الموجز
اشتهاء الطين، أو أكل الطين، هو سلوك قهري ضمن اضطرابات الأكل غير النمطية، يتمثل في تناول الطين أو التربة أو المواد غير الغذائية، وقد ينشأ نتيجة نقص المعادن مثل الحديد أو الزنك في الجسم، أو بسبب عوامل نفسية. يلاحظ ظهور هذا المرض عند بعض النساء الحوامل، وقد يفسّر أحيانًا بحاجة الجسم إلى مزيد من الحديد خلال الحمل، أو بوصفه ثقافة منتشرة في بعض الحضارات.
قد يؤدي اشتهاء الطين وتناوله إلى مضاعفات صحية تشمل العدوى الطفيلية، أو التسمم بالمعادن الثقيلة، أو انسداد الجهاز الهضمي، واضطرابات امتصاص المغذيات. أمّا علاجه فيعتمد على تعويض المعادن في الجسم، وتعديل السلوك القهري إذا كان السبب نفسيًا وليس عضويًا.
التعريف
يُعرَّف اشتهاء الطين (Geophagia) بأنه سلوك قهري أو متكرر يتمثل في تناول التربة أو المواد الطينية، ويُصنَّف ضمن اضطرابات الأكل غير النمطية المعروفة باضطرابات بيكا (Pica Disorders)، التي تشمل تناول مواد غير غذائية مثل الثلج، أو الورق، أو الطباشير. قد يظهر هذا السلوك بوصفه استجابة فيزيولوجية لحاجة جسدية، مثل نقص المعادن أو فقر الدم (Anemia)، أو بوصفه ظاهرة ثقافية واجتماعية متوارثة في بعض البيئات الريفية. ويُعتقد أن بعض الأشخاص يجدون في تناول الطين إحساسًا بالراحة المعوية أو الطمأنينة النفسية، ما يعكس جانبًا سلوكيًا ونفسيًا معقدًا للاضطراب.[1]
الخلفية التاريخية والثقافية
طين مطهو للبيع للنساء الحوامل في سوق شعبية في زامبيا
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تعود ممارسة تناول الطين إلى العصور القديمة، إذ سُجلت في الحضارات الأفريقية والآسيوية واليونانية القديمة بوصفها عادة شائعة بين النساء الحوامل. في بعض الثقافات الأفريقية، يُنظر إلى تناول الطين على أنه سلوك طبيعي يعزز الخصوبة أو يخفف الغثيان أثناء الحمل، في حين يُستخدم في مناطق أخرى لأغراض دينية أو علاجية. أما في السياق الحديث، فما زالت هذه الظاهرة تُلحَظ في بعض المجتمعات الريفية أو الفقيرة، إذ يُباع الطين المجفف أو المخبوز في الأسواق بوصفه منتجًا شعبيًا، رغم مخاطره الصحية المثبتة. ورغم النظرة الاجتماعية المتسامحة في بعض البيئات، فالأطباء وخبراء التغذية يصنفونه اضطرابًا يحتاج إلى تقييم طبي دقيق لتحديد أسبابه الحقيقية[2].
العوامل المسببة
تتنوع التفسيرات العلمية لظاهرة اشتهاء الطين وفقًا للحالة الفردية، ويمكن حصرها في ثلاثة أطر أساسية. أولها النظرية الغذائية (Nutritional Hypothesis) التي تفترض أن هذا السلوك ينشأ نتيجة نقص بعض المعادن الحيوية مثل الحديد والزنك والكالسيوم، إذ يسعى الجسم لتعويض هذا النقص عبر تناول مواد غنية بهذه العناصر، غير أن قدرة الجهاز الهضمي على امتصاص المعادن من التربة غالبًا ما تكون محدودة أو معدومة، ما يقلل من جدوى هذا التعويض. ثانيها النظرية الوقائية (Protective Hypothesis) التي ترى أن الطين يعمل على ربط السموم أو الميكروبات الضارة الموجودة في الطعام، ومن ثَمّ يقلل من امتصاصها داخل الجهاز الهضمي، وهو ما يفسر استمرار السلوك في المناطق التي تنتشر فيها الأمراض المعوية. أما الإطار الثالث، فهو النظرية النفسية (Psychological Hypothesis) التي تركز على الأبعاد السلوكية والعاطفية، معتبرةً اشتهاء الطين وسيلة للتخفيف من التوتر والقلق، أو سلوكًا قهريًا.[3]
يعد نقص الحديد السبب الأكثر شيوعًا، إذ يؤدي إلى تغيرات في التذوق والشهية تدفع الفرد نحو استهلاك مواد غير غذائية بوصفه وسيلة لتعويض النقص. ويمكن أيضًا أن يسهم نقص الزنك أو الكالسيوم في تحفيز الجسم للبحث عن مصادر بديلة لهذه المعادن الحيوية، على الرغم من محدودية امتصاصها من التربة. أيضًا تشكل العوامل النفسية محورًا آخر، إذ يرتبط السلوك أحيانًا بالقلق، أو الاكتئاب، أو الصدمات العاطفية، ما يندرج ضمن سلوكات قهرية مشابهة لاضطرابات الوسواس القهري. كذلك تؤثر العوامل الفيزيولوجية، مثل التغيرات الهرمونية خلال فترة الحمل، في الرغبة في تناول مواد غير غذائية، ما يبرز الطبيعة المتعددة الأبعاد والمعقدة لهذه الظاهرة.[4]
انتشار الاضطراب
يُعد اشتهاء الطين أكثر شيوعًا في المناطق النامية، ولا سيما في جنوب الصحراء الأفريقية، وجنوب آسيا، وأجزاء من أمريكا اللاتينية. وتُقدّر الدراسات أن ما بين 10–30 في المئة من النساء الحوامل في بعض المناطق قد يمارسن هذا السلوك بدرجات متفاوتة. ويُلحَظ أيضًا انتشار الظاهرة بين الأطفال في سن ما قبل المدرسة، ولا سيما في البيئات الفقيرة التي تفتقر إلى الغذاء المتوازن. أما في البلدان المتقدمة، فغالبًا ما يرتبط اشتهاء الطين بحالات طبية محددة مثل فقر الدم ونقص الحديد أو الاضطرابات النفسية. ويُعتقد أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية تعمل على تحديد مدى انتشار هذا السلوك بين الفئات السكانية المختلفة.[5]
التشخيص
يبدأ الطبيب بجمع معلومات مفصلة عن نوعية المواد المتناولة، وتكرار هذه السلوكات، ومدى ارتباطها بعوامل نفسية أو اضطرابات غذائية محتملة، مع التركيز على الظروف الاجتماعية والنفسية التي قد تحفز هذا السلوك. تُعد الفحوص المخبرية جزءًا أساسيًا من عملية التشخيص، إذ يفحص الطبيب تعداد الدم الكامل (Complete Blood Count – CBC)، للكشف عن وجود فقر الدم أو أي تغيّرات في خلايا الدم، ولا سيما تلك الناتجة عن نقص الحديد أو غيره من العناصر الغذائية، إذ غالبًا ما يظهر لدى الأشخاص الذين يتناولون التربة انخفاض في الهيموغلوبين (Hemoglobin) والهيماتوكريت (Hematocrit)، وقد يُلحَظ فقر دم مجهري أو نقص صباغ الهيموغلوبين (Microcytic Hypochromic anemia). كذلك تُجرى فحوص مستويات الحديد في الدم بما في ذلك الفيريتين (Ferritin) والحديد في المصل (Serum Iron) والقدرة الكلية لنقل الحديد (Total Iron-Binding Capacity) لتحديد ما إذا كان النقص في الحديد سببًا رئيسًا لظهور اشتهاء الطين أو نتيجة له. علاوة على ذلك، يوفر تحليل المعادن الأساسية (Trace Elements Panel) معلومات عن وجود نقص في عناصر مثل الزنك والكالسيوم والمغنيسيوم والفوسفور، إذ يمكن أن يؤثر نقص هذه المعادن في الشهية والسلوك العام للجسم. وفي حالات الاشتهاء المزمن أو عند الحاجة إلى التأكد من سلامة الأعضاء الداخلية، تُجرى اختبارات وظائف الكبد والكلى (Liver and Kidney Function Tests) لتحديد تأثير التربة أو المعادن الثقيلة المحتملة في هذه الأجهزة، مع قياس انزيمات الكبد والبيليروبين {{البيليروبين: (Bilirubin) صبغة صفراء تنتج عن استقلاب الحديد في الدم خلال تحلل كريات الدم الحمراء، ويعكس قياس مستواه في الدم كفاءة الاقتران الكبدي والإطراح الصفراوي، ما يجعله أداة تشخيصية محورية في تقييم أمراض الكبد واليرقان.}}، والكرياتينين{{الكرياتينين: (Creatinine) مركب ناتج عن التحلل الأيضي للفوسفوكرياتين في الأنسجة العضلية، ويُعد تركيزه في المصل مؤشرًا حساسًا لوظيفة الكِلية وكفاءة معدل الترشيح الكبيبي (Glomerular Filtration Rate).}} واليوريا (Urea) للكلى[6].
يُحلَّل أيضًا البراز (Stool Analysis) للكشف عن المضاعفات الناجمة عن تناول التربة، مثل وجود طفيليات (Parasites) أو بكتيريا ضارة (Harmful Bacteria)، أو تراكم جزيئات صلبة داخل الجهاز الهضمي، ويمكن أيضًا إجراء فحص الدم الخفي (Occult Blood Test) للكشف عن أي نزيف محتمل. في حالات الاشتهاء المزمن، يُستحسن إجراء فحص لمستويات المعادن الثقيلة (Heavy Metals) مثل الرصاص (Lead) والزرنيخ (Arsenic) والزئبق (Mercury)، نظرًا لاحتمالية احتواء التربة على هذه العناصر السامة. كذلك يمكن قياس مستويات بعض الڨيتامينات مثل بـ 12 (B12) وحمض الفوليك (Folate) لتقييم تأثير السلوك في تكوين الدم ووظائف الأعصاب. إلى جانب الفحوص المخبرية، يُنصح بإجراء تقييم نفسي (Psychological Assessment) لتحديد ما إذا كان السلوك مرتبطًا باضطراب قهري أو اكتئابي أو أي اضطرابات سلوكية أخرى. يُعَدّ التشخيص المبكر خطوة أساسية لتفادي المضاعفات الجسدية والنفسية المصاحبة، ولتمكين وضع خطة علاجية شاملة تتضمن تدخلات غذائية ونفسية وطبية عند الحاجة.[7]
المضاعفات الصحية
قد يؤدي استهلاك الطين إلى مجموعة من المضاعفات الصحية التي تختلف تبعًا لنوعية التربة ودرجة تلوثها. من أبرز هذه المضاعفات العدوى الطفيلية (Parasitic Infections)، إذ قد تحتوي التربة على بويضات الديدان أو الطفيليات المعوية، ما يعرّض الجهاز الهضمي للإصابة بأمراض مزمنة. ويمكن أيضًا أن ينتج عن تناول الطين التسمم بالمعادن الثقيلة (Heavy Metal Toxicity)، مثل الرصاص والزئبق والزرنيخ، التي تتراكم في الكبد والكلى مسببة أضرارًا مزمنة. ويُعد فقر الدم إحدى النتائج الشائعة، إذ يعيق الطين امتصاص الحديد الغذائي، ما يؤدي إلى تفاقم الحالة. علاوة على ذلك، قد يسبب الطين انسدادًا في الجهاز الهضمي نتيجة تراكم المواد الصلبة في الأمعاء، ويؤدي أحيانًا إلى اضطرابات في امتصاص المغذيات، ما يفاقم سوء التغذية ويؤثر في مستويات الڨيتامينات والمعادن الأساسية في الجسم.[8]
العلاج
يرتكز علاج اشتهاء الطين على معالجة السبب الجذري للسلوك ويشمل مجموعة متكاملة من التدابير الطبية والسلوكية. يتمثل العلاج الغذائي في تعويض النقص في المعادن الأساسية مثل الحديد والزنك من خلال المكملات الغذائية واتباع نظام غذائي متوازن، ما يحدّ من الدافع الجسدي لتناول الطين. أما العلاج السلوكي المعرفي {{العلاج السلوكي المعرفي: (Cognitive Behavioral Therapy) أسلوب علاجي قائم على مبادئ علم النفس التجريبي، يستهدف إعادة هيكلة الأنماط المعرفية والسلوكية المسببة للاضطراب النفسي عبر استبدال الأفكار غير التكيفية باستجابات أكثر اتزانًا وواقعية.}} فيهدف إلى تعديل السلوك القهري وتعزيز وعي الفرد بمخاطر هذه الممارسة، علاوة على تقنيات لإدارة الرغبة الملحّة. وفي بعض الحالات المرتبطة باضطرابات نفسية، قد يُستعان بالعلاج الدوائي (Pharmacological Therapy) باستخدام مضادات القلق أو مضادات الاكتئاب لتخفيف الأعراض النفسية المصاحبة. إلى جانب ذلك، يُعد التثقيف الصحي (Health Education) عنصرًا أساسيًا، إذ يركز على توعية المرضى والمجتمع بمخاطر استهلاك التربة وتشجيع البدائل الغذائية الآمنة، ما يسهم في الوقاية من المضاعفات الصحية وتحقيق تعديل مستدام في السلوك.[9]
المراجع
Decaudin, Perrine et al. “Prevalence of Geophagy and Knowledge about Its Health Effects among Native Sub-Saharan Africa, Caribbean and South America Healthy Adults Living in France.” Eating and Weight Disorders. vol. 25 (2020). pp. 465–469.
Frazzoli, C. et al. “Health Risks from Lost Awareness of Cultural Behaviours Rooted in Traditional Medicine: An Insight in Geophagy and Mineral Intake.” Science of the Total Environment. vol. 566-567 (2016). pp. 1465-1471.
Kambunga, Selma N. et al. “Review of the Nature of Some Geophagic Materials and Their Potential Health Effects on Pregnant Women: Some Examples from Africa.” Environmental Geochemistry and Health. vol. 41, no. 5 (2019). pp. 2949–2975
Kawai, Kosuke et al. “Geophagy (Soil-Eating) in Relation to Anemia and Helminth Infection among HIV-Infected Pregnant Women in Tanzania.” American Journal of Tropical Medicine and Hygiene. vol. 80, no. 1 (2009). pp. 36–43.
Macheka, L. et al. “Prevalence of Geophagia and Its Contributing Factors among Pregnant Women at Dr. George Mukhari Academic Hospital, Pretoria.” African Health Sciences. vol. 16, no. 4 (2017). pp. 972-978.
Malebatja, Mohora Feida et al. “Health Education and Promotion Interventions to Mitigate Geophagic Practise: A Scoping Review.” Public Health Reviews. vol. 46 (2025).
Njiru, H., U. Elchalal & O. Paltiel. “Geophagy During Pregnancy in Africa: A Literature Review.” Obstetrical and Gynecological Survey. vol. 66, no. 7 (2011). pp. 452–459.
Woywodt, Alexander & Ágnes Kiss. “Geophagia: The History of Earth-Eating.” Journal of the Royal Society of Medicine. vol. 95, no. 3 (2002). pp. 143-146.
Young, Sera et al. “Why On Earth?: Evaluating Hypotheses About the Physiological Functions of Human Geophagy.” The Quarterly Review of Biology. vol. 86, no. 3 (2011). pp. 241–268.
[1] Alexander Woywodt & Ágnes Kiss, “Geophagia: The History of Earth-Eating,” Journal of the Royal Society of Medicine, vol. 95, no. 3 (2002), pp. 143-146.
[2] Selma N. Kambunga et al., “Review of the Nature of Some Geophagic Materials and Their Potential Health Effects on Pregnant Women: Some Examples from Africa,” Environmental Geochemistry and Health, vol. 41, no. 5 (2019), pp. 2949–2975; H. Njiru, U. Elchalal & O. Paltiel, “Geophagy During Pregnancy in Africa: A Literature Review,” Obstetrical and Gynecological Survey. vol. 66, no. 7 (2011), pp. 452–459؛ Mohora Feida Malebatja et al., “Health Education and Promotion Interventions to Mitigate Geophagic Practise: A Scoping Review,” Public Health Reviews, vol. 46 (2025), p. 1607614.
[3] Sera Young et al., “Why On Earth?: Evaluating Hypotheses About the Physiological Functions of Human Geophagy,” The Quarterly Review of Biology, vol. 86, no. 3 (2011), pp. 241–268.
[4] L. Macheka et al., “Prevalence of Geophagia and Its Contributing Factors among Pregnant Women at Dr. George Mukhari Academic Hospital, Pretoria,” African Health Sciences, vol. 16, no. 4 (2017), pp. 972-978.
[5] Perrine Decaudin et al., “Prevalence of Geophagy and Knowledge about Its Health Effects among Native Sub-Saharan Africa, Caribbean and South America Healthy Adults Living in France,” Eating and Weight Disorders, vol. 25 (2020), pp. 465–469.
[6] C. Frazzoli et al., “Health Risks from Lost Awareness of Cultural Behaviours Rooted in Traditional Medicine: An Insight in Geophagy and Mineral Intake,” Science of the Total Environment, vol. 566-567 (2016), pp. 1465-1471.
[7] Ibid.
[8] Kosuke Kawai et al., “Geophagy (Soil-Eating) in Relation to Anemia and Helminth Infection among HIV-Infected Pregnant Women in Tanzania,” American Journal of Tropical Medicine and Hygiene, vol. 80, no. 1 (2009), pp. 36–43.
[9] Malebatja et al., op. cit.