تسجيل الدخول

الفقه اليهودي

​​​​​​

الفقه اليهودي (هَلاخاه) لفظة عبرية يرادفها الفقه في المصطلح الإسلامي، وهي مشتقة من الجذر "هَلَخ" بمعنى "ذَهَبَ". تُستخدم اصطلاحًا للتعبير عن جملة الأبعاد والمضامين الشرعية التي تأخذ طابع القانون الديني بالاصطلاح المعاصر، وتتناول مختلف العلاقات الفردية والجماعية، والشخصية والاجتماعية والدولية، والممارسات والطقوس اليهودية جميعها. كان لفظ "هالاخاه" (جمع: هالاخوت) يعني اصطلاحًا الشريعة أو الحُكم الشرعي المُحدد بشأن حالة مُعينة. إلى جانب استمرار هذا الاستخدام، تطور معه استخدامٌ عام لمصطلح الهلاخاه للدلالة على نظام اليهودية القانوني كاملًا، الشامل للقوانين والطقوس جميعها بتفاصيلها المختلفة. وأصبحت دراسة الفقه والشريعة في الحقب الّلاحقة لخراب الهيكل الثاني (70م) الواجب الديني الأسمى. ونظرًا إلى صعوبة موضوعها وأهميتها العملية لليهودية، كانت لهذه الدراسة الأسبقية على أي جانب آخر من جوانب الدراسة اليهودية.

البعدان الإلهي والبشري

تُعدّ مسألة سلطة استخراج الأحكام وتحديد مصادرها، إلى جانب تناول المسائل الفقهية عمومًا، من المسائل الجوهرية التي تُسهم في التمييز بين الشريعة (التوراة) والفقه (الهلاخاه) في الديانة اليهودية[1]. تغطي الشريعة كما تُفهم في التقاليد اليهودية الأرثوذكسية (الحاخامية أو الربّانية) أوجه حياة المؤمنين كافة، جماعة وأفرادًا، من عقائد وعبادات ومعاملات وسياسات. وقد نصّت عليها أسفار التوراة صراحة، أو وردت في آثار السلف، ولا سيما المِشْناه وتفسيرات السلف لها المتضمنة في التلمود، ويطلق عليها جميعًا تعبير التوراة الشفوية. يُنظر إلى الفقيه في هذا السياق، أو رجل الدين اليهودي عمومًا، بوصفه شخصية ذات مكانة روحية خاصة، قد تتلقى أشكالًا من الوحي تتراوح بين الإلهام والأحلام والرؤى الصوتية السماوية (الهاتف السماوي- "بَت كول") بل وحتى تجليات ملائكية محدودة. ومع ذلك، فإنه من غير الجائز في الفقه اليهودي، كما في نظيره الإسلامي، الاستناد إلى مثل هذا الوحي – على اختلاف مستوياته – في عملية استخراج الأحكام، إذ يُنظر إلى الفقه على أنه نتاج اجتهادي بشري على الرغم من استناده إلى النصوص المقدّسة، ولكنه لا يُعد بالمبدأ امتدادًا للوحي الإلهي. فيتمثّل الدور الأساسي للفقيه في اليهودية الحاخامية، أو الأرثوذكسية، في استنباط الأحكام العملية استنادًا إلى أصول الفقه التي تشمل: العهد القديم (التناخ)، وآثار السلف (التلمودين -البابلي والأورشليمي/ الفلسطيني- وبعض مصنّفات السلف الأخرى)، والإجماع. ويُلحظ أن القياس – على خلاف ما هو معمول به في معظم الطوائف والمذاهب الإسلامية – لا يُعد أداة فقهية مقبولة في هذه الطائفة اليهودية السائدة، وإن كانت طائفة القَرَّائين اليهودية اعتبرته قديمًا (بدءًا من القرن الثامن الميلادي) أصلًا من أصول الفقه.

ويُعد مبدأ استقلالية الاجتهاد الفقهي عن التدخّل الإلهي أحد المبادئ المؤسّسة في الفقه اليهودي، وقد بُني على العبارة التوراتية "ليست هي بالسَّماء {{تعكس العبارة اعتقادًا يهوديًّا تقليديًّا مفاده أن التوراة تخضع لتفسيرات بشرية، رغم كونها مُنزّلة من السماء. وتشير العبارة أيضًا إلى أن الخلافات الفقهية لا تُحسم بناءً على وحي أو إلهام، بل بجهد بشري محض. وتُستخدم العبارة اليوم على نحوٍ مجازي للإشارة إلى أنه لا يستحيل على الإنسان شيء إذا بذل جهودًا كبيرة لتحقيقه.}}" (التثنية، 30: 12)، التي استُخدمت للتأكيد على أن عملية استخراج الأحكام هي من اختصاص الفقهاء حصرًا، ويجب اعتماد رأي الأغلبية فيما بينهم. وينسحب هذا المبدأ أيضًا على تفسير التوراة وفهم آثار السلف الأوائل، استنادًا إلى الاعتقاد بأن التوراة، بعد أن نزلت على النبي موسى، أصبحت في عهدة البشر، وهم وحدهم المخوّلون بفهمها وتطبيقها، من دون أي تدخّل لاحق من الوحي.

يرتبط هذا التوجّه ارتباطًا وثيقًا بالثورة الدينية التي أعقبت دمار الهيكل الثاني (70م)، إذ اضطر الفقيه يوحَنان بن زَكّاي إلى إحداث تحوّل جوهري في تنظيم الحياة الدينية بعد دمار الهيكل، الذي اعتُبر حتى تلك الفترة مركز العبادة الحصري، حيث كانت العبادة تتمحور بالأساس حول تقديم القرابين والتقدمات، فاستُبدلت منظومة القرابين بعد دمار الهيكل بممارسات بديلة، كـالصلاة، وقراءة التوراة ودراستها والبحث في آثار السلف، وبناء الكُنس في مختلف التجمعات اليهودية، ما تطلّب إعادة هيكلة السلطة الفقهية من خلال استبدال السَنْهَدْرين، وهو المجمع الفقهي الأعلى (أو المحكمة الفقهية العليا)، فتوزّعت المهمّات بين الفقهاء المحليّين واستعانة بعضهم ببعض، ما دفع إلى ضرورة استحداث نوع أدبي فقهي جديد هو "الأسئلة والأجوبة"، على نحو يتوجّه معه فقيه يكون مسؤولًا عن الشؤون الدينية لطائفة محلية في بلدة أو مدينة معينة بأسئلة فقهية محددة إلى جملة من الفقهاء المحليّين الآخرين والسلطات الفقهية الأعلى لتلقي الأجوبة عليها أو لإثارة نقاش على أمل التوصّل معًا إلى أجوبة شافية.

على الرغم من ذلك، فالافتراض السائد في المصادر اليهودية التقليدية المعتمدة هو أنَّ الفقه ومخرجاته، وكذلك القرارات الشرعية، جميعها مصدرها هو وحي موسى، أي أنَّ هذه الاجتهادات البشرية اللاحقة إنما تنبع من توراة موسى والتفسيرات الشفوية التي نقلها إلى الشيوخ {{بسبب خطايا بني إسرائيل المتكرّرة في تيهِ سيناء، احتجّ موسى: "لا أقدرُ أنا وحدي أن أحملَ جميعَ هذا الشَّعبِ لأنه ثقيلٌ عليَّ"؛ فأمره الرَّبُّ أن "اِجْمع إليَّ سبعين رجلًا من شيوخ بني إسرائيل" (العدد 11: 14، 16)، واقتبسَ الرَّبُّ من روح نبوّة موسى وأحلَّها على هؤلاء الشيوخ (العدد 11: 25). وقد تحوّل هؤلاء إلى مساعدين لموسى في قيادة بني إسرائيل سياسيًا ودينيًا.}} ووصلت أخيرًا إلى جملة الحاخامات والفقهاء في كل عصر، وينعكس هذا التوجّه في العبارة الشهيرة المستخدمة بين الفقهاء القائلة "هذه شريعة أُعطيت لموسى في سيناء" (هَلاخاه لموشي مسيناي {{هَلاخاه لموشي مسيناي: تعبير في لغة الفقهاء اليهود لوصف التجلّي الإلهي، وفق تراث السلف اليهود، من أجل منح بني إسرائيل "التوراة" المكتوبة والشفوية في موقف طور سيناء بوساطة موسى. فالتوراة الشفوية تشمل جميع الأحكام بوصفها توضيحًا للتوراة المكتوبة، وانتقلت من موسى منذ موقف طور سيناء إلى الشيوخ، ومن ثَمَّ إلى الفقهاء فالتلاميذ حتى وصلت إلى عصرنا. لكن العديد من الأحكام الواردة في التوراة الشفوية ليس له سند في التوراة المكتوبة، لهذا يقول السلف إن المقصود بهذه العبارة هو تأكيد المصدر الإلهي لهذه الأحكام الواردة في مناقشات الفقهاء السلف ومداولاتهم.}})[2]. هذا فيما يتعلّق بالنظرة التقليدية، أما أكاديميًا، فيرى جمهور الباحثين أن للفقه اليهودي تاريخًا يمكن تتبّعه لتوضيح التأثيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تركت أعقابها على الفقه اليهودي وتطوّره.


حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​ظهر النقاش في حدود سلطة الفقه، وفق التراث اليهودي، منذ الحقبة الفاصلة بين خراب الهيكل الثاني وفشل عصيان بار كوخْبا (70-136م)، ويُطلَق على فقهاء هذه الحقبة تعبير "تَنَائيم{{الثنويّون: من لغة التلقين ومراجعة النص وفحصه على الدوام مرة بعد الأخرى}}". ومن أشهر المسائل الفقهية الخلافية التي ظهرت في تلك الفترة مسألة الحدود الفاصلة بين الطهارة والنجاسة والمتمثّلة في قصة طابون عخناي (المترجمة لاحقًا بكاملها من التلمود البابلي لأهميتها بعد سرد سياق ورودها).

طابون (فرن) عَخْناي

هي إحدى أشهر القصص الواردة في التلمود البابلي (الباب الأوسط/ بابا متسيعا 59ب) تعالج خلافًا ظهر بين فقهاء السلف الثنويّين بشأن مسألة فقهية محدّدة مرتبطة بالطّهارة والنّجاسة، وهي القصة التي اشتهرت بالاسم قصة "طابون/ فرن عخناي". وعخناي (أو حخناي) هو تصحيف كلمة "أكيدنا" السريانية المأخوذة من اليونانية وتعني أفعى. وثمة اعتقاد آخر يفيد أنَّ عَخْناي هو اسم شخص كان يعمل في بناء الطوابين آنذاك. أما "طابون عخناي"، فهو طابون مبني من الطوب يتخذ شكل الأفعى حين تلتف حول نفسها. وهناك مجاز تلمودي يقول "هِكِيفُوهُو كِتَنُورو شِلْ عَخْناي" (أحاطوا به كطابون عخناي) ومعناه: أحاطوا بالشيء من كلّ جوانبه. ويتلخّص الخلاف المطروح أمام الفقهاء في كيفية التعامل مع هذا الطابون، هل يجب اعتباره وحدة واحدة قائمة بذاتها أم لا؟ هل هو طاهر أم نجس؟ رأى البعض، كما جاء عند الفقيه شْلومو يِتْسْحاقي (ولد ونشط في المنطقة المعروفة في عصرنا باسم فرنسا، ت. 1105م)، أنَّ هذا الطابون شأنه شأن عمارة البيت، ولهذا يحكم عليه كالحكم على التراب بصفته العنصر الأساسي المكوّن للعمارة، ويعتبر التراب طاهرًا ولا تلحقه نجاسة بحسب الشريعة اليهودية التقليدية. فإذا فُكَّ هذا الطابون إلى عناصره الأولية وأعيد بناؤه من جديد بوساطة لصق أجزاء الطّوب بالطين، هل يعتبر في هذه الحالة أداة لا تقبل النجاسة، لأنَّ عناصره المكوّنة له لا تقبل النجاسة، أم لا، كما اعتقدت غالبية الفقهاء في حينه لأنَّ العديد من الأدوات المستخدمة في الطهي تقبل النجاسة، بصرف النظر عن العناصر المكوّنة لها؟

تحوّلت هذه المسألة من نقاش فقهي جزئي إلى خلاف مبدئي على مشروعية اللجوء إلى الوحي والمعجزات و"الهاتف السماوي" (بَت كول) في ترجيح رأي فقهي. فالخلاف لم يكن متعلقًا بحكم شرعي بعينه فقط، بل بالمرجعية الحاسمة في الاستنباط الفقهي أيضًا: هل يُسمح بالاحتكام إلى الوحي أو الرؤى لتقرير الحكم الشرعي، أم يجب قصر العملية على اجتهاد الفقهاء ومحاججاتهم؟ فيمكن أن يأتي أحد الفقهاء في سياق مناقشة مسألة فقهية معينة ويدّعي استنادًا إلى عبارة توراتية معينة، أو القول إنه جاءه وحي من السّماء في الحلم أو اليقظة ليخبره بالشرع "الصائب" الذي يجب التوصّل إليه في مسألة فقهية مطروحة، في حين يأتي فقيه آخر فيدّعي مثله ولكن وحيه أخبره بشرع "صائب" آخر يجب اعتماده. فما العمل في مثل هذه الحالة؟! وقد توصّل الفقهاء السلف إلى أنَّ الحل يكمن في حصر نتائج النقاش الفقهي إلى اجتهاد الفقهاء أنفسهم. وفيما يأتي أهم الفقرات التلمودية التي تناقش مسألة طابون/ فرن عخنايّ.

قصة "طابون/ فرن عخنايّ"

تساءل[3] [الفقهاء]: ما معنى عخنايّ [أفعى] ولماذا أطلق عليه هذا الاسم؟ أجاب الفقيه يهودا عن [الفقيه] صموئيل: لقد أحاط الفقهاء بمسألة ما من كل جانب، كالأفعى التي تلتف حول نفسها، فنجّسوها. وردّد [الفقهاء] القول: في ذلك اليوم حين ناقش الفقهاء المسألة، طرح الفقيه إليعازر جميع الحجج الممكنة من أجل تعزيز رأيه، ولكنهم لم يقتنعوا بكل ذلك.

خاطبهم إليعازر قائلًا: إذا كان فقه الشريعة يتوافق مع رأيي، ستثبت شجرة الخروب هذه ذلك، فانتقلت شجرة الخروب من مكانها مسافة مئة ذراع، وقال بعضهم: بل أربعمئة ذراع. أجابه [الفقهاء]: لا نأخذ الدليل الشرعي من شجرة خروب. ثم قال لهم الفقيه إليعازر: إذا كان فقه الشريعة يتوافق مع رأيي، ستثبت قناة المياه ذلك، فتحوّل اتجاه الماء في القناة إلى الخلف. أجابه [الفقهاء]: لا نأخذ الدليل الشرعي من قناة مياه. ثم قال لهم الفقيه إليعازر: إذا كان فقه الشريعة يتوافق مع رأيي، ستثبت جدران قاعة المجلس الفقهي ذلك، فمالت جدران القاعة إلى الداخل وكانت على وشك السقوط. وجّه الفقيه يِهوشَع صرخة باتجاه الجدران قائلًا لها: إذا كان فقهاء التوراة يتناقشون فيما بينهم في أمور فقه الشريعة، ما علاقتك بهذا النقاش؟ لم تسقط الجدران احترامًا للفقيه يِهوشَع، ولكنها لم تستقم أيضًا إجلالًا للفقيه إليعازر، فلا تزال مائلة. عاد الفقيه إليعازر وقال لهم: إذا كان فقه الشريعة يتوافق مع رأيي، ستثبت السّماء ذلك. خرج هاتف من السّماء (بَت كول) قائلًا: لماذا تخالفون الفقيه إليعازر، فإنَّ فقه الشريعة يتوافق مع رأيه في كل مسألة؟

وقف الفقيه يهوشع على رجليه وقال: "ليست هي بالسَّماء" (التثنية، 30: 12). يتساءل الفقهاء: ما علاقة عبارة "ليست هي بالسَّماء" في هذا النقاش؟ أجاب الفقيه إرْمِيا: بما أنَّ التوراة أُنزلت في طور سيناء، فإننا لا نأخذ برأي الهاتف من السّماء، كما جاء في التوراة في طور سيناء: "مائلًا وراءَ الكثيرينَ" (الخروج، 23: 2)، وبما أنَّ رأي معظم الفقهاء خالف رأي الفقيه إليعازر، فإن فقه الشريعة لا يأخذ برأيه (بل ملتزم برأي الأغلبية). ويروي الفقهاء أنه بعد سنوات، التقى الفقيه ناتان بإيليا (إلياس) النبي وقال له: ماذا فعل القدوس تبارك اسمه في ذلك الوقت (عندما أصدر الفقيه يهوشع الحكم)؟ فقال له إيليا: ابتسم القدوس تبارك اسمه وقال: لقد انتصر أبنائي عليّ، انتصر أبنائي عليّ.

قال الفقهاء: في ذلك اليوم، أحضروا جميع المأكولات التي أجازها الفقيه إليعازر بصفتها طاهرة وقذفوها في النار (لحرقها في الطابون/ الفرن لأنها بحكم النجسة)، واتفق الفقهاء على هذا الحكم في ذلك ونبذوا الفقيه إليعازر. وقال الفقهاء: من يذهب ليخبره بقرار نبذه؟ قال لهم الفقيه عَكيفا (التلميذ المحبّب عليه): أنا أذهب لئلَّا يذهب آخر غير لائق فيبلغه بطريقة مهينة فيدمّر، من ثم، العالم بأسره.

فريضة اعتماد حكم الأغلبية

الحل الذي توصّل إليه الفقهاء في حقبة "الثنويّين" عبر مناقشة مسألة "طابون عخناي"، هو أنَّ المسائل الفقهية مرتبطة حصرًا بالفقهاء أنفسهم والحجج التي يطرحونها، واعتماد رأي الأغلبية في نهاية المطاف، استنادًا إلى العبارة التوراتية "وراءَ الأكثر فَمِلْ" (الخروج، 23: 2) التي تحوّلت إلى إحدى وصايا التوراة الـ 613 المفروضة على اليهود جماعة وأفرادًا. ولكن الجملة التوراتية الكاملة التي أخذت منها هذه العبارة ترد بصياغة سلبية: "لا تَتْبَعِ الكثيرينَ إلى فِعْلِ الشَّرِّ، ولا تُجِبْ في دعوى مائلًا وراءَ الكثيرينَ للتَّحريف"، أي توصي هذه الجملة التوراتية بعدم اتّباع رأي الأكثرية إذا مال إلى الشرور وعدم الاستقامة، ولكنها لا تقول صراحة إنه يجب اعتماد رأي الأغلبية في الأمور الفقهية وأمور أخرى. ويقول أَبْرَاهام بِن عِزْرا الأندلسي (ت. 1164م)، في تفسيره لسفر الخروج (23: 2)، إنَّ الفيومي، الذي لم تصل مناقشاته الفقهية في هذا الصدد، قد فسّر هذه الجملة التوراتية على مستوى الشريعة بأن هناك وصيتين إلهيتين، الأولى أمر والأخرى نهي، ومفاد الأولى الأمر بالأخذ بحكم الأكثرية، ولكنه لم يفصّل ولم يذكر وصية النهي. أما بِن عِزرا فيعارض هذا التفسير ويقول إنه يُستدل أن هذه العبارة لا تُجيز اتباع الأكثرية إذا صدر عنها حكم "جائر"، ولكنها تأمر بذلك في حال كان الحكم "صائبًا"، ما يعيد طرح إشكالية الجهة التي يُناط بها تمييز "الشر" أو "الجور" عن "الخير" و"السلامة" في الحكم[4].

وقد ضمّ موسى بن ميمون هذه الوصية، ضمن قائمة الأوامر والنواهي الشرعية الـ 613 في الشرع اليهودي، (وهي الوصية رقم 175 في وصايا الأمر)، وفيما يلي نصّها: "الأمر الذي أمرنا أن نتبع الأكثرية إذا وقع الاختلاف بين العلماء في حكم من أحكام الشريعة كلّها، ونتبعه في الحكم الجزائي أيضًا، أعني في حكم بين رُؤوبين وشِمعون مثلًا إذا وقع الخلاف بين ’قضاة بلدهما‘ هل شمعون هو ’المذنب‘ أو رؤوبين، نتبع الأكثر، وهو قوله تعالى: ’وراء الأكثر فملْ‘، وببيان (وفي بيان ذلك) قالوا: ’أكثرية من التوراة‘"[5].

المصادر والمراجع

Jacobs, Louis, Benjamin De Vries &, Menahem Slae. “Halakhah.” in: Encyclopedia Judaica. Second edition. vol. 8: GOS-HEP. Jerusalem: Keter Publishing House, 2007.

بن عزرا، أبراهام. تفاسير التوراة لمعلّمنا أبراهام بن عزرا – سفر الخروج. تحقيق آشر فايزار. القدس: مؤسّسة الراب كوك، 1977.

بن ميمون، موسى. جملة أحكام الشريعة وإعمالها (سيفر همتسفوت). تحرير وترجمة يوسف كافح. القدس: مؤسّسة الراب كوك، 1971.

الفيومي، سعيد. تفاسير معلّمنا سعاديا غاؤون للتوراة. تحقيق يوسف كافح. القدس: مؤسّسة الراب كوك، 1998.

________. تفسير الراب سعاديا غاؤون لسفر الخروج. تحقيق يهودا رتسهابي. القدس: مؤسّسة الراب كوك، 1998.

[1] يُنظر:

Louis Jacobs, “Halakhah le Mosheh mi Sinai,” in: Encyclopedia Judaica, Second edition, vol. 8: GOS-HEP (Jerusalem: Keter Publishing House, 2007), p. 258a-b; Louis Jacobs, Benjamin De Vries & Menahem Slae, “Halakhah,” Encyclopedia Judaica, Second edition, vol. 8: GOS-HEP (Jerusalem: Keter Publishing House, 2007), pp. 251b-258a.

[2] يُنظر:

Jacobs, op. cit.

[3] ترجمة عربية للفقرة كما ترد في التلمود البابلي، بابا متسيعا/ الباب الأوسط 59ب.

[4] مقتبس في: أبراهام بن عزرا، تفاسير التوراة لمعلّمنا أبراهام بن عزرا – سفر الخروج، تحقيق آشر فايزار (القدس: مؤسّسة الراب كوك، 1977)، ص 158، 300-301 (بالعبرية)؛ سعيد الفيومي، تفسير الراب سعاديا غاؤون لسفر الخروج، تحقيق يهودا رتسهابي (القدس: مؤسّسة الراب كوك، 1998)، ص 125 (بالعبرية والعربية اليهودية)؛ تُنظر الحاشية 3، في: سعيد الفيومي، تفاسير معلّمنا سعاديا غاؤون للتوراة، تحقيق يوسف كافح (القدس: مؤسّسة الراب كوك، 1998)، ص 89 (بالعبرية والعربية اليهودية).

[5] موسى بن ميمون، جملة أحكام الشريعة وإعمالها (سيفر همتسفوت)، تحرير وترجمة يوسف كافح (القدس: مؤسّسة الراب كوك، 1971)، ص 147 (بالعبرية).


المحتويات

الهوامش