تسجيل الدخول

تنميط مستضدات الكريات البيضاء البشرية

(HLA Typing)



حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.



الموجز

تنميط مستضدات الكريات البيضاء البشرية (Human Leukocyte Antigen Typing - HLA Typing)، من الركائز الأساسية في علم المناعة (Immunology) والطب السريري (Clinical Medicine)، لا سيما في مجال زراعة الأعضاء والخلايا الجذعية.

يُعد هذا النظام الجيني المعقَّد، الذي يضم معقد التوافق النسيجي الرئيس (Major Histocompatibility Complex - MHC)، من أكثر المناطق الجينية تباينًا وتنوعًا في الجينوم البشري {{الجينوم البشري: المجموع الكامل للمادة الوراثية (DNA) الموجودة في خلايا الإنسان. ويمتلك الإنسان نحو 20,000 إلى 25,000 جين.}}، ويؤدي دورًا حاسمًا في قدرة الجسم على التمييز بين الأعضاء والخلايا التي من الجسم نفسه والأعضاء والخلايا الغريبة عنه.

يمثل فهم تنميط HLA وتطوره التقني مفتاحًا لتحسين نتائج عمليات زرع الأعضاء وعلاج العديد من الأمراض المناعية، ما يجعله مجالًا حيويًا للبحث والتطبيق السريري.

تعريف التقنية والمفهوم البيولوجي

يُعد تنميط HLA تقنيةً مخبرية متخصصة تهدف إلى تحديد الأليلات {{الأليلات: (Alleles) نسخ مختلفة من الجين الواحد يرثها الشخص من الأب والأم، بحيث تسهم كل نسخة منها في تحديد شكل أو صفة معينة، مثل لون العين أو نوع الشعر.}} المُحدِّدة لجينات HLA التي يحملها الفرد، وتُشفِّر هذه الجيناتُ الموجودةُ على الذراع القصير للكروموسوم السادس {{الذراع القصير للكروموسوم السادس: (6p) هو ذراع قصير (p-arm) للكروموسوم السادس. والكروموسوم السادس هو واحد من الكروموسومات البشرية الـ 23 التي تحتوي على معظم جينات الجهاز المناعي في خلايا الجسم.}} مجموعةً من البروتينات السكرية المعقّدة، التي تنقسم إلى فئتين رئيستين[1]:

  1. الفئة الأولى (HLA-A,B,C) التي تظهر على سطح معظم الخلايا ذات النواة في الجسم.
  2. الفئة الثانية (HLA-DR, DQ, DP) التي تعبر بعضُ الخلايا المناعية المتخصصة عنها، مثل الخلايا المناعية المقدمة للمستضد التي تتصدى للأجسام الغريبة التي تدخل الجسم.

تكمن الوظيفة الأساسية لبروتينات إذ قد يسبب وجود أي عدم توافق استجابة مناعية عنيفة ينتج عنها رفض الطعم المزروع.

تاريخ تقنية تنميط HLA

بدأت قصة اكتشاف مستضدات الكريات البيضاء في منتصف القرن العشرين، متأثرةً بالتجارب على الفئران التي أدت إلى اكتشاف نظام التوافق النسيجي الرئيس لديها. ففي عام 1958، لاحظ العلماء للمرة الأولى وجودَ جزيئات مميزة على سطح خلايا الدم البيضاء، عُرفت لاحقًا باسم "مستضدات HLA"، وكان العالِم جان دوسيه {{جان دوسيه: (Jean Dausset، 1916-2009) عالم فرنسي في علم الوراثة وعلم المناعة، اشتُهر لاكتشافه نظام HLA، الذي يشكل جزءًا أساسيًا من الجهاز المناعي. أسهم هذا الاكتشاف في فهم كيفية تمييز الجهاز المناعي بين "الذات" و"الغير"، وكان له تأثير كبير في مجال زراعة الأعضاء وفهم الرفض المناعي.}} أولَ من اكتشف هذه المستضدات خلال دراسته لعينات دم من مرضى خضعوا لعمليات نقل دم متعددة، إذ لاحظ تفاعلات مناعية معقدة ناجمة عن وجود أجسام مضادة متباينة، وكان من الصعب عليه تحديد هذه المستضدات بدقة. لكن في العام نفسه، أحرز العالِمان روز باين {{روز باين: (Rose Payne، 1909-1999) عالِمة أميركية في مجال علم المناعة الوراثي. اشتُهرت بأبحاثها عن نظام HLA ودوره في التوافق النسيجي وزراعة الأعضاء. أسهمت في تطوير طرق تحديد أنماط HLA الوراثية، ما ساعد على تحسين مطابقة المتبرِّعين بالمتلقّين وتقليل خطر رفض الأعضاء المزروعة. كان لأعمالها دور مهم في فهم العلاقة بين العوامل الوراثية والاستجابة المناعية وبعض الأمراض المناعية.}} وجون فانرود {{جون فان رود: (Jon J. van Rood، 1926-2017) عالم مناعة هولندي، من رواد مجال علم التوافق النسيجي (Histocompatibility). أسهم بشكل كبير في فهم نظام HLA ودوره في زراعة الأعضاء ونقل الدم، وكان من أوائل مَن أكدوا على أهمية مطابقة الأنسجة وراثيًا لتقليل خطر رفض الطُّعوم. أنشأ المؤسسة الأوروبية لزراعة الأعضاء" (Eurotransplant) التي تنسّق توزيع الأعضاء بين عدة دول أوروبية لضمان أفضل تطابُق ممكن بين المتبرِّعين والمتلقّين. أسهمت أبحاثه في تطوير بنوك المتبرعين وقواعد البيانات المناعية.}} تقدُّمًا في الكشف عن طبيعة هذه المستضدات، عندما استخدما أمصالَ نساءٍ أنجبْن عدةَ أطفال. إذ احتوت تلك الأمصال على أجسام مضادة نوعية وفعالة ضد مستضدات ورِثَها الأجنة من آبائهم. 

أتاحت هذه الاكتشافات التعرف إلى أولى أنماط مستضدات HLA بشكل أكثر وضوحًا ودقة. وفي ستينيات القرن العشرين، طوّر العلماء اختبارَ السُّمِّيَّة المعتمد على المتمم (Complement-Dependent Cytotoxicity - CDC)، وهو اختبار تُخلط به كريات الدم البيضاء مع أمصال تحتوي على أجسام مضادة، وإذا كانت هناك مستضدات معينة على سطح كرية الدم البيضاء، سيحدث تفاعل يؤدي إلى موت الخلية. ساعد هذا التفاعلُ العلماءَ على تحديد المستضدات من خلال ملاحظة تفاعُل الأجسام المضادة مع خلايا الدم البيضاء وموتها عند تطابق المستضدات مع الأجسام المضادة في المصل، وأصبح هذا الاختبار المعيار الأساسي لتنميط HLA لأكثر من عقدين من الزمن، فمثَّلَ نقلة نوعية في علم التوافق النسيجي[2].

شهد مجال تنميط HLA تقدمًا جذريًا مع التقدم الكبير في علوم البيولوجيا الجزيئية، فانتقل من الأساليب التقليدية إلى التقنيات المعتمدة على تحليل الحمض النووي، التي وفّرت دقة غير مسبوقة في الاختبار وقدرة على تحديد الأليلات بشكل نوعي. من أبرز هذه التقنيات تفاعل البوليميراز المتسلسل المعتمد على البادئات النوعية (PCR-SSP) والتهجين باستخدام المجسات النوعية (PCR-SSOP)، إذ مكّنت هاتان التقنيتان من الكشف الدقيق عن التباينات الجينية بين الأفراد. وقد أتاح ظهور التنميط المعتمد على تسلسل الحمض النووي (Sequence-Based Typing - SBT) خطوةً متقدمة في التنميط المناعي، إذ أتاح السَّلْسَلة المباشرة لجينات HLA، ما أدى إلى تحسين دقة التحليل الجيني بشكل كبير وتقليل حالات عدم القدرة على تحديد الأليلات إلى الحد الأدنى[3].

مبدأ عمل تنميط HLA

تُعد السَّلْسَلة بالجيل التالي (Next-Generation Sequencing - NGS) المعيارَ الذهبي لتنميط HLA عالي الدقة (High Resolution)، إذ يعتمد مبدأ عمل تقنية السَّلْسَلة على تحديد تسلسل ملايين الأجزاء من الـ DNA في وقت واحد، ما يسمح بالحصول على قراءة كاملة وواضحة لجينات HLA. وهذه التقنية تحل مشكلة الحالات المجهولة التي كانت شائعة في الطرق القديمة للتنميط، إذ يمكنها التفريق بين الأليلات التي تشفّر البروتين نفسه، ولكن تختلف في تسلسلها الجيني. وتوفّر تقنيةُ السَّلْسَلة تفاصيلَ غير مسبوقة عن التباين الجيني، ما يرفع من مستوى التوافق النسيجي المطلوب لنجاح عمليات زرع الأعضاء ونقل الدم.

استخدامات تنميط HLA

لتنميط HLA عدةُ استخدامات، لكن تتركز معظمها بشكل أساسي في المجالات التي تتطلب توافقًا مناعيًا دقيقًا، مثل[4]:

زراعة الخلايا الجذعية المكونة للدم (HSCT)

يُعد هذا المجالُ التطبيقَ الأهم لتنميط HLA، فالتوافق الكامل أو شبه الكامل في أليلات HLA بين المتبرع والمستقبل هو العامل الأكثر حسمًا لنجاح العملية. إذ يقلل التنميط الدقيق بشكل كبير من خطر رفض الطُّعم (Graft Rejection) ومرض تضاد الطُّعم والمضيف (Graft-versus-Host Disease - GvHD) الحاد والمزمن.

زراعة الأعضاء الصلبة

على الرغم من أن التوافق في HLA لزراعة الأعضاء الصلبة لا يكون بالأهمية نفسها كما في زراعة الخلايا الجذعية المكونة للدم، لكنه مهم. ففي زراعة الكلى، مثلًا، يساعد التنميط عالي الدقة في تقييم وجود الأجسام المضادة الخاصة بالمتبرع (Donor-Specific Antibodies - DSA) بدقة، ما يؤثر في قرار الزرع واستراتيجية تثبيط المناعة[5].

دراسة الأمراض المناعية

يرتبط العديد من أمراض المناعة الذاتية باختلاف أليلات HLA محددة عند الشخص نفسه، فيهاجم الجهازُ المناعي للشخص خلاياه. مثلًا: يرتبط أليل 27HLA-B بـالتهاب الفقار اللاصق {{التهاب الفقار اللاصق: Ankylosing Spondylitis)) مرض مناعي ذاتي مزمن يصيب بشكل رئيس العمودَ الفقري والمفاصل العجزية الحرقفية، ويسبب التهابًا تدريجيًا يؤدي إلى تيبُّس وألَم في أسفل الظهر، خاصة في الصباح أو بعد الراحة. مع الوقت قد يحدث التحام بين الفقرات (Ankylosis)، ما يقلل مرونة العمود الفقري. يرتبط المرض وراثيًا بوجود الجين HLA-B27، وليس له علاج شافٍ، لكن يمكن السيطرة عليه باستخدام مضادات الالتهاب غير الستيرويدية، والأدوية البيولوجية (مثل مثبطات TNF)، والعلاج الطبيعي للحفاظ على الحركة ومنع المضاعفات.}}، بينما ترتبط أليلات معينة من HLA-DR وHLA-DQ بـمرض السكري من النوع الأول (Type-1 Diabetes).

علم الأدوية الجيني (Pharmacogenomics)

ترتبط بعض أليلات HLA بفرط الحساسية لبعض الأدوية، ما يجعل التنميط ضروريًا قبل وصف الدواء، ما يساعد في فهم الآليات المرضية وتحديد الدواء الأنسب لكل شخص حسب تركيبته الجينية. من أشهر الأمثلة على إسهام تنميط HLA في هذا المجال إنقاذُ حياة مرضى الإيدز من فرط الحساسية الدوائية، إذ تشكّل تفاعلات فرط الحساسية الدوائية تحديًا خطِرًا يهدّد حياة المرضى، خاصةً في علاج فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، إذ كان دواء أباكافير (Abacavir)، الأساسيُّ في العلاج، يسبب تفاعلات فرط حساسية حادةً ومميتة لدى نحو 5 في المئة من المرضى. وتبيَّن أن هذا التفاعل مرتبط بشكل وثيق بوجود الأليل HLA-B57:01؛ فبدلًا من المخاطرة بحياة المريض، أصبح بالإمكان إجراء هذا الاختبار قبل العلاج، ما أدى إلى القضاء شبه التام على تفاعلات فرط الحساسية التي يسببها الأباكافير، وحوَّل تنميط HLA من أداة تشخيصية إلى استراتيجية وقائية منقذة للحياة[6].

المراجع

Choi, Haeyoun et al. “A walk through the development of human leukocyte antigen typing: From serologic techniques to next-generation sequencing.” Clinical Transplantation and Research. vol. 38, no. 4 (2024). pp. 294-308.

Bodmer, Walter. “A historical perspective on HLA.” Immunotherapy Advances. vol. 3, no. 1 (2023).

Geo, Jeethu Anu et al. “Advancements in HLA typing techniques and their impact on transplantation medicine.” Medical Principles and Practice. vol. 33, no. 3 (2024). pp. 215-231.

Liu, Bingnan, Yuanyuan Shao & Rong Fu. “Current research status of HLA in immune‐related diseases.” Immunity, Inflammation and Disease. vol. 9, no. 2 (2021). pp. 340-350.

Liu, Siqi et al. “Biological characteristics of HLA-G and its role in solid organ transplantation.” Frontiers in Immunology. vol. 13 (2022). p. 902093.

Sooda, Anuradha et al. “Abacavir inhibits but does not cause self-reactivity to HLA-B* 57: 01-restricted EBV specific T cell receptors.” Communications biology. vol. 5, no. 1 (2022). p. 133.

[1] Haeyoun Choi et al., “A walk through the development of human leukocyte antigen typing: From serologic techniques to next-generation sequencing,” Clinical Transplantation and Research, vol. 38, no. 4 (2024), pp. 294-308.

[2] Walter Bodmer, “A historical perspective on HLA,” Immunotherapy Advances, vol. 3, no. 1 (2023).

[3] Jeethu Anu Geo et al., “Advancements in HLA typing techniques and their impact on transplantation medicine,” Medical Principles and Practice, vol. 33, no. 3 (2024), pp. 215-231.

[4] Bingnan Liu, Yuanyuan Shao & Rong Fu, “Current research status of HLA in immune‐related diseases,” Immunity, Inflammation and Disease, vol. 9, no. 2 (2021), pp. 340-350.

[5] Siqi Liu et al., “Biological characteristics of HLA-G and its role in solid organ transplantation,” Frontiers in Immunology, vol. 13 (2022), p. 902093.

[6] Anuradha Sooda et al., “Abacavir inhibits but does not cause self-reactivity to HLA-B* 57: 01-restricted EBV specific T cell receptors,” Communications biology, vol. 5, no. 1 (2022), p. 133.


المحتويات

الهوامش