هولو باشا العابد (1824-1895)، سياسي دمشقي وأحد أعيان دمشق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وجدّ محمد علي العابد (1867-1939)، أول رئيس جمهورية في سورية. برز دوره السياسي خلال فتنة دمشق عام 1860، إذ ساهم في حماية المسيحيين بالتعاون مع شخصيات محلية بارزة. شغل مناصب إدارية وقضائية رفيعة في دمشق، ونابلس، والبقاع، وساهم في إعادة بناء العلاقة بين الدولة العثمانية والنخب المحلية. مثّل هولو نموذجًا للأعيان الذين جمعوا بين النفوذ الاقتصادي، والوظيفة السياسية، وامتد تأثيره إلى الجيل التالي من أسرته في أواخر العهد العثماني.
نشأته
وُلد محيي الدين بن عمر العابد، المعروف باسم "أبو الهول"، أو "هولو باشا"، عام 1824 في حي الميدان، خارج أسوار دمشق، حيث كانت أسرته تنحدر من قبيلة المشارفة[1]. عمل والده مع حكومة إبراهيم باشا (1789-1848) أثناء فترة الحكم المصري في دمشق (1831-1840) وذاع صيته مع من حمى المسيحيين أثناء فتنة دمشق عام 1860، وفي مقدمتهم الأمير عبد القادر الجزائري (1808-1883)، إذ ساعد عمر العابد ابنه هولو في إيجاد مساكن آمنة للمسيحيين الهاربين من المذابح في منطقة باب توما، وأنزلهم في بيوت القيمرية، والعقيبة، والشاغور، بعد إفراغها من أهلها بطلب من السلطات العثمانية[2].
مناصبه
أُعجب العثمانيون بشجاعة هولو، ولفت انتباه الوزير فؤاد باشا، الذي جاء إلى دمشق من إسطنبول بعد أسبوع من الحوادث الدامية، وكان بأمسّ الحاجة إلى مرجعيات جديدة في المدينة يبني عليها ركائز العقد الاجتماعي الجديد بين الدولة والأهالي. تقلّد هولو وسامًا رفيعًا من وكيل القنصل الروسي في دمشق، ونُصِّب والده زعيمًا على منطقة الميدان. وعند وفاته، ورّث هولو هذه الزعامة فعُيِّن متصرفًا على حمص ثم نابلس عام 1870، قبل أن يُعيَّن رئيسًا لغرفة زراعة دمشق، ثم رئيسًا لمحكمة النقض[3]. انتقل بعدها متصرفًا على البقاع، وقد أتهمه الأهالي بالكسب غير الشرعي، ورفعوا عريضة ضده إلى الباب العالي، يتهمونه باختلاس ما لا يقل عن 300 ألف فرنك فرنسي سنويًا[4]. فذهب هولو إلى إسطنبول؛ للدفاع عن نفسه، وعاد بعد أن نال لقب "الباشوية" وتمكن من إقناع العثمانيين ببطلان الاتهامات الموجهة إليه. وفي عام 1879، طلبه الوالي مدحت باشا (1822-1884) للمساعدة في اعتقال عصابة من اللصوص في وادي البقاع، وجَلْبِهم إلى دمشق، وإعدامهم شنقًا أمام الناس[5].
عزله ووفاته
تضاعفت ثروة آل العابد التي كان أساسها تجارة المواشي، واشترى هولو أسهمًا في شركة قناة السويس البحرية في مصر، وفي قناة بنما الواصلة بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ[6]. كما امتلك أراضيَ وأملاكًا واسعة في مدينة دمشق وغوطتها، ومنها قصر العائلة في منطقة سوق ساروجا، ما جعله من أغنياء عصره في ولاية سورية. لكنّ خلافًا ظهر بينه وبين العثمانيين؛ بسبب معارضته للامتيازات التي أُعطِيت للرعايا الأجانب في سورية وجعلتهم لا يخضعون لسلطة المحاكم المحلية، ما جعل القنصل العام في فرنسا يصفه بأنه "مصدر قلق لمُلاَّك الأراضي الأجانب"[7].
شهدت مسيرة هولو الإدارية تقلباتٍ ملحوظة خلال فترة ولاية مدحت باشا، إذ عُزل من منصبه بسبب اتهاماتٍ بسوء الإدارة. ومع ذلك، استدعت الضرورة الأمنية مدحت باشا للاستعانة بخبرته مجددًا في قيادة حملةٍ لملاحقة عصابات قُطّاع الطرق في منطقة مرجعيون. تكرر هذا الأمر في عهد خلفه، حمدي باشا، الذي أصدر أمرًا بـسجنه استنادًا إلى التهمة السابقة نفسها. غير أن حمدي باشا، بسبب الحاجة إلى كفايته الميدانية، عاد واعتمد عليه في تنفيذ عملية مداهمة استهدفت خارجين عن القانون في جبال الساحل[8].
تبوأ هولو باشا مكانة مرموقة بين أعيان دمشق، وعُرف بشخصيته القوية، ما منحه سطوة ونفوذًا واسعًا في أوساط المجتمع الدمشقي. وعلى الصعيد الرسمي، حظي بتقدير الدولة العثمانية، وتقلد رتبة "روم إيلي" الرفيعة، كما مُنح الوسامين العثماني والمجيدي من الدرجة الثانية[9]، وورّث هذا النفوذ نجلَه أحمد عزت باشا العابد (1852-1934)، الذي أصبح من المقربين إلى السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918)، من تسعينيات القرن التاسع عشر وحتى انقلاب عام 1908.
توفي هولو باشا العابد في دمشق عام 1895 عن عمر 71 عامًا[10].
المراجع
العربية
البيطار، عبد الرزاق. حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر. حققه ونسقه وعلق عليه حفيده محمد بهجت البيطار. دمشق: دار البينة للطباعة والنشر، 2012.
خوري، فيليب. أعيان المدن والقومية العربية: سياسة دمشق 1860-1920. ترجمة عفيف الرزاز. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1993.
الزركلي، خير الدين. الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين. ط 7. بيروت: دار العلم للملايين، 1986.
الشطّي، محمد جميل. أعيان دمشق في القرن الثالث عشر ونصف القرن الرابع عشر من 1201-1350هـ. دمشق: دار البشائر، 1994.
شيلشر، ليندا. دمشق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ترجمة عمرو الملاح ودينا الملاح. مراجعة عطاف مارديني. دمشق: دار الجمهورية، 1998.
مبيض، سامي مروان. تاريخ دمشق المنسي: أربع حكايات 1916-1936. بيروت: دار رياض الريس للكتب والنشر، 2016.
________. خديوي سورية: دراسة عن مرحلة مدحت باشا في دمشق1878-1880. دمشق: بستان هشام، 2022.
الأجنبية
Schilcher, Linda. Families in Politics: Damascene Factions and Estates of the 18th and 19th Centuries. Wiesbaden: F. Steiner, 1985.
[1] محمد جميل الشطّي، أعيان دمشق في القرن الثالث عشر ونصف القرن الرابع عشر من 1201-1350هـ (دمشق: دار البشائر، 1994)، ص 358.
[2] عبد الرزاق البيطار، حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر، حققه ونسقه وعلق عليه حفيده محمد بهجت البيطار، ج 1 (دمشق: دار البينة للطباعة والنشر، 2012)، ص 269.
[3] فيليب خوري، أعيان المدن والقومية العربية: سياسة دمشق 1860-1920، ترجمة عفيف الرزاز (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1993)، ص 69.
[4] Linda Schilcher, Families in Politics: Damascene Factions and Estates of the 18th and 19th Centuries (Wiesbaden: F. Steiner, 1985), pp. 153-156.
[5] سامي مروان مبيض، خديوي سورية: دراسة عن مرحلة مدحت باشا في دمشق1878-1880 (دمشق: بستان هشام، 2022)، ص 17.
[6] سامي مروان مبيض، تاريخ دمشق المنسي: أربع حكايات 1916-1936 (بيروت: دار رياض الريس للكتب والنشر، 2016)، ص 212.
[7] ليندا شيلشر، دمشق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ترجمة عمرو الملاح ودينا الملاح، مراجعة عطاف مارديني (دمشق: دار الجمهورية، 1998)، ص 186-187.
[8] المرجع نفسه.
[9] الشطّي، ص 359.
[10] المرجع نفسه.