حسن بن عبد العزيز الورداني، مقاوم تونسي من بلدة الوردانين بالساحل التونسي. كان من بين المجموعة الأولى التي اتصل بها الحبيب بورقيبة عام 1950 استعدادًا لتنظيم العمل المقاوم ضد الفرنسيين.
التحق بالمقاومة المسلحة مطلع عام 1952، إذ قاد مجموعة من المقاومين نفّذت عدة عمليات، وهو ما جعله هدفًا للسلطات الاستعمارية التي خصصت مكافأة مالية للقبض عليه. في كانون الأول/ ديسمبر 1954، كان الورداني من بين الذين استجابوا لنداء بورقيبة وألقوا السلاح، قبل أن يصطفّ لاحقًا إلى جانبه خلال الصراع مع
صالح بن يوسف، وقد ارتبط اسمه باغتياله.
نشأته
حسن بن محمد بن حسن بن عبد العزيز الورداني، المنتسب إلى
بلدة الوردانين بالساحل التونسي، وُلد في أسرة عُرفت بحدّة مزاجها وتمسّكها بحقوقها، فقد تعرّض والده وأعمامه الثلاثة عام 1900 إلى الاعتقال إثر مواجهتهم العنيفة لمحاولة قلع أشجار الزيتون المملوكة للعائلة بالوردانين[1]. التحق الورداني منذ صغره بالكتّاب، حيث تلقّى مبادئ القراءة والكتابة وحفظ أجزاء من القرآن الكريم.
في مرحلة شبابه، وجد نفسه مدفوعًا إلى أنشطة ذات طابع غير مشروع تمثّلت في الإغارة على الممتلكات، غير أنّه كان يعمد إلى إعادة ما استولى عليه إلى أصحابه مقابل مكافأة تعرف بين الناس بـ"البشارة". وتشير شهادة أحد معاصريه إلى أنّه كان "قائد شبكة سراق لها وزنها جهويًا [ووطنيًّا]"، مع ملاحظة أنّه "لم يكن يسرق في الوردانين [قطُّ] ولا غيره من السراق يسرقون في بلدتهم"[2].
سيرته في المقاومة
ارتبط حسن بن عبد العزيز الورداني منذ الأربعينيات بالحزب الحرّ الدستوري الجديد، وهو ما تؤكده الرسالة الخطية التي تلقاها من صالح بن يوسف بشأن تسليم ثوار زرمدين إلى الطاهر بطيخ، قبل أن يُوجَّهوا إلى بلدة القطار بالجنوب التونسي مع وعدهم تهجيرَهم عبر الحدود الليبية[3]. وتكشف هذه الواقعة عن وجود علاقة مباشرة بينه وبين أولئك الثوار الذين تحدّوا طويلًا السلطات الاستعمارية، وتُبرز من ناحية ثانية دور الورداني بوصفه عنصرًا يحظى بالثقة ضمن شبكة التنظيم الحزبي.
هذا الانخراط المبكر في الحزب جعل الحبيب بورقيبة، بُعيد عودته من المشرق عام 1949، يختار الورداني ضمن مجموعة محدودة من القيادات الجهوية لتولّي مهمة تنظيم العمل المقاوم عند حلول الظرف المناسب، وقد أُعطيت تلك المجموعة اسمًا حركيًا هو "السود الإحدى عشر"[4]. وقد ضمّت أشخاصًا من مختلف جهات البلاد، هم بالإضافة إلى بورقيبة نفسه، وحسن بن عبد العزيز: علالة العويتي، والشاذلي قلالة (المنستير)، وأحمد التليلي (قفصة)، وبلحسين جراد (تونس)، ومحمود زهيوة (منزل تميم)، والعجيمي بن المبروك (القيروان)، ومحمد الكواش، وبوبكر بكير (بنزرت)، والتومي بن أحمد (قابس)[5]، وهو ما عكس حرص بورقيبة على بناء قيادة موزّعة جغرافيًا تضمن الانتشار الوطني للمقاومة، وتكسر الطابع المحلي أو الجهوي الذي كان يطبع المبادرات الثورية السابقة.
وقد جسّدت مسيرة حسن بن عبد العزيز انتقالًا من أنشطة فردية ذات طابع تمرّدي إلى اندماج فعلي في منظومة حزبية منظمة، وهو الأمر الذي يترجم التقاء البعد الشخصي بالبعد الحزبي في تشكّل المقاومة المسلحة التونسية. وقد ساعدته على ذلك مؤهلات فردية مميّزة، إذ كان معروفًا بسرعته في الجري ومهارته في القنص[6]، وهي صفات جعلته عنصرًا لافتًا في العمل الميداني.
ولما اندلعت المقاومة المسلحة في مطلع عام 1952، برز بوصفه أحدَ قادتها[7]، حيث شكّل مجموعة من المقاومين في منطقة الساحل. ورغم وجود قادة مقاومة آخرين، مثل: علالة العويتي، والشاذلي قلالة، كما ورد في شهادة الحبيب بورقيبة[8]، فقد حظي حسن بن عبد العزيز بالصفة الخاصّة بوصفه "قائد المقاومة في الساحل"[9]. وعلى المستوى التنظيمي، ظلّ مرتبطًا بالحزب الحرّ الدستوري الجديد من خلال التنسيق المباشر مع أحمد المستيري[10]، الذي كان آنذاك من القيادات الصاعدة في الحزب.
وقد ارتبط اسم حسن الورداني بعدد من العمليات النوعية، من أبرزها اغتيال الكولونيل الفرنسي دوران (Durand)، وهو ما جعله في صدارة المشهد المقاوم. وبسبب تلك العمليات أعلنت السلطات الاستعمارية في كانون الثاني/ يناير عام 1953 عن تخصيص مكافأة قدرها مليون فرنك لمن يساعد على القبض عليه، لترفعها بعد شهرين إلى مليوني فرنك[11]. ويعكس هذا التطور مدى خطورته في نظر السلطات الاستعمارية وتحوّله إلى رمز للمقاومة في الساحل.
غير أنّ المنعرج الذي عرفته الحركة الوطنية بعد تصريح
بيير منديس فرانس واستعداد فرنسا لمنح تونس استقلالها الداخلي، فَرَض على المقاومة المسلحة مراجعة خياراتها، فكان حسن بن عبد العزيز من بين الذين استجابوا لنداء الحبيب بورقيبة بإلقاء السلاح في مطلع كانون الأول/ ديسمبر عام 1954.
الاصطفاف مع بورقيبة
عندما انقسمت البلاد، ولا سيّما صفوف المقاومين، في خريف عام 1955 بين أنصار الأمين العام للحزب
صالح بن يوسف وأنصار رئيس الحزب الحبيب بورقيبة، اصطفّ حسن بن عبد العزيز في الشق البورقيبي. وقد حرس مع مجموعته من أبناء الوردانين مؤتمر الحزب الحرّ الدستوري المنعقد بصفاقس في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1955، الذي كرّس زعامة بورقيبة[12]. ثم كان الورداني من بين العناصر النشطة في لجان الرعاية التي تولّت مواجهة اليوسفيين[13]، شأنه في ذلك شأن المحجوب بن علي، والساسي الأسود[14]. ويكشف هذا الاصطفاف المبكر عن خياره بالانحياز إلى الزعامة البورقيبية، وهو ما مكّنه من الحفاظ على موقع متقدّم داخل الحلقة المقرّبة من بورقيبة، حتى عُدَّ لاحقًا أحد "أمناء سرّه".
ذهب حسن بن عبد العزيز بعيدًا في دعمه لبورقيبة، إذ ارتبط اسمه بواحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الحركة الوطنية، وهي عملية اغتيال صالح بن يوسف في آب/ أغسطس عام 1961، فقد ورد اسمه ضمن المجموعة التي نُسبت إليها المشاركة في تلك العملية، إلى جانب عدد من المنفذين الآخرين، ومنهم ابن بلدته عبد الله بن مبروك[15]. يؤكد هذا ما جاء في محاضرة ألقاها بورقيبة يوم 15 كانون الأول/ ديسمبر عام 1973 ضمن سلسلة محاضراته حول تاريخ الحركة الوطنية، حيث صرّح بأنّه طلب من "حسن بن عبد العزيز أن يقدّم له المتطوعَين اللذين نفّذا عملية الاغتيال قصد توسيـمهما ومكافأتهما [على ما فعلا]"[16]. وكان المقصود بهما محرز بن خليفة، وعبد الله بن مبروك[17].
مقابل هذا الولاء المطلق، تمكّن حسن بن عبد العزيز من الحصول على امتيازات مادية مهمّة، أبرزها آلاف الهكتارات من الأراضي بجهة القيروان، وذلك بوساطة الوزير عبد الله فرحات، وهو أيضًا من أبناء بلدته[18]. وقد شكّل هذا الجانب انعكاسًا للعلاقة الجدلية بين "الشرعية الثورية" والامتيازات الممنوحة من الدولة الوطنية الناشئة لفائدة الموالين للزعيم. كذلك قُلِّدَ العديد من الأوسمة على غرار وسامي الاستقلال الأكبر والأصغر، ووسام الجمهورية، ووسام ذكرى الجلاء.
وبعد إطاحة بورقيبة في 7 تشرين الثاني/ نوڨمبر عام 1987، ظلّ حسن بن عبد العزيز وفيًا له، إذ كان من بين القلائل الذين سعوا للتدخل من أجل التخفيف عنه خلال فترة عزلته[19]. كذلك بقي ضمن الدائرة الضيقة التي سُمح لها بزيارته في منفاه بالمنستير، وهو ما يعكس استمرار تلك العلاقة الخاصّة التي ربطته ببورقيبة طيلة مسيرته.
المراجع
العربية
بورقيبة، الحبيب. "نص المحاضرة التاسعة للرئيس عن تاريخ الحركة الوطنية".
الصباح. 18/12/1973.
الكحلاوي، طارق. "شهادة أحمد بن صالح (4)".
الفجر نيوز. شوهد في: 16/8/2009. في:
المناعي، أحمد. "حسن بن عبد العزيز كما عرفته". شوهد في: 25/7/2021، في:
https://acr.ps/1L9F30b
هيئة الحقيقة والكرامة.
التقرير الختامي الشامل، الملخص التنفيذي. أيار/ مايو 2019.
الأجنبية
Bourguiba, Habib.
Ma vie, mon œuvre 1944-1951. Paris: Plon 1987.
Khlifi, Omar.
L’assassinat de Salah Ben Youssef. Tunis: Media Com, 2005.
Meddeb, Radhi. “Ahmed Mestiri: Un grand militant s’en va….”
Les Semeurs, 24/5/2021, at:
https://acr.ps/1L9F2o1
Moore, Clement Henry.
Tunisia Since Independence, the Dynamics of One-Party Government. Berkeley & Los Angeles: University of Valifornia Presse, 1965.
Nessir, Chokri Ben. “Séquestration de Bourguiba, le plus vieux interdit de liberté: Une plainte sans suite.” La Presse, 7/4/2023.
Sayah, Mohamed.
Le Néo-Destour brise le silence, 49-1944. Tunis: CDN, 1972.
[1] “L’actualité,”
La Dépêche Tunisienne, 18/12/1900, p. 2.
[2] أحمد المناعي، "حسن بن عبد العزيز كما عرفته"، 25/7/2021، شوهد في 21/1/2026، في:
https://acr.ps/1L9F30b
[3] Omar Khlifi,
L’assassinat de Salah Ben Youssef )Tunis: Media Com, 2005(, p. 26; Mohamed Sayah,
Le Néo-Destour brise le silence, 49-1944 (Tunis: CDN, 1972(, p. 99.
[4]Dialogue pour le progrès, no. 265 )1979(, p. 97.
[5] Habib Bourguiba,
Ma vie, mon œuvre 1944-1951, vol. 4 )Paris: Plon 1987(, p. 277.
[6] “La tête d’un tueur tunisien pris à pris 2 millions,”
L’écho d’Oran, 23/8/1953, p. 1.
[7] هيئة الحقيقة والكرامة،
التقرير الختامي الشامل، الملخص التنفيذي (أيار/ مايو 2019)، ص 215.
[8] Bourguiba, vol. 5, p. 107.
[9] “Des déclarations à Assabah de Sassi Lassoued et Hassen Ben Abdelaziz,”
Tunis Soir, 4/12/ 1954, p. 1.
[10] Radhi Meddeb, “Ahmed Mestiri : Un grand militant s’en va…,”
Les Semeurs, 24/5/2021, accessed on 21/1/2026, at:
https://acr.ps/1L9F2o1
[11] “La tête d’un tueur tunisien pris à pris 2 millions.”
[12] طارق الكحلاوي، "شهادة أحمد بن صالح (4)"،
الفجر نيوز، 16/8/2009، شوهد في 21/1/2026، في:
https://acr.ps/1L9F2za
[13] “Les deux premières manifestations de la Tunisie indépendante,” Réalités, 25/6/2006.
[14] هيئة الحقيقة والكرامة، ص 231.
[15] المرجع نفسه، ص 242.
[16] الحبيب بورقيبة، "نصّ المحاضرة التاسعة للرئيس عن تاريخ الحركة الوطنية"،
الصباح، 18/12/1973، ص 10.
[17] هيئة الحقيقة والكرامة، ص 245.
[18] Clement Henry Moore,
Tunisia Since Independence, the Dynamics of One-Party Government (Berkeley & Los Angeles: University of Valifornia Presse, 1965), p. 142.
[19] Chokri Ben Nessir, “Séquestration de Bourguiba, le plus vieux interdit de liberté: Une plainte sans suite,” La Presse, 7/4/2023.