الموجز
يوري هنريك فون رايت (Georg Henrik von Wright، 1916-2003) فيلسوف ومنطقي فنلندي، ومن أبرز ممثلي المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة. تتلمذ في جامعة هلسنكي على يد الفيلسوف وعالم النفس
إينو ساكاري كايلا (Eino Sakari Kaila، 1890-1958)، وتأثر بالفيلسوف
لودڤيغ فيتغنشتاين (Ludwig Wittgenstein، 1889-1951) وخَلَفه في كرسي الفلسفة بجامعة كامبريدج عام 1948.
عُرف بإسهامه في تطوير
منطق الجهات الحديث وتعميقه. وأرسى في مقالته المنطق المعياري (1951) أسس
المنطق الديونطيقي/ المعياري بوصفه مجالًا فلسفيًا ومنطقيًا مستقلًا، وحلّل فيها صوريًا مفاهيم الجواز والإلزام والحظر. وفي كتابه
التفسير والفهم (1971)، أصّل التمييز بين التفسير القصدي والتفسير السببي. وقد تجاوز أثره المنطقَ إلى فلسفة الفعل وفلسفة القانون والعلوم الاجتماعية.
نشأته ومسيرته الأكاديمية
وُلد يوري هنريك فون رايت في مدينة هلسنكي الفنلندية، في عائلة نبيلة مثقفة ناطقة بالسويدية، ذات أصول فنلندية واسكتلندية تعود إلى القرن السابع عشر. وكان والده، تور فون رايت (Tor von Wright)، يعمل مديرًا تنفيذيًا لإحدى الشركات. أما والدته فتنحدر من أسرة فنلندية سويدية متعلمة، وقد أسهمت في تربيته وصقل شخصيته وفق تقاليد
المذهب البروتستانتي اللوثري (Lutheran Protestantism)[1].
التحق فون رايت بالمدرسة الثانوية السويدية (Svenska Normallyceum)، وبرز فيها في الرياضيات. وبعد حصوله على الشهادة الثانوية عام 1934، انتسب إلى جامعة هلسنكي (University of Helsinki)، ودرس فيها الفلسفة والتاريخ والعلوم السياسية موادَّ رئيسة، والرياضيات مادةً فرعية. وتعرّف هناك إلى كايلا، الذي عرّفه بحلقة فيينا (Vienna Circle) وبالمنطق الحديث. حصل على البكالوريوس عام 1937، ثم تابع دراساته العليا في الجامعة نفسها، ونال الدكتوراه عن أطروحته "المشكلة المنطقية للاستقراء" (The Logical Problem of Induction) (1941)، تحت إشراف كايلا[2].
صفحة عنوان أطروحة فون رايت، المشكلة المنطقية للاستقراء
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وفي عام 1939، سافر فون رايت إلى جامعة كامبريدج، وحضر هناك محاضرات الفيلسوف لودڤيغ فيتغنشتاين حول مبادئ الرياضيات. فبدأت العلاقة بينهما تتوطد، وأظهر فيتغنشتاين إعجابًا بنباهة فون رايت وقدراته المنطقية. وفي عام 1948، تولى فون رايت كرسي الفلسفة في جامعة كامبريدج خلفًا لفيتغنشتاين، بعد أن كان أستاذًا للفلسفة في جامعة هلسنكي منذ عام 1946، ثم عاد إلى هلسنكي عام 1951. وفي تلك المرحلة وما تلاها، قدّم أبحاثًا كثيرة في ميادين المنطق الديونطيقي/ المعياري، ومنطق الزمن (Tense Logic)، ومنطق الفعل (Logic of Action)، وعقد علاقات وثيقة مع كثير من المناطقة والفلاسفة التحليليين. وفي عام 1961، عُيّن عضوًا في أكاديمية فنلندا (Academy of Finland)، وظل أستاذًا باحثًا فيها حتى تقاعده عام 1986، كما شغل منصب أستاذ زائر دائم في جامعة كورنيل (Cornell University) بين عامي 1965 و1977. وتوفي في بيته بمدينة هلسنكي عن 87 عامًا[3].
إينو ساكاري كايلا
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أبرز مؤلفاته
ما يميز الأعمال الفلسفية والمنطقية لفون رايت هو مسلكها التحليلي الدقيق والصارم، الذي يُعنى بالبناء المنطقي الصوري المحكم، ويهتم بالإشكاليات المفاهيمية المتعلقة بفلسفة العلوم وفلسفة الفعل. وقد كان لهذه الأعمال أثر كبير في تطوير المنطق المعياري ومنطق الجهات. ومن أهم أعماله ما يلي:
صفحة عنوان كتاب المعيار والفعل بحث منطقي، لمؤلفه فون رايت
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
-
مقال حول منطق الجهات[4] (An Essay in Modal Logic) (1951)
-
المنطق الديونطيقي/ المعياري[5] (Deontic Logic) (1951)
-
المعيار والفعل: بحث منطقي[6] (Norm and Action: A Logical Enquiry) (1963)
-
التفسير والفهم[7] (Explanation and Understanding) (1971)
-
السببية والحتمية[8] (Causality and Determinism) (1974)
-
فيتغنشتاين[9] (Wittgenstein) (1982)
-
الحقيقة والمعرفة والجهة[10] (Truth, Knowledge and Modality) (1984)
-
ست مقالات في المنطق الفلسفي[11] (Six Essays in Philosophical Logic) (1996)
صفحة عنوان كتاب الحقيقة والمعرفة والجهة، تأليف فون رايت
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
منطق الجهات والمنطق المعياري
تُعدّ أبحاث فون رايت في المنطق المعياري ومنطق الجهات أبرز إسهاماته في فلسفة المنطق، إذ وسّع فيها ميدان المنطق الصوري الكلاسيكي، من خلال تحليلاته لمفاهيم الضرورة (Necessity)، والإمكان (Possibility)، والإلزام (Obligation)، وغيرها. وتُعد مقالته المركزية
المنطق المعياري (Deontic Logic) (1951) الدراسة التأسيسية التي عالج فيها النسق الرمزي للقضايا المعيارية، فوضع المبادئ النظرية لهذا الحقل، محددًا العلاقات المنطقية الصورية بين صياغات الحظر (Prohibition) والجواز (Permission) والإلزام، وموضحًا شرائط توليدها، في إطار نسق استنباطي مضبوط. كما تجلى تعميقه لمنطق الجهات في كتابه
مقال حول منطق الجهات (An Essay in Modal Logic) (1951)، وهو العمل الذي أعاد فيه فون رايت ضبط مفاهيم الإمكان والضرورة وتنظيمها في إطار أنساق رمزية متغايرة. وبهذه الجهود والإسهامات أصبح المنطق المعياري ميدانًا قائمًا بذاته في سياق الفلسفة التحليلية المعاصرة (Contemporary Analytic Philosophy). وكان لذلك تأثير كبير وحضور واسع في ميادين أخرى، مثل: نظرية الفعل، وفلسفة القانون، وفلسفة اللغة[12].
التفسير وفلسفة الفعل
في أعماله اللاحقة، أسهم فون رايت في
فلسفة الفعل (Philosophy of Action)، بتحليله البنية المنطقية للعلاقة بين السبب (Reason) والقصد (Intention) والفعل (Action). واستند إسهامه إلى مراجعته النقدية المعمقة للنموذج التفسيري الذي كان سائدًا في العلوم الفيزيقية، وقد تضمنت هذه المراجعة رفضًا لحصر الفعل البشري في مجرد واقعة تحكمها علّية أو سببية خالصة، إذ حاجَّ فون رايت بأن الفعل البشري ضرب من السلوك القصدي، وأن علله تُفهم بوصفها دوافع يستند إليها الفاعل في سياق معياري. وبناءً على هذا المسلك، أقام فون رايت تمييزًا منهجيًا بين التفسير العلّي الذي يربط الحوادث بالقوانين العامة، والتفسير القصدي الذي يسعى إلى إجلاء المعنى الذي يُضفيه الفاعل على فعله، عن طريق الرابطة المنطقية بين النية والفعل. وقد فصّل هذا البرنامج تفصيلًا نسقيًا في كتابه
التفسير والفهم. وبهذا العمل، أعاد تحديد منزلة العلوم الإنسانية في مقابل العلوم الفيزيقية، منافحًا عن فكرة أساسية مفادها أن الفهم لا يُعد بديلًا عن التفسير، وإنما هو ضرب مختلف عنه يستعين بتحليل الدوافع والمعايير والقواعد التي تنظم الفعل البشري. وقد أسهمت هذه الأفكار في إعادة صياغة الجدل المعاصر حول طبيعة التفسير في العلوم الاجتماعية، ولا سيما في مسألة إمكان ردّ الأفعال الإنسانية إلى علل فيزيقية محضة[13].
علاقته بفيتغنشتاين
جمعت بين فون رايت وفيتغنشتاين علاقة وثيقة على الصعيدين الفلسفي والشخصي. وقد تجلّت متانة هذه العلاقة في اختيار فيتغنشتاين فون رايت أحدَ الأوصياء على تركته الفكرية، إذ عمل مع
إليزابيث أنسكومب (Elizabeth Anscombe، 1919-2001)
وراش ريس (Rush Rhees، 1905-1989) على تحرير مخطوطاته ونشرها بعد وفاته، ومنها كتاب
في اليقين[14] (On Certainty) (1969). وقد أسهم هذا العمل التحريري في تعزيز حضور فلسفة فيتغنشتاين عمومًا، وأعماله الأخيرة خصوصًا، في سياق الفلسفة التحليلية المعاصرة، ولا سيما انتقاداته الصارمة للنسقية المنطقية المغلقة، ودعوته إلى تحليل استعمال اللغة في سياقاتها العملية. ولم تكن العلاقة بين الفيلسوفين علاقة تبعية، بل كان لفون رايت مسلكه ومشروعه الفلسفي المستقل في مجالات لم تحظَ باهتمام خاص لدى أستاذه فيتغنشتاين، ولا سيما منطق الجهات والمنطق المعياري، ومسائل التفسير والفهم وفلسفة الفعل[15].
أثره في الفلسفة المعاصرة
سول كريبكه
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
حظيت الإسهامات الفلسفية لفون رايت باهتمام كثير من الفلاسفة المعاصرين واللاحقين في مجالات المنطق المعياري ومنطق الجهات والفلسفة التحليلية وفلسفة الفعل. ومن أبرزهم
سول كريبكه (Saul Kripke، 1940-2022)، إذ قدّم كريبكه تفسيرًا محكمًا لأنساق منطق الجهات التي صاغها فون رايت، ومنها النسق M، في إطار دلالة العوالم الممكنة (Possible Worlds Semantics). وكان للمشروع الفلسفي لفون رايت حضور وتأثير في ميادين أخرى، ولا سيما (Philosophy of Law)، كما يظهر في أعمال الفيلسوف البريطاني
هربرت ليونيل أدولفوس هارت (Herbert Lionel Adolphus Hart، 1907-1992)، الذي استفاد من التحليلات الصورية التي وضعها فون رايت في المنطق المعياري، وبخاصة في ضبط العلاقات المنطقية بين مفاهيم الجواز والحظر والإلزام[16]. أما فيلسوف القانون
جوزيف راز (Joseph Raz، 1939-2022) فقد كان لفون رايت أثر في نظريته عن المعايير والسلطة القانونية، كما في كتابه
العقل العملي والمعايير (Practical Reason and Norms) (1975)، وتنبني هذه النظرية أساسًا على التحليل المنطقي الصارم لبنية الأسباب الملزِمة والواجبات[17]. وفي ميدان فلسفة الفعل، أرسى فون رايت التمييز المنهجي بين التفسير القصدي والتفسير العلّي، بإعادة فتح النقاش في طبيعة الدوافع وعلاقتها بالسببية، وهو النقاش الذي مثّل فيه الموقفَ المقابلَ الفيلسوفُ
دونالد ديفيدسون (Donald Davidson، 1917-2003)، الذي يرى أن الدوافع عللٌ للأفعال[18]. (Philosophy of Law)، كما يظهر في أعمال الفيلسوف البريطاني
هربرت ليونيل أدولفوس هارت (Herbert Lionel Adolphus Hart، 1907-1992)، الذي استفاد من التحليلات الصورية التي وضعها فون رايت في المنطق المعياري، وبخاصة في ضبط العلاقات المنطقية بين مفاهيم الجواز والحظر والإلزام[19]. أما فيلسوف القانون
جوزيف راز (Joseph Raz، 1939-2022) فقد كان لفون رايت أثر في نظريته عن المعايير والسلطة القانونية، كما في كتابه
العقل العملي والمعايير (Practical Reason and Norms) (1975)، وتنبني هذه النظرية أساسًا على التحليل المنطقي الصارم لبنية الأسباب الملزِمة والواجبات[20]. وفي ميدان فلسفة الفعل، أرسى فون رايت التمييز المنهجي بين التفسير القصدي والتفسير العلّي، بإعادة فتح النقاش في طبيعة الدوافع وعلاقتها بالسببية، وهو النقاش الذي مثّل فيه الموقفَ المقابلَ الفيلسوفُ
دونالد ديفيدسون (Donald Davidson، 1917-2003)، الذي يرى أن الدوافع عللٌ للأفعال[21].
المراجع
Kaipainen, Päivi. “Ludwig Wittgenstein and Georg Henrik von Wright: An Unexpected Friendship.”
Life Writing. vol. 21, no. 4 (2024). pp. 295-313.
Niiniluoto, Ilkka & Thomas Wallgren (eds.).
On the Human Condition: Philosophical Essays in Honour of the Centennial Anniversary of Georg Henrik von Wright. Acta Philosophica Fennica. vol. 93. Helsinki: Philosophical Society of Finland, 2017.
Niiniluoto, Ilkka. “G. H. von Wright on Logical Empiricism.”
Philosophies. vol. 9, no. 4 (2024). article 108.
Raatikainen, Panu. “Explanation and Understanding Revisited.”
Philarchive. At:
https://acr.ps/hBxQI3i
Schilpp, Paul Arthur & Lewis Edwin Hahn (eds.).
The Philosophy of Georg Henrik von Wright. The Library of Living Philosophers. vol. 19. La Salle, IL: Open Court Publishing Company, 1989.
Vilkko, Risto. “Georg Henrik von Wright (1916-2003).” Journal for General Philosophy of Science. vol. 36 (2005). pp. 1-14.
Wittgenstein, Ludwig.
On Certainty. G. E. M. Anscombe & G. H. von Wright (eds.). Denis Paul & G. E. M. Anscombe (trans.). Oxford: Basil Blackwell, 1969.
Wright, Georg Henrik von.
An Essay in Modal Logic. Amsterdam: North-Holland Publishing Company, 1951.
________. “Deontic Logic.” Mind. vol. 60, no. 237 (1951). pp. 1-15.
________. “Ludwig Wittgenstein: A Biographical Sketch.”
The Philosophical Review. vol. 64, no. 4 (1955). pp. 527-545.
________.
Norm and Action: A Logical Enquiry. London: Routledge & Kegan Paul, 1963.
________.
Explanation and Understanding. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1971.
________.
Causality and Determinism. New York: Columbia University Press, 1974.
________.
Wittgenstein. Oxford: Basil Blackwell, 1982.
________.
Truth, Knowledge and Modality: Philosophical Papers. vol. 3. Oxford: Basil Blackwell, 1984.
________.
Six Essays in Philosophical Logic. Helsinki: Philosophical Society of Finland, 1996.
[1] Paul Arthur Schilpp & Lewis Edwin Hahn (eds.),
The Philosophy of Georg Henrik von Wright, The Library of Living Philosophers, vol. 19 (La Salle, IL: Open Court Publishing Company, 1989), p. 3.
[2] Ilkka Niiniluoto, “G. H. von Wright on Logical Empiricism,”
Philosophies, vol. 9, no. 4 (2024), p. 2.
[3] Ibid., p. 1.
ولمزيد من التفصيل، يُنظر:
Päivi Kaipainen, “Ludwig Wittgenstein and Georg Henrik von Wright: An Unexpected Friendship,”
Life Writing, vol. 21, no. 4 (2024), pp. 295-313.
[4] Georg Henrik von Wright,
An Essay in Modal Logic (Amsterdam: North-Holland Publishing Company, 1951).
[5] Georg Henrik von Wright, “Deontic Logic,” Mind, vol. 60, no. 237 (1951).
[6] Georg Henrik von Wright,
Norm and Action: A Logical Enquiry (London: Routledge & Kegan Paul, 1963).
[7] Georg Henrik von Wright,
Explanation and Understanding (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1971).
[8] Georg Henrik von Wright,
Causality and Determinism (New York: Columbia University Press, 1974).
[9] Georg Henrik von Wright,
Wittgenstein (Oxford: Basil Blackwell, 1982).
[10] Georg Henrik von Wright,
Truth, Knowledge and Modality: Philosophical Papers, vol. 3 (Oxford: Basil Blackwell, 1984).
[11] Georg Henrik von Wright,
Six Essays in Philosophical Logic (Helsinki: Philosophical Society of Finland, 1996).
[12] يُنظر:
Wright, “Deontic Logic,” pp. 1-5.
[13] يُنظر:
Panu Raatikainen, “Explanation and Understanding Revisited,”
PhilArchive, accessed on 3/6/2026, at: https://acr.ps/hBxQI3i
[14] Ludwig Wittgenstein,
On Certainty, G. E. M. Anscombe & G. H. von Wright (eds.), Denis Paul & G. E. M. Anscombe (trans.) (Oxford: Basil Blackwell, 1969).
[15] للتوسع في هذه العلاقة، يُنظر:
Georg Henrik von Wright, “Ludwig Wittgenstein: A Biographical Sketch,”
The Philosophical Review, vol. 64, no. 4 (1955), pp. 527-545.
[19] Ibid., p. 5.
[20] Ibid., p. 6.
[21] Ibid., p. 11.