تسجيل الدخول

الاستدلال والتحيّز

(‫Heuristics and Biases‬)



الموجز

الاستدلال والتحيّز (Heuristics and Biases) مفهوم يشير إلى إطار نظري في علم النفس المعرفي والاقتصاد السلوكي يقدِّم تفسيرًا لكيفية اتخاذ الأفراد القرارات وإصدار الأحكام في ظل عدم اليقين.

يقوم هذا الإطار على فكرة أن الإنسان لا يعتمد دائمًا على الحسابات العقلانية المعقّدة، بل يستخدم اختصارات ذهنية تسمى الاستدلالات، تساعده على اتخاذ قرارات سريعة، لكنها قد تؤدي في بعض الحالات إلى تحيّزات معرفية، أو أخطاء منهجية في الحكم والتقدير.

تمتد تطبيقات هذا الإطار إلى كثير من الجوانب الاقتصادية، مثل التمويل السلوكي، والتسويق، علاوة على مجالاتٍ أخرى، مثل الطب، وغيرها.

الجذور الفكرية

يمكن إرجاع الجذور الفكرية لدراسة الاستدلالات والانحيازات إلى أعمال عالِم الاقتصاد والإدارة هربرت سيمون (Herbert Simon، 1916-2001) في خمسينيات القرن العشرين، الذي قدَّم مفهوم العقلانية المحدودة (Bounded Rationality). يرى سيمون أن قدرة الفرد على اتخاذ قرارات عقلانية تظل محدودة بسبب القيود المعرفية، وضيق الوقت، ونقص المعلومات. وبناءً على ذلك، فإن الإنسان لا يسعى دائمًا نحو التعظيم أو الأمثلية (Optimization)، بل يبحث بدلًا من ذلك عن "حلول جيدة بما يكفي" (Satisficing)[1].

لاحقًا، في سبعينيات القرن العشرين، نقل دانيال كانيمان (Daniel Kahneman، 1934-2024) وآموس تڨيرسكيAmos Tversky، 1937-1996) هذا المفهومَ إلى مستوى تجريبي تطبيقي، إذ أثبتا من خلال تجارب مخبرية أن الأفراد يستخدمون قواعد إرشادية لا تخضع للمنطق الإحصائي. ففي مقالتهما لعام 1974 بعنوان "اتخاذ القرار في ظل عدم اليقين: الاستدلالات والتحيزات"، التي أصبحت ورقة مرجعية لهذا المجال البحثي، اقترح الباحثان أن الأفراد يعتمدون على عدد محدود من القواعد الإرشادية أو الاختصارات الذهنية تُسمى "استدلالات" لتبسيط المهمات المعقدة، مثل تقدير الاحتمالات، أو التنبؤ بالأحداث[2]. وعلى الرغم من أن هذه الاستدلالات المعرفية غالبًا ما تكون مفيدة وفعالة في مواقف الحياة السريعة، فإنها قد تؤدي إلى أخطاء منهجية ومتوقعة في التفكير، تُسمى التحيزات المعرفية (Cognitive Biases)، وهي انحرافات نمطية عن المعايير المنطقية تجعل استجابات الأفراد قابلةً للتنبؤ، على الرغم من عدم عقلانيتها[3].

ولتفسير منشأ هذه التحيزات، طوَّر كانيمان لاحقًا "نظرية النظام المزدوج" (Dual Process Theory)، ونال مفهومُ "النظام المزدوج" شهرةً واسعة في كتابه التفكير بسرعة وببطء[4]. إذ يعمل "النظام الأول" (System 1) على نحوٍ سريع وتلقائي ولاواعي، وهو المسؤول عن الحدْس والقرارات الفورية التي ساعدت البشر على البقاء والصمود عبر التاريخ، في حين يمثل "النظام الثاني" (System 2) الجانبَ البطيءَ والمنطقيَّ والمجهدَ من التفكير[5]. وتنشأ معظم التحيزات المعرفية عندما يسيطر النظام الأول على عملية اتخاذ القرار في مواقف تتطلب دقةَ النظام الثاني، أو عندما لا يستطيع النظام الثاني تصحيحَ الأخطاء البديهية الناتجة عن الاختصارات الذهنية للنظام الأول.

أبرز الاستدلالات والتحيزات

حدد الباحثان كانيمان وتڨيرسكي ثلاثةَ استدلالات رئيسة تؤثر في أحكام الأفراد. وتُعَدّ الاستدلالية المتاحة (Availability Heuristic) من أكثر الاستدلالات شيوعًا، إذ يميل الفرد إلى الحكم على احتمالِ وقوعِ حدثٍ ما بناءً على سهولة استحضار أمثلة مشابهة من الذاكرة. ويؤدي هذا غالبًا إلى تحيُّز واضح، يظهر -على سبيل المثال- في المبالغة في تقدير مخاطر الأحداث الدرامية التي تتصدَّر العناوين (مثل حوادث الطائرات)، في حين يجري تجاهُل الأخطار الأكثر شيوعًا، والأعلى احتمالية، لكنها أقلُّ إثارةً وتأثيرًا في الذاكرة[6].

وعلى نحوٍ مماثل، يعمل الاستدلال التمثيلي (Representativeness Heuristic) على جعْل الأفراد يحكمون على احتمال انتماء شيءٍ ما لفئةٍ معينة بناءً على مدى تشابهه مع الصورة النمطية (Stereotype) لتلك الفئة. وهو ما يؤدي إلى خطأ شهير، هو إهمال معدلات الأساس (Base Rate Neglect). فعلى سبيل المثال، يميل الأفراد إلى افتراض مهنة شخص ما بناءً على سِماته الشخصية، حتى لو كانت الإحصاءات العامة تجعل ذلك الاحتمال ضئيلًا[7].

أما التحيّز الثالث، فهو آلية التثبيت والتكيّف (Anchoring and Adjustment)، وهي توضح الاعتماد الكبير على أول معلومة يجري تلقّيها، إذ تعمل بوصفها "مرساة" تؤثر في جميع التقديرات اللاحقة. ويظهر هذا التحيز بوضوح في المفاوضات التجارية؛ إذ يؤثر السعرُ الأول المطروح، على نحوٍ غير متناسب، في القيمة النهائية المتفَق عليها، حتى لو كان الرقم الأول عشوائيًا، ولا يستند إلى قيمة حقيقية[8].

ويمكن استكمال هذه المنظومة بإضافة التحيّز الذي صاغه بيتر واسون، بما يُعرف بـ "تحيز التأكيد" (Confirmation Bias)، الذي يُمثّل ميلَ الأفراد إلى البحث عن المعلومات التي تدعم معتقداتهم الحالية وتفسِّرها، مع تجاهل الأدلة المتعارضة، أو التقليل من شأنها، ما يؤدي غالبًا إلى تعزيز القناعات القائمة، حتى لو كانت غير مدعومة بأدلة كافية[9].

مجالات التطبيق

أصبحت نظرية الاستدلالات والانحيازات ركيزةً أساسية في كثير من المجالات العلمية والتطبيقية. ففي مجال الاقتصاد والمال، أدى فهم هذه التحيزات إلى ظهور التمويل السلوكي وعلم نفس المستثمر، وهو العلم الذي يفسِّر سببَ حدوث فقاعات السوق، والتقلبات الحادة غير المبررة؛ فالمستثمرون لا يتصرّفون دائمًا كآلات حاسبة، بل يقعون ضحية تحيز الثقة المفرطة (Overconfidence Bias)، إذ يبالغون في تقييم دقة معلوماتهم وقدرتهم على التنبؤ بالأسواق، ما يدفعهم إلى اتخاذ قرارات استثمارية عالية المخاطر[10].

ويمكن استخدام فهم التحيزات أيضًا من أجل توجيه الأفراد نحو خيارات أفضل، على غرار الادّخار للتقاعد، من دون سلبهم حريةَ الاختيار، ويُعرف هذا بـ هندسة الاختيار (Choice Architecture). ومن أشهر تطبيقاتها استخدام الخيارات الافتراضية (Defaults) للتغلّب على تحيُّز استمرار الوضع الراهن (Status Quo Bias)[11]. كذلك يستغل المسوقون الاستدلالات على نحوٍ كبير. فعلى سبيل المثال، يُستخدم تأثير الإغراء (Decoy Effect)، بحيث يُوضَع خيار ثالث غير جذاب لتوجيه المستهلك نحو شراء المنتج الأغلى الذي يبدو كأنه صفقة رابحة بالمقارنة مع الخيارات الأخرى[12].

وفي مجالاتٍ أخرى، كالطب، تمثل الاختصارات الذهنية سلاحًا ذا حدين، ففي حين تساعد الطبيب على اتخاذ قرارات سريعة في الحالات الطارئة، فإنها قد تؤدي إلى تشخيصات خاطئة. ويبرز هنا تحيُّز التأكيد، إذ قد يركّز الطبيب على الأعراض التي تدعم فرضيته الأولى (التشخيص الأوَّليّ)، ويتجاهل الأدلة والمؤشرات المضادة[13].

الانتقادات

واجه إطارُ الاستدلال والتحيز عدةَ انتقادات، لا سيّما من عالِم النفس غيرد غيغيرينزر، من مُنطلق ما يُسمى العقلانية البيئية (Ecological Rationality)؛ إذ رأى غيغيرينزر أن الاستدلالات ليست عيوبًا، أو أخطاءً في التفكير، بل هي أدوات ذكية تكيَّفت مع بيئات واقعية غير مؤكّدة لا تعمل بالمنطق الرياضي الصرف، وأنها ميزة تطورية ساعدت الأفراد على اتخاذ قرارات دقيقة بموارد محدودة. ويرى أيضًا أن الأخطاء التي رصدها كانيمان وتڨيرسكي لا تظهر إلا في التجارب المخبرية المصطنَعة التي تعزل المعلومات عن سياقها الطبيعي وبيئتها الأصلية[14].

علاوة على ذلك، يرى غيغيرينزر أن الاستدلالات المقترحة، مثل الاستدلالية المتاحة، والاستدلال التمثيلي، تُطرح غالبًا بوصفها تسميات وصفية عامة تفتقر إلى القوة التفسيرية، فهي تصف ماذا يحدث (النتيجة)، لكنها لا توضح الآلية المعرفية الدقيقة لكيفية عمل العقل في معالجة المعلومات[15].

كذلك تمثل انتقاد آخَر في عدم التجانس (Heterogeneity)، فغالبًا ما تقدِّم الأدبياتُ التحيزاتِ بوصفها انتظاماتٍ قوية، لكن حجمها يعتمد على الخبرة، والتغذية الراجعة، والحوافز، وتفاصيل الإطار، والبيئة المؤسسية. وفي هذا الصدد، ركّزت توليفة كانيمان اللاحقة على آليات مثل استبدال السمات (Attribute Substitution)، والتفاعل بين المعالجة الحدسية والمعالجة الأكثر ترويًا، لكنها لم تسفِر عن نظرية هيكلية كاملة تحدد متى سيحدث التصحيح، ولمن، وبأي تكلفة[16].

وعلى نحوٍ مماثل، أشارت دراسة ستيفانو ديلاڨينيا إلى أن الانحرافات السلوكية غالبًا ما تكون خاصة بمجال معين، وقد تضعف في البيئات التي تتميز بالتفاعل المتكرر، أو الانضباط السوقي[17]. وهذا يعني أنه ينبغي التعامل مع الافتراضات السلوكية على أنها فرضيات تجريبية بشأن سياقات معينة، وليس بوصفها بدائل كونية للنظرية القياسية. 

المراجع

Ariely, Dan & Simon Jones. Predictably Irrational. New York: HarperCollins, 2008.

DellaVigna, Stefano. “Psychology and Economics: Evidence from the Field.” Journal of Economic Literature. vol. 47, no. 2 (2009). pp. 315-372.

Gigerenzer, Gerd. “On Narrow Norms and Vague Heuristics: A Reply to Kahneman and Tversky.” Psychological Review. vol. 103, no. 3 (1996). pp. 592-596.

Gigerenzer, Gerd & Daniel G. Goldstein. “Reasoning the Fast and Frugal Way: Models of Bounded Rationality.” Psychological Review. vol. 103, no. 4 (1996). pp. 650-669.

Groopman, Jerome E. How Doctors Think. Boston, MA: Houghton Mifflin, 2007.

Kahneman, Daniel. Thinking, Fast and Slow. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2011.

Kahneman, Daniel. “Maps of Bounded Rationality: Psychology for Behavioral Economics.” American Economic Review. vol. 93, no. 5 (2003). pp. 1449-1475.

Simon, Herbert A. “A Behavioral Model of Rational Choice.” The Quarterly Journal of Economics. vol. 69, no. 1 (February 1955). pp. 99-118.

Thaler, Richard H. Misbehaving: The Making of Behavioral Economics. New York: W. W. Norton & Company, 2015.

Thaler, Richard H. & Cass R. Sunstein. Nudge: Improving Decisions About Health, Wealth, and Happiness. New Haven, CT: Yale University Press, 2008.

Tversky, Amos & Daniel Kahneman. “Availability: A Heuristic for Judging Frequency and Probability.” Cognitive Psychology. vol. 5, no. 2 (1973). pp. 207-232.

Tversky, Amos & Daniel Kahneman. “Judgment under Uncertainty: Heuristics and Biases.” Science, New Series. vol. 185, no. 4157 (1974). pp. 1124-1131.

Tversky, Amos & Daniel Kahneman. “Subjective Probability: A Judgment of Representativeness.” Cognitive Psychology. vol. 3, no. 3 (1972). pp. 430-454.

Wason, Peter C. "On the Failure to Eliminate Hypotheses in a Conceptual Task.” Quarterly Journal of Experimental Psychology. vol. 12, no. 3 (1960). pp. 129-140.

[1] Herbert A. Simon, “A Behavioral Model of Rational Choice,” The Quarterly Journal of Economics, vol. 69, no. 1 (February 1955), pp. 99-118.

[2] Amos Tversky & Daniel Kahneman, “Judgment under Uncertainty: Heuristics and Biases,” Science, New Series, vol. 185, no. 4157 (1974), pp. 1124-1131.

[3] Ibid.

[4] Daniel Kahneman, Thinking, Fast and Slow (New York: Farrar, Straus and Giroux, 2011).

[5] Ibid.

[6] Amos Tversky & Daniel Kahneman, “Availability: A Heuristic for Judging Frequency and Probability,” Cognitive Psychology, vol. 5, no. 2 (1973), pp. 207-232.

[7] Amos Tversky & Daniel Kahneman, “Subjective Probability: A Judgment of Representativeness,” Cognitive Psychology, vol. 3, no. 3 (1972), pp. 430-454.

[8] Tversky & Kahneman, “Judgment under Uncertainty,” pp. 1128-1129.

[9] Peter C. Wason, "On the Failure to Eliminate Hypotheses in a Conceptual Task,” Quarterly Journal of Experimental Psychology, vol. 12, no. 3 (1960), pp. 129-140.

[10] Richard H. Thaler, Misbehaving: The Making of Behavioral Economics (New York: W. W. Norton & Company, 2015).

[11] Richard H. Thaler & Cass R. Sunstein, Nudge: Improving Decisions About Health, Wealth, and Happiness (New Haven, CT: Yale University Press, 2008).

[12] Dan Ariely & Simon Jones, Predictably Irrational (New York: HarperCollins, 2008).

[13] Jerome E. Groopman, How Doctors Think (Boston, MA: Houghton Mifflin, 2007).

[14] Gerd Gigerenzer, “On Narrow Norms and Vague Heuristics: A Reply to Kahneman and Tversky,” Psychological Review, vol. 103, no. 3 (1996), p. 592.

[15] Gerd Gigerenzer & Daniel G. Goldstein, “Reasoning the Fast and Frugal Way: Models of Bounded Rationality,” Psychological Review, vol. 103, no. 4 (1996), pp. 650-669.

[16] Daniel Kahneman, “Maps of Bounded Rationality: Psychology for Behavioral Economics,” American Economic Review, vol. 93, no. 5 (2003), p. 1461.

[17] Stefano DellaVigna, “Psychology and Economics: Evidence from the Field,” Journal of Economic Literature, vol. 47, no. 2 (2009), p. 315.

المحتويات

الهوامش