الموجز
هيو ماكول (Hugh MacColl، 1837-1909) عالم منطق ورياضيات إسكتلندي، يُعدّ من أبرز المناطقة الذين كان لهم أثر في تطوير المنطق الرمزي والمنطق المعياري في العصر الحديث.
أسهم ماكول في النقاشات المنطقية في عصره من خلال أبحاث ودراسات نشرها في عدد من الدوريات العلمية، من بينها، دورية الأزمنة التعليمية Educational Times. وتمحور مشروعه المنطقي المركزي على تحوير الاستدلال المنطقي ونقله من صورته اللغوية الخالصة إلى جعله ضربًا من النسق المنطقي الرمزي الضابط للعلاقات الجامعة بين القضايا المنطقية، مُركزًا في الوقت نفسه على حساب القضايا وتشييد مقياس موضوعي للاستلزام.
وفي نظريته المتعلقة باللزوم المنطقي، رفض ماكول اختزال العلاقات الشرطية في المنطق في مجرد قضايا صدق مادي فقط، فعمل على تشييد استلزام ينبني على معيار الضرورة والاستحالة. فكان هذا الطرح بداية ما صار يُنعت لاحقًا بـ"الاستلزام الصارم"، فاتحًا المجال بذلك نحو أفق جديد للمنطق الموجه الحديث.
وكان لأفكار ماكول المنطقية تأثير في التقاليد المرتبطة بجبر المنطق، ولا سيما عند أرنست شرودر (Ernst Schröder، 1841-1902). كما دخل في نقاشات مع عدد من الفلاسفة والمناطقة في عصره، من بينهم برتراند راسل (Bertrand Russell، 1872- 1970) ، الذي ناقشه في مفهوم الاستلزام، وقد ظهر جانب من هذا النقاش في أبحاث نُشرت في دورية الذهن.
حياته الشخصية والمهنية
وُلد هيو ماكول في مدينة سترونتيان (Strontian) التابعة لمقاطعة أرغيلشاير (Argyllshire) بإسكتلندا. وكان أصغر أبناء جون ماكول (John MacColl، 1795- 1840). تُوفّي والده حين كان في الثالثة من عمره، فتولى شقيقه الأكبر رعايته والإشراف على تعليمه في مرحلتيه الابتدائية والثانوية. بدأ ماكول مسيرته في التدريس في بريطانيا بين عامي 1858 -1859، ثم انتقل إلى فرنسا عام 1865، واستقر في مدينة بولون-سور-مير (Boulogne-sur-Mer)، التي أقام فيها حتى وفاته. وعمل هناك مدرسًا في المدرسة البلدية (Collège Communal)، إلى جانب تقديم دروس خصوصية للطلاب.
وعلى الرغم من أن ماكول لم يشغل منصبًا جامعيًا، فقد حافظ على حضور فاعل في الأوساط العلمية من خلال إسهاماته المنطقية والرياضية التي كان يُرسلها من مدينة بولون إلى عدد من الدوريات والمنابر العلمية البريطانية، وفي مقدمتها قسم الرياضيات في دورية الأزمنة التعليمية Educational Times؛ وبرسائله ونقاشاته العميقة مع أعلام المنطق في زمانه، ومن أهمها ما كان مع الفيلسوف وعالم الرياضيات برتراند راسل، وذلك قبل وفاته بمدة قصيرة[1].
أبرز أعماله وكتاباته
ترك هيو ماكول عددًا من الأعمال المنطقية والفلسفية التي كان لها تأثير في تطوير المنطق الرمزي والمنطق المعياري، ومنها:
- حساب العبارات المتكافئة وتخوم التكامل[2]The Calculus of Equivalent Statements and Integration Limits (1877).
- حساب العبارات المتكافئة وتخوم التكامل (الجزء 2) The Calculus of Equivalent Statements (II) (1877).
- لغة رمزية أو مُختزلة مع تطبيق على الاحتمال الرياضي[3] Symbolical or Abbreviated Language, with an Application to Mathematical Probability (1877).
- اللغة الرمزية (رقم 2)[4]Symbolical Language (no. 2) (1877).
- حساب العبارات المتكافئة وتخوم التكامل (الجزء 3)[5]The Calculus of Equivalent Statements (III) (1878).
- رزمة أوراق السيد سترينجر المختومة[6] Stranger’s Sealed Packet (1889).
- إدنور ويتلوك[7]Ednor Whitlock (1891).
- الاستدلال الرمزي (السادس)[8] Symbolic Reasoning (VI) (1905).
- المنطق الرمزي وتطبيقاته Symbolic Logic and Its Applications (1906).
- الاستدلال الرمزي (الثامن)[9] Symbolic Reasoning (VIII) (1906).
- أصل الإنسان ومصيره وواجبه[10]Man’s Origin, Destiny, and Duty (1909).
المنطق الرمزي وحساب القضايا
صفحة عنوان كتاب أصل الإنسان ومصيره وواجبه، لهيو ماكول (1909).
غلاف كتاب المنطق الرمزي وتطبيقاته (Symbolic Logic and Its Applications)، لهيو ماكول، الصادر عام 1906.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يُعد مشروع ماكول في ميدان المنطق الرمزي (Symbolic Logic) من أبرز الإسهامات المُبكرة في الانتقال بالاستدلال من صورته اللغوية والبلاغية إلى ضرب من النسقية المنطقية التي تُرتهن فيها صدقية البراهين والحجج بانتظام العلاقات القائمة بين القضايا المنطقية. وهذا ما مثّلته أعمال ماكول عمومًا، ولا سيما كتابه المنطق الرمزي وتطبيقاته (1906)، إذ تعامل مع القضايا المنطقية بوصفها وحدات قابلة للقياس، وطور لغة رمزية تُجري على العبارات المنطقية عمليات تماثل تلك التي تتم في علم الجبر، من حيث ضبط الروابط وتعيين البنيات وتقصّي نتائجها بناءً على ضوابط صريحة.
ولم يقتصر حساب القضايا عند ماكول على تقنين ضروب القياس أو تصنيف الحجج والبراهين، بل اتجه نحو بناء معيار موضوعي للاستلزام المنطقي، من خلال تصوير الروابط الاقترانية والروابط الشرطية والنفي في صيغٍ رمزية تُبيّن ما يبقى غامضًا في اللغة العادية، من حيث النظر في مدى استتباع النتيجة من المقدمات، والنظر في الحالة التي يكون فيها الانتقال مجرد التباس من ناحية الدلالة أو مجرد خدعة لغوية.
وتتجلى أهمية المشروع المنطقي لماكول في إظهاره وعيًا دقيقًا بأن عملية تحديث المنطق لا تتعلق بإضافة رموز جديدة ووضعها فحسب، وإنما بالسعي نحو إعادة تنظيم هيكل الاستدلال أيضًا، فتصبح هذه البنية قابلة للتعميم والتدقيق والفحص. وهو ما يضع ماكول في سياق الإرهاصات التي سهلت الطريق نحو بلورة منطق القضايا في صورته الحديثة، وذلك قبل إتمام صيغته المعيارية التي عُرف بها في القرن العشرين[11].
نظرية الاستلزام واللزوم المنطقي
تقوم نظرية الاستلزام واللزوم المنطقي عند ماكول على اختزال العلاقة المنطقية: "إذا...فـ" في مجرد علاقة وظيفية وصدقية، وعلى السعي إلى جعل اللزوم المنطقي رابطة متواشجة مع الاستدلال، فيكون [أ] يستلزم [ب]، بمعنى أن [ب] تلزم عن [أ] لزومًا منطقيًا. ولم يكن ماكول يبتغي من وراء هذا الاستلزام أن جملة: "إذا (أ) فـ (ب)" تكون صادقة تلقائيًا لمجرد كون (أ) كاذبًا أو لأن (ب) صادق، لأن هذا الأمر لا يُعدّ كافيًا لجعل هذه العلاقة علاقة منطقية.
على هذا الأساس، عمد ماكول إلى تشييد الاستلزام في جوهر منطقه، وربطه بمعيار الاستحالة والضرورة (necessity /impossibility)، فلا يُقال إن (أ) تستلزم (ب) إلا إذا كانت (ب) تنبني تراتبيًا وبطريقة برهانية على (أ)، فيكون من المستحيل الإقرار بقبول (أ) ثم رفض (ب). وبناءً على ذلك، عُدّ تصوره إرهاصًا مبكّرًا لما نُعت فيما بعد بالاستلزام الصارم (strict implication)، إذ سعى إلى وضع ضوابط تثبِّت ضمن النسق الرمزي معنى "يتبع من" (follows from) بوصفه رابطة استدلال حقيقية، وليست مجرد صيغة شرطية تتمخض عنها نتائج مفارقة للحدس بلغة ضوابط الشرط المادي (material implication)[12].
أفق المنطق الموجَّه الحديث ومقولتي الإمكان والضرورة
يتجلى أفق المنطق الموجّه (Modal Logic) عند ماكول في انتقاله من كونه تقويمًا للقضايا المنطقية بوصفها صادقة أو كاذبة إلى منحى تمحيص مرتبتها من ناحية الضرورة (Necessity) والإمكان (Possibility) والاستحالة (Impossibility). فالقضية المنطقية قد تحمل صدقًا، ولكنه صدق عرضي في عالم معيّن، وتكون مع ذلك ليست لازمة (Implication) في كل الحالات والأحوال. فقد تكون ممكنة من دون أن تكون مُتحقّقة تحقّقًا فعليًا. وقد تكون مستحيلة، فيكون الجمع بين هذه القضية وشرائط معينة تناقضًا. وبناءً على ذلك، تصبح المُوجّهات وسائل لتفرقة الصدق، وليس لتسجيله فقط. ويُصبح تحليل العلاقات والروابط المنطقية، ولا سيما العلاقات الشرطية (Conditional Relations) متصلًا بسؤال مركزي مفاده: هل يستلزم صدق مُقدَّم معين امتناع كذب نتيجته؟ (Does the truth of a certain antecedent imply the impossibility of its consequent being false؟).
أفسح إدراج مقولتي الضرورة والإمكان في بنية الاستدلال المجال أمام ماكول لأن يجعل اللزوم علاقةً منطقيةً تُقاس بمقتضى الإمكان والاستحالة، لا بمجرد التوافق في قيم الصدق فقط. ومن هذا المنطلق، تتجلى أهمية مشروع ماكول في تاريخ المنطق، إذ أفسح المجال للتفكير في منطق لا يقتصر على وصف الوقائع فقط، وإنما يسعى إلى تحديد ما يلزم عنها وما يمتنع وما يجوز أيضًا. وهو ما كان له حضور في المنطق الموجه الحديث (Modern Modal Logic)[13].
تأثيره وحضوره في المنطق الحديث والفلسفة التحليلية
برتراند راسل
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بالرغم من أن ماكول لم يشغل منصبًا جامعيًا في المنطق، فإن أعماله تركت أثرًا ملحوظًا في تطور المنطق الحديث، ولا سيما عن طريق اعتماده على مركزية الاستتباع والعلاقات الشرطية، بوصفهما جوهر النسقية المنطقية، وهو ما ترك أثره لاحقًا سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في أعمال كثير من علماء المنطق. ومن ذلك تأثيره في تقاليد جبر المنطق (Algebra of Logic). وقد أشار إرفنغ أنليس (Irving Anellis، 1946- 2013) إلى أن ما قدّمه ماكول كان له حضور لدى أرنست شرودر الذي أكّد أن المنطقي ماكول هو من أهم أسلافه المناطقة، وأنه استعان به كثيرًا في الأجزاء الثلاثة من كتابه: محاضرات في جبر المنطق[14]Vorlesungen über die Algebra der Logik. وفي ميدان الفلسفة التحليلية، حصل نقاش واسع بين ماكول وبرتراند راسل بشأن معنى (إذا/ يستلزم)، وهو ما ظهر في مقالات دورية الذهن Mind. وعدّ الفيلسوف راسل ماكول من أوائل من عرّف احتواء الصنف عن طريق علاقة الاستلزام القائمة بين قضيتين منطقيتين، وهو ما يُعد اعترافًا من راسل بتأثير ماكول في تطور المنطق الرمزي عنده[15].
المراجع
Tattersall, James j. “Hugh MacColl’s contributions to the Educational Times.” Philosophia Scientiæ. vol. 15, no. 1 (2011), pp. 77-96.
MacColl, Hugh. “The Calculus of Equivalent Statements and Integration Limits.” Proceedings of the London Mathematical Society. Vol. 1-9, no. 1 (1877), pp. 9-20.
________. “Symbolical or Abbreviated Language, with an Application to Mathematical Probability.” The Educational Times and Journal of the College of Preceptors. vol. 29 (1877).
________. “Symbolical Language: no. 2.” The Educational Times, vol. 29 (1877).
________. “The Calculus of Equivalent Statements (Third Paper).” Proceedings of the London Mathematical Society. vol. 1, no. 1 (1878).
________. Mr. Stranger’s Sealed Packet. London: Chatto & Windus, 1889.
________. Ednor Whitlock. London: Chatto & Windus, 1891.
________. “Symbolic Reasoning (VI.).” Mind. vol. 14, no. 1 (1905), pp. 74-81.
________. “Symbolic Reasoning (VIII.).” Mind. vol. 15, no. 60 (1906), 504-518.
________. Man’s Origin, Destiny, and Duty. London: Williams and Norgate, 1909.
________. Symbolic Logic and Its Applications. London: Longmans, Green, & Co., 1906.
________. “III. Symbolic Reasoning. (II.).” Mind. vol. 6, no. 4 (1897), pp. 493-510.
Chevalier, J. M. C. “Some arguments for propositional logic: MacColl as a philosopher.” Philosophia Scientiæ. vol. 15, no. 1 (2011), pp. 129-147.
Read, Stephen. “Logical Consequence as Truth-Preservation.” Logique & Analyse. no. 183–184 (2003), pp. 479-493.
Anellis. Irving H. “MacColl’s influences on Peirce and Schröder.” Philosophia Scientiæ. Vol. 15, no. 1 (2011), pp. 97-128.
[1] James j. Tattersall, “Hugh MacColl’s contributions to the Educational Times,” Philosophia Scientiæ, vol. 15, no. 1 (2011), p. 25, 80.
[2] See: Hugh MacColl, “The Calculus of Equivalent Statements and Integration Limits,” Proceedings of the London Mathematical Society, vol. 1-9, no. 1 (1877): 9-20.
[3] See: Hugh MacColl, “Symbolical or Abbreviated Language, with an Application to Mathematical Probability,” The Educational Times and Journal of the College of Preceptors, vol. 29 (1877).
[4] See: Hugh MacColl, “Symbolical Language: no. 2,” The Educational Times, vol. 29 (1877).
[5] See: Hugh MacColl, “The Calculus of Equivalent Statements (Third Paper),” Proceedings of the London Mathematical Society, vol. 1, no. 1 (1878).
[6] See: Hugh MacColl, Mr. Stranger’s Sealed Packet (London: Chatto & Windus, 1889).
[7] See: Hugh MacColl, Ednor Whitlock (London: Chatto & Windus, 1891).
[8] See: Hugh MacColl, “Symbolic Reasoning (VI.),” Mind, vol. 14, no. 1 (1905), pp. 74-81.
[9] See: Hugh MacColl, “Symbolic Reasoning (VIII.),” Mind, vol. 15, no. 60 (1906), 504-518.
[10] See: Hugh MacColl, Man’s Origin, Destiny, and Duty (London: Williams and Norgate, 1909).
[11] See: Hugh MacColl, Symbolic Logic and Its Applications (London: Longmans, Green, & Co., 1906), pp. 2-3; J. M. C. Chevalier, “Some arguments for propositional logic: MacColl as a philosopher,” Philosophia Scientiæ, vol. 15, no. 1 (2011), pp. 130-131.
[12] Stephen Read, “Logical Consequence as Truth-Preservation,” Logique & Analyse, no. 183-184 (2003), pp. 2-3.
[13] See: Hugh MacColl, “III. Symbolic Reasoning. (II.),” Mind, vol. 6, no. 4 (1897), pp. 493-510.
[14] صدر المجلد الأول من الكتاب عام 1980، وصدر بعد ذلك مجلد ثانٍ في جزئين: الأول عام 1891، والثاني بعد وفاة مؤلفه عام 1905، في حين صدر المجلد الثالث عام 1895.
[15] See: Irving H. Anellis, “MacColl’s influences on Peirce and Schröder,” Philosophia Scientiæ, vol. 15, no. 1 (2011), pp. 97-99.