تسجيل الدخول

الخصم الزائد

الموجز

الخصم الزائد هو نموذج سلوكي في الاقتصاد يصف ميل الأفراد إلى تفضيل المكافآت الصغيرة الفورية على المكافآت الأكبر المؤجلة، على نحو غير متسق زمنيًّا. ويتميز هذا النموذج بأن "معدل الخصم" يتناقص مع الزمن، بخلاف النموذج التقليدي القائم على "الخصم الأسّي" الذي يفترض ثبات معدل الخصم. ويُعدّ هذا المفهوم أحد الركائز الأساسية في الاقتصاد السلوكي، وعلم النفس المعرفي، إذ يقدم تفسيرًا علميًّا لظواهر بشرية معقدة، مثل الإدمان، والتسويف، وتأجيل القرارات، وضعف الادخار.

تعريفه

يفترض النموذج السائد في الاقتصاد أن البشر يتصرفون بوصفهم أفرادًا "عقلانيين" تمامًا، ومن ثمّ يوازنون بين المنافع الحالية والمستقبلية بمعدل ثابت. ومع ذلك، فقد أثبتت التجارب الواقعية أن قرارات الأفراد تعتمد على نحو كبير على "متى" ستحدث المكافأة[1]. ومن ثمّ، يأتي الخصم الزائد (Hyperbolic Discounting) بوصفه الانحياز المعرفي الذي يجعل الفرد يختار 50 دولارًا اليوم بدلًا من 100 دولار بعد عام، ولكنه يختار 100 دولار بعد ست سنوات بدلًا من 50 دولارًا بعد خمس سنوات، على الرغم من أن الفارق الزمني في الحالتين هو عام واحد.

 الجذور الفكرية

بدأت بذور فكرة الخصم الزائد مع عالم الاقتصاد يوجين فون بوم-بافيرك (Eugen Ritter von Böhm-Bawerk، 1851-1914) الذي أشار إلى أن الأفراد يُقيّمون السلع الحالية أكثر من المستقبلية، وهو ما سماه التفضيل الزمني (Time Preference). وقد جادل بوم-بافيرك بأن البشر يميلون إلى الإشباع الفوري، وأن هذا الميل الفطري هو ما يفسر نشوء سعر الفائدة في الاقتصاد[2]. وفي ستينيات القرن العشرين، قدم عالم النفس ريتشارد هيرنشتاين (Richard Herrnstein، 1930-1994)، من خلال تجاربه على السلوك، ما سُمّي قانون المطابقة (Matching Law). ولحظ هيرنشتاين أن الكائنات لا تتصرف وفق معادلات تعظيم المنفعة الثابتة، بل تُظهر حساسيةً كبيرة للتوقيت، إذ يكون للمكافآت القريبة أثرٌ أقوى بكثير من المكافآت البعيدة[3]، وهو ما مهد الطريق لتقويض فرضية معدل الخصم الثابت (Discount Rate)، وطرح فكرة أن التفضيلات الزمنية ليست ثابتةً كما تفترض النماذج التقليدية.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


ويعود الفضل في الصياغة العلمية لـلخصم الزائد، بوصفه بديلًا للنموذج الكلاسيكي للتفضيل في الاقتصاد، إلى جورج أينسلي (George Ainslie، 1944-) في عام 1975، فقد قدّم هذا النموذج ردًا على الخصم الأسي (Exponential Discounting) السائد في الاقتصاد التقليدي، وأثبت ظاهرة انعكاس التفضيلات (Preference Reversal)، ففي حين يفترض النموذج الأسّي أن الإنسان الاقتصادي {{الإنسان الاقتصادي: (Homo Economicus) هو مفهوم نظري في علم الاقتصاد، يصور الأفراد على أنهم فاعلون عقلانيون تمامًا، ومهتمون بمصالحهم الخاصة، ويسعون باستمرار إلى تعظيم المنفعة، في ظل توفر المعلومات الكاملة، واستقرار التفضيلات. ويُعدّ هذا المفهوم معيارًا تحليليًّا في النظرية الاقتصادية، على الرغم من أن الافتراضات السلوكية التي يقوم عليها غالبًا ما تُخضع للتحفظ أو الانتقاد في الأبحاث المعاصرة.}} يحافظ على ترتيب خياراته مهما اقترب الزمن، أظهر أينسلي أن الفرد يميل إلى تغيير رأيه واختيار المكافأة الأصغر والأقرب، بمجرد أن تصبح "متاحةً الآن"[4].

وفي مجال الاقتصاد السلوكي، لم يكتسب "الخصم الزائد" أهميةً باعتباره صقلًا وصفيًّا فحسب، بل باعتباره جسرًا يربط بين علم النفس والنظرية الاقتصادية. فقد أظهر نموذج البيض الذهبي (Golden Eggs)، على سبيل المثال الذي وضعه ديڤيد لايبسون، كيف يمكن للفاعلين الاقتصاديين المتحيزين للحاضر أن يسعوا على نحو عقلاني إلى عدم السيولة، أو تقنيات الالتزام الأخرى لضبط الاستهلاك المستقبلي، في حين أظهر تيد أودونوغو وماثيو رابين كيف أن التحيّز ذاته للحاضر يولد أنماطًا سلوكية متميزة، اعتمادًا على ما إذا كانت الإجراءات تنطوي على تكاليف فورية، أو مكافآت فورية، واعتمادًا على ما إذا كان الفاعلون متطورين أو ساذجين بشأن عدم اتساقهم المستقبلي[5]. ومن ثمّ، فإن هذا الموضوع محوري في التحليل الاقتصادي لأنه يحول الملاحظات السلوكية اليومية إلى إحصاءات مقارنة ومقترحات تتعلق بالرفاه. وهو مهم لصنع السياسات، لأنه يغير المؤسسات التي من المرجح أن تساعد الناس في تنفيذ خططهم طويلة الأجل. وهو مهم أيضًا للخطاب العام، لأنه يحول التفسير بعيدًا عن اللغة الأخلاقية البحتة، ونحو تفسير منظم لمشكلات ضبط النفس التي يمكن التنبؤ بها.

نماذج الخصم الزائد

من أجل فهمٍ أفضل للخصم الزائد، تنبغي مقارنته بالنموذج التقليدي في الاقتصاد القياسي، وهو الخصم الأسّي (Exponential Discounting) الذي يفترض أن الشخص يخصم القيمة المستقبلية بنسبة ثابتة (مثلًا 10 في المئة كل شهر). ويحافظ هذا النموذج بذلك على الاتساق الزمني (Time Consistency)؛ فإذا فضّل الشخص الخيار (أ) على الخيار (ب) اليوم، فإنه سيظل محافظًا على هذا التفضيل في أي وقتٍ آخر في المستقبل، ما دام الفارق الزمني بين الخيارين ثابتًا. في المقابل، يفترض الخصم الزائد أن معدل الخصم يتناقص مع الزمن، فوفقًا لهذا النموذج تنخفض قيمة المكافأة بسرعةٍ كبيرة عندما يكون موعدها وشيكًا (في المدى القصير جدًا). لكن بمجرد أن تبتعد المكافأة في المستقبل، يصبح انخفاض القيمة أبطأ بكثير[6].

ولتبسيط التعقيدات الرياضية لهذه النمذجة الاقتصادية، اقترح ليبسون نموذج الخصم شبه الزائد (Quasi-Hyperbolic Discounting)، أو ما يُسمّى نموذج "بيتا-دلتا" (Beta-Delta). وفي هذا النموذج، يُمثَّل الانحياز للحاضر (Present Bias) بمعامل يمنح وزنًا منخفضًا لأي مكافأة لا تحدث "الآن"، في حين تتبع المكافآت المستقبلية خصمًا أسّيًّا منتظمًا. وبعبارة أخرى، يرى ليبسون أن البشر يخصمون المستقبل لأنهم يريدون الإشباع الفوري (Instant Gratification)، ولكنهم يخططون للمستقبل البعيد بعقلانية "أُسيّة" نسبيًّا[7].

الآليات النفسية والعصبية

يفسر بعض علماء الأعصاب الخصم الزائد بوجود صراعٍ وتفاعلٍ بين نظامين وظيفيين في الدماغ، وهو ما يُعرف بـنموذج النظام المزدوج (Dual-System Model):

  1. النظام الأول هو نظام الجهاز الحوفي (Limbic System)، وهو نظام بدائي تطوريًّا، وحساس جدًا للمكافآت الفورية والملموسة، ويعمل وفق مبدأ اللذة والإشباع الفوري.
  2. النظام الثاني هو نظام القشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex)، وهي المسؤولة عن الوظائف التنفيذية، والتفكير، والمنطق، وتقييم المنافع المستقبلية بعيدة المدى[8].

ويُعدّ الانحياز للحاضر المظهر السلوكي لهذا الصراع، إذ يمنح الفرد وزنًا أكبر لكل ما هو آني، وهو ما يجعل الأهداف المستقبلية تبدو مجردة، وغير محفّزة، مقارنةً بتلك بالفورية.

التطبيقات العملية

يفسِّر الخصم الزائد سبب فشل كثير من الأفراد في الادخار للتقاعد على الرغم من إدراكهم لأهميته، إذ يميلون إلى تفضيل الاستهلاك الفوري على المنافع المستقبلية، بسبب الانحياز للحاضر، وعدم الاتساق الزمني (Time Inconsistency) في التفضيلات. وفي هذا السياق، طوّر ريتشارد ثالر وشلومو بينارتزي برنامج "ادّخر أكثر غدًا" (Save More Tomorrow, SMarT) الذي يعتمد على دفع الناس للالتزام بالادخار من الزيادات المستقبلية في الراتب. وتعتمد هذه الآلية على أن الخصم الزائد يجعل تقليل الدخل في المستقبل أقل إيلامًا من تقليله في الحاضر، وهو ما يعزز قبول الأفراد للادخار المؤجل، ويؤدي إلى تحسين سلوكهم الادخاري على نحوٍ ملحوظ[9].

ولهذا المفهوم تطبيقات في سياق التسويق والتمويل الاستهلاكي. ففي قرارات الشراء بالتقسيط، يميل المستهلكون إلى تفضيل الحصول الفوري على السلعة، مع توزيع التكلفة على أقساط مستقبلية. تبرز هذه الظاهرة أيضًا في استراتيجيات "اشترِ الآن وادفع لاحقًا" التي تؤدي إلى تشجيع الشراء الفوري، أو الاندفاعي عبر تقديم إشباع فوري، مع تأجيل "ألم" الدفع إلى المستقبل. وكذلك الحال في الإعلانات التي تركز على المكافأة الفورية، مثل الهدايا الفورية، والخصومات اللحظية.

كذلك يُعدّ الخصم الزائد ركيزةً في مجالات غير اقتصادية أخرى. فبالنسبة إلى فهم الإدمان، على سبيل المثال، يرى المدمن أن لذة الجرعة الآن تفوق بمراحل الآثار المدمّرة في الصحة المستقبلية. ويفسر الخصم الزائد السمنة أيضًا، إذ تغلب لذة الطعام الحالي على هدف الرشاقة بعد أشهر[10]. وكذلك الحال في تفسير ظاهرة المماطلة، أو التسويف (Procrastination)، فعند تأجيل عملٍ مهم، يختار الفرد المكافأة الفورية للراحة على حساب المكافأة الآجلة للنجاح. ويخطط الفرد للعمل غدًا لأن الغد بعيد بما يكفي ليكون منطقيًّا، ولكن عندما يأتي الغد، يتدخل الخصم الزائد ليفضل الراحة مرة أخرى.

الانتقادات

واجهت النظرية انتقادات أثرت في التعقيد الرياضي، إذ يُجادل البعض بأن الخصم الحاد ليس دائمًا خطأ أو انحيازًا، بل هو في الواقع تكيّف مع البيئة الطبيعية، إذ إن الحيوانات والبشر الأوائل الذين انتظروا مكافآت آجلة في بيئة مليئة بالمخاطر غالبًا ما انتهى بهم الأمر بلا شيء، ولذا فإنّ الخصم الزائد هو استجابة عقلانية لعدم اليقين البيئي[11].

المراجع

Ainslie, George. “Specious Reward: A Behavioral Theory of Impulsiveness and Impulse Control.” Psychological Bulletin. vol. 82, no. 4 (1975). pp. 463-496.

Bickel, Warren K. & Lisa A. Marsch. “Toward a Behavioral Economic Understanding of Drug Dependence: Delay Discounting Processes.” Addiction. vol. 96, no. 1 (2001). pp. 73-86.

Böhm-Bawerk, Eugen von. The Positive Theory of Capital. William Smart (trans.). London: Macmillan and Co. 1891.

Herrnstein, Richard J. "Relative and Absolute Strength of Response as a Function of Frequency of Reinforcement." Journal of the Experimental Analysis of Behavior. vol. 4, no. 3 (1961). pp. 267-272.

Laibson, David. “Golden Eggs and Hyperbolic Discounting.” The Quarterly Journal of Economics. vol. 112, no. 2 (1997). pp. 443-478.

Commons, Michael L. et al. (eds.). The Effect of Delay and of Intervening Events on Reinforcement Value, Quantitative Analyses of Behavior. Hillsdale, NJ: Lawrence Erlbaum Associates. 1987.

McClure, Samuel M. et al. “Separate Neural Systems Value Immediate and Delayed Monetary Rewards.” Science. vol. 306, no. 5695 (2004). pp. 503-507.

O’Donoghue, Ted & Matthew Rabin. “Doing It Now or Later.” American Economic Review. vol. 89, no. 1 (1999). pp. 103-124.

Stephens, David W. “Decision Ecology: Foraging and the Ecology of Animal Decision Making.” Cognitive, Affective, & Behavioral Neuroscience. vol. 8, no. 4 (2008). pp. 475-484.

Thaler, Richard H. & Shlomo Benartzi. “Save more tomorrow™: Using behavioral economics to increase employee saving.” Journal of Political Economy. vol. 112, no. S1 (2004). pp. S164-S187.

[1] David Laibson, “Golden Eggs and Hyperbolic Discounting,” The Quarterly Journal of Economics, vol. 112, no. 2 (1997), pp. 443-478.

[2] Eugen von Böhm-Bawerk, The Positive Theory of Capital, William Smart (trans.) (London: Macmillan and Co., 1891).

[3] Richard J. Herrnstein, "Relative and Absolute Strength of Response as a Function of Frequency of Reinforcement," Journal of the Experimental Analysis of Behavior, vol. 4, no. 3 (1961), pp. 267-272.

[4] George Ainslie, “Specious Reward: A Behavioral Theory of Impulsiveness and Impulse Control,” Psychological Bulletin, vol. 82, no. 4 (1975), p. 463.

[5] Laibson, pp. 444-446, 449-450; Ted O’Donoghue & Matthew Rabin, “Doing It Now or Later,” American Economic Review, vol. 89, no. 1 (1999), pp. 103-105.

[6] James E. Mazur, “An Adjusting Procedure for Studying Delayed Reinforcement,” in: Michael L. Commons et al. (eds.), The Effect of Delay and of Intervening Events on Reinforcement Value, Quantitative Analyses of Behavior, vol. 5. (Hillsdale, NJ: Lawrence Erlbaum Associates, 1987), pp. 55-73.

[7] Laibson, op. cit.

[8] Samuel M. McClure et al., “Separate Neural Systems Value Immediate and Delayed Monetary Rewards,” Science, vol. 306, no. 5695 (2004), pp. 503-507.

[9] Richard H. Thaler & Shlomo Benartzi, “Save more tomorrow™: Using behavioral economics to increase employee saving,” Journal of Political Economy, vol. 112, no. S1 (2004), pp. S164-S187.

[10] Warren K. Bickel & Lisa A. Marsch, “Toward a Behavioral Economic Understanding of Drug Dependence: Delay Discounting Processes,” Addiction, vol. 96, no. 1 (2001), pp. 73-86.

[11] David W. Stephens, “Decision Ecology: Foraging and the Ecology of Animal Decision Making,” Cognitive, Affective, & Behavioral Neuroscience, vol. 8, no. 4 (2008), pp. 475-484.

المحتويات

الهوامش