الموجز
كان كيلين أول مَن صكّ مصطلح "الجيوبولتكس"
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
الجيوبولتكس (Geopolitics) حقل معرفي يبحث في تحليل العوامل الجغرافية والأحداث التاريخية وتأثيرها في الدول، ووضع تصورات سياسية بناء عليها، لتعزيز نفوذها الخارجي. يتشكل الجيوبولتكس أساسًا من النظريات والمفاهيم التي قدمها مؤسسوه في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين، مثل:
رودولف كيلين (Rudolf Kjellén، 1864-1922) الذي سك المصطلح وشرح أسس هذا الحقل، وفردريك راتزل (Friedrich Ratzel، 1844-1904) ومفهومه عن
المجال الحيوي (Lebensraum)، وكارل هاوسُفر (Karl Haushofer، 1869-1946) الذي طور هذا المفهوم وأضاف مفاهيم أخرى مثل الحدود الديناميكية بهدف توسيع النفوذ الألماني، وألفريد ماهان (Alfred Thayer Mahan، 1840-1914) الذي بحث في أسس القوة البحرية وعناصرها، وهالفورد ماكيندر (Halford Mackinder، 1861-1947) الذي جعل الجغرافيا محورية في فهم الأحداث العالمية وطور
نظرية "قلب الأرض" (Heartland Theory)، وإشعياء باومان (Isaiah Bowman، 1878-1950) الذي حث على تدخل
الولايات المتحدة الأميركية في مناطق العالم، ونيكولاس سبايكمان (Nicholas J. Spykman، 1893-1943) الذي دعاها لاستخدام القوة وتوسيع تحالفاتها في مناطق "حافة المحيط" (Rimland). وقد وُظفت هذه النظريات والمفاهيم في سياسات دول كبرى حتى نهاية
الحرب العالمية الثانية (1939-1944) وأثرت في مناطق مختلفة من العالم.
بعد أفول الكتابة في علم الجيوبولتكس نحو ثلاثة عقود، بسبب توظيف
ألمانيا النازية لمقولاته، أعادت البحث فيه وأسهمت في انتشاره مرة أخرى كتابات
هنري كيسنجر (Henry Kissinger، 1923-2023)، وزبيغنيو بريجنسكي (Zbigniew Brzezinski، 1928-2017)، وكولين غراي (Colin S. Gray، 1943-2020)، وجيوفري سلون (Geoffrey Sloan، 1955-) وغيرهم منذ الثمانينيات. كذلك أثرت التطورات التي أعقبت نهاية
الحرب الباردة في رواج استخدام مفاهيمه وانتشار الأدبيات فيه، منها: توسع
منظمة حلف شمال الأطلسي (North Atlantic Treaty Organisation - NATO) والاتحاد الأوروبي (European Union - EU) باتجاه الشرق، وردود
روسيا على ذلك، وصولًا إلى حربها على أوكرانيا في عام 2022، وكذلك صعود
الصين ونفوذها عالميًا، ومحاولات احتوائها ضمن استراتيجية منطقة المحيطين: الهندي والهادي.
تعريفه
جعل ماكيندر الجغرافيا محورية في فهم الأحداث العالمية، وهو مطور نظرية قلب الأرض (Heartland Theory)
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
عرّف الجيوبولتكس عددٌ من مؤسسيه، مثل رودولف كيلين الذي سك المصطلح، ووصفه بأنه دور العوامل الجغرافية في تحديد السلوك القومي، ونظرية للدولة بوصفها كائنًا جغرافيًا حيًا أو ظاهرة مكانية، مع التركيز على موقع
الدولة بالنسبة إلى الدول الأخرى، وشكلها الإقليمي، وحجمها[1]. وعده كارل هاوسُفر المنهج الذي يبحث في علاقات الأرض بالتطورات السياسية، والمعتمد على الأسس العريضة لعلم الجغرافيا، وبخاصة
الجغرافيا السياسية (Political Geography)، بوصفها مذهبًا يتعلق بالحيز المكاني الحيوي السياسي وبنيته[2]. ورأى نيكولاس سبايكمان أن الجيوبولتكس ينظر في المشكلات الأمنية لبلد ما من الناحية الجغرافية، ويؤدي دورًا أساسيًا في الحفاظ على الأمن على أساس القوة الوطنية، ويعين على النظر في علاقات القوة للدول الكبرى[3]. أما جيوفري سلون وكولين غراي فمن المتخصصين في هذا العلم لاحقًا، فقد عرفاه بأنه نظرية تبحث في العلاقات ما بين المناطق وفي الأحداث التاريخية المؤثرة فيها، وتُستنج منه التفسيرات المتعلقة بالأهمية السياسية المعاصرة والمستقبلية لمختلف المفاهيم والعوامل الجغرافية، التي تقدم فرصًا للسياسيين[4]. كذلك عرفه فيليب كيلي بأنه دراسة تأثير سمات جغرافية معينة (مثل: مواقع المناطق والدول، والموارد، والتضاريس، والمناخ والمسافة، والهجرة، وأحجام الدول، وأشكالها، والديموغرافيا) في أفعال الدول وسياساتها الخارجية[5].
بناء على هذا، فالجيوبولتكس حقل معرفي متخصص، يبحث في كيفية أن تصبح الدولة قوية ومؤثرة، وذلك عبر فهم العناصر الجغرافية للدولة، وميزاتها الطبيعية، ومواردها، وتاريخها، وقدراتها، ومن ثم وضع رؤًى لسياسة خارجية فاعلة
نظرياته ومفاهيمه الأساسية
تعود أفكار الجيوبولتكس الأساسية إلى عدد من المفكرين الذين بحثوا في حل مشكلات بلدانهم أو في حثها على تولي زمام المبادرة والسيطرة والتأثير في المناطق حولها وعبر العالم، استنادًا إلى دراسة الخرائط الجغرافية والموارد الطبيعية لهذه البلدان وقدراتها، فضلًا عن تقديم شرح للأحداث التاريخية بما يخدم تصوراتهم.
وُجدت محاولات عديدة للربط بين التأثير المتبادل للجغرافيا والسياسة، قبل سك مصطلح الجيوبولتكس عام 1899، وانتظام أفكاره ومفاهيمه منهجيًا، إذ يوجد مفكرون بارزون عبر التاريخ ركزوا أيضًا على تأثير الأوضاع الجغرافية عامة، مثل: الباحث الفرنسي
جان بودان (Jean Bodin، 1530-1596) والفيلسوف
شارل مونتسكيو (Charles Montesquieu، 1689-1755). ويُعد كتاب
جغرافيا الدولة الألمانية (Der Deutsche Staatsgeographie) للجغرافي الألماني
ج. م. فرانز (J.M. Franz، 1700-1755) من أسس الجغرافيا السياسية العامة، من دون أن تكون موضوعه الأساسي، فقد عرف فحسب المظاهر الجغرافية للمناطق الألمانية في القرن الثامن عشر. ويرجع البعض الاستخدام العلمي للجغرافيا وتأثيرها في العلاقات الإنسانية إلى
إيمانويل كانط (Immanuel Kant، 1724-1804) في محاضراته حول الجغرافيا الطبيعية[6]،
يُعدّ فردريك راتزل مؤسسَ الجغرافيا السياسية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
لكن كانت دراسات مؤسسَي الجغرافيا الحديثة،
ألكسندر فون هومبولت (Alexander von Humboldt، 1769-1859) وكارل ريتر (Carl-Ritter، 1779-1859) في بداية القرن التاسع عشر هي الأكثر إسهامًا وتأثيرًا في أعمال فردريك راتزل، مؤسس الجغرافيا السياسية، فمع ترسخ
الدولة البروسية وتزايد قوتها وحاجتها إلى التوسع، ظهر أول عرض علمي كامل لموضوع الجغرافيا السياسية في كتاب راتزل المعنون
الجغرافيا السياسية أو جغرافية الدول والتجارة والحرب (Politische Geographie oder die Geographie der Staaten, des Verkehrs and des Krieges)، عام 1897، وفيه عبر عن أسفه لكون علم السياسة لا يكاد يُظهر التأثيرات الجغرافية، فقد كانت "الجغرافيا" (Geography) في ذلك الوقت تُفهم إلى حد بعيد من الناحية الطبيعية، وكان "السياسي" مقصورًا على مسائل الدولة. ومن ثم، حاول راتزل شرح أفعال الدول ونخبها بناء على مواقعها الطبيعية ومواردها[7]، واعتبر أن مصطلح "سياسي" (Political) الوارد في المصطلح المركب الجديد، يعني الظروف والعمليات والارتباطات الداخلية التي تُنشئ مفهوم الوعي الوطني، الذي ينبع من ارتباط الشعب بالأرض التي يعيش عليها، والذي يخلق روابط عميقة، بحيث لم يعد من الممكن التفكير في هذا الشعب من دون أرضه. فلا يُتخيَّل الهولنديون، مثلًا، من دون
هولندا، أو السويسريون من دون
جبال الألب[8].
عُدت أفكار راتزل أحد روافد الجيوبولتكس لاحقًا، إذ بنى المفهوم العضوي للدولة، فشبهها بالكائن الحي الذي يتحرك غريزيًا لتأمين المساحة المطلوبة لبقائه، لأن مساحة الأرض ومناطقها محدودة، ومن ثم فإنها لا تكفي الجميع[9]. وبهذا، دمج راتزل المفهوم البيولوجي العضوي للدولة بمبادئ الانتقاء الطبيعي الدارويني في العلاقات بين الدول، فزعم أن الدول، مثل الكائنات الحية، تأتي إلى الحياة، وتنمو وتتطور، ثم تموت، في صراع على الفضاء المكاني[10].
أبرز راتزل أفكاره الأساسية من خلال ما اعتبره القوانين السبعة للنمو المكاني للدولة، وهي:
- مساحة الدولة تزداد مع التطور الثقافي.
- يتبع نمو المناطق جوانب تنموية أخرى للشعب.
- تنمو الدولة بضم أجزاء أخرى أصغر من خلال التواصل والتفاهم والثقافة بين السكان.
- 4. تُعد الحدود بمنزلة أعضاء طرفية للدولة، فهي ظاهرة مؤقتة وليست دائمة.
- تسعى الدول مع نموها إلى استيعاب الأراضي ذات القيمة السياسية أو ضمها.
- تقدم الدولة الأكثر تطورًا الحافز للدول البدائية كي تنمو.
- تزداد النزعة نحو النمو المكاني، لأنها تنتقل من دولة إلى أخرى، وهو ما يعني التنافس على الأراضي ذات القيمة السياسية[11]. وبهذا، فإن الدولة بوصفها "كائنًا حيًا" (Living Organisms) تتطلب مزيدًا من الأراضي والموارد الطبيعية كي تستمر وتنمو[12].
طور رودولف كيلين أفكار راتزل، وحول مضمونها إلى حقل معرفي جديد تحت اسم جديد، هو "الجيوبولتيك" (Geopolitik) باللغة السويدية، الذي يتضمن البحث عن قوانين عالمية ذات طبيعة مكانية[13]. بهذا وُضع مصطلح "الجيوبولتكس" الذي وصفه كيلين بأنه "علم الدولة"، لأن البيئة الطبيعية للدولة توفر إطارًا لسعي السلطة إلى التقدم. وقد تصوره بوصفه إحدى خمس سياسات رئيسة لفهم الدولة، أو أحد الفروع الخمسة للعلوم السياسية، ووضعه في مقدمتها لأنه يشملها جميعًا[14]، وهي:
- الأمة: الجيوبولتكس (Geo-politik)، أي دراسة أراضي الدولة وإقليمها في علاقتها مع الدول الأخرى.
- شعب الدولة: السياسة الإثنية أو السكانية (Etno- or Demo-politik)، أي دراسة سكان الدولة وشخصية الأمة ووحدتها.
- المؤسسة الوطنية: السياسة الاقتصادية (Eko-politik)، وتهتم بهوية اقتصاد الدولة، وخاصة أنماط التجارة فيها وقدرتها على الاكتفاء الذاتي.
- المجتمع الوطني: السياسة الاجتماعية (Socio-politik)، أي تحليل الدولة بوصفها مكونة من مجتمع متناغم يضم تقاليد جميع الأجيال.
- شكل الحكومة: (Krato-politik) الشكل الحكومي والدستوري للدولة والعلاقات مع رعاياها[15].
وسعى كيلين لتوضيح العلاقة بين هذه الفروع، فاعتبر "الجيوبولتكس" و"السياسة الإثنية أو السكانية" جانبين مكملين للدولة، فهما يشكلان معًا "جانب الطبيعة" فيها، في حين تشكل المجالات الثلاثة الأخرى: الاقتصادية، والاجتماعية، والنظام الحكومي والدستوري، "الجانب الثقافي" للدولة. ورأى أهمية للتفاعل الناتج بين الجانبين، فـ"الجانب الطبيعي" يحدد "الجانب الثقافي" ويشكله، لكن عقلانية "الجانب الثقافي" تضبط "الجانب الطبيعي"، فالأمة لها مشاعر، والمجتمع (والأسرة) لديه مصالح، والجهاز الحكومي معني بالواجبات، حيث يضع أطماعه العقلانية في مواجهة جوهر رغبة الأمة[16].
وتقوم أطروحة كيلين الرئيسة على أن "الدولة هي كائن حي"، لكنه قصد أمورًا أخرى تتمايز عن راتزل، فكيلين يتعامل مع "الدولة بوصفها شكل حياة" (Staten som lifsform)؛ أي إن لها حياة، ونموًا، وشيخوخة، ووقتًا لموتها أو اندثارها. ويُعدّ الأفراد والأمة عنده أهم من الدولة، إذ يمكن للأمة أن تنجو إن زالت الدولة، لكن الدولة "تفقد كل أمل" في النهضة إذا ما انقرضت الأمة. ومن ثم تبدو حياة الدولة في أيدي الأفراد الذين يشكلون أساسها[17].
جاءت نظرية كيلين العضوية حول الدولة بوصفها شكل حياة، في الأساس، لمعالجة واقع رآه مؤسفًا في بلده
السويد، فقد أراد من أفكاره حث السياسيين على توسيع مجالات اهتمامهم من الجانب الثقافي للدولة فقط، إلى الجانب الطبيعي أيضًا، أي أن يأخذوا في الاعتبار العوامل: الجغرافية والتاريخية للبلاد، وتوظيف مجالات السياسة الخمسة لنمو البلاد وتعزيز قوتها، لكن لأنه رأى في
ألمانيا دولة وأمة كبيرتين، فقد توجهت أفكاره إليها[18]، بوصفها قادرة على النمو وتعزيز اكتفائها الذاتي ومكانتها دولة عظمى، ويمكنها أن تقود تحالفًا مع عدد من الدول حولها، من بينها السويد، لمواجهة القوى العظمى الأخرى وموازنتها.
كان كارل هاوسُفر المنظر الأساسي للجيوبولتكس في السياسة الألمانية النازية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
استفاد الألماني كارل هاوسُفر من أفكار راتزل وكيلين، وطور مفاهيمهما ووظفها على نحو أصبح معه المنظر الأساسي للجيوبولتكس في السياسة الألمانية النازية في حقبة ما قبل الحرب العالمية الثانية، فقد انطلقت قناعته من أن المعرفة بالجغرافيا والتاريخ تمثل شرطًا للتحليل الجيوسياسي[19]. وارتكزت الرؤى الجيوسياسية التي طورها على مفاهيم أساسية، هي:
- التعامل مع نظرية "المجال الحيوي" لراتزل بطريقة تلائم ظروف ألمانيا ما بعد
الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، إذ اعتبر هاوسُفر أن مساحتها ضيقة ومكتظة بالسكان، ومن ثمّ لا يمكن تجاهل "عدم كفاية توزيع المجال الحيوي في وسط أوروبا"[20]. واعتبر أن واجب الدولة اكتساب فضاء واسع وموارد وافرة لشعبها[21]. واستعار من تلك النظرية مفهومَي "الفضاء المكاني" (Raum) و"الوضع" (Lage)، أي الموقع الجغرافي لألمانيا بوصفه مركز أوروبا، ودمجهما لإنشاء رابط عضوي بين السكان والأراضي التي يشغلونها. واستنتج من ذلك قانون النمو غير المحدود للدول حتى تحقق أكبر مساحة ممكنة لتلبية متطلباتها من خلال التوسع الإقليمي[22].
- الاكتفاء الوطني الذاتي (Autarky)، فاعتبر أن القوة الكبرى تتطلب أن تنتج كل شيء تحتاج إليه لجعل الدولة في حالة توازن اقتصادي وغير معتمدة على الواردات. ورأى أن توسيع مساحتها بالاستعمار أو الضم أو الغزو يحقق لها مساحة تسهم في الاكتفاء الذاتي[23].
- المناطق الشاملة (Pan-regions)، وهي مناطق وظيفية كبيرة تربط
الدول المركزية (Core States) بالدول الأطراف (Peripheries) التي تتوافر فيها الموارد. وقد رأى العالم ثلاث مناطق رئيسة: هي: عموم أميركا (Pan-America) التي ترتكز حول الولايات المتحدة، والمنطقة الآسيوية (Pan-Asia) التي تقودها
اليابان، والمنطقة الأورو-أفريقية (Eurafrica) تحت النفوذ الألماني[24]. وأراد من ذلك، أولًا: استبعاد الصراع مع الولايات المتحدة، فاعترف بأن منطقة الأميركيتين يتعين أن تقع تحت هيمنتها. وثانيًا: الاعتراف باليابان قوة كبرى في آسيا تمهيدًا للتحالف معها. وثالثًا: استخدم مصطلح الأورو-أفريقية، ليشمل أوروبا وأفريقيا، ولتكون حدود النفوذ الألماني عالميًا في أوروبا كلها، والمستعمرات في أفريقيا.
- القوة البرية مقابل القوة البحرية: حاول هاوسُفر توظيف أفكار هاتين النظريتين (اللتين تُعرضان تاليًا)، فأكد أهمية منطقة "قلب الأرض" (Heartland)، التي تشمل أوروبا الشرقية، لأن مصير ألمانيا مرتبط بها[25]. ويمتد هلال داخلي (Inner Crescent) من القوى البحرية على حافات منطقة أوراسيا-أفريقيا (Eurasia-Africa)، أي حول القارات الثلاث، حيث تمثل
بريطانيا واليابان أكبر هذه القوى البحرية. أما "الهلال الخارجي" (Outer Crescent) فتشكله الأميركتان وأفريقيا جنوب الصحراء وأستراليا ونيوزيلندا، وهي التي سماها الجزر القارية (Continental Islands). ورأى أن هناك تفاعلات قد تنجم عن ذلك، فقد يكون تحالف ألمانيا مع كل: من روسيا واليابان قادرًا على السيطرة على القوة البحرية البريطانية، ثم تاليًا على الجزر القارية (العالم)[26].
- منطقة الحدود (Grenzsraum): ربط هاوسُفر الحدود بفهم ديناميكي متحرك وفق متطلبات "المجال الحيوي" للأمة، فهي تظل "أعضاء حيوية" تنمو بطبيعتها، وهذه الحالة السائلة المتحركة لمنطقة الحدود تهيئ للصراع والحرب الدائمة[27].
نظرًا إلى ما يتعلق بالسياسة الدولية إجمالًا، ارتكزت أفكار هاوسُفر على تصور العلاقات الجغرافية بين الأمم، إذ يمكن لألمانيا أن تصبح قوة تسيطر على "فضاء جيوسياسي كبير" (Großraum) إذا حققت الهيمنة على مجالها الحيوي، ويمكنها أن تصبح مهيمنة على مستوى العالم إذا تحالفت مع الدولة المركزية في منطقة "قلب الأرض" روسيا، ومع دولة بحرية هي اليابان[28].
في العالم الأنكلو-ساكسوني، أي الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا العظمى، كانت هناك أفكار رائدة في هذا الحقل، إذ لاحظ مفكرون العلاقة بين العوامل الجغرافية ومسار الأحداث التاريخية الكبرى وتأثيرها في السياسة. وكانت أفكارهم موجهة إلى صوغ سياسات لدولهم، تأثرًا بتطور النقاش حول حقل الجغرافيا السياسية لراتزل ثم حقل الجيوبولتكس لكيلين. ومع ذلك، لم يُشر أهم اثنين من هؤلاء، وهما: الأدميرال الأميركي
ألفريد ماهان (Alfred Thayer Mahan، 1840-1914) والجغرافي البريطاني
هالفورد ماكيندر (Halford J. Mackinder، 1861-1947)، إلى هذين الحقلين بأسمائهما تحديدًا. ماهان وماكيندر يُعدان من أركان موضوع الجيوبولتكس.
استندت فكرة ماهان الأساسية إلى تحليل تاريخ أوروبا وأميركا مع إشارة خاصة إلى تأثير القوة البحرية، وعرض أمثلة توضح ميزة امتلاكها. وكانت الحالات الأكثر وضوحًا: حروب نابليون الذي قاتل بريطانيا ستة عشر عامًا انتهت بالهزيمة في
معركة واترلو (Battle of Waterloo) عام 1815، لأن "الأمة الإنكليزية تدين بعظمتها أكثر من أي دولة أخرى للبحر"، والحرب البونية الأولى (First Punic War) (264ق.م-241ق.م) بين قرطاجة وروما، حيث "قاتل هنيبعل ضد روما سبعة عشر عامًا، وانتهت جهوده في معركة زامة" (202 ق.م). وفي كلتا الحالتين "كانت سيادة البحر بيد المنتصر"[29].
وضع ماهان ثلاثة أسس لنظرية القوة البحرية من أجل إقناع الولايات المتحدة بالاستفادة منها تجاريًا وعسكريًا، والتطلع إلى العالم، أي خارج المنطقة الأميركية. ورأى أن هذه الأسس كانت مفتاح النجاح وساعدت الدول المطلة على البحار، وهي[30]:
- الإنتاج، مع ضرورة تبادل المنتجات، فالولايات المتحدة كانت تفيض بالمنتجات بسبب اتساع رقعتها الجغرافية وتنوعها وتقدمها الصناعي والتكنولوجي، لكنها ظلت في حاجة إلى تغيير نمط التفكير؛ أي اعتبار البحار طرقًا سريعة واصلةً بالعالم لا حواجز عازلة، وهو ما يتطلب توفر أسطول يلائم النقل البحري.
- الأسطولان: التجاري والعسكري، فالتجارة البحرية تحتاج إلى حركة آمنة في ذهابها وإيابها، كذلك تحتاج إلى موانٍ محمية، لذا، توجد ضرورة لبناء أسطول عسكري يحمي الأسطول التجاري المتنامي مع تزايد إنتاج الدولة وحاجاتها.
- المستعمرات والمحطات، التي تسهل عمليات النقل والمصالح وتوسعها وتحميها، فقد اعتبر أن الدولة التي تمتلك أسطولًا، ما أن تنطلق سفنها من سواحلها حتى تشعر أنها في حاجة إلى وجود نقاط، تملكها أو تستعمرها، لتعتمد عليها في التجارة السلمية، ولتوفير الملاذ والملجأ والإمدادات عبر البحار.
من مجمل الأسس الثلاثة، تُستخلص ثلاث نتائج: الأولى أن التجارة البحرية ضرورية للرفاه الاقتصادي للقوى الكبرى، والثانية أن أفضل الوسائل لحماية التجارة هي نشر أسطول من السفن الحربية القادرة على تحقيق التفوق البحري، وعلى تهديد تجارة الأعداء، والثالثة أن الأمة التي لديها تفوق في القوة البحرية تستطيع أن تهزم دولة متفوقة بريًا. وقد فُسرت هذه المقولات بأن تفوق القوة البحرية يُعد متطلبًا أساسيًا لتحقيق الهيمنة في النظام الدولي[31].
يكمن هدف نظرية ماهان للقوة البحرية في تلك الأسس، التي جعلها مقدمة للعناصر الستة المؤثرة في هذه القوة، فنظريته تقوم على ما يسميها "شروطًا أساسية" تؤثر في القوة البحرية للأمم بصفة عامة، وقد حدد ستة منها، هي[32]:
- "الوضع الجغرافي"، الذي يعطي ميزة استراتيجية، أو قد يكون سببًا في ضعف الدولة وإن كانت مطلة على البحار. وتتميز بريطانيا بذلك مقارنة بفرنسا، مع أن كلتيهما تطل على البحر، فقد تحولت سياسة فرنسا من البحر باتجاه مشاريع توسيع رقعتها في اليابسة في أوروبا، في حين وفرت الطبيعة لبريطانيا ساحلًا أكثر أمنًا، ووفر لها موقعها القدرة على مواجهة هولندا في
بحر الشمال وبحر البلطيق، ومواجهة فرنسا في
المحيط الأطلسي.
- "التكوين الطبيعي الدولة" ومدى تأهيل السواحل، فكلما كانت طبيعة الساحل تسهل الوصول إلى مناطق خارجية، زاد ميل الشعب إلى الاتصال ببقية العالم بواسطة البحر، لكن الساحل الطويل الذي لا تتوفر فيه موانٍ جيدة، لا يمكن الدولة من أن تكون لها تجارة ونقل بحري وأسطول عسكري.
- "امتداد أراضي الدولة"، وبخاصة طول السواحل وخصائص موانيها ونوعيتها.
- "عدد السكان"، وعدد المستعدين للعمل على السفن وفي القوات والصناعة البحرية.
- "الشخصية الوطنية"، فالسعي للتجارة والثروة يولد الحاجة إلى التطلع إلى الخارج، ويسهم في ظهور قوة بحرية.
- "طبيعة الحكومة ومؤسساتها"، التي قد تؤثر في نمو القوة البحرية وتحافظ عليها، أو تضعفها، فالحكومة أو القادة هم الذين يمكنهم توظيف العناصر الخمسة السابقة للاستفادة منها.
بناءً عليه، تساءل ماهان عن مدى أهمية اتخاذ إجراء من جانب الولايات المتحدة لبناء قوتها البحرية. وأجاب عن ذلك في كتابه المعنون
مصلحة أميركا في القوة البحرية، فلكي تصبح الولايات المتحدة مهيمنة في البحار، رأى أن ذلك يتطلب ما يلي[33]:
- توجيه السياسة نحو الخارج، إذ انتقد ماهان الأميركيين بسبب عدم الرغبة في تغيير أفكارهم وسياستهم فيما يتعلق بعلاقاتهم مع العالم خارج حدودهم. وحث الحكومة على تجنب الانعزال، لأنه لا يجلب الرفاهية، في حين تكون المنافسة العالمية في تصاعد، فمع أنه اعتبر السوق المحلية آمنة، رأى أن ما وراء البحار، حيث الأسواق العالمية، لا يمكن الدخول إليها والسيطرة عليها، إلا من خلال المنافسة الشديدة.
- الأسطول البحري والتفوق العالمي، إذ أرجع سبب الضعف الأميركي إلى عدم توفر قوة بحرية أو قرار سياسي ببنائها، فالأسطول هو الحلقة الوسيطة بين الإنتاج والأسواق، نقلًا وحماية، وهو الذي قد يحدث التغيير من المحلية إلى العالمية في الشعور الشعبي والتفكير السياسي.
- التقارب الأنكلو-أميركي، فقد رأى أن التفاهم مع بريطانيا العظمى سوف يسهم في مد نفوذ الولايات المتحدة في العالم، مستندًا إلى الأصول والقواسم والمصالح المشتركة للطرفين بين قوتين غربيتين على طرفي المحيط الأطلسي، فضلًا عن الوضع الجغرافي البحري المتشابه تقريبًا. وأظهر إعجابه بالإنكليز في تطلعهم إلى الخارج وإنتاجهم وحبهم للمغامرة البحرية، وتمنى أن تكون النزعات نفسها عند الأميركيين.
أما في بريطانيا، فقدم هالفورد ماكيندر إسهامه النظري في الجيوبولتكس، المتعلق بـ"قلب الأرض" (Heartland) والمعادلة الشهيرة حول السيطرة على
أوراسيا ومن ثم العالم، بعد أن تدرج في طرح آرائه حتى وصل إلى هذه الاستنتاجات، إذ بدأ بدراسة الأحداث التاريخية الكبرى ومدى تأثير الطبيعة الجغرافية في مسارها، من أجل تقديم تصورات تجنب بريطانيا العظمى أفول مكانتها الإمبراطورية. ونظر ماكيندر لأهمية الاعتماد على القوتين: البرية والبحرية معًا، وسعى لإثبات ذلك من قراءته للحروب الرئيسة عبر التاريخ، فقد ناقش ماكيندر وجهتي نظر "رجل البحر" و"رجل البر" لتأكيد الأهمية الكبرى للقوة البرية مقارنة بالقوة البحرية، فاستخدم الأمثلة التاريخية نفسها التي استخدمها ماهان قبله، ليثبت عكس ما ذهب إليه ماهان، فرأى أن تفوق القوة البحرية وانتصارها قد تطلب مساعدة ضرورية من القوة البرية في القواعد والجزر، التي تزود الأولى بالموارد الضرورية. واستخلص أن الحفاظ على هيمنة بريطانيا والغرب ومنع العودة إلى الحقب التاريخية السابقة على ذلك، يتطلب التفوق في القوتين معًا، وليس التفوق في إحداهما فحسب. وقدم رأيه هذا من خلال افتراضين: الأول أن القوة البحرية لم تتفوق بمعزل عن القوة البرية، كما حدث مع مملكة مصر الفرعونية القديمة، وأثينا في العهد الإغريقي القديم، والإمبراطورية الرومانية، وحروب روما وقرطاجة، والثاني أن القوة البرية التي سادت في التاريخ وهددت دولًا بحرية قد تفشل إذا لم تتوافر لها القوة البشرية الكافية التي تتلاءم مع تمددها في الأراضي الجديدة أو البحار التي تسيطر عليها، كما حدث مع تفوق القوة البرية الفارسية، والقوة البرية الهونية[34].
وناقش مفهوم "جزيرة العالم" (World-Island) بوصفها نطاقًا جغرافيًا لضمان استمرار التفوق البريطاني، فوصفها بأنها "القارة المشتركة المتضمنة أوروبا وأفريقيا وآسيا"[35]. وأولاها أهمية كبيرة في نظريته، لأن الأحداث عبر التاريخ وقعت في أجزائها، وكانت مترابطة بحيث إن بعضها أثر في الآخر غالبًا.
كان إسهام ماكيندر الأساسي هو نظريته الجيوسياسية حول مكانة منطقة "قلب الأرض"، بوصفها مركز "جزيرة العالم"، ومعقل القوة البرية من حيث التحصين الطبيعي من جهة، إذ لا تهددها القوى البحرية بسبب صعوبة الوصول إليها، ومن جهة ثانية من حيث الثروات الطبيعية التي تتمتع بها والتي توفر للقوة البرية كل ما تحتاج إليه لتهديد القوى البحرية حولها، فقد وصفها أول مرة في عام 1904 باسم "منطقة المحور" (Pivot Area)، ثمّ سمّاها "قلب الأرض" (Heartland) في عام 1919 ووصفها جغرافيًا، فقال: "تشمل منطقة قلب الأرض، لأغراض التفكير الاستراتيجي: بحر البلطيق، وحوض نهر الدانوب الأوسط والسفلي القابل للملاحة، والبحر الأسود، وآسيا الصغرى، وأرمينيا، وبلاد فارس، والتبت، ومنغوليا. بداخلها، كانت براندنبورغ-بروسيا، والنمسا-المجر، وكذلك روسيا، وهي قاعدة ثلاثية واسعة من القوة البشرية [...] قلب الأرض، وهي المنطقة التي، في ظل ظروف حديثة، يمكن منع وصول القوة البحرية إليها"[36]. وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، ابتكر صفة جديدة لمفهوم "قلب الأرض" هو "أوراسيا" (Eurasia) من دون أن يلغي الأول، فقال: "إن المنطقة المركزية هي الجزء الشمالي والجزء الداخلي من أوراسيا [...] وتمتد من ساحل القطب الشمالي إلى الأسفل نحو الصحارى المركزية، ويُعتبر المضيق العريض بين بحر البلطيق والبحر الأسود حدودها الغربية"[37].
منطقة "قلب الأرض" (الهارتلاند)
المصدر : عماد قدورة، الجيوبولتكس: النظريات والاستراتيجيات والتطبيقات (الدوحة: دار نشر جامعة قطر، 2025)، ص 179.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
كان هدف ماكيندر تقديم تصورات لبريطانيا وحلفائها لمنع سيطرة قوة معادية على هذه المنطقة الجيوسياسية المهمة، وقدر عواقب ذلك بقوله: "إذا غزا
الاتحاد السوفياتي ألمانيا في هذه الحرب (العالمية الثانية) فسيخرج أكبر قوة برية في العالم. وستكون قوة لديها أقوى موقع دفاعي استراتيجي، وهي قلب الأرض"[38]. واستنتج معادلة جيوسياسية تحذر ذلك، فقال: "من يسيطر على أوروبا الشرقية يحكم قلب الأرض، ومن يسيطر على قلب الأرض يحكم جزيرة العالم، ومن يسيطر على جزيرة العالم يحكم العالم"[39].
واعتبر ماكيندر أن الاستراتيجية المتصورة لمواجهة هذا التهديد تكمن في: أولًا، خلق دول جديدة مستقلة في أوروبا الوسطى لتكون حاجزًا دفاعيًا ومفككًا لأي نفوذ روسي أو تحالف محتمل مع ألمانيا، ضمن ما سماه "حزامًا أوسط" (Middle Tier)[40]. وثانيًا: تحالف بريطانيا مع الولايات المتحدة لخلق قوة برية-بحرية توازن أي محور معاد محتمل، ضمن ما سماه "المحيط الأوسط" (Midland Ocean)، ليمثل منطقة حوض شمال الأطلسي. وشدد على أهمية وجود تعاون دائم وفعال بين أميركا الشمالية وبريطانيا وفرنسا[41].
جاءت إسهامات مفكرَين أميركيين آخرَين في الجيوبولتكس، وهما: إشعياء باومان، ونيكولاس سبايكمان، استكمالًا للجهود الفكرية والسياسية لكل من: ماهان وماكيندر، فقد اهتم باومان بتوسيع الدور الجيوسياسي للولايات المتحدة من نصف الكرة الأرضية الغربي إلى العالم، وقدّم في كتابه
العالم الجديد خرائط بلغ عددها 265 خريطة، من أجل التعريف بالواقع السياسي الجديد ما بعد الحرب العالمية الأولى، والتغييرات الحدودية المتصورة لتسوية المشكلات بين الدول[42]، وإعادة تنظيم الشعوب والحدود الوطنية وتحديد القوى السياسية المسؤولة عن العالم الجديد[43].
وتركزت رؤية باومان على اعتبار ألمانيا وروسيا واليابان تهديدات محتملة للمكانة الأميركية المستقبلية في العالم، ومن ثم تجب مواجهتها، فقد وسم طموح
ألمانيا التوسعي بأنه متجذر ودائم، فقال: "نحن نخطئ في تفسير الفكر السياسي الألماني إذا افترضنا أن الحرب الحالية (العالمية الثانية) هي مجرد نتيجة لرد فعل ألمانيا على
معاهدة فرساي (Treaty of Versailles، 1919). إنه نتيجة لطموح وتفكير سياسي وفلسفي ألماني منذ مئتي عام". ورأى أن جذور البرنامج السياسي النازي تعود إلى شيء عميق جدًا في الحياة والتاريخ الألمانيين؛ أي إلى "قوانينها الخاصة بنمو الأمة"[44]. وحذر النزعة الشرقية لألمانيا وعلاقاتها مع روسيا، لأن ذلك من شأنه أن يمهد لتحالف بين الألمان والسلاف، ربما لموازنة الروابط الأنكلو-ساكسونية ومواجهتها[45]. ورأى في توسع الاتحاد السوفياتي في آسيا وأوروبا، وتنامي الحركات الشيوعية في العالم، تهديدًا، ومعركة بين الاستبداد والديمقراطية، فقال إن "البلشفية حركة أممية متنامية [...] أرسلت عملاءها إلى الخارج لنقل معتقداتها الثورية [...] حتى في ديمقراطيات العالم الغربي"[46]، من أجل إثارة ثورة عالمية للطبقة العاملة[47]. كذلك فإن التوسع السوفياتي المتزايد في استيعاب الأراضي والشعوب المجاورة يشكل تهديدًا، لأنه يضيف موارد ضخمة إلى قوته[48]، وينشر قيمًا مختلفة[49]. واعتبر باومان أن اليابان دولة سريعة التطور ومتزايدة النفوذ[50]، بعد أن وُضع التوسع الصناعي والنجاح التجاري في أيدي العسكريين أداة للغزو الإقليمي[51]، إذ توسعت تجارتها عبر البحار، ووصلت سفنها إلى أميركا الشمالية، وأميركا الجنوبية[52]. ولإثارة اهتمام الولايات المتحدة أكثر بالخطر الياباني، حاول تقريب الصورة إلى أذهان الأميركيين عبر تشبيه اليابان بألمانيا، من حيث محاولتهما حل مسألة الضغط السكاني من خلال السيطرة على الأراضي المجاورة وبسط النفوذ في المناطق البعيدة، فأوصى بضمان الولايات المتحدة حرية البحار، من خلال فرض "هيمنتها" على الطرق البحرية والقواعد البرية[53].
أما نيكولاس سبايكمان، فاستهدفت نظريته
"حافة المحيط" (Rimland)، تغيير سياسة الولايات المتحدة إلى سياسة تدخل فاعلة في العالم، بدلًا من حصر الاهتمام في المنطقة الأميركية، فالولايات المتحدة تحتل موقعًا فريدًا في العالم، إذ إنها ذات أبعاد قارية شاسعة، وتطل على محيطين كبيرين: الأطلسي والهادي. ومن ثَمّ، فهي تتمتع بإمكانية الوصول المباشر إلى أهم الشرايين التجارية في أهم منطقتين في العالم[54]، وصار مجالها يقع بين مجموعتين من الكثافة السكانية في أوروبا الغربية وشرق آسيا. ورأى أن المحيطات لم تعد عازلة ولا توفر ميزة دفاعية بالضرورة، بل تحولت مع تطور الملاحة الحديثة إلى طرق سريعة، وأصبح العالم كله ميدانًا واحدًا[55].
وبسبب خطر التهديد الذي قد تتعرض له الولايات المتحدة، وضع سبايكمان نظريته الجيوسياسية، منطقة "حافة المحيط"، من أجل موازنة القوى الكبرى المتوقعة هيمنتها على العالم القديم، بدلًا من انتظار تهديدها في العالم الجديد. وتقع هذه المنطقة على السواحل المحيطة بمنطقة "قلب الأرض" التي سماها "المركز". وبهذا، تتكون "حافة المحيط" من دول ساحلية تقع في ثلاثة أقسام: أراضي الساحل الأوروبي، وأراضي الصحراء العربية-الشرق أوسطية (الشرق الأوسط)، وأراضي الرياح الموسمية الآسيوية (الهند والصين)[56]. وعلى نحو مفصل أكثر، ذكر المناطق والدول التي تقع فيها أو تحاذيها، وتشمل: أوروبا الغربية وأوروبا الوسطى، وبلدان الهضبة في الشرق الأدنى وتركيا وإيران وأفغانستان والتبت والصين وشرق سيبيريا وأشباه الجزر الثلاث: شبه الجزيرة العربية، وشبه الجزيرة الهندية، وبورما-سيام[57]. بناء على ذلك، صاغ سبايكمان معادلته، كالتالي: "إذا كان هناك شعار لسياسة القوة (Power politics) في العالم القديم، يجب أن يكون "من يتحكم في حافة المحيط يحكم أوراسيا، ومن يحكم أوراسيا يتحكم في مصاير العالم"[58].
منطقة "حافة المحيط" (الريملاند)
المصدر : عماد قدورة، الجيوبولتكس: النظريات والاستراتيجيات والتطبيقات (الدوحة: دار نشر جامعة قطر، 2025)، ص 288.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
حدد سبايكمان السياسات التي يتعين على الولايات المتحدة اتباعها، بالتركيز على تقسيم العالم القديم من خلال السعي لتحالفات مع الدول الأضعف ضد الدول التي يُحتمل أن تكون مهيمنة[59]، والاستحواذ على قواعد بحرية وجوية في شمال المحيط الأطلسي وعبر
المحيط الهادي، وإيجاد حلفاء قاريين في المنطقتين الرئيستين: الآسيوية والأوروبية. وعند الحديث عن التحالف، تبدو بريطانيا الحليف الأول والملائم، نظرًا إلى الروابط المشتركة التي يتقاسمها البلدان، والتي فصل فيها ماهان. ومع أن لهذا التحالف ميزات عظيمة من وجهة نظر الدفاع الإقليمي عن نصف الكرة الغربي، فإنه لن يكون كافيًا لحكم العالم[60]، لذا، ستُضطر الولايات المتحدة إلى الاعتماد على القوة البحرية الخاصة بها عبر المحيطين: الأطلسي والهادي، لتكون لديها إمكانية الوصول إلى العالم القديم من الشرق والغرب[61].
مثلت أوروبا المنطقة الأكثر أهمية بوصفها مركز القوة الأكثر تأثيرًا في السياسة العالمية منذ أربعة قرون على الأقل[62]. وكانت ألمانيا، لا روسيا، هي التهديد المباشر في تصور سبايكمان، فلو نجحت ألمانيا في توحيد مراكز القوة في أوراسيا تحت سيطرتها السياسية، لكان أمن بريطانيا وأميركا واستقلالهما سيتعرضان لخطر شديد[63]. وقد عد سبايكمان منطقة الشرق الأوسط مهمة لاستراتيجية الولايات المتحدة، بسبب موقعها وإمكاناتها الاقتصادية ومكانتها في الصراع العالمي، ووقوعها على الطرق البحرية، خاصة
قناة السويس. كذلك فإن هذه المنطقة أصبحت ثاني أهم منطقة استراتيجية في الصراع من أجل السيطرة على العالم، لأنها تحتوي على كبرى مناطق إنتاج النفط[64].
أفوله وإحياؤه
بعد الحرب العالمية الثانية، ومع هزيمة ألمانيا التي انتشر فيها الفكر الجيوسياسي في فترة ما بين الحربين، ولا سيما من جهة توظيف أفكار كارل هاوسُفر في السياسة النازية، أصبح الجيوبولتكس يُدان على نطاق واسع، واختفى تقريبًا استعمال المصطلح، وغاب التخصص عن البرامج الدراسية في الجامعات، وتقلصت الكتابات حوله نحو ثلاثة عقود. وعلى الرغم من ذلك، ظلت مفاهيمه المرتبطة بتأثير العوامل الجغرافية في السياسة حاضرة في السياسات الغربية خلال فترة الحرب الباردة. ثم عاد حضور المصطلح نفسه والكتابات المتخصصة فيه بالتدريج مع بداية عقد الثمانينيات، وانتشرت كتب تحمل عناوين "الجيوبولتكس" على نطاق واسع تزامنًا مع التطورات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، فقد استخدم
جورج كينان (George Frost Kennan، 1904-2005) وهنري كيسنجر وزبيغنيو بريجنسكي وغيرهم مفردات جيوسياسية، مثل:
الاحتواء، والترابط، ومركزية أوراسيا، واللعبة الكبرى، ونظرية الدومينو وغيرها، وتبنى بعض الرؤساء مبادئ توجيهية ذات مضامين جيوسياسية، مثل:
مبدأ ترومان، ومبدأ أيزنهاور، ومبدأ بوش الابن، ونهج
فلاديمير بوتين (Vladimir Putin، 1952-) البراغماتي القريب من
الأوراسية الجديدة، ونهج
شي جين بينغ (Xi Jinping، 1953-) لمبادرة الحزام والطريق (Belt and Road Initiative - BRI)، وغيرها.
عودة الجيوبولتكس في الولايات المتحدة
كانت إحدى السياسات التي استلهمت الرؤى الجيوسياسية في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا من نظرية "حافة المحيط"، هي "سياسة الاحتواء" التي اقترحها الدبلوماسي والسفير الأميركي في الاتحاد السوفياتي جورج كينان[65]، وأوضح فيها السلوك السوفياتي وعرف بخططه، وحث الولايات المتحدة على احتواء التهديد الشيوعي. ولأن الاتحاد السوفياتي كان مسيطرًا على معظم أوراسيا، دعت هذه السياسة إلى الدفاع عن الدول الحليفة للولايات المتحدة، واحتواء خطر الاتحاد السوفياتي طوال فترة الحرب الباردة.
ووسَّع "مبدأ ترومان" لعام 1947 رسميًا النطاق الجغرافي للسياسة الأميركية إلى العالم كله، فشرع التدخل في شؤون الدول أينما كانت، فقد طلب الرئيس
هاري ترومان (Harry Truman، 1945-1953) من
الكونغرس الأميركي تخصيص مساعدات عسكرية واقتصادية لكل من:
اليونان وتركيا، بوصف البلدين يواجهان عدوانًا شيوعيًا[66]، وتضمن الطلب جعل التدخل الأميركي واسعًا "لدعم الشعوب الحرة التي تقاوم محاولات القهر"[67].
أما نظرية الدومينو فتنطوي جيوسياسيًا على الحفاظ على مناطق النفوذ، وضمان عدم سقوط إحدى الدول الحليفة في منطقة أو إقليم ما، لأن ذلك قد يؤدي إلى سقوط متسارع لدول أخرى في الإقليم نفسه وفي مناطق أخرى، وذلك استنادًا إلى وصف الرئيس
دوايت أيزنهاور (Dwight Eisenhower، 1953-1961) الذي قال: "لديك صف من أحجار الدومينو. إذا طرقت الأول، فإن البقية ستتساقط بسرعة كبيرة حتى الحجر الأخير"[68].
وأُردفت نظرية الدومينو بـ"مبدأ أيزنهاور" عام 1957، الذي وسع الاحتواء إلى الشرق الأوسط لوقف انتشار الشيوعية وتنامي نفوذ السوفيات في المنطقة[69]، بعد الاضطرابات في اليونان وخشية انتقالها إلى تركيا[70].
وأسهم هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي بين عامي 1973-1977، في إضافة مفهوم جيوسياسي هو "الترابط" (Linkage)، بهدف التعامل مع الأحداث والمناطق في العالم بوصفها جبهة واحدة، إذ قال: "لقد رأينا الترابط، باختصار، مرادفًا لوجهة نظر استراتيجية وجيوسياسية شاملة". وقد أكد المفهوم في سياق سياسة الانفراج مع الاتحاد السوفياتي، كي لا تُصلح العلاقات في جبهة أو قضية، في حين تتضرر جبهات أو قضايا أخرى[71].
وأعطى زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي بين عامي 1977-1981، المفاهيم الجيوسياسية زخمًا، بتركيزه على أهمية منطقة أوراسيا، فقد رأى أن العقد الأخير من القرن العشرين شهد تحولًا جذريًا في الشؤون العالمية، عندما "ظهرت، أول مرة على الإطلاق، قوةٌ غير أوراسية [...] بوصفها القوة العظمى الأهم في العالم"، واعتبر أن هزيمة الاتحاد السوفياتي وانهياره كانا الخطوة الأخيرة في الصعود السريع للولايات المتحدة، وأن أوراسيا هي "رقعة الشطرنج التي يستمر فيها الصراع من أجل السيادة العالمية"، فالقوة التي تهيمن على أوراسيا ستسيطر على اثنتين من أكثر مناطق العالم تقدمًا وإنتاجية اقتصاديًا[72]؛ أي أوروبا وآسيا.
أعطت
هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 على واشنطن ونيويورك زخمًا للسياسة الهجومية لتصفية الخصوم الرئيسين، فشرعت إدارة الرئيس
جورج بوش الابن (George W. Bush، 2001-2009) بإعلان "الحرب على الإرهاب" في كل مكان في العالم، فكان غزو أفغانستان عام 2001، ثم غزو العراق عام 2003 واحتلاله. وسعى "مذهب بوش" لوضع قاعدة جديدة للاستخدام الوقائي للقوة ضد الدول التي يُعتقد امتلاكها
أسلحة الدمار الشامل وضد الجماعات الإرهابية[73]، فتضمن العديد من المصطلحات، مثل: الحرب الاستباقية، والتفوق، وتغيير الأنظمة، والتدخل للتعامل مع الدول الفاشلة، والحرب الطويلة على الإرهاب[74].
عودة الجيوبولتكس في روسيا
شهدت العقود الثلاثة الأخيرة أيضًا إسهامات الروس في التنظير الجيوسياسي، رغم غياب مصطلح الجيوبولتكس في فترة الاتحاد السوفياتي، فبعد انتهاء الحرب الباردة، ظهرت تيارات في روسيا ترى الغرب معاديًا، مثل مؤسس
الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي، اليميني القومي،
فلاديمير جيرينوفسكي (Vladimir Zhirinovsky، 1946-2022)، الذي قدم تيارًا جيوسياسيًا روسيًا ضد القوى الغربية، التي اعتبرها تحقق أهدافها من خلال خلق العداوات عالميًا، وافترض أن هذه الدول تحول المواجهة السابقة بين الشرق والغرب إلى مواجهات بين الشمال الأرثوذكسي والجنوب. ونظر
قسطنطين سوروكين (Konstantin Sorokin) لمكانة روسيا في
نظام دولي متعدد الأقطاب، فرأى أن إضعاف الوضع السابق لروسيا يؤدي إلى استبعاد مفاهيم الجيوبولتكس التقليدي، ولا سيما إيمان ماكيندر بأهمية "قلب الأرض" التي لا يمكن تجنبها. ومن أجل استعادة الوضع الإمبراطوري لروسيا، نصح بإبقاء منطقة ما بعد الاتحاد السوفياتي، وهو ما يسميه "الخارج القريب" (Near Abroad) في دائرة المصالح الروسية، وتنفيذ سياسة توازن القوى في المنطقة الخارجية، وهو ما يسميها "الخارج البعيد" (Far Abroad). ثم ظهر مفهوم "العالَم الروسي" (Russkiy Mir) بوصفه أيديولوجية تتطلع إلى جمع المواطنين الروس وتضامنهم أينما وُجدت القومية والثقافة الروسية والسلافية الأرثوذكسية، وهو ما يعني بناء علاقات خاصة بالدول والمناطق التي تنتمي إلى هذا العالم[75].
وتُعد "الأوراسية الجديدة" (Neo-Eurasianist) من أهم المفاهيم الجيوسياسية التي انتشرت في روسيا، فهي تستند إلى التفسيرات التقليدية للجيوبولتكس، وتعطي مكانة كبيرة أوراسيا في سياسة روسيا لكي تصبح لاعبًا أساسيًا ومهيمنًا في السياسة العالمية، وتتصور الصدام عالميًا بين أتباع "الأطلسية" (القوة البحرية) وأتباع "القارية" (القوة البرية)، وتحمل تصورات معادية بشدة للولايات المتحدة، وتدعو إلى تضامن الأوراسيين ضدها. وعند تعريف منظر هذه الحركة،
ألكسندر دوغين (Aleksandr Dugin، 1962-)، "الأوراسية الجديدة"، أكد أنها امتداد للأوراسية الكلاسيكية، إذ وصفها بأنها "مصطلح جيوسياسي أساسي يسعى لفهم العالم بأسره من وجهة نظر تاريخية وجغرافية، باستثناء القطاع الغربي من الحضارة العالمية. وتحاول الحركة فهم العالم من وجهة النظر العسكرية الاستراتيجية، وتحديدًا تلك الدول التي لا توافق على السياسات التوسعية للولايات المتحدة وشركائها في حلف الناتو"[76]. وقد بدأ الرئيس بوتين الميل نحو آراء هذا التيار بعد محاولات الغرب مد نفوذه إلى أقرب نقطة إلى الحدود الروسية، عن طريق توسع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي ليشمل دولًا قريبة من روسيا ودعم الثورات في دول مجاورة على شاكلة الثورات الملونة في
جورجيا وأوكرانيا وقيرغيزستان وغيرها[77]. ورد بوتين بالقوة في جورجيا في عام 2008، ثم بضم
شبه جزيرة القرم في عام 2014، ثم الحرب في أوكرانيا في عام 2022.
عودة الجيوبولتكس في الصين
بدأت آثار صعود الصين وتأثيرها العالمي خلال العقود الثلاثة الأخيرة تنعكس على مناطق جغرافية واسعة وذات أهمية عبر العالم. وتُعد مبادرة الحزام والطريق أحدث مشروع صيني جيوسياسي، يتماشى مع أفكار الرئيس شي جين بينغ بشأن الصين قوة عالمية في القرن الحادي والعشرين[78]. وتتضمن المبادرة بناء منشآت البنية التحتية، واستثمارات في الموانئ والنقل وشبكات الطاقة، والتجارة، والتمويل، سواء في الصين أو خارجها على امتداد الطريقين: البرية والبحرية[79]. وتأمل الصين أن تستوعب مشاريع المبادرة والبلدان التي تستضيف منشآتها فائضها الكبير من الإنتاج المحلي، وأن تصبح الصين مركزًا للاتصال[80]، إذ تربط شبكاتها كثيرًا من الدول في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما سيظهر قوتها التجارية والصناعية والتقنية والرقمية والمالية[81]. وينطوي تحديد الطريقين الأساسيتين للمبادرة على أهمية جيوسياسية، فالأولى طريق برية تنطلق من مدينة شيان (Xi’an) شمال الصين وتخترق أوراسيا، أو "قلب الأرض"، لتصل إلى أوروبا، والثانية طريق بحرية تنطلق من ميناء غوانزو (Quanzhou) وتدور حول سواحل أوراسيا جنوبًا في المحيط الهندي، لتصل إلى أفريقيا والبحر الأحمر ثم أوروبا[82].
ونتيجة لسياسات روسيا والصين، أو ردود فعلهما على سياسات الغرب، ركزت استراتيجية الولايات المتحدة للأمن القومي على اعتبارهما تهديدًا أو تحديًا لها، ففي روسيا، صُنفت في عام 2022 "تهديدًا فوريًا ومستمرًا لنظام الأمن الإقليمي في أوروبا، ومصدرًا للاضطراب وعدم الاستقرار عالميًا [...] بسبب الحرب الوحشية وغير المبررة على الجارة أوكرانيا". أما الصين، فاعتبرتها "التحدي الجيوسياسي" و"الأكثر خطورة"، فمع أن منطقة المحيطين: الهندي والهادي هي "المكان الذي ستظهر فيه قوة الصين"، وتسعى "لخلق مجال نفوذ فيه"، اعتبرت الولايات المتحدة أن هناك أبعادًا عالمية كبيرة لهذا التحدي، لأن الصين هي "المنافس الوحيد الذي لديه النية [...] والقدرات الشاملة [...]، اقتصاديًا ودبلوماسيًا وعسكريًا وتكنولوجيًا، لإعادة تشكيل النظام الدولي [...]، وتستثمر أيضًا في جيش يتم تحديثه بسرعة [...]، وتسعى لتقويض التحالفات الأميركية في المنطقة وحول العالم"[83].
بناء عليه، رأت الولايات المتحدة أن مواجهة هذه التهديدات والتحديات ترتكز أساسًا على التطويق والتحالفات، فقد حافظت على شبكة من التحالفات مع الدول الواقعة في مناطق استراتيجية. وبإلقاء نظرة على الخريطة الجيوسياسية اليوم، فإن الولايات المتحدة لا تزال تعمق علاقاتها، وبخاصة الأمنية العسكرية، مع الدول الساحلية والجزرية في ثلاث مناطق رئيسة: أوروبا، وشرق آسيا وجنوبها، والشرق الأوسط. وهي المناطق التي تتحكم في مفترق الطرق البحرية ونقاط المضايق الاستراتيجية، فضلًا عن أنها تملك موارد طبيعية هائلة، وثروات اقتصادية وصناعية، وقوة تحالفية سياسية وازنة في العالم ومؤسساته الكبرى[84].
عودة الجيوبولتكس في ألمانيا
على الرغم من إدانة الجيوبولتكس في ألمانيا، إثر هزيمة النظام النازي، لم تفارق فكرة إحياء القوة الألمانية أذهان المفكرين والكتاب الألمان منذ خمسينيات القرن العشرين، سواء كان ذلك من خلال طرح أفكار جديدة تساعد ألمانيا على بناء قوتها سلميًا وأخذ مكانتها "قوة مدنية" وازنة، أو "قوة ثالثة" في سياق ظهور كتلتين: شرقية سوفياتية وغربية أميركية، أو من خلال استخدام قدراتها وإمكاناتها لتصبح قاطرة لأوروبا، ومن ثم قوة مركزية فيها[85].
الجيوبولتكس النقدي
دخلت دراسة الجيوبولتكس طورًا جديدًا من منظور نقدي مناهض لمقولاته وممارساته التي وُصفت بأنها إمبريالية وتمثل أداة للهيمنة والاستغلال والتهميش. بدأ هذا الاتجاه يظهر بصورته المنظمة منذ بداية التسعينيات مع دراسات غرويد أوتواثيل، التي تضمنت أول مرة اسم "الجيوبولتكس النقدي" (Critical Geopolitics)، ثم تبلور طوال عقد التسعينيات مع العديد من الكتب والدراسات، إذ رأى كُتابه، مثل: سيمون دالبي وجون أجنيو وبول راوتليدج وكلاوس دودز، وغيرهم[86]، أن أفكار رواد الجيوبولتكس لم تكن نشاطًا موضوعيًا محايدًا، بل كان إنتاج المعرفة الجيوسياسية يجري للمساعدة في ممارسة الحكم وتعزيز سلطة الدولة، وكان تشكل الهويات الوطنية تتصوره سرديات الأمن القومي، لذا، نقد هؤلاء الكتّاب مفاهيم الجيوبولتكس ونظرياته بوصفها موجهة للتأثير في قرارات القادة واستراتيجيات الدول، وباعتبارها أداة لمركزية الدولة ومحورية القوى الغربية، ومرتبطة بالتصورات الجغرافية الحتمية وبسياسة القوة وعلاقاتها. وبدلًا من ذلك، أولى الجيوبولتكس النقدي أهمية عناصرَ بديلة ومتعددة: اقتصادية وثقافية واجتماعية، تؤثر في المجتمعات والدول وعلاقاتها. وقدم بعض النقديين أشكالًا جديدة ضمن هذا الحقل، مثل:
الجيوبولتكس الشعبي، والجيوبولتكس التقدمي، ومناهضة الجيوبولتكس، وجيوبولتكس ما بعد الاستعمار، وجيوبولتكس التابع، والجيوبولتكس النسوي، وغير ذلك.
المراجع
العربية
قدورة، عماد.
الجيوبولتكس: النظريات والاستراتيجيات والتطبيقات. الدوحة: دار نشر جامعة قطر، 2025.
الأجنبية
Agnew, John et al.
The Wiley
Blackwell
Companion to Political Geography. West Sussex: John Wiley & Sons, 2015.
________.
Hidden Geopolitics: Governance in a Globalized World. Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 2023.
Badie, Bertrand, Dirk Berg-Schlosser & Leonardo Morlino (eds.).
International Encyclopedia of Political Science. Thousand Oaks: Sage Publications, 2011.
Berryman, John. “Geopolitics and Russian Foreign Policy.”
International Politics, vol. 49, no. 4 (2012). pp. 539-540.
Bowman, Isaiah.
The New World: Problems in Political Geography. New York: World Book Company, 1921.
________. “Geography vs. Geopolitics.”
Geographical Review. vol. 32, no. 4 (1942). p. 648.
________. “The Geographical Situation of the United States in Relation to World Policies.”
The Geographical Journal. vol. 112, no. 4-6 (1948). pp. 131-133.
Brill, Heinz. “Political Geography, Geopolitics, Geostrategy: An Attempt at Systematization.”
Strategic Studies. vol. 8, no. 2 (Winter 1985). pp. 86-87, 90.
Brzezinski, Zbigniew.
The Grand Chessboard: American Primacy and its Geo-strategic Imperatives. New York: Basic Books, 1997.
Chapman, Bert.
Geopolitics: A Guide to the Issues. Santa Barbara: Praeger, 2011.
________. “Sloan on Geopolitics, Geography and Strategic History in Geopolitics.”
Geopolitics, History, and International Relations. vol. 10, no. 2 (2018). pp. 8-9.
Cohen, Saul Bernard.
Geopolitics: The Geography of International Relations. 3rd ed. Lanham: Rowman & Littlefield, 2015.
Dalby, Simon & Gearóid Ó Tuathail (eds.).
Rethinking Geopolitics. London & New York: Routledge, 1998.
Diec, Joachim Jerzy. “Major Trends in Russian Geopolitics after 1991.”
Politeja. vol. 5, no. 62 (2019). pp. 143-144, 153.
Dugin, Alexander.
Eurasian Mission: An Introduction to Neo-Eurasianism. John B. Morgan (ed.). London: Arktos, 2014.
Ehteshami, Anoushiravan. “The BRI and Its Rivals: The Building and Rebuilding of Eurasia in the 21st Century.”
PRISM. vol. 10, no. 1 (2022). p. 28.
Fettweis, Christopher J. “Sir Halford Mackinder, Geopolitics, and Policymaking in the 21st Century.”
Parameters. vol. 30, no. 2 (Summer 2000).
Findlay, Christopher & Somkiat Tangkitvanich (eds.).
New Dimensions of Connectivity in the Asia-Pacific. Canberra: ANU Press, 2021.
Flint, Colin.
Introduction to Geopolitics. London & New York: Routledge, 2006.
Gray, Colin S. & Geoffrey Sloan (eds.).
Geopolitics, Geography and Strategy. London & New York: Routledge, 2013 [1999].
Haggman, Bertil. “Rudolf Kjellén and Modern Swedish Geopolitics.”
Geopolitics. vol. 3, no. 2 (1998). p. 107.
Hahn, Peter L. “Securing the Middle East: The Eisenhower Doctrine of 1957.”
Presidential Studies Quarterly. vol. 36, no. 1 (2006). p. 38.
Holdar, Sven. “The Ideal State and the Power of Geography: The Life-Work of Rudolf Kjellen.”
Political Geography. vol. 11, no. 3 (1992). pp. 311-313.
Kelly, Phil.
Classical Geopolitics: A New Analytical Model. Stanford: Stanford University Press, 2016.
Kennan, George F.
“The Long Telegram.”
Truman Library Institute. 22/2/1946. at:
https://acr.ps/hByaR2n
________. “The Sources of Soviet Conduct.”
Foreign Affairs. 1/7/1947. at:
https://acr.ps/hByaQJc
Kissinger, Henry.
White House Years. New York: Simon & Schuster, 1979.
Kristof, Ladis K. D. “The Origins and Evolution of Geopolitics.”
The Journal of Conflict Resolution. vol. 4, no. 1 (1960). p. 25.
Lampton, David M. “China and America: the new geopolitical equation.”
Great Decisions (2018). pp. 42-43.
Leeson, Peter T. & Andrea M. Dean. “The Democratic Domino Theory: An Empirical Investigation.”
American Journal of Political Science. vol. 53, no. 3 (2009). p. 533.
Mackinder, Halford J.
Democratic Ideals and Reality: A Study in the Politics of Reconstruction. New York: Henry Holt & Company, 1919.
________. “The Round World and the Winning of the Peace.”
Foreign Affairs. vol. 21, no. 4 (1943).
Mahan, Alfred Thayer.
The Influence of Sea Power upon History, 1660-1783. Boston: Little, Brown & Company, 1890.
________.
The Interest of America in Sea Power, Present and Future. London: Sampson Low, Marston & Company Ltd., 1897.
Merrill, James M. “Successors of Mahan: A Survey of Writings on American Naval History, 1914-1960.”
The Mississippi Valley Historical Review. vol. 50, no. 1 (1963). pp. 79-99.
Ó Tuathail, Gearóid. “The Critical Reading/ Writing of Geopolitics: Re-reading/ Writing Wittfogel, Bowman and Lacoste.”
Progress in Human Geography. vol. 18, no. 3 (1994).
________.
Critical Geopolitics: The Politics of Writing Global Space. London: Routledge, 1996.
________, Simon Dalby & Paul Routledge (eds.).
The Geopolitics Reader. London & New York: Routledge, 1998.
Owens, Mackubin Thomas. “In Defense of Classical Geopolitics.”
Naval War College Review. vol. 52, no. 4 (Autumn 1999). p. 66.
Ratzel, Friedrich.
Politische Geographie. München & Berlin: Verlag von R. Oldenburg, 1897.
Saxer, Marc. “Navigating the Geopolitics of a Three-Theater World.”
Internationale Politik Quarterly. 31/1/2025. at:
https://acr.ps/hByaQYP
Schnitzer, Edwards W. “German Geopolitics Revived.”
The Journal of Politics. vol. 17, no. 3 (1955). pp. 421-422.
Sempa, Francis P. “Why Teach Geopolitics?”
International Social Science Review. vol. 65, no. 1 (Winter 1990). p. 32.
Smith, Neil & Isaiah Bowman. “Bowman’s New World and the Council on Foreign Relations.”
Geographical Review. vol. 76, no. 4 (1986). pp. 440-441.
Spykman, Nicholas John. “Geography and Foreign Policy, I.”
The American Political Science Review. vol. 32, no. 1 (1938). pp. 40-43.
Stogiannos, Alexandros.
The Genesis of Geopolitics and Friedrich Ratzel: Dismissing the Myth of the Ratzelian Geodeterminism. Switzerland: Springer, 2019.
________.
America’s Strategy in World Politics: The United States and the Balance of Power. New York: Harcourt Brace & Company, 1942.
________.
The Geography of the Peace. New York: Harcourt, Brace & Company, 1944.
“About Us.”
The Belt and Road Initiative. 6/10/2023. at:
https://acr.ps/hByaQx7
“The Truman Doctrine, 1947.”
The US Department of State, Office of the Historian. at:
https://acr.ps/hByaR5V
“Truman Doctrine (1947).”
The US National Archives and Records Administration. at:
https://acr.ps/hByaRly
The White House. “National Security Strategy.” 12/10/2022. at:
https://acr.ps/hByaQMK
Tunander, Ola. “Swedish-German Geopolitics for a New Century Rudolf Kjellén’s ‘The State as a Living Organism’.”
Review of International Studies. vol. 27, no. 3 (2001). p. 457.
Wastl-Walter, Doris.
The Ashgate Research Companion to Border Studies. Farnham: Ashgate, 2011.
Wheeler, Nicholas J. “The Bush Doctrine: The Dangers of American Exceptionalism in a Revolutionary Age.”
Asian Perspective. vol. 27, no. 4 (2003). p. 183.
Zoppo, Ciro E. & Charles Zorgbibe.
On Geopolitics: Classical and Nuclear. Dordrecht, Netherlands: Martinus Nijhoff Publishers, 1985.
[1] Bertil Haggman, “Rudolf Kjellén and Modern Swedish Geopolitics,”
Geopolitics, vol. 3, no. 2 (1998), p. 107; Bert Chapman,
Geopolitics: A Guide to the Issues (Santa Barbara: Praeger, 2011), p. 7, 17.
[2] Holger H. Herwig, “Geopolitik: Haushofer, Hitler and Lebensraum,” in: Colin S. Gray & Geoffrey Sloan (eds.),
Geopolitics, Geography and Strategy (London & New York: Routledge, 2013 [1999]), p. 219.
[3] Nicholas John Spykman,
The Geography of the Peace (New York: Harcourt, Brace & Company, 1944), pp. 5-7.
[4] Geoffrey Sloan & Colin S. Gray, “Why Geopolitics?” in: Gray & Sloan (eds.), pp. 1-2.
[5] Phil Kelly,
Classical Geopolitics: A New Analytical Model (Stanford: Stanford University Press, 2016), p. viii.
[6] Heinz Brill, “Political Geography, Geopolitics, Geostrategy: An Attempt at Systematization,”
Strategic Studies, vol. 8, no. 2 (Winter 1985), pp. 86-87, 90.
[7] Friedrich Ratzel,
Politische Geographie (München & Berlin: Verlag von R. Oldenburg, 1897), pp. iii-iv; John Agnew et al., “Introduction,” in: John Agnew et al.,
The Wiley
Blackwell
Companion to Political Geography (West Sussex: John Wiley & Sons, 2015), p. 3.
[8] Ratzel, pp. 6-8; Alexandros Stogiannos,
The Genesis of Geopolitics and Friedrich Ratzel: Dismissing the Myth of the Ratzelian Geodeterminism (Switzerland: Springer, 2019), p. 39.
[9] Stogiannos, p. 59, 61.
[10] Bertrand Badie, Dirk Berg-Schlosser & Leonardo Morlino (eds.),
International Encyclopedia of Political Science (Thousand Oaks: Sage Publications, 2011), p. 970.
[11] Chapman, p. 22; Stogiannos, pp. 139-147.
[12] Ratzel, pp. 11-12; Francis P. Sempa, “Why Teach Geopolitics?”
International Social Science Review, vol. 65, no. 1 (Winter 1990), p. 32.
[13] Kelly, p. 50.
[14] Ladis K. D. Kristof, “The Origins and Evolution of Geopolitics,”
The Journal of Conflict Resolution, vol. 4, no. 1 (1960), p. 25; Saul Bernard Cohen,
Geopolitics: The Geography of International Relations, 3rd ed. (Lanham: Rowman & Littlefield, 2015), p. 24.
[15] Sven Holdar, “The Ideal State and the Power of Geography: The Life-Work of Rudolf Kjellen,”
Political Geography, vol. 11, no. 3 (1992), pp. 311-313; Haggman, pp. 106-107.
[16] Ola Tunander, “Swedish-German Geopolitics for a New Century Rudolf Kjellén’s ‘The State as a Living Organism’,”
Review of International Studies, vol. 27, no. 3 (2001), p. 457.
[17] Kristof, p. 22.
[18] Holdar, p. 313.
[19] Karl Haushofer, “Why Geopolitik?” in: Gearóid Ó Tuathail, Simon Dalby & Paul Routledge (eds.),
The Geopolitics Reader (London & New York: Routledge, 1998), p. 33.
[20] Karl Haushofer, “Defense of German Geopolitics” in: Ó Tuathail, Dalby & Routledge (eds.), p. 40.
[21] Herwig, p. 226.
[22] Jean Klein, “Reflections on Geopolitics: From Pangermanism to the Doctrines of Living Space and Moving Frontiers,” in: Ciro E. Zoppo & Charles Zorgbibe,
On Geopolitics: Classical and Nuclear (Dordrecht, Netherlands: Martinus Nijhoff Publishers, 1985), p. 62; Christopher J. Fettweis, “Sir Halford Mackinder, Geopolitics, and Policymaking in the 21st Century,”
Parameters, vol. 30, no. 2 (Summer 2000).
[23] Herwig, p. 226.
[24] Colin Flint, Introduction to Geopolitics (London & New York: Routledge, 2006), pp. 226-227.
[25] Mackubin Thomas Owens, “In Defense of Classical Geopolitics,”
Naval War College Review, vol. 52, no. 4 (Autumn 1999), p. 66.
[26] Herwig, p. 228.
[27] James Wesley Scott, “Borders, Border Studies and EU Enlargement,” in: Doris Wastl-Walter,
The Ashgate Research Companion to Border Studies (Farnham: Ashgate, 2011), p. 126; Herwig, p. 221.
[28] Gearóid Ó Tuathail, “Part I: Introduction,” in: Ó Tuathail, Dalby & Routledge (eds.), p. 20.
[29] Alfred Thayer Mahan,
The Influence of Sea Power upon History, 1660-1783 (Boston: Little, Brown & Company, 1890).
[30] عماد قدورة،
الجيوبولتكس: النظريات والاستراتيجيات والتطبيقات (الدوحة: دار نشر جامعة قطر، 2025)، ص 126-138.
[31] Jon Sumida, “Alfred Thayer Mahan, Geopolitician,” in: Gray & Sloan (eds.), p. 39.
[32] Mahan,
The Influence of Sea Power upon History, 1660-1783, p. 29, 31, 35, 43-45, 57-59.
[33] Alfred T. Mahan,
The Interest of America in Sea Power, Present and Future (London: Sampson Low, Marston & Company Ltd., 1897), pp. 3-7, 13-14, 21-22, 26, 112-114, 129.
[34] Halford J. Mackinder,
Democratic Ideals and Reality: A Study in the Politics of Reconstruction (New York: Henry Holt & Company, 1919), pp. 45-51, 74.
[35] Mackinder,
Democratic Ideals and Reality, pp. 79-80.
[36] Ibid., pp. 135-136.
[37] Halford J. Mackinder, “The Round World and the Winning of the Peace,”
Foreign Affairs, vol. 21, no. 4 (1943).
- 597-598, 603.
[38] Ibid., p. 601.
[39] Mackinder,
Democratic Ideals and Reality, p. 186.
[40] Ibid., pp. 196-205.
[41] Mackinder, “The Round World and the Winning of the Peace,” p. 601, 604.
[42] Isaiah Bowman,
The New World: Problems in Political Geography (New York: World Book Company, 1921), p. vi.
[43] Neil Smith & Isaiah Bowman, “Bowman’s New World and the Council on Foreign Relations,”
Geographical Review, vol. 76, no. 4 (1986), pp. 440-441.
[44] Isaiah Bowman, “Geography vs. Geopolitics,”
Geographical Review, vol. 32, no. 4 (1942), p. 648.
[45] Bowman,
The New World: Problems in Political, pp. 200-201, 497, 653.
[46] Ibid., p. 7.
[47] Smith, p. 443.
[48] Bowman,
The New World: Problems in Political, p. 387.
[49] Isaiah Bowman, “The Geographical Situation of the United States in Relation to World Policies,”
The Geographical Journal, vol. 112, no. 4-6 (1948), pp. 131-133.
[50] Bowman,
The New World: Problems in Political, pp. 493-495.
[51] Bowman, “Geography vs. Geopolitics,” p. 655.
[52] Bowman,
The New World: Problems in Political, p. 495.
[53] قدورة، ص 225.
[54] Nicholas John Spykman, “Geography and Foreign Policy, I,”
The American Political Science Review, vol. 32, no. 1 (1938), pp. 40-43.
[55] Nicholas John Spykman,
America’s Strategy in World Politics: The United States and the Balance of Power (New York: Harcourt Brace & Company, 1942), p. 43, 232-233, 448.
[56] Spykman,
The Geography of the Peace, pp. 35-38, 40, 45.
[57] Spykman,
America’s Strategy in World Politics, p. 181; Bert Chapman, “Sloan on Geopolitics, Geography and Strategic History in Geopolitics,”
Geopolitics, History, and International Relations, vol. 10, no. 2 (2018), pp. 8-9.
[58] Spykman,
The Geography of the Peace, p. 43.
[59] Chapman,
Geopolitics: A Guide to the Issues, p. 23.
[60] Spykman,
America’s Strategy in World Politics, pp. 459-460.
[61] Spykman,
The Geography of the Peace, p. 57.
[62] Spykman,
America’s Strategy in World Politics, pp. 465-466, 468.
[63] Sempa, p. 18.
[64] Spykman,
America’s Strategy in World Politics, p. 101, 184.
[65] George F. Kennan, “The Sources of Soviet Conduct,”
Foreign Affairs, 1/7/1947, accessed on 21/6/2026, at:
https://acr.ps/hByaQJc; George F. Kennan,
“The Long Telegram,”
Truman Library Institute, 22/2/1946, accessed on 21/6/2026,
at:https://acr.ps/hByaR2n
[66] James M. Merrill, “Successors of Mahan: A Survey of Writings on American Naval History, 1914-1960,”
The Mississippi Valley Historical Review, vol. 50, no. 1 (1963), pp. 79-99.
[67] “The Truman Doctrine, 1947,”
The US Department of State, Office of the Historian, accessed on 21/6/2026, at:
https://acr.ps/hByaR5V; “Truman Doctrine (1947),”
The US National Archives and Records Administration, accessed on 21/6/2026, at:
https://acr.ps/hByaRly
[68] مقتبس من:
Peter T. Leeson & Andrea M. Dean, “The Democratic Domino Theory: An Empirical Investigation,”
American Journal of Political Science, vol. 53, no. 3 (2009), p. 533.
[69] Peter L. Hahn, “Securing the Middle East: The Eisenhower Doctrine of 1957,”
Presidential Studies Quarterly, vol. 36, no. 1 (2006), p. 38.
[70] “Truman Doctrine (1947),”
op. cit.
[71] Henry Kissinger,
White House Years (New York: Simon & Schuster, 1979), p. 129.
[72] Zbigniew Brzezinski,
The Grand Chessboard: American Primacy and its Geo-strategic Imperatives (New York: Basic Books, 1997), pp. xiii-xiv, 31.
[73] Nicholas J. Wheeler, “The Bush Doctrine: The Dangers of American Exceptionalism in a Revolutionary Age,”
Asian Perspective, vol. 27, no. 4 (2003), p. 183.
[74] Merrill, p. 29.
[75] Joachim Jerzy Diec, “Major Trends in Russian Geopolitics after 1991,”
Politeja, vol. 5, no. 62 (2019), pp. 143-144, 153.
[76] Alexander Dugin,
Eurasian Mission: An Introduction to Neo-Eurasianism, John B. Morgan (ed.) (London: Arktos, 2014).
[77] John Berryman, “Geopolitics and Russian Foreign Policy,”
International Politics, vol. 49, no. 4 (2012), pp. 539-540.
[78] Pelagia Karpathiotaki et al., “China’s Belt and Road Initiative: Contributions to Connectivity,” in: Christopher Findlay & Somkiat Tangkitvanich (eds.),
New Dimensions of Connectivity in the Asia-Pacific (Canberra: ANU Press, 2021), pp. 45-46.
[79] “About Us,”
The Belt and Road Portal, accessed on 6/10/2023, at:
https://acr.ps/hByaQx7
[80] David M. Lampton, “China and America: the new geopolitical equation,”
Great Decisions (2018), pp. 42-43.
[81] Anoushiravan Ehteshami, “The BRI and Its Rivals: The Building and Rebuilding of Eurasia in the 21st Century,”
PRISM, vol. 10, no. 1 (2022), p. 28.
[82] Karpathiotaki et al., pp. 47-48.
[83] The White House, “National Security Strategy,” p. 3, 8, 11, 20, 24, 12/10/2022, accessed on 21/6/2025, at:
https://acr.ps/hByaQMK
[84] Marc Saxer, “Navigating the Geopolitics of a Three-Theater World,”
Internationale Politik Quarterly, 31/1/2025, accessed on 21/6/2026, at:
https://acr.ps/hByaQYP
[85] Edwards W. Schnitzer, “German Geopolitics Revived,”
The Journal of Politics, vol. 17, no. 3 (1955), pp. 421-422.
[86] يُنظر مثلًا:
Gearóid Ó Tuathail, “The Critical Reading/ Writing of Geopolitics: Re-reading/ Writing Wittfogel, Bowman and Lacoste,”
Progress in Human Geography, vol. 18, no. 3 (1994); Gearóid Ó Tuathail,
Critical Geopolitics: The Politics of Writing Global Space (London: Routledge, 1996); Simon Dalby & Gearóid Ó Tuathail (eds.),
Rethinking Geopolitics (London & New York: Routledge, 1998); Paul Routledge, “Anti-Geopolitics: Introduction,” in: Ó Tuathail, Dalby & Routledge (eds.), pp. 245-255; John Agnew,
Hidden Geopolitics: Governance in a Globalized World (Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 2023).