هربرت سايمون (Herbert Simon، 1916-2001)، باحث وعالم أميركي، له إسهامات رائدة في حقول الاقتصاد وعلم الاجتماع والعلوم السياسية، وعلم النفس الإدراكي، وعلوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي.
يعدّ سايمون من أبرز المساهمين في حقل العلوم الاجتماعية في القرن العشرين، ولا سيّما نظرياته في
العقلانية المحدودة (Bounded Rationality)، وبحوثه في مجال اتخاذ القرارات التنظيمية، كما كان من المساهمين المبكرين في تطوير أبحاث الذكاء الاصطناعي.
نال جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية في عام 1978 تقديرًا لإسهاماته، فضلًا عن كثير من الجوائز والتشريفات الأخرى.
حياته ومساره المهني
وُلد هربرت ألكسندر سايمون في 15 حزيران/ يونيو 1916 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية، وهو ابن الزوجين آرثر سايمون، وكان مهندسًا كهربائيًّا؛ وإيدنا مارغريت ميركل (Edna Marguerite Merkel)، وكانت عازفة بيانو، وهما ألمانيان هاجرا إلى الولايات المتحدة في عام 1903.
أظهر سايمون استعدادًا باكرًا للرياضيات والعلوم، وحصل على شهادته للمرحلة الجامعية الأولى من جامعة شيكاغو في عام 1936، ثم حصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية في عام 1943.
بدأت مسيرة سايمون المهنية بوصفه مساعد باحثٍ في جامعة كاليفورنيا–بيركلي (1939-1942)، ثم أستاذًا للعلوم السياسية في معهد إلينوي للتكنولوجيا (1942-1949). وفي عام 1949، انضم سايمون إلى معهد كارنيغي للتكنولوجيا، وعمل فيه أستاذًا للإدارة ورئيسًا لقسم الإدارة الصناعية، وهناك أدّى دورًا رئيسًا في تطوير مقاربة قائمة على البحث في تعليم الإدارة، ودمج الاقتصاد والعلوم السلوكية. وأمضى سايمون أكثر من خمسة عقود في جامعة كارنيغي ميلون (التي انبثقت عن معهد كارنيغي)، وفيها شغل أيضًا مناصب في قسمي علم النفس وعلوم الحاسوب[1].
إسهاماته في مجال العقلانية
أرسى كتابُ سايمون
السلوك الإداري، المنشور عام 1947[2]، الأساس لاستكشافه عمليات صنع القرار التنظيمي الذي وسم مساره الفكري كله. وفي هذا العمل المبكر، أكّد سايمون أن عملية اتخاذ القرار البشري محدودة بالقيود الإدراكية ومدى توافر المعلومات؛ وهو المفهوم الذي أطلق عليه لاحقًا العقلانية المحدودة[3]. وتتحدى نظرية سايمون للعقلانية المحدودة الافتراض النيوكلاسيكي بشأن الإنسان الاقتصادي (Homo Economicus) الذي يتخذ قرارات عقلانية على نحوٍ كامل، لتحقيق أقصى قدرٍ من المنفعة. وبدلًا من ذلك، يؤكد سايمون أن الأفراد والمنظمات يسعون إلى إيجاد
حلول مرضية بما فيه الكفاية {{حلول مرضية بما فيه الكفاية: صاغ هربرت سايمون مصطلح "مُرضٍ بما فيه الكفاية" (Satisficing)، من خلال دمج كلمتي "إرضاء" (Satisfy) و"بما يكفي" (Suffice)، لوصف عملية صنع القرار التي تسعى إلى إيجاد حلول مناسبة بدلًا من الحلول المثالية، مع الاعتراف بالقيود المعرفية والقيود الزمنية التي تجعل التحسين المثالي غير عملي في المواقف المعقدة في العالم الحقيقي.}}، بدلًا من
الحلول التعظيمية {{الحلول التعظيمية: في الاقتصاد النيوكلاسيكي، يُشير "التعظيم" (Optimizing) إلى أن الفاعلين الاقتصاديين يتّخذون خيارات تُعظّم منفعتهم أو أرباحهم، وتُحقق أفضل نتيجة ممكنة بالنظر إلى تفضيلاتهم وقيودهم والمعلومات المتاحة.}}، نظرًا لقيود الزمن والمعلومات والقدرات الإدراكية[4].
غلاف كتاب السلوك الإداري
غلاف السيرة الذاتية لسايمون
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وقد أثرت هذه النظرية بشكل عميق في كثير من المجالات، مثل الاقتصاد السلوكي ودراسات الإدارة، والإدارة العامة والذكاء الاصطناعي[5].
إسهاماته في مجال الذكاء الاصطناعي
في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، وسّع سايمون نطاق أبحاثه في مجال الذكاء الاصطناعي الناشئ. وبالتعاون مع
ألين نيويل (Allen Newell، 1927-1992)، طوّر "آلة نظرية المنطق" (Logic Theory Machine) في عام 1956، و"حلّال المشكلات العامة" (General Problem Solver) في عام 1957، ما أسهم في بروز برامج الذكاء الاصطناعي الرائدة التي تحاكي عمليات حلّ المشكلات البشرية، وفي تعميق فهم الإدراك البشري والذكاء الآلي[6]، ما أدى إلى ترسيخ مكانة سايمون بوصفه شخصية مؤسسة للذكاء الاصطناعي.
ولم تكن إسهامات سايمون في مجال الذكاء الاصطناعي تقنية فحسب، فقد استكشف أيضًا التأثيرات الفلسفية للذكاء الآلي، مجادلًا بأن أجهزة الحاسوب يمكنها أن تحاكي عمليات التفكير البشري، وبذلك توفر رؤًى بشأن طبيعة العقل[7]. وأظهرت هذه الابتكارات أن الآلات قادرة على محاكاة بعض جوانب الذكاء البشري، وهو الأمر الذي أرسى الأساس لأبحاث مستقبلية في مجال الذكاء الاصطناعي. وقد نال عن أعماله هذه، رفقة ألين نيويل، جائزة تورينغ (Turing Award) التي تمنحها جمعية آلات الحوسبة (Association for Computing Machinery) في عام 1975[8].
إسهاماته متعددة الاختصاصات
امتدّت مقاربة سايمون المتعددة الاختصاصات إلى علم النفس، إذ درس التعلم البشري والخبرة، وطوّر بمعيّة
إدوارد فيغنباوم (Edward Feigenbaum، 1936-) نظرية المدرك والحافظ الابتدائي (EPAM)، وهي إحدى أولى النماذج الحسابية للتعلم. وقد رخّص هذا العمل بتسليط الضوء على كيفية معالجة البشر للمعلومات واكتساب المعرفة، ومن ثمّ تأثيره في علم النفس الإدراكي والممارسات التعليمية.
يُعدّ هربرت سايمون أحد آباء "نظرية دراسة الأنظمة" (Systemics)[9]، إذ طوّر رؤية للتنظيم والإدراك والهندسة، مستوحاة إلى حدٍ كبير من نظرية النظم. وعلى اعتبار أنه كان يرفض الانفصام بين العلوم البحتة والعلوم التطبيقية، فإن عمله يقع على الوصلة البينية بين علوم الحاسوب والاقتصاد، وعلم النفس وعلم الأحياء. وفي بحثه عن "الشكل المنتظم المختبئ وراء الفوضى الظاهرة" (Pattern Hidden in Apparent Chaos)، افترض سايمون أن التمييز بين الاصطناعي والطبيعي ليس فعالًا على مستوى طرق معالجة المعلومات، بوساطة الأنظمة المعقدة (الدماغ أو الحاسوب) التي يجري ضمان تنظيمها من خلال قواعد شكلية للتكيف مع بيئتها[10].
تكريماته وإرثه
انتُخب هربرت سايمون لعضوية الأكاديمية الوطنية للعلوم (National Academy of Sciences) في الولايات المتحدة عام 1967. ومن عام 1968 إلى عام 1972، خدم في اللجنة الاستشارية العلمية للرئيس الأميركي، وذلك في عهد الرئيسين ليندون جونسون (Lyndon B. Johnson، 1908-1973) وريتشارد نيكسون (Richard Nixon، 1913-1994)، وترأس لجنتها المعنية بالبيئة[11].
ظلت المسيرة الأكاديمية لسايمون مرتبطةً بشكل أساسي بجامعة كارنغيي ميلون التي انضم إليها في عام 1949، وظلّ فيها خمسة عقود حتى وفاته، وقد أدّى دورًا مركزيًّا في منح سمعةٍ للجامعة بوصفها رائدةً للبحوث المتعددة الاختصاصات، ولا سيما في مجالات العلوم المعرفية والمعلوماتية وعلوم الحاسوب.
وخلال مسيرته المهنية، أكد سايمون أهمية البحث المتعدد الاختصاصات، وضرورة سدّ الفجوات بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية والهندسة، وكان لعمله في مجال اتخاذ القرار وحل المشكلات والسلوك التنظيمي تأثير دائم في حقول متعددة، إذ امتد أثر أفكاره وأبحاثه إلى مجالات مثل الاقتصاد السلوكي وعلم النفس الإدراكي والذكاء الاصطناعي وغيرها. كما امتدّ تأثير سايمون خارج النطاق الأكاديمي، من خلال مشاركته في كثير من اللجان الاستشارية، وكتاباته الغزيرة التي ضمّت أكثر من 1000 مقالة و27 كتابًا، فضلًا عمّا حظي به من حضور إعلامي ملحوظ، عبر المقابلات الصحفية والتلفزية.
وفاته
توفي هربرت سايمون في 9 شباط/ فبراير 2001 عن عمر ناهز 84 عامًا، في مدينة بيتسبرغ في ولاية بنسلڤانيا الأميركية.
المراجع
Crowther-Heyck, Hunter.
Herbert A. Simon: The Bounds of Reason in Modern America. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2005.
Demailly, André.
Herbert Simon et les sciences de conception. Paris: L’Harmattan, 2004.
Earl, Peter E. (ed).
The Legacy of Herbert Simon in Economic Analysis. Cheltenham: Edward Elgar Publishing, 2001.
Newell, Allen & Herbert A. Simon.
Human Problem Solving. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1972.
Simon, Herbert A.
Administrative Behavior: A Study of Decision-Making Processes in Administrative Organizations. New York: Macmillan, 1947.
________. “A Behavioral Model of Rational Choice.”
Quarterly Journal of Economics. vol, 69. no. 1 (1955). pp. 99-118.
________. “The Architecture of Complexity.”
Proceedings of the American Philosophical Society. vol. 106. no. 6 (1962). pp. 467-482.
________.
The Sciences of the Artificial. Cambridge, MA: MIT Press, 1969.
________. Models of My Life. New York: Basic Books, 1991.
[1] Herbert A. Simon,
Models of My Life (New York: Basic Books, 1991).
[2] Herbert A. Simon,
Administrative Behavior: A Study of Decision-Making Processes in Administrative Organizations (New York: Macmillan, 1947).
[3] Ibid.
[4] Herbert A. Simon, “A Behavioral Model of Rational Choice,”
Quarterly Journal of Economics, vol. 69, no. 1 (1955), pp. 99-118.
[5] Peter E. Earl (ed.),
The Legacy of Herbert Simon in Economic Analysis (Cheltenham: Edward Elgar Publishing, 2001).
[6] Allen Newell & Herbert A. Simon,
Human Problem Solving (Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1972).
[7] Herbert A. Simon,
The Sciences of the Artificial (Cambridge, MA: MIT Press, 1969).
[8] Hunter Crowther-Heyck,
Herbert A. Simon: The Bounds of Reason in Modern America (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2005).
[9] Herbert A. Simon, “The Architecture of Complexity,”
Proceedings of the American Philosophical Society, vol. 106, no. 6 (1962), pp. 467-482.
[10] André Demailly,
Herbert Simon et les sciences de conception (Paris: L’Harmattan, 2004).
[11]“PSAC – Panel on the Environment,” December 1971, accessed on 17/1/2026, at:
https://acr.ps/1L9F2hb