة العليّة العثمانيّة. وندسور، المملكة المتّحدة: مؤسّسة هنداوي، 2017.
كعب، حاتم. "الوحدة المطلقة في فلسفة ابن سبعين المرسي: قراءة في كتاب
بدّ المعارف".
في اللسانيات وتحليل الخطاب. مج 6، العدد 2 (2022).
محمّد، طاهر عوض عبد الحميد. "تنوّع الخطاب الصّوفيّ لدى ابن سبعين".
مجلّة كليّة دار العلوم بجامعة القاهرة. مج 39، العدد 139 (2022). ص 883-890.
المزيديّ، أحمد فريد. موسوعة مصطلحات عبد الحقّ ابن سبعين الأندلسيّ. بيروت: دار الكتب العلميّة، 2017.
نعامنة، محمود. بارانويا القصيدة العربيّة في القرون الوسطى: ابن الرّوميّ: أرق الماضي وأرق اللغة من المجاز إلى التصّوّف. عمّان: دار الشّروق، 2021.
________.
بين الشّيخ والمريد. النّاصرة: دار سهيل عيساوي للنّشر والتّوزيع، 2021.
________.
التصوّر الصّوفي الكوزموغوني لخلق
العالم:دراسة في مخطوط الكلام على المسائل الصقلية لابن سبعين. بيروت: دار الكتب العلميّة، 2023.
نوال، بلخضر. "التّصوّف وثوابت البعد الأخلاقي في الفلسفة الإسلاميّة: ابن سبعين أنموذجًا".
مجلّة الدّراسات الثّقافيّة واللّغويّة والفنيّة. العدد 1 (2018). ص 147- 165.
يونس، مواسيم وبلبشير عمر. "محن المتصوّفة: ابن سبعين ومحنته الصّوفيّة في المغرب والمشرق الإسلاميّين".
المجلة الجزائريّة للمخطوطات. مج 20، العدد 1 (2024). ص 126-133.
الأجنبية
Ansari, Abdul Haq. “Ibn Taymiyyah and sufism.”
Islamic Studies. vol. 24, no.1 (Spring 1985). pp. 1-12.
Arvide, S. Lusia.
Las Gustions Sicillians de Ibn Sabin (Granada: Grupo Editorial, 2009).
Algar, Hamid. “Ibn Sab‘in.”
Encyclopedia of Islam Three. Kate Fleet et al (ed.). Leiden: Brill Online, 2020.
Akasoy, Anna Ayşe. “Ibn Sab‘in’s ‘Sicilian Questions’: The Text, its Sources and their Historical Context.”
Al-Qantara. vol. 29, no. 1 (2008). pp. 115-146.
al-Baṣrī, Abū al-Ḥusayn.
Sufism, Black and White: A Critical Edition of Kitāb al-Bayāḍ wa-l-Sawād. Richard McGregor (ed.). Leiden/ Boston: Brill, 2012.
Chabbi, Jacqueline. “Ibn Sab‘in.” In: Salim Ayduz (ed.).
The Oxford Encyclopedia of Philosophy, Science, and Technology in Islam. vol. 1. Oxford: Oxford University Press, 2014.
Nasr, Seyyed Hossein.
Islamic Philosophy from Its Origin to the Present: Philosophy in the Land of Prophecy. Albany, NY: State University of New York Press, 2006.
Tymieniecka, Anna-Teresa.
Islamic Philosophy and Occidental Phenomenology in Dialogue. Dordrecht: Springer, 2011.
Urvoy, D. & M.-Th. Urvoy, “Les thèmes chrétiens chez Ibn Sab'īn et la question de la spécificité de sa pensée,”
Studia Islamica, no. 44 (1976). pp. 102-109.
Waines, David. “Ibn Sab‘in and the Andalusian Sufi Tradition.”
Journal of the Royal Asiatic Society. vol. 11, no. 3 (2001). pp. 99-122.
[1] أبو الوفا التّفتازانيّ،
ابن سبعين وفلسفته الصّوفيّة (بيروت: دار الكتاب اللّبنانيّ، 1973)، ص 30-32.
[2] المرجع نفسه، ص 30-32.
[3] المرجع نفسه، ص 72.
[4] آنخل بالنثيا،
تاريخ الفكر الأندلسيّ، ترجمة حسين مؤنس (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 1955)، ص 388.
[5] محمود نعامنة،
التّصوّر الصّوفيّ الكوزموغوني لخلق
العالم:دراسة في مخطوط الكلام على المسائل الصقلية لابن سبعين (بيروت: دار الكتب العلميّة، 2024).
[6] حاتم كعب، "الوحدة المطلقة في فلسفة ابن سبعين المرسي: قراءة في كتاب بد المعارف"،
مجلّة العمدة في اللسانيات وتحليل الخطاب، مج 6، العدد 2 (2022)، ص 669-678.
[7] عثر على عدّة مخطوطات للكتاب في مكتبات العالم الإسلامي والغربي، ومنها نسخة ولي الدّين جار الله، في المكتبة السّليمانيّة بإسطنبول، رقمها 1273، متوافر عنها صورة بمعهد إحياء المخطوطات العربيّة بالقاهرة، رقمها 62 من قسم التّصوّف والآداب الشّرعيّة؛ ونسخة في مكتبة برلين، رقمها 1744؛ ونسخة بغداد موجودة بإسطنبول، رقمها 823، فيها بعض الاختلاف عن النّسختين السّابقتين؛ ونسخة في مكتبة دار البلديّة في القاهرة، رقمها 2062، وتعود للقرن الثّامن الهجريّ؛ ونسخة موجودة في مكتبة كازاخستان. يُنظر: محمّد ياسر شرف،
فلسفة التّصوّف السّبعينيّ (دمشق: منشورات وزارة الثّقافة، 1990)، الفصل الثّاني. إذ يستعرض الباحث أعمال ابن سبعين المختلفة بين مخطوطة مُحقّقة ومخطوطة منسوبة.
[8] عبد الحق بن سبعين،
بدّ العارف، تحقيق وتقديم جورج كتوره (بيروت: دار الأندلس؛ دار الكندي، 1978).
[9] عبد الحقّ بن سبعين،
بدّ العارف وعقيدة المحقّق المقرّب الكاشف وطريق السّالك المُتبتّل العاكف، تحقيق فريد المزيدي (بيروت: دار الكتب العلميّة، 1974).
[10] شرف،
فلسفة التّصوّف السّبعينيّ.
[11] المرجع نفسه.
[12] عبد الحق ابن سبعين، "كتاب الإحاطة"، تحقيق عبد الرّحمن بدوي،
صحيفة المعهد المصريّ للدّراسات الإسلاميّة في مدريد، مج 6، العدد 1-2 (1958).
[13] عبد الحق ابن سبعين،
رسائل ابن سبعين، تحقيق أحمد فريد المزيدي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2007).
[14] عبد الحقّ ابن سبعين، "رسالة النّصيحة النّوريّة"، تحقيق عبد الرحمن بدوي،
صحيفة المعهد المصريّ للدّراسات الإسلاميّة في مدريد،
مج 4، العدد 1-2 (1956).
[15] وقد حقّق جميع هذه الرّسائل الباحث عبد الرّحمن بدوي. يُنظر: عبد الحق ابن سبعين،
رسائل ابن سبعين، حققه وقدم له عبد الرحمن بدوي (القاهرة: الدّار المصريّة للتّأليف والتّرجمة، 1965).
[16] ابن سبعين،
رسائل ابن سبعين، ص 289.
[17] Anna Ayşe Akasoy, “Ibn Sab‘in’s ‘Sicilian Questions’: The Text, its Sources and their Historical Context,”
Al-Qantara, vol. 29, no. 1 (2008), pp. 115-146.
[18] حول فريدريك الثاني وخلفيّته السّياسيّة والتّاريخيّة، يُنظر: محمّد فريد،
تاريخ الدّولة العليّة العثمانيّة (وندسور، المملكة المتّحدة: مؤسسة هنداوي، 2017).
[19] يسمّيها ابن سبعين في
الكلام على المسائل الصقلية "أسؤولات" واحدتها "أسؤولة"، وكلّ أسؤولة هي جدليّة فكريّة يطرحها الإمبراطور.
[20] Luisa María Arvide,
Las cuestiones sicilianas de Ibn Sabin (Granada: Grupo Editorial, 2009); Seyyed Hossein Nasr,
Islamic Philosophy from Its Origin to the Present: Philosophy in the Land of Prophecy (Albany, NY: State University of New York Press, 2006), pp. 156-158.
[21] عبد الحقّ ابن سبعين،
الكلام على المسائل الصقلية، تحقيق محمد شرف الدين يالتقايا (بيروت: المطبعة الكاثوليكيّة، 1941)، ص 262.
[22] التّفتازاني، مرجع سابق؛ أحمد فريد المزيدي،
موسوعة مصطلحات عبد الحقّ ابن سبعين الأندلسيّ (بيروت: دار الكتب العلميّة، 2017)؛ محمّد ياسر شرف،
الوحدة المطلقة عند ابن سبعين (بغداد: دار الرّشيد، 1981).
[23] Akasoy,
op. cit.
[24] قليلة هي الدّراسات التي تناولت فكر ابن سبعين، ويندر أن تكون هناك دراسات خاضت في فكر الرّسائل الصقلية. ومن بين هذه الدّراسات القليلة دراسة للباحث المصري نوفل جراد، تناول فيها موضوعات عدة عبر توجّهات "بحثيّة" مختلفة. يُنظر: نوفل جراد،
عبد الحقّ بن سبعين: آراؤه الفلسفيّة والكلاميّة - الرّسائل الصقليّة أنموذجًا (القاهرة: مركز نماء للبحوث والدّراسات، 2022).
[25] تنتمي فلسفة ابن سبعين الصّوفيّة إلى ما يُسمّيه فريق من الباحثين "الفكر الصّوفي المسريّ"، الذي يقدّم نفسه ليحاجج العلماء بالبراهين والإثباتات، وقد شاع من بين هذه الفلسفات فلسفة الأندلسيّين في التّصوّف، خصوصًا فلسفة ابن سبعين، حول الفكر الصّوفي "المسريّ" وصراع المدرسة "المسريّة" مع السّلطة السّياسيّة في الأندلس. محمّد الأمين بوحلوفة، "الفكر الصّوفيّ المسريّ وصراع مدرسة ألمرية مع السّلطة السّياسيّة في الأندلس والمغرب الأوسط"،
مجلّة العلوم الإنسانيّة، مج 5، العدد 1 (2015)، ص 45-69.
[26] حول إشكاليّة الأصالة في
الكلام على المسائل الصقلية لابن سبعين، يُنظر: باتريسيا سبالينو، "إشكاليّة الأصالة في المسائل الصقلية لابن سبعين"،
التّراث العربيّ، العدد 62 (1996)، ص 111-130.
[27] يرجع الإسهام الأكبر في الانفتاح على الفلسفة اليونانيّة الهلنستيّة بمحطّاتها المختلفة، اليونان والإسكندريّة، وفي الغرب والشّرق عمومًا، إلى الخلافة العبّاسيّة لا سيّما الخليفة المأمون الذي ازدهرت في فترة خلافته حركات التّرجمة والإقبال على مسائل العلم العالقة، فقد شرع الفلاسفة والعلماء العرب بتداول قضايا فكريّة مركّبة مثل كرويّة الأرض وقدم العالم. فريد، ص 24-26.
[28] يُنظر: نعامنة،
التّصوّر الصّوفيّ الكوزموغوني.
[29] شرف،
فلسفة التّصوّف السّبعينيّ، الفصل الثّاني.
[30] كتاب مذكور ضمن تحقيق عبد الرّحمن بدوي للرسائل.
[31] كتاب مذكور أيضًا ضمن تحقيق عبد الرّحمن بدوي للرسائل، ولا تتوفر أي معلومة عنه.
[32] أو "الحروف الوضعية في الصور الفلكيّة"، وهو مخطوط رقمه 2020، في دار الكتب المصريّة.
[33] كتاب مخطوط في مكتبة الرباط، ورقمه 471.
[34] كتاب مخطوط في مكتبة آصاف، ورقمه 109-802.
[35] كتاب مخطوط في مكتبة برلين، ورقمه 3654.
[36] كتاب مخطوط في المكتبة الوطنية في القاهرة، ورقمه 1634.
[37] حول الفكر الصّوفي "المسري" وصراع المدرسة "المسريّة" مع السّلطة السّياسيّة في الأندلس، يُنظر: بوحلوفة، ص 45-69.
[38] Alexander Fidora, “Ibn Sabʿīn and the Doctrine of al-Insan al-Kamil,” in: Richard McGregor (ed.),
Sufism, Black and White: A Critical Edition of Kitab al-Bayad wa-l-Sawad by Abu l-Husayn al-Basri (Leiden/Boston: Brill, 2012).
[39] David Waines, “Ibn Sabʿīn and the Andalusian Sufi Tradition,” Journal of the Royal Asiatic Society, vol .11, no. 3 (2001), pp. 283-298.
[40] شرف،
فلسفة التّصوّف السّبعينيّ، الفصل الثّاني.
[41] Abdul Haq Ansari, “Ibn Taymiyyah and Sufism,”
Islamic Studies, vol. 24, no.1 (Spring 1985), pp. 9-12.
[42] D. Urvoy & M.-Th. Urvoy, “Les thèmes chrétiens chez Ibn Sab'īn et la question de la spécificité de sa pensée,”
Studia Islamica, no. 44 (1976), pp. 102-109.
[43] Hamid Algar, “Ibn Sabʿīn,” Encyclopaedia of Islam, THREE, Kate Fleet et al. (eds.) (Leiden: Brill Online, 2022).
[44] مواسيم يونس وبلبشير عمر، "محن المتصوّفة: ابن سبعين ومحنته الصّوفيّة في المغرب والمشرق الإسلاميّين"،
المجلة الجزائريّة للمخطوطات،
مج 20، العدد 1 (2024).
[45] Jacqueline Chabbi, “Ibn Sab‘in,” in: Salim Ayduz (ed.),
The Oxford Encyclopedia of Philosophy, Science, and Technology in Islam, vol. 1 (Oxford: Oxford University Press, 2014).
[46] حول اللّغة وإشكالاتها في الطّرح الفكريّ الصّوفيّ عند ابن سبعين بشكل عام. محمّد ياسر شرف، "الكلمة عند ابن سبعين"،
التّراث العربيّ، العدد 10 (1983)، ص 167-176.
[47] شاعت في المدوّنات الصّوفيّة الكثيرة لدى متصوّفة العرب في القرون الوسطى فكرةُ كون اللّغة "قاصرة" في بعض "مواقف" التّصوّف. وقد سجّل هذا الخطاب التّاريخيّ الشّهير المتصوّف عبد الجبّار النّفريّ (ت. 354هـ/ 965م)، الذي أسّس لفكرة "كلّما اتّسعت الرّؤيا ضاقت العبارة"، ويظهر ذلك واضحًا في كتابَيه
المواقف والمخاطبات؛ إذ يفصّل النّفري الصّوفيّ وصول الفكرة الصّوفيّة إلى مدى تقف فيه اللّغة قاصرة عن التّعبير عن "زخم" تلك الفكرة. وهي الفكرة التي يمكن تسميتها بـ "اللّغة المتفجّرة". يُنظر: محمود نعامنة،
بارانويا القصيدة العربيّة في القرون الوسطى: ابن الرّوميّ، أرق الماضي وأرق اللغة من المجاز إلى التّصوّف (عمّان: دار الشّروق، 2021)؛ محمود نعامنة،
بين الشّيخ والمريد (النّاصرة: دار سهيل عيساوي للنّشر والتّوزيع، 2021).
وحول النّفريّ و"قصور اللّغة" يُنظر:
Ruzana Pskhu, “Poetic Expressions in Sufi Language Based on al-Niffary’s ‘Kitab Al-Mawaqif’,”
Islamic Philosophy and Occidental Phenomenology in
Dialogue, vol. 6 (2011), pp. 213-237.
[48] من المُمكن أن يكون جمهور "الخاصّة" من قرّاء هذه الرّسال في زمانها أكبر، وذلك انطلاقًا من رواج الفكر الصّوفيّ وأعلامه آنذاك. وإلى هذا يُعزى انصرافُ القارئ المعاصر عن النصّ الصوفيّ، وكونه مُتَابَعًا من قلّة من الباحثين.
[49] ارتكز الفكر التّصوّفي عند ابن سبعين على ثلاثة مكوّنات أساسيّة: الكتابة الصّوفيّة، والممارسة الرّوحيّة، والاصطلاح الأخلاقي. فإذا فهمنا الأولى وهي الفكر الصّوفيّ كالنّموذج في
الرّسائل
الصقلية وبدّ العارف وغيرها، وإذا فهمنا الثّانية وهي الممارسة الرّوحيّة الرّياضيّة من طقوس صوفيّة حركيّة فيزيائيّة مختلفة، بقيت الثّالثة التي تعني تعبيرًا يعقل ذاته، ويجعل الأخلاق موضوعًا للفلسفة "التي لا تملك ميراثًا علميًّا خاصًّا بها تكون عند ذاتها، وبالإمكان أن تصدر أحكامها الخاصّة بشكل مُستقيم، وإنّ هذا الوضع يصدق على الكيان الإنسانيّ والرّوح والعقل الواعي". يُنظر: شرف،
فلسفة التّصوّف السّبعينيّ؛ بلخضر نوال، "التّصوّف وثوابت البعد الأخلاقي في الفلسفة الإسلاميّة: ابن سبعين أنموذجًا"،
مجلّة الدّراسات الثّقافيّة واللّغويّة والفنيّة، العدد 1 (2018)، ص 147-165.
[50] شرف،
فلسفة التّصوّف السّبعينيّ، ص 57.
[51] يونس وعمر، ص 126-133.
[52] طاهر عوض عبد الحميد محمّد، "تنوّع الخطاب الصّوفيّ لدى ابن سبعين"،
مجلّة كليّة دار العلوم بجامعة القاهرة، مج 39، العدد 139 (2022)، ص 883-890.