حسني سليمان البرازي (1895-1973) سياسيٌّ سوريٌّ بارز من حماة، شغل أعلى المناصب في الدولة والسياسة السورية خلال منتصف القرن العشرين. بدأ حياته السياسية في جمعيتي العهد والعربية الفتاة أواخر العهد العثماني، ثم عضوية الكتلة الوطنية (1928-1931)، وشارك في صياغة دستور سورية الجمهوري الأول عام 1928، ودستورها الثالث عام 1950. تقلّد مناصب وزارية رفيعة، فخدم وزيرًا للداخلية خلال الثورة السورية الكبرى، ووزيرًا للمعارف، قبل أن يُعيّن رئيسًا للحكومة السورية عام 1942، ونائبًا للحاكم العرفي عام 1949، كما شغل منصب المحافظ في عدة مدن أبرزها دمشق وحلب. وفي عام 1954، أصدر جريدة الناس ذات المواقف المؤيّدة لـالولايات المتحدة الأميركية والمعادية للاتحاد السوڤياتي، وهو ما أدى إلى إغلاقها في عام 1957، والحكم عليه بالإعدام بتهمة العمالة، ليقضي سنواته الأخيرة في لبنان حتى وفاته عام 1973.
نشأته وتعليمه
وُلِد حسني البرازي في حماة، وهو سليل عائلة كردية معروفة من كبار ملاّكي الأراضي، جاءت من عين عرب شرقي حلب في القرن الثامن عشر، واشتهر أبناؤها في ميادين السياسة والعمل الزراعي والتجاري[1]. دَرَس في معهد الحقوق في إسطنبول، وانتسب إلى جمعية العهد السرية التي أسستها مجموعة من الضباط العرب عام 1913، ثم إلى جمعية العربية الفتاة التي ظهرت قبلها في باريس عام 1911، وكانت تدعو إلى توسيع صلاحيات المناطق العربية في السلطنة العثمانية، قبل أن تنادي بالاستقلال التام عنها[2].
بعد سقوط الحكم العثماني في بلاد الشام عام 1918، بايع البرازي الأمير فيصل بن الحسين (1883-1993) حاكمًا عربيًا على سورية، ثم سافر إلى فرنسا لإكمال دراسته في جامعة السوربون (Sorbonne). وفي مذكراته الصوتية المحفوظة في سجلات الجامعة الأميركية في بيروت، يقول البرازي إنه التقى بالأمير فيصل في باريس، بعد أن وصل الأخير للمشاركة في مؤتمر الصلح في كانون الثاني/ يناير 1919، وبحسب روايته، طلب إليه فيصل أن يعمل مع الوفد السوري فقبل، غير أن كل المحاضر والمذكرات التي تتناول هذا المؤتمر لم تأتِ على ذكر اسمه بين الأعضاء المشاركين[3].
وزيرًا للداخلية عام 1926
لم يكمل البرازي تحصيله العلمي، وعاد إلى سورية للإشراف على أراضي أسرته في حماة وريفها، حتى 5 أيار/ مايو 1926، يوم تعيينه وزيرًا للداخلية في حكومة الداماد أحمد نامي (1878-1962). كان ذلك في أوج الثورة السورية الكبرى التي انطلقت ضد الفرنسيين عام 1925، ولم يكن على معرفة مسبقة برئيس الحكومة الجديد، وقد رشحه لتولي هذا المنصب زميله في العربية الفتاة سعد الله الجابري (1893-1947)[4]. قبل المشاركة ضمن مجموعة محسوبة على الخط الوطني المعتدل، تضمنت وزير المعارف فارس الخوري (1877-1962) ووزير التجارة لطفي الحفار (1885-1968). اشترط ثلاثتهم على الداماد وقف الحملات العسكرية في جبل حوران وغوطة دمشق، مع إصدار عفو عام عن المعتقلين والمبعدين بسبب دورهم في الثورة، ودخول سورية في عصبة الأمم[5].
المصدر: أرشيف الباحث سامي مبيض
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
سعى البرازي، بصفته وزيرًا للداخلية، إلى مفاوضة الثوار وإقناعهم بضرورة إلقاء السلاح مقابل إصدار عفو عام عنهم، لكن قيادة الثورة رفضت عرضه. وتصاعد الموقف مع قصف سلطات الانتداب الفرنسي حي الميدان الدمشقي وشنّت حملة عسكرية واسعة النطاق في جبل حوران. وهذا التصعيد أحرج البرازي بشدة، فقدم استقالته من منصبه في 12 حزيران/ يونيو 1926 بصحبة زميليه فارس الخوري ولطفي الحفار، فاعتقلا بتهمة التواصل مع الثوار وتشجيعهم على رفض الإملاءات الفرنسية[6]. نُقل البرازي ورفاقه مخفورين إلى سجن على الحدود السورية-العراقية، ثم وُضعوا تحت الإقامة الجبرية في مدينة الحسكة شرق نهر الفرات، وبعدها في أميون الكورة في لبنان.[7]
دستور عام 1928
بعد صدور عفو عنه في شباط/ فبراير 1928، عاد البرازي إلى دمشق لينتسب إلى الكتلة الوطنية التي كان قد أسسها هاشم الأتاسي (1873-1960) ومجموعة من الزعماء الوطنيين في تشرين الأول/ أكتوبر 1927[8]. دعت الكتلة إلى محاربة الفرنسيين سلميًّا وبكل الطرق من دون اللجوء إلى السلاح، وفي نيسان/ أبريل 1928 خاضت الكتلة الانتخابات العامة لتشكيل جمعية تأسيسية مهمتها صياغة دستور جديد للبلاد ليحلّ محلّ الدستور الملكي الذي ألغي مع بداية الانتداب عام 1920. فاز البرازي بعضوية الجمعية التأسيسية، وشارك في صياغة مسوّدة دستور عصري، خلا من أي إشارة إلى الانتداب الفرنسي الذي كانت قد صادقت عليه عصبة الأمم في تموز/ يوليو 1922. رفضت الجمعية التأسيسية الاعتراف بحدود اتفاقية سايكس بيكو التي فصلت سورية عن لبنان وفلسطين، كما سعت إلى توسيع الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية السورية على حساب المفوض السامي الفرنسي هنري بونسو (Henri Ponsot، 1877-1963). ردّ بونسو على ذلك بمطالبة الجمعية تعديل ست مواد دستورية، وإضافة المادة رقم 116 التي تنص صراحة على الاعتراف بالانتداب الفرنسي[9]. وكان البرازي من القلائل الذين وافقوا على هذا المطلب، والوحيد الذي أيّد ذلك داخل مجموعة الكتلة الوطنية[10].
وعلّق البرازي على هذا الموقف الجريء في مذكراته، قائلًا: "رأيت نفسي مجبرًا على قبول المواد الستّ، تفاديًا لاستمرار التعطيل، ذلك أن وجهة نظري كانت دومًا واقعية وإيجابية، حيث لم أرَ في هذه المواد مانعًا، شرط أن نتسلّم الحكم نحن أعضاء الكتلة الوطنية، ويصبح التشريع بيدنا، وأنّ نقود المجلس؛ لأننا المتعلّمون الأقوياء والخطباء في المجتمع السوري، والأقدر على قيادة الأمة"[11]. وأضاف مبررًا موقفه العملي: "لم يكن لأحد منا قوّة شخصيّة أو ماديّة تخوّله الذهاب إلى فرنسا لمواجهة رجالها في ميدان السياسة؛ لذلك اقترحت على الزملاء قبول الشروط الفرنسية وأخذ ما نستطيع أخذه، ثم نطالب بالمزيد، وقد كان المجلس بأكثريّته ميّالًا إلى ذلك، ولكن لا أحد يجرؤ أن يقولها علنًا خوفًا من الشارع"[12].
طالب نواب الكتلة الوطنية البرازي بالعدول عن موقفه، غير أنه بقي متمسكًا بقراره، وقد علّق على ذلك قائلًا: "القضيّة كانت مسؤولية تاريخية بالنسبة لي، وإنني اعتبر موقفي هو الأنفع والأفضل للحركة الوطنية، ولو كان إشكاليًا وصعبًا على البعض تقبّله. وقفت في المجلس وعبّرت عن موقفي بصراحة كاملة، وساد الصمت بين أعضاء الجمعية التأسيسية، ينظرون إلى الأرض أو إلى بعضهم بعضًا. فعلًا يا له من موقف شجاع، أن تقبل بالقليل وأنت صاحب حق، لأنك لا تملك ما يكفيك للمطالبة بالمزيد"[13].
رغم موقف البرازي الفردي، صوّتت الكتلة الوطنية على الدستور في 11 آب/ أغسطس 1928 من دون الأخذ بمقترحات المفوّض السامي الفرنسي بونسو، وردًّا على ذلك، عطّل بونسو الجمعية التأسيسية مدة ثلاثة أشهر، ثم مدّد التعطيل إلى أجل غير مسمى اعتبارًا من 5 شباط/ فبراير 1929، وفي 14 أيار/ مايو 1930 قرّر بونسو حلّ الجمعية بشكل كامل، ليعود ويفرض الدستور بنفسه، ومع تعديل المواد الإشكالية وإضافة المادة 116 اعتبارًا من 22 أيار/ مايو 1930[14]. وقد أدى موقف حسني البرازي المؤيّد لمرونة التعامل مع بونسو إلى مقاطعته اجتماعات الكتلة الوطنية من يومها، وانسحابه منها عام 1931[15].
المصدر: أرشيف الباحث سامي مبيض
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
قضية كنيس دورا أوروبوس
في 17 آذار/ مارس 1934، عُيِّن البرازي وزيرًا للمعارف في حكومة الشيخ تاج الدين الحسني (1885-1943) وهي الحكومة التي لم تحظَ برضى الكتلة الوطنية وطالبت بإسقاطها[16]. دخل البرازي في صِدام مباشر مع الفرنسيين عندما طلبوا إليه شراء كنيس دورا أوروبوس اليهودي، الذي عُثر عليه في موقع صالحية الفرات قرب مدينة الميادين، وكان يتبع لوزارة المعارف آنذاك[17]. وعندما حاول ممثّل المفوضية الفرنسية العليا تبرير الطلب بالادعاء أن سورية لا تمتلك خبراء آثار قادرين على دراسة الكنيس والمحافظة عليه، ردّ البرازي بحدّة قائلًا: "أنتم أتيتم إلينا لكي تدرّبونا"[18]. وفي مذكراته، ذكر أن الفرنسيين عرضوا على الحكومة السورية خمسة ملايين ليرة ذهبًا مقابل الكنيس، فكان رده الحاسم: "لا، ولو كان المبلغ خمسين مليونًا"[19].
محافظًا للواء إسكندرون
استمر البرازي في الوزارة حتى استقالتها في 24 شباط/ فبراير 1936، وبعد وصول الكتلة الوطنية إلى الحكم في نهاية العام وانتخاب هاشم الأتاسي رئيسًا للجمهورية، سعى الأتاسي إلى طيّ الخلاف مع البرازي وعينه محافظًا في لواء إسكندرون. لم يستمر البرازي في منصبه طويلًا، فقد جاء تعيينه قبيل سلخ اللواء عن سورية وضمّه إلى أراضي الجمهورية التركية عام 1939. وعن هذه الحادثة يعلّق البرازي قائلًا: "كان خصومي يعتقدون أنني أنا الذي سلّم اللّواء إلى الأتراك، ولكن هل يُعقل أن يسلّم محافظ لواء بكامله؟ القصّة كانت قصّة دولية ولم يكن للسوريين أي رأي فيها"[20].
حكومته عام 1941
في 16 أيلول/ سبتمبر 1941، عُيّن تاج الدين الحسني رئيسًا للجمهورية، عقب اعتراف فرنسي باستقلال سورية المشروط ببقاء القوات الأجنبية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. ولما كان الحسني يحكم من دون دستور أو مجلس نواب، فقد سعى إلى إضفاء الشرعية على عهده بالتعاون مع شخصيات محسوبة على الحركة الوطنية؛ فعين البرازي أمينًا عامًّا للعاصمة (محافظ دمشق)، في 28 شباط/ فبراير 1942، ثم كلفه بتشكيل حكومة جديدة في 1 نيسان/ أبريل 1942، متولّيًا فيها حقيبتَيْ الداخلية والمعارف. ضمّت حكومة البرازي شخصيات من الكتلة الوطنية ومن المستقلين مثل فائز الخوري (1895-1959)، والأمير حسن الأطرش (1905-1977)، وشهدت استحداث وزارة الرياضة والشباب. برّر البرازي قبوله التكليف بأنه كان يهدف إلى: "تحقيق الاستقلال فعلًا وليس قولًا"، لإيمانه بأن الفرنسيين كانوا يتدخلون في كل شيء، "ولم يتوقفوا عن ممارساتهم الاستعمارية"[21].
دخل تاج الدين الحسني في صدام مع رئيس الجمهورية، إذ قاطع الحفل الذي أقامه الحسني في القصر الجمهوري يوم 27 أيلول/ سبتمبر 1942 بمناسبة العيد الثاني للاستقلال، وبرر البرازي مقاطعته قائلًا: "لا أريد أن أحضر الحفل، وإن حضرت سألقي خطابًا، وأقول فيه: ’[إن] هذا الاستقلال الذي نحتفل به هو استقلال كاذب، أنا اليوم رئيس وزارة ولكنني لست أشعر بأية سلطة، لا على الشرطة ولا على الدّرك ولا حتى على أي وجه من وجوه الحكم، فلنحصل أولًا على استقلال حقيقي ثمّ لنحتفل به‘"[22].
وفي اليوم نفسه وصل دانكل ساندس (Duncan Sandys، 1908-1987)، صهر الرئيس البريطاني ونستون تشرشل (Winston Churchill، 1874-1965)، لزيارة سورية والمشاركة في الحفل، فالتقى به البرازي على انفراد، ثم رافقه إلى بعلبك من دون أخذ موافقة رئيس الجمهورية. وعن هذا اللقاء السِّري يقول البرازي: "خرجت متنكّرًا وانتظرته أمام السّفارة البريطانية، ثمّ صعدت إلى جانبه في السيارة وفي الطريق إلى بعلبك أخبرته بجميع التفاصيل عن معاناتنا، حكومةً وشعبًا من الفرنسيين"[23].
في إحدى المرات، اتصل الحسني بالبرازي، وطلب إليه فتح اعتماد بمئة ألف ليرة سورية، لتوزيعها على العائلات المستورة بمناسبة عيد الفطر. صدّق مجلس الوزراء على القرار، وصرف المبلغ المطلوب للبرازي لكي يقدّمه إلى رئيس الجمهورية، لكن البرازي أخذ النصف وأرسل النصف الآخر إلى الرئيس، وعندما فاتحه الحسني بالأمر كان جوابه: "أنت رئيس وأنا رئيس، وأنت تحتاج إلى نفقات وأنا مثلك"[24].
وعندما تفاقم الخلاف إلى هذا الحدّ بينه وبين الحسني، أجبره الأخير على الاستقالة في 8 كانون الثاني/ يناير 1943، وغادر البرازي الحكم مصحوبًا بإجراءات عقابية، إذ أمر الحسني بمصادرة سيارته ووضعه قيد الإقامة الجبرية، كما فُتح تحقيق قضائي ضده حول تهم مختلفة وُجِّهت إليه، أبرزها التلاعب بقوت الشعب السوري، والثراء غير المشروع عبر تجارة القمح والحبوب[25]، بل إن سلطات الانتداب الفرنسي أصدرت أمرًا باعتقاله، في حال رفضه الخروج من السراي الحكومي[26].
موقفه من قرار تقسيم فلسطين
في مطلع عهد الاستقلال، وبعد جلاء القوات الفرنسية عن سورية في 17 نيسان/ أبريل 1946، انتُخب البرازي نائبًا في البرلمان، كان له موقف لافت من قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الجمعية العامة في الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1947، إذ دعا العرب إلى الموافقة عليه وعدم الاعتراض، وقد سوّغ موقفه بالقول: "أمّا أنا فقد ألقيتُ خطابًا تحت قبّة البرلمان، وطالبتُ فيه بقبول التقسيم، وقلت: ’إنّنا كعرب لن نستطيع الحصول عبر الحرب على أكثر من ذلك، نصحتُ الجميع أن يقبلوا ما كان مطروحًا يومئذٍ؛ لأنّه لن يكون مطروحًا بعد سنوات أو أشهر، ولكن لم يقبل رؤيتي أحد من الزملاء، واتّهمني البعض بالجبن والتخلي عن فلسطين والعمالة للحركة الصّهيونيّة، فالاتّفاق مع اليهود وإعطاؤهم هذا الشّكل المحدود من الحقوق أفضل من أن يصلوا إلى كيان كامل معترف به دوليًّا‘".[27]
مع حسني الزعيم
تعرّض البرازي لهجوم عنيف من الصحف، ومن رئيس الجمهورية شكري القوتلي (1891-1967) - زميله السابق في جمعية العربية الفتاة والكتلة الوطنية - بسبب موقفه من تقسيم فلسطين، ولم يلبث القوتلي أن أطيح بانقلابٍ قاده حسني الزعيم (1897-1949) في 29-30 آذار/ مارس 1949، وكان البرازي في طليعة مؤيّدي هذا الانقلاب، ومكافأة له، عُيّن نائبًا لزعيم في المجلس العرفي اعتبارًا من 5 نيسان/ أبريل 1949، ثم محافظًا في مدينة حلب[28].
لم يدم تأييد البرازي للزعيم طويلًا؛ فسرعان ما فرّقت انتقاداته المتكررة بينهما. حاول الزعيم التخلص منه بتعيينه سفيرًا في أوروبا، لكن وزير الخارجية عادل أرسلان (1887-1954) رفض الاقتراح قائلًا: "لا، فهو لا يليق للتمثيل الخارجي"[29]. كما علّق أرسلان على دور البرازي في حلب، حين عُيّن محافظًا فيها، قائلًا: "حسني بك البرازي [...] رجل لا يجهل القوانين ولا أصول الإدارة، لكنه أُرسل إلى حلب ليُرهب أهلها ويبطش بمن لا يؤيد الانقلاب، فوصل إليها وهو محافظ وحاكم عسكري وحجّاج [...] أخذ في التدخل في شؤون القضاء"[30].
وعندما لم تنجح كل المساعي في إبعاده دبلوماسيًّا، أمر الزعيم باعتقال البرازي بتهمة التعاون مع الأنظمة الهاشمية في الأردن والعراق لقلْب النظام الجمهوري في سورية. سيق البرازي إلى سجن المزة، وفي أثناء فترة احتجازه من دون محاكمة، وقع انقلاب عسكري في 14 آب/ أغسطس 1949، أودى بحياة الزعيم ورئيس حكومته محسن البرازي (1904-1949)[31].
دستور عام 1950
بعد الانقلاب الذي أطاح بحسني الزعيم، تداعى زعماء سورية إلى اجتماع كبير في مبنى الأركان العامة، بدعوة من مهندس الانقلاب اللواء سامي الحناوي (1898-1950)، تقرر فيه عودة هاشم الأتاسي إلى الحكم للإشراف على انتخاب جمعية تأسيسية مهمتها وضع دستور جديد للبلاد، وانتُخب البرازي عضوًا في هذه الجمعية، ووقف في وجه كل الطروحات الإسلامية التي نادى بها الشيخ مصطفى السباعي (1915-1964)، المراقب العام لـ الإخوان المسلمين، وكذلك الطروحات الاشتراكية التي دعا إليها الزعيم الاشتراكي أكرم الحوراني (1911-1996)[32]. وعند الانتهاء من صياغة الدستور، تحوّلت الجمعية إلى مجلس نيابي بصلاحيات تشريعية كاملة، ورشّح البرازي نفسه لرئاسته في 23 حزيران/ يونيو 1951، ولكنه خسر أمام الدكتور معروف الدواليبي (1909-2004)، مرشح حزب الشعب[33].
مع الشيشكلي
في 29 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1951، نفذ العقيد أديب الشيشكلي (1909-1964) انقلابًا عسكريًا أطاح بحكومة حزب الشعب التي ترأسها معروف الدواليبي، كان هدف الانقلاب المُعلن منع تحقيق الوحدة بين سورية والعراق، وكان البرازي من أشد الداعمين للوحدة، ولذلك وقف في وجه الشيشكلي على الرغم من صلات القربى التي كانت تجمعهما[34]، وردًّا على موقفه المعارض، أمر الشيشكلي باعتقاله، وبقي البرازي سجينًا حتى سقوط نظام الشيشكلي ونفيه خارج البلاد في 25 شباط/ فبراير 1954.[35]
جريدة الناس
بعد خمسة أشهر من سقوط حكم الشيشكلي، أسّس البرازي جريدة الناس اليوميّة في 18 تموز/ يوليو 1954 مع صديقه الصحافي نذير فنصة (1919-2005)، وجعلها منبرًا للتهجّم على الشيوعيين واليساريين، والدفاع عن الرأسمالية[36]. وضع مدير المكتب الثاني للجريدة عبد الحميد السراج (1925-2013) تحت المراقبة، وصُنّف البرازي بالعميل لـ إسرائيل والولايات المتحدة، ولا سيما بعد هجوم الجريدة العنيف على جمال عبد الناصر (1918-1970) بعد توليه الرئاسة في مصر عام 1954. أدى هذا التوتر إلى إغلاق الجريدة بأمر من السراج عام 1957، وصدر حكم الإعدام بحق حسني البرازي بتهمة الاستنجاد بـ الجيش التركي لقلب نظام الحكم في سورية[37]. نفى البرازي التهمة، معتبرًا إياها "حجة مختلقة" لمنعه من دخول سورية[38]. وحصل على اللجوء السياسي من الرئيس اللبناني كميل شمعون (1900-1987)، وفي عام 1969 سجّل مذكراته الصوتية في الجامعة الأميركية في بيروت لصالح برنامج "التاريخ الشفوي" الذي أطلقه يوسف إبيش (1926-2003).
المراجع
العربية
أرسلان، عادل. مذكرات الأمير عادل أرسلان. تحقيق يوسف إبيش. بيروت: الدار التقدمية، 1983.
بابيل، نصوح. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين. لندن: دار رياض نجيب الريّس، 1987.
الحفار الكزبري، سلمى. لطفي الحفار: مذكراته، حياته، وعصره. لندن: دار رياض نجيب الريّس، 1997.
الحكيم، يوسف. سورية والانتداب الفرنسي. بيروت: دار النهار، 1983.
سعيد، أمين. سيرتي ومذكراتي السياسية: 1326هـ/ 1908م - 1387هـ/ 1967م. دمشق: [د. ن.]، 2004.
فارس، جورج. من هم في العالم العربي. دمشق: مكتب الدراسات السورية والعربية، 1957.
الكيالي، عبد الرحمن. المراحل في الانتداب الفرنسي وفي نضالنا الوطني من عام 1926 حتى نهاية عام 1939. حلب: مطبعة الضاد، 1958.
الملوحي، مهيار عدنان. معجم الجرائد السورية. دمشق: الأولى للنشر، 2002.
الأجنبية
Khoury, Philip S. Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism. New Jersey: Princeton University Press, 1987.
Mardam Bey, Salma. Syria's Quest for Independence. London: Ithaca Press, 1994.
Shambrook, Peter. French Imperialism in Syria 1927-1936. Reading: Garnet Publishing, 1998.
[1] حسني البرازي، "المذكرات الصوتية"، قسم التاريخ الشفهي في الجامعة الأميركية في بيروت، 1965.
[2] جورج فارس، من هم في العالم العربي (دمشق: مكتب الدراسات السورية والعربية، 1957)، ص 75-76.
[3] البرازي، "المذكرات الصوتية".
[4] يوسف الحكيم، سورية والانتداب الفرنسي (بيروت: دار النهار، 1983)، ص 146.
[5] المرجع نفسه، ص 148-149.
[6] سلمى الحفار الكزبري، لطفي الحفار: مذكراته، حياته، وعصره (لندن: دار رياض نجيب الريّس، 1997)، ص 142-145.
[7] المرجع نفسه.
[8] Philip S. Khoury, Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism (New Jersey: Princeton University Press, 1987), p. 248
[9] عبد الرحمن الكيالي، المراحل في الانتداب الفرنسي وفي نضالنا الوطني من عام 1926 حتى نهاية عام 1939، ج 1 (حلب: مطبعة الضاد، 1958)، ص 100-102.
[10] البرازي، "المذكرات الصوتية".
[11] المرجع نفسه.
[12] المرجع نفسه.
[13] المرجع نفسه.
[14] Peter Shambrook, French Imperialism in Syria, 1927-1936 (Reading: Garnet Publishing, 1998), pp. 49-50.
[15] Khoury, pp. 368-369.
[16] The National Archives (TNA), “MacKereth to Simon,” 871/2395, volume 17944, (19 March 1934).
[17] البرازي.
[18] المرجع نفسه.
[19] المرجع نفسه.
[20] المرجع نفسه.
[21] المرجع نفسه.
[22] المرجع نفسه.
[23] المرجع نفسه.
[24] أمين سعيد، سيرتي ومذكراتي السياسية: 1326هـ/ 1908م - 1387هـ/ 1967م، مج 1 (دمشق: [د. ن.]، 2004)، ص 556.
[25] المرجع نفسه.
[26] Salma Mardam Bey, Syria's Quest for Independence (London: Ithaca Press, 1994), p. 69.
[27] البرازي.
[28] المرجع نفسه.
[29] عادل أرسلان، مذكرات الأمير عادل أرسلان، ج 2: 1946-1950، تحقيق يوسف إبيش (بيروت: الدار التقدمية، 1983)، ص 841.
[30] المرجع نفسه.
[31] المرجع نفسه.
[32] المرجع نفسه.
[33] نصوح بابيل، صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين (لندن: دار رياض نجيب الريّس، 1987)، ص 414.
[34] البرازي.
[35] المرجع نفسه.
[36] مهيار عدنان الملوحي، معجم الجرائد السورية (دمشق: الأولى للنشر، 2002)، ص 177.
[37] المرجع نفسه.
[38] المرجع نفسه.