الموجز
مبدأ سلطان الإرادة هو أحد المبادئ الأساسية في القانون الخاص، ويقوم على حرية الأفراد في إنشاء التصرفات القانونية وتحديد آثارها بإرادتهم، ولا سيما في مجال العقود ضمن حدود يرسمها النظام العام والقواعد الآمرة. وقد تطور هذا المبدأ تاريخيًا في النظم القانونية وتأثر بالمذاهب الاقتصادية والفكرية السائدة، حتى ازدهر في ظل المذهب الفردي والاقتصاد الحر، فقد عرفت الشريعة الإسلامية الرضائية في العقود والقوة الملزمة للعقد وفق مبدأ "المسلمون عند شروطهم"، ورسمت حدودًا واضحة لسلطان الإرادة في دائرة الحلال، وجعلت الكتابة وسيلة مطلوبة للإثبات لا قيدًا شكليًا على التعبير عن الإرادة. كما عرف القانون الروماني العقود الشكلية قبل أن يقر العقود الرضائية ويؤكّد قاعدة "العقد شريعة المتعاقدين" (Pacta sunt servanda)، في حين عرف قانون حمورابي الرضائية والكتابة للإثبات أو بوصفها ركنًا في بعض العقود، وعرف عيوب الرضا كالإكراه والغش.
وفي القانون المقارن الحديث، أثرت النزعة الفردية والاقتصاد الكلاسيكي (المنافسة الحرة والنفعية) في ترسيخ حرية التعاقد في إنكلترا، ثم ظهرت قيود تشريعية وقضائية منذ مطلع القرن العشرين، مثل قوانين الشروط المجحفة وقوانين مقرضي الأموال، هدفت إلى إعادة التوازن في المفاوضات التعاقدية. ويسود مبدأ سلطان الإرادة في عقود التجارة الدولية إذ تعترف مبادئ العقود الدولية والاتفاقيات الدولية به، مثل: اتفاقية الأمم المتحدة لعقد بيع البضائع الدولي (CISG)، ومبادئ اليونيدروا (Unidroit) لعقود التجارة الدولية بحرية الأطراف في إبرام العقد وتحديد مضمونه أو استبعاد بعض القواعد القانونية، مع تقرير قيود على حرية التعاقد، من أهمها: الالتزام بحسن النية، وحدود مسؤولية الناقل البحري في اتفاقيات النقل البحري الدولية، وقواعد مكافحة الرشوة وغسل الأموال.
يظهر سلطان الإرادة في تكوين العقد وتحديد مضمونه وتعديله وإنهائه، ففي تكوين العقد، تسود حرية التفاوض التي تمكن كل طرف من الإقدام على التعاقد أو الإحجام عنه، مع الالتزام بالتفاوض بحسن النية الذي تؤكده بعض النظم القانونية صراحة. وكي لا يُفرغ سلطان الإرادة من مضمونه، تقرر القوانين شروط صحة الرضا من حيث الأهلية وسلامة الإرادة من عيوب: الغلط، والتدليس، والإكراه، والاستغلال. وبرز أثر سلطان الإرادة في تقدير صحة الرضا وفي تفسير العقود من خلال بحث المشرع والقضاء في الإرادة الظاهرة والباطنة للمتعاقدين والموازنة بين حماية القصد الحقيقي واستقرار المعاملات. ومن أهم مظاهر سلطان الإرادة حرية اختيار المتعاقد، غير أن هذا الجانب لسلطان الإرادة قد يخضع لقيود تتصل بتشغيل المرافق العامة والمساواة بين الأفراد في الانتفاع بخدماتها. بموجب حرية التعاقد، تسود الرضائية في العقود، أي إنه يكفي التعبير عن الإرادة بأية وسيلة ما لم يفرض القانون شكلية معيّنة لاعتبارات تتعلق بالثقة العامة واستقرار المعاملات، مثل تسجيل بيع العقارات، أو يتفق المتعاقدان طوعًا على اشتراط شكل معين لانعقاد العقد، كتعليق إبرامه على الكتابة والتوقيع، أو على تسليم المال في العقود العينية.
يظهر سلطان الإرادة كذلك في حرية المتعاقدين في تحديد شروط العقد وأحكامه، ما لم يرد نص تشريعي آمر يمنع شرطًا معينًا، كما يحدث في منع تقييد سلطة المشتري في التصرف بالمبيع مطلقًا، لذلك يغلب على القواعد القانونية الناظمة للعقود أن تكون قواعد مكملة أو مفسرة يجوز للأطراف الاتفاق على مخالفتها، ولا تُطبق إلا لتكملة مسائل لم ينظمها العقد. كما يبرز سلطان الإرادة في تعديل العقد وإنهائه، فلا تعديل ولا إنهاء إلا باتفاق الطرفين أو بحكم القضاء أو بقوة القانون لأسباب محددة. تتبنى بعض القوانين استثناءات في هذا المجال، مثل: سلطة الجهة الإدارية في تعديل العقود الإدارية إذا اقتضت ذلك حاجة المرفق العام، مقابل تعويض المتعاقد، وسلطة القاضي في تعديل العقد بناء على طلب أحد المتعاقدين بسبب ظروف استثنائية غير متوقعة (نظرية الظروف الطارئة) أخلت بالتوازن الاقتصادي للعقد بصورة جوهرية، وذلك لإعادة التوازن وفق الإرادة الضمنية المفترضة للأطراف.
من الناحية الواقعية، تتفاوت المراكز التفاوضية للأطراف وهو ما يجعل بعضهم عرضة للاستغلال، وتغدو حرية التعاقد عند الطرف الضعيف مفرغة من مضمونها، لذلك برزت قيود حديثة على حرية التعاقد بهدف تحقيق توازن في العلاقات التعاقدية حماية للطرف الأضعف والمصلحة العامة. تشمل هذه القيود: القواعد الآمرة التي تبطل كل شرط مخالف لها (كالمسؤولية العشرية للمقاول)، والنظام العام والآداب لحماية القيم الأساسية في المجتمع، والقيود المختصة بعقود الإذعان وحماية المستهلك إذ تتدخل التشريعات لإبطال الشروط التعسفية وفرض واجبات الإفصاح والإعلام وخيارات العدول.
تعريف سلطان الإرادة
مبدأ سلطان الإرادة، يُعبر عنه كذلك بحرية التعاقد، هو أحد مبادئ القانون الخاص، يتمثل مضمونه في حرية الأفراد في قبول إبرام عقد ملزم أو رفضه، وحريتهم في التفاوض لتحديد شروط العقد وأحكامه. ويفترض مبدأ سلطان الإرادة أن أطراف العقد يبرمونه برضًا سليم وإرادة حرة، ويمتد نطاقه ليشمل الشخصيات الاعتبارية، مثل: الشركات، وغيرها من أشخاص القانون الخاص.
تطوره التاريخي
سلطان الإرادة في الشريعة الإسلامية
تُعد الشريعة الإسلامية من النُظُم القانونية التي كرّست مبدأ سلطان الإرادة[1]، فمن حيث إبرام العقود المالية، تُقرر القواعد الفقهية {{القواعد الفقهية: هي أصول عامة صاغها الفقهاء في عبارات موجزة، تندرج تحتها مسائل فقهية كثيرة من أبوابٍ فقهية مختلفة، مثل "قاعدة الأمور بمقاصدها"، فهي تنطبق على مسائل في أبواب مختلفة من العبادات والمعاملات.}} أن "الأصل في المعاملات الإباحة"[2]. كذلك تقر الشريعة الإسلامية القوة الملزمة للعقد والشروط التي يرتضيها العاقدان، إذ جاء في الحديث الشريف "المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالًا"[3]، غير أن الشريعة الإسلامية تعرف أيضًا حدود سلطان الإرادة؛ فلا يصح اتفاق العاقدين على شروط تخالف قواعد الحلال والحرام، مثل: الربا، والغرر {{الغرر: هو الجهالة أو عدم التعيّن في المعاملات، بحيث يكون محل الالتزام أو مقداره أو إمكان تسليمه غير معلوم على وجه كافٍ وقت العقد، ومنعته الشريعة الإسلامية لأنه يفضي إلى النزاع، مثل بيع ثمر على الشجر قبل ظهور صلاحه.}}. كذلك جعلت الشريعة الإسلامية التراضي ركنًا للعقد من دون تقييده بشكل معين، مع الحث على الكتابة توثيقًا للحقوق وإثباتًا لها، لا باعتبارها ركنًا لانعقاد العقد، مع إجازة حرية الإثبات {{حرية الإثبات: هي إعطاء الخصوم فرصة إقامة الدليل على تصرف أو واقعة بأية وسيلة، مثل: الأدلة الكتابية أو أقوال الشهود أو القرائن، بعكس نظام الإثبات المقيد الذي يستلزم بموجبه القانون وسيلة إثبات معينة، مثل الكتابة.}} في المعاملات التجارية {{المعاملات التجارية: هي أعمال يصنفها القانون أعمالًا تجارية لتعلقها بتداول السلع والخدمات أو تمويله بقصد الربح أو لصدورها من تاجر لغايات تجارته، وتخضع لقواعد قانونية خاصة بالمقارنة مع المعاملات المدنية.}} لاعتبار الآية القرآنية: "إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا" (البقرة: 282).
سلطان الإرادة في النظم القانونية القديمة
عرف القانون الروماني في مراحله المبكرة العقودَ الشكلية {{العقود الشكلية: هي عقود لا تُعد صحيحة في القانون إلا إذا أُفرغت في شكل معين، مثل: الكتابة في صك يوقعه الأطراف أو التوثيق لدى جهة رسمية، وذلك بعكس العقود الرضائية.}}، فلم يكن الاتفاق المجرد بين إرادتين كافيًا لنشوء عقد ملزم[4]، بل كان يلزم استيفاء شكل يحدده القانون. ومع ذلك عرف القانون الروماني مبدأ القوة الملزمة للعقد ووجوب العمل بما ارتضاه العاقدان (Pacta sunt servanda) وخفّف من الشكلية في عصور متأخرة وظهرت العقود الرضائية إلى جانب العقود الشكلية[5].
وفي حضارة بابل، عُرف قانون حمورابي {{قانون حمورابي: مجموعةٌ أحكام قانونية ارتبطت بالملك حمورابي، حاكم بابل في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وتُعد شاهدًا في تاريخ القانون القديم على الانتقال من الأعراف غير المكتوبة إلى التقنين المدون والمعلن.}} وكذلك عُرفت العقود الرضائية، مع اشتراط تدوين العقود للإثبات أو بوصف التدوين ركنًا شكليًا لصحة بعضها، مثل الوديعة. كما اشترط قانون حمورابي أن يتم العقد بالتراضي أو (برضا قلب) خاليًا من الإكراه والغش[6].
سلطان الإرادة في القانون المقارن
ظهر سلطان الإرادة في فلسفة القانون منذ القرن الثامن عشر، امتدادًا للمذهب الفردي {{المذهب الفردي: (Individualism) اتجاهٌ فلسفي وسياسيّ وقانوني يجعل الفرد الغاية الأساسية للمجتمع وحماية حريته الشخصية واستقلاله هدفَ التنظيم القانوني بأقل قدْر من تدخل السلطة العامة.}}، الذي أكّد أن الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الحقوق[7]، وتقتضي هذه الحرية أن يبرموا ما يشاؤون من التصرفات بشرط عدم الإضرار بالغير[8].
في إنكلترا، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فرض نظام الإقطاع وطوائف الحرف {{طوائف الحرف: (Craft guilds) هي جمعيات مهنية لأصحاب الحرفة الواحدة في مدن أوروبا في العصور الوسطى، تولّت تنظيم الدخول إلى المهنة، والتدريب، وحماية المصالح الاقتصادية لأعضائها.}} قواعد قيّدت من سلطان الإرادة من خلال تثبيت الأسعار والرقابة على الأسواق[9]. ومع تطور الفكر الاقتصادي منذ أواخر القرن الثامن عشر حتى منتصف عهد الملكة ڤكتوريا، الذي تجسّده أعمال آدم سميث (Adam Smith، 1723-1790) ومبدأ النفعية (Utilitarianism)، برز الاعتراف بحرية التعاقد بوصفها وسيلة لتحقيق الصالح العام، في حين وفّرت المدرسة الاقتصادية الكلاسيكية – ويمثلها آدم سميث – أساسًا نظريًا للمنافسة الحرة[10]. وخلال خمسينيات القرن التاسع عشر وستينياته، عززت فكرة "البقاء للأصلح" حرية التعاقد والمنافسة لأنها تفرز الأفضل لزيادة الثروة القومية. كما كرّس القضاء الإنكليزي مبادئ نسبية، مثل أثر العقد الذي يقضي بأن العقد يلزم العاقدين ولا يرتب حقوقًا والتزامات للغير؛ ومبدأ سبب الالتزام واتخاذ توقعات العاقدين أساسًا لتحديد نطاق التعويض عن خرق العقد، وقد عُدَّت هذه المبادئ معزِّزة لحرية التعاقد.[11]
بدأ القانون الإنكليزي منذ مطلع القرن العشرين يقبل فرض قيود على سلطان الإرادة، بعد توجيه انتقادات إلى مفهوم حرية التعاقد والمنافسة الحرة، المرتبط بفكرة البقاء للأصلح، لما ينطوي عليه من افتراض مساواة المتعاقدين في القدرة على التفاوض، في حين قد تختلف مراكزهم الاقتصادية والتفاوضية في الواقع. ولضمان حرية التعاقد، ظهر اتجاه فكري يدعو إلى توفير حماية وضمانات لجعل المتعاقدين في ظروف متساوية. فأصدر البرلمان البريطاني عددًا من القوانين، مثل: قانون مقرضي الأموال لسنة 1900، وقانون الشروط المجحفة في العقود سنة 1977[12]. وعلى الرغم من استمرار سلطان الإرادة مبدأً سائدًا في مجال الأعمال، ظهرت النزعة الحمائية للأطراف ذوي المراكز الاقتصادية الضعيفة، مثل: العمال، والمستهلكين[13].
سلطان الإرادة في عقود التجارة الدولية
كرّست مبادئ عقود التجارة الدولية مبدأ سلطان الإرادة. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 6 من اتفاقية الأمم المتحدة لعقد البيع الدولي للبضائع لسنة 1980 على حرية أطراف عقد البيع الدولي في استبعاد أي من أحكام الاتفاقية أو تعديلها. كذلك أقرّت مبادئ العقود الدولية في نسختها الصادرة سنة 2016 عن المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص (اليونيدورا) مبدأ حرية الأطراف في إبرام العقد وتحديد مضمونه[14]، ويؤكد ذلك تقرير مبدأ حرية التعاقد في نسخ اليونيدورا السابقة[15]. غير أن قواعد عقود التجارة الدولية تعرف أيضًا حدودًا لسلطان الإرادة[16]. فعلى سبيل المثال، تفرض بعض الاتفاقيات الدولية الخاصة بالنقل البحري للبضائع حدودًا قصوى لمسؤولية الناقل عن تلف البضاعة كما هو في اتفاقية هامبورغ للنقل البحري لسنة 1978. كذلك لا تجيز مبادئ اليونيدورا الاتفاق على مخالفة قواعدها الخاصة بالالتزام بحسن النية[17]. ويخضع سلطان الإرادة في العقود الدولية لقيود متعلقة بمكافحة غسل الأموال والرشوة في التجارة الدولية، فلا تصح الاتفاقات المخالفة لتلك القيود.
سلطان الإرادة في إبرام العقد
حرية التفاوض
من أبرز مظاهر سلطان الإرادة حرية الأشخاص في إبرام العقد أو رفض التعاقد[18]، وينشأ العقد الملزم من تلاقي الإيجاب، وهو عرض التعاقد بشروط معينة يصدره أحد الأطراف، مع قبول هذا الإيجاب من الطرف الآخر. وقبل تلاقي الإيجاب بالقبول على العناصر الجوهرية للعقد المطلوب إبرامه، يملك كل طرف صرف النظر عن إبرام العقد. وبعبارة أخرى، لا يُلزَم أي طرف، في مرحلة التفاوض لإبرام عقد، بالاستمرار في المفاوضات حتى إبرام عقد ملزم، بل يجوز له الانسحاب من المفاوضات، لكن النظم القانونية قد تفرض قيدًا على حرية التفاوض بناء على مبدأ حسن النية، فيقتضي ذلك إجراء المفاوضات بجدية، وعدم إخفاء المعلومات الجوهرية التي قد تؤثر في اتخاذ قرار حول إبرام العقد، وألا يكون الانسحاب من المفاوضات في وقت غير مناسب. ومع ذلك، فإن الأطراف لا يُلزمون بإبرام عقد، وقد يترتب على الطرف الذي يخل بواجب التفاوض بحسن نية التزام بالتعويض عن الضرر إذا ثبت تضرر الطرف الآخر بسبب الإخلال. على سبيل المثال، أكد القانون المدني الفرنسي بموجب المادة 1112 المعدلة سنة 2016 أن الالتزام بحسن النية لا يطبق على تنفيذ الالتزام فقط، بل يمتد إلى مرحلة التفاوض، ومن ثم قد يتعرض الطرف الذي لا يفاوض بجدية للمسؤولية عن التعويض إذا انسحب من المفاوضات فجأة أو إذا أخفى معلومات جوهرية تؤثر في الرضا بالعقد، إلا ما يخص قيمة محل العقد[19]. وبموجب المادة 1104 من القانون المدني الفرنسي المعدل، يُعد الالتزام بحسن النية من النظام العام ولا يجوز للأطراف التنازل عنه أو تقييده.
بعض النظم القانونية، وبخاصة القانون الإنكليزي والنظم الشبيهة به والمعروفة بنظم قانون العموم (Common law)، تعطي الأولوية لحرية التعاقد وتتبنى مفهومًا أضيق لمبدأ حسن النية مقتضاه أنه لا يجوز للأطراف أن يقدّموا معلومات مضللة أو غير صحيحة في أثناء التفاوض بلا فرض التزام بتقديم معلومات، كما أكّد القضاء الإنجليزي في قضية "تيرنر ضد غرين"[20].
التراضي
إرادة الالتزام
لا ينشأ العقد إلا من تلاقي إرادتين على العناصر الجوهرية للعقد، مثل الشيء المبيع والثمن في عقد البيع، بقصد إنشاء التزام قانوني. يفترض مبدأ سلطان الإرادة أن كل طرف متعاقد يعبّر عن إرادته بحرية عما يرتضيه. وتتضمن القوانين قواعد تهدف إلى ضمان أن تعبير الأفراد عن إراداتهم يجسد رضاهم. من أبرز هذه القواعد اشتراط تمتع كل متعاقد بأهلية التعاقد (أهلية الأداء)، أي صلاحية الفرد لإبرام التصرفات القانونية، وهو ما يرتبط بالعقل والإدراك. كذلك يُشترط لصحة العقد أن يكون رضا كل طرف سالمًا من العيوب. وعيوب الرضا التي تحكمها القوانين عمومًا تشمل: الغلط، والإكراه، والتدليس أو التغرير، والغبن، وتضيف بعض القوانين عيب الاستغلال، فإذا ثبت وجود عيب من عيوب الرضا فقد يكون العقد باطلًا أو قابلًا للإبطال أو الفسخ بحكم قضائي بناءً على طلب الطرف الذي شاب رضاه عيبٌ. وينظم القانون المدني القواعد العامة لإبرام العقد وأركانه، ولا سيما التراضي وعيوب الرضا.
عيوب الرضا
عيوب الرضا هي أسباب تجعل إرادة المتعاقد غير حرة أو غير واعية بالدرجة الكافية، وهو ما يجعل رضا المتعاقد مشكوكًا فيه، وبموجب سلطان الإرادة ينبغي ألا يُلزم بالعقد الذي وافق عليه تحت تأثير عيب من عيوب الرضا، لأنه ما كان سيتعاقد لولا ذلك. وتشمل عيوب الرضا[21]:
- الغَلَط: هو وهم ينقدح في ذهن المتعاقد حول هوية المتعاقد الآخر أو محل العقد (موضوع العقد، مثل الشيء المبيع). يؤثر الغلط في الرضا إذا كان جوهريًا بحيث ما كان المتعاقد سيقبل بالتعاقد أساسًا أو بالشروط نفسها لو عرف الحقيقة وقت العقد.
- التدليس (التغرير): هو استعمال أحد المتعاقدين طرائق احتيالية لحمل الطرف الآخر على التعاقد. ويقع ذلك – مثلًا - إذا قدّم أحد المتعاقدين معلومات مضللة أو وثائق مزورة (كأن يقدم طالب التوظيف شهادة خبرة مزورة) أو إذا كتم معلومات جوهرية بسوء نية وهو يعلم أن الطرف الآخر لن يتعاقد إذا عرفها، كأن يخفي طالب التأمين {{التأمين: هو عقدٌ يلتزم بموجبه المؤمنُ، وهو عادة شركة، بتعويض المؤمن له أو المستفيد عند تحقق الخطر المؤمن منه، مقابل قسطٍ يدفعه المؤمن له، ويُعد من العقود الاحتمالية لأن التزام المؤمن متوقف على خطر غير محقق الوقوع.}} معلومات جوهرية عن شركة التأمين إذا كان من شأن تلك المعلومات أن تجعل الخطر المؤمن منه عاليًا بحيث إن الشركة كانت سترفض إبرام عقد التأمين أو تشترط قسط تأمين أعلى لو عرفت تلك المعلومات. تشترط بعض القوانين أن يؤدي التدليس إلى غبن فاحش، أي أن تكون شروط العقد مجحفة لدى الطرف الذي تعرّض للتدليس، مثل الشراء بثمن أعلى كثيرًا من سعر السوق.
- الإكراه: يتمثل في ضغط مادي أو معنوي غير مشروع يبعث في نفس المتعاقد خوفًا جديًا يدفعه إلى قبول العقد. يُشترط أن يكون التهديد على درجة من الخطورة، سواء أوقع على النفس أم المال. وقد تختلف القوانين الوطنية من حيث نوع الإكراه الذي يؤثر في صحة العقد أو إبطاله. مثلًا، لا تُعد عادة الهيبة أو الاحترام النابعة في نفس أحد المتعاقدين من مكانة المتعاقد الآخر، مثل علاقة التلميذ بأستاذه أو الموظف بمديره، إكراهًا بحد ذاتها.
- الاستغلال: يقع حين يستغل أحد المتعاقدين حاجة الطرف الآخر أو طيشه[22]. وقد تجيز بعض القوانين للمُستغَل أن يطلب تعديل الالتزامات أو إبطال العقد. وقد تشترط بعض القوانين اقتران الاستغلال بغبن فاحش كما جاء في المادة 129 (1) من القانون المدني المصري، وفي هذا يشبه الاستغلال عيب التدليس (التغرير) مع ملاحظة أن التدليس يقوم على استخدام أساليب احتيالية في حين ينصرف الاستغلال إلى ظروف شخصية لدى المتعاقد الآخر بلا أساليب خداع مادية يوظفها المستغِل.
الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة
بموجب سلطان الإرادة لا يُلزم المتعاقد إلا بما عبّر عن إرادته في الالتزام به. والتعبير عن الإرادة بالألفاظ، شفاهة أو كتابة، هو الجانب الظاهر لإرادة الملتزم، ويفترض أنه مطابق لقصده الذي هو أمر نفسي داخلي، لكن في التعامل قد ينشأ نزاع حول تطابق التعبير الظاهر (الإرادة الظاهرة) مع قصد الملتزم (الإرادة الباطنة)، وأيهما يرجّح إذا اختلفا. وقد اختلفت النظم القانونية في الإجابة عن هذا التساؤل، إذ يغلّب بعضها الإرادة الباطنة لأنها هي الإرادة الحقيقية للملتزم، وإن كانت غير معلومة للطرف الآخر. وفي المقابل، ترجّح بعض القوانين الإرادة الظاهرة لأن الطرف الآخر يعوّل عليها، ولأن العدول عنها إلى الإرادة الباطنة قد يزعزع استقرار المعاملات. ويُعرف الاتجاه الذي يتبنى الإرادة الباطنة بالمذهب الذاتي، في حين يُعرف الاتجاه الذي يُغلِّب الإرادة الظاهرة بالمذهب الموضوعي. ويصنف بعض الباحثين القانون المدني الفرنسي تاريخيًا على أنه يميل إلى المذهب الذاتي، في حين يُعد القانون الألماني نموذجًا للمذهب الموضوعي[23]. وقد عرف الفقه الإسلامي مسألة الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة وتعددت الاجتهادات الفقهية بشأن تغليب أحدهما، إذ يُعد المذهب الحنبلي والمذهب المالكي مثالين على ما عُرِف لاحقًا بالمذهب الذاتي، في حين يُعد المذهبان الحنفي والشافعي نموذجًا للمذهب الموضوعي[24].
ومن تطبيقات التمييز بين الإرادة الظاهرة والباطنة في العقود الغلطُ بوصفه عيبًا في الإرادة يتمثل في وهم أو اعتقاد خطأ في ذهن أحد المتعاقدين، يجيز له فسخ العقد إذا كان الطرف الآخر يعلم أو كان يفترض أن يعلم من خلال الظروف المحيطة بالتعاقد بأن المتعاقد معه وقع في غلط، كأن يشتري شخص قطعة خزف يظنها ذات قيمة تاريخية ويعرض ثمنًا كبيرًا للحصول عليها، ثم يكتشف أنها مصنعة حديثًا، إذ يجوز له بعد اكتشاف الحقيقة أن يطلب فسخ العقد لأن الطرف الآخر كان ينبغي أن يستنتج وجود غلط لدى المشتري لأنه عرض ثمنًا كبيرًا لقطعة عادية. بموجب سلطان الإرادة تُراعى إرادة الطرف الغالط الحقيقية (وهذا معيار ذاتي)، لكن بشرط أن يكون الغلط معلومًا أو يفترض الطرف الآخر استنتاجه من الظروف (وهذا معيار موضوعي)[25].
كذلك عند تفسير العقود يُؤخذ بالمعنى الظاهر لعبارة العقد إذا كان واضحًا ومعقولًا، ولا يُسمح لأحد الأطراف بالتذرع بتفسير آخر ينحرف عن عبارة العقد الظاهرة بحجة التمسك بإرادته الباطنة[26]. أما إذا كانت عبارة العقد غامضة فإن التفسير ينبغي أن يتحرى الإرادة الحقيقية المشتركة للمتعاقدين، فإذا تعذر ذلك يكون التفسير وفق مبادئ موضوعية، مثل: مقتضيات حسن النية، وطبيعة التعامل، وما يفهمه الشخص العادي متوسط الخبرة[27].
وبناء عليه، فإن الاتجاه السائد يجمع بين معايير ذاتية وموضوعية لمراعاة الإرادة الحقيقية الباطنة قدر الإمكان من دون زعزعة استقرار المعاملات.
حرية اختيار الطرف المتعاقَد معه
من أبرز عناصر سلطان الإرادة أن يكون لكل شخص حرية اختيار المتعاقد معه[28]، لذلك تكون هوية المتعاقد عادة أمرًا جوهريًا يؤدي الغلط فيها إلى بطلان العقد. تبرز أهمية حرية التعاقد في اختيار المتعاقد معه في المعاملات التي تكون فيها الثقة والمهارة لدى المتعاقد معه أساسًا لإبرام العقد، مثل تعاقد صاحب العمل مع العامل. ومن ثم لا يُلزم الشخص بإبرام عقد حتى بعد بدء التفاوض على شروط العقد.
مع ذلك، تتبنى القوانين الحديثة قيودًا على حرية اختيار المتعاقَد معه من أجل تحقيق مصالح عامة[29]، مثل: حماية المستهلك، وتحقيق المساواة بين الأفراد في الوصول إلى خدمات المرافق العامة. فعلى سبيل المثال، قد تفرض مبادئ حماية المستهلك المالي في بعض الدول على البنوك قبول فتح حسابات بالحد الأدنى للتعامل لذوي الدخل المحدود؛ لتمكينهم من الاستفادة من خدمات الحكومة الإلكترونية التي تتطلب إمكانية الدفع عن طريق التحويل الإلكتروني الذي يستلزم وجود حساب بنكي للمتعامل، فلا يجوز للبنك رفض فتح حساب إلا لأسباب محددة. كذلك يلتزم مشغلو المرافق العامة، مثل: توزيع الكهرباء وتوريد المياه أو خدمات الاتصالات، بتقديم خدماتهم للجمهور بلا تمييز، ولا يجوز رفض التعاقد مع طالبي الخدمة إلا لأسباب قانونية (كأن يكون العقار المطلوب توصيل الخدمة إليه غير مرخص من الجهة المختصة).
حرية اختيار شكل العقد (الرضائية)
تتمثل القاعدة العامة في أنه لا يُشترط أن يكون التعبير عن الإرادة بشكل معين، كالكتابة أو التسجيل لدى جهة رسمية[30]. وهو ما يُعرف بمبدأ الرضائية في العقود[31]. وبناءً على ذلك، يمكن إبرام العقد الملزم شفاهة أو كتابة، وقد يكون التعبير عن الإرادة بالإشارة المفهومة عرفًا للأبكم. ويخضع شكل العقد لإرادة الأطراف، فقد يتفق العاقدان في أثناء المفاوضات على ألا يُعد العقد مبرمًا إلا عند التوقيع على وثيقة مكتوبة تتضمن اتفاقهما، فيغدو العقد شكليًا لأنه معلق على استيفاء شكلية الكتابة والتوقيع. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 92 من القانون المدني القطري على أنه "إذا اشترط المتعاقدان لقيام العقد اتباع شكل معين في إبرامه، فلا يجوز لأحدهما دون رضاء الآخر أن يتمسك بقيام العقد ما لم يأت في الشكل المتفق عليه". كذلك قد يتفق أطراف عقد البيع على ألا يكون العقد ملزمًا إلا عند قبض الشيء المبيع، بحيث لا يكون الأطراف ملزمين بمجرد تلاقي الإيجاب والقبول، بل يكون العقد معلقًا على تسليم المبيع، فيكون العقد عينيًا أي إن إبرامه متوقف على تسليم مال (عين) من أحد الطرفين إلى الطرف الآخر. على سبيل المثال، في عقد تأجير معدات بناء لمقاول، قد يشترط الطرفان على ألا يكون العقد مبرمًا وملزمًا إلا بعد معاينة المعدات وتسليمها للمقاول، ففي هذه الحالة، يمكن لأي طرف الرجوع عن العقد قبل التسليم[32].
ومع ذلك، قد يقيد القانون سلطان إرادة الأطراف من خلال فرض شكلية معينة لإبرام العقد، بحيث يكون العقد باطلًا إذا لم يستكمل الشكل المطلوب، وذلك لتحقيق مصلحة عامة. على سبيل المثال، تفرض النظم القانونية عادة الكتابة والتسجيل أو الإشهار في عقود بيع العقارات أو رهنها، وذلك لأهمية حق الملكية العقارية. ويسري حكم مماثل عادة في بيع المركبات والسفن والطائرات، إذ يتطلب انتقال ملكيتها تسجيلَها لدى جهات مختصة.
سلطان الإرادة في تحديد شروط العقد وأحكامه
تقتضي حرية التعاقد أن يكون للعاقدين حرية الاتفاق على الشروط والأحكام التي يرتضونها بنتيجة المساومة أو التفاوض بينهما. شاع هذا المبدأ في النظم القانونية، ويُعبر عنه بقاعدة "العقد شريعة المتعاقدين"، إذ يكون لما ارتضاه الأطراف قوة ملزمة[33]، فالأصل ألا يتدخل القانون أو القاضي لفرض شرط وأحكام تعاقدية لم يتفق عليها العاقدان.
ومع ذلك، لا تكون حرية التعاقد مطلقة في تحديد مضمون العقد، إذ تتضمن القوانين قواعد آمرة لا يجوز للأطراف الاتفاق على مخالفتها. فعلى سبيل المثال، قد تفرض بعض القوانين حدًا أقصى لمدة عقد إيجار العقار (وهي ثلاثون سنة – مثلًا - في القانون المدني الأردني)، فإذا اتفق الأطراف على مدة أطول رُدت إلى الحد الأقصى بحكم القانون. كذلك قد تحظر بعض القوانين الفائدة الربوية في القروض أو تحظر الربا الفاحش، ويترتب على ذلك أن أي شرط في العقد يخالف الحظر يكون باطلًا ولو ارتضاه العاقدان.
تناول الفقه الإسلامي مبدأ "مقتضى العقد"، بحيث لا يكون الشرط الذي يتفق عليه العاقدان صحيحًا إلا إذا كان فيه منفعة لأحدهما ولم يخالف مقتضى العقد[34]، فلا يصح – مثلًا - في عقد البيع أن يتضمن عقد البيع شرطًا يمنع المشتري من التصرف في المبيع، لأن هذا الشرط يخالف مقتضى العقد وهو نقل حق الملكية إلى المشتري مع ما يتضمنه من سلطة التصرف، لكن بعض المذاهب الفقهية قد توسع من سلطان الإرادة في تحديد شروط العقد، بل قد تستحدث أنواعًا جديدة من العقود، ما لم تتضمن أمرًا منهيًا عنه في الشريعة[35].
قد لا يتضمن العقد اتفاقًا على جميع التفاصيل المتعلقة بتنفيذه، وهو ما قد يثير منازعات بين أطرافه. ولتقليل المنازعات، ينص القانون المدني على قواعد تُسمى القواعد المكملة أو المفسرة، وهي قواعد تكمل النقص في العقد. ومع أن الأطراف لم ينصوا على تلك القواعد في عقدهم، فإنها ستُطبق لتنظيم العلاقة بينهم، فإذا لم ينص عقد البيع على مسائل، مثل: مكان تسليم المبيع، ودفع الثمن مقدمًا أو بعد التسليم أو على أقساط، وهكذا، فإن القواعد المكملة التي يتضمنها القانون المدني ستُطبق لتقديم حل لهذه المسائل. يُفترض هنا أن الأطراف أرادوا ضمنيًا تطبيق تلك القواعد المكملة، بحيث يغدو تطبيقها متفقًا مع سلطان الإرادة، وقد لا يكون هذا الافتراض واقعيًا، إذا كان أحد العاقدين لا يعرف مضمون القواعد المكملة، لكن المبدأ العام الذي يقضي بأن "الجهل بالقانون ليس عذرًا" سيحول دون الاعتراض على تطبيق القواعد المكملة. وفي النظم القانونية التي لا يوجد فيها مدونة عامة للقانون المدني، مثل إنكلترا، قررت المحاكم شروطًا ضمنية تفترض تطبيقها في العقود وفق مقتضيات طبيعة التعامل وإن لم ينص العقد عليها صراحة.
سلطان الإرادة في تعديل العقد وإنهائه
يقوم العقد الملزم على تلاقي إرادتي العاقدين على ما ارتضياه من شروط وأحكام، لذلك، لا يملك أحدهما بإرادته المنفردة أن يفرض تعديلًا على شروط العقد على الطرف الآخر، بل لا يكون أي تعديل صحيحًا وملزمًا إلا باتفاق العاقدين عليه. إضافة إلى ذلك، يقتضي احترام سلطان إرادة الأطراف الاعترافَ بالقوة الملزمة للعقد، فلا يستطيع أحد العاقدين التحلل من العقد بإرادته المنفردة[36]، ولا ينتهي العقد إلا بالتراضي أو بانقضاء مدته المتفق عليها إذا كان محدد المدة أو بحكم القضاء كما يحدث في حالة طلب الفسخ بسبب أحد عيوب الرضا أو بسبب إخلال الطرف الآخر بالتزاماته الناشئة عن العقد[37].
للأطراف حرية الاتفاق على شروط تعديل العقد وكيفيته، كأن يتفقا على ألا يكون التعديل صحيحًا وملزمًا إلا إذا كُتب.
أما في العقود الإدارية التي تكون سلطةٌ إداريةٌ عامةٌ طرفًا فيها، مثل عقد مقاولة إنشائية تبرمه وزارة الصحة لبناء مستشفًى، فيمكن أن تمتلك السلطة الإدارية صلاحية تعديل بعض أحكام العقد إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، بحيث يكون للطرف الآخر حق الحصول على التعويض عن الخسارة أو التكاليف التي قد يتحملها بسبب التعديل. وينظم القانون الإداري القواعد الخاصة بالعقود الإدارية.
القيود على سلطان الإرادة
يستلزم تمتع الأفراد بحرية التعاقد على قدم المساواة أن يكون المتعاقدان في ظروف مثالية من تساوي المراكز القانونية والاقتصادية واطلاعهما على المعلومات الجوهرية المتعلقة بموضوع العقد[38]، لكن الواقع غير ذلك، فالعامل غير المحترف لا يكون دائمًا في مركز يمكّنه من المساومة على الأجر وغيره من شروط عقد العمل. كذلك فإن المشرع قد يسعى إلى تحقيق مصلحة عامة فلا يجيز للأطراف ممارسة حرية التعاقد للاتفاق على ما يتعارض مع تلك المصلحة العامة، لذلك تخضع حرية التعاقد أو سلطان الإرادة لقيود مختلفة مصدرها التشريع أو النظام العام[39].
القيود التشريعية: القواعد الآمرة
القواعد القانونية الآمرة هي قواعد لا يجوز للأطراف أن يتفقوا على مخالفتها، ومن ثم فإن سلطان الإرادة لا يخول الأطراف حرية التعاقد في المسائل الخاضعة لهذه القواعد. فإذا اتفق الأطراف على أمر مخالف لقاعدة آمرة، لا يُعتد باتفاقهم ويُطبق الحكم الذي تتضمنه القاعدة الآمرة. فعلى سبيل المثال، من الأحكام المشتركة في كثير من القوانين المدنية العربية أن المقاول يظل مسؤولًا عن تهدم البناء مدة عشر سنوات من تاريخ تشييده، وتُعد مسؤولية المقاول هذه من القواعد الآمرة، لذلك يكون كل شرط في عقد المقاولة يعفي المقاول من هذه المسؤولية باطلًا وإن كان برِضا الأطراف، ويظل المقاول مسؤولًا وفقًا للقانون (مثلا: المواد 711 و715 من القانون المدني القطري، و651 و653 من القانون المدني المصري، و788 و790 من القانون المدني الأردني، و769 و772 من قانون الالتزامات والعقود المغربي). ويندرج ضمن القيود التشريعية كذلك بعض موانع التصرف {{موانع التصرف: هي قيودٌ تحدّ من سلطة الشخص في التصرّف في مالٍ أو حقٍّ، مثل منعه من بيعه أو هبته، حمايةً لمصلحةٍ يعتدّ بها القانون، وقد يكون مصدر هذه القيود القانون أو أمرًا قضائيًا أو اتفاقًا إذا أجازه القانون.}} التي قد يفرضها القانون لتحقيق مصلحة عامة، مثل منع القضاء من شراء الأموال المتنازع عليها أو التي يشرفون على بيعها في المزاد[40].
النظام العام
يمثل النظام العام مبادئ وقواعد جوهرية يقوم عليها كيان المجتمع وتستمد قوتها الملزمة من الاعتبارات الدينية والأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية التي من شأن انتهاكها إثارة استهجان الرأي العام أو المساس بقيم المجتمع أو زعزعة أمنه الاجتماعي والاقتصادي. ويُعد النظام العام قيدًا على سلطان الإرادة، فلا يجوز للأطراف أن يخالفوه، ولو باتفاق صريح تم بالتراضي بينهم، ويكون أي اتفاق مخالفًا له باطلًا. ويتميز النظام العام من القواعد الآمرة بأن إعمال النظام العام لا يتوقف على وجود نص تشريعي مكتوب. فعلى سبيل المثال، إذا تعهد رجل بدفع مبلغ من المال شهريًا لخليلته مقابل استمرار العلاقة بينهما خارج إطار الزواج يكون هذا التزامًا باطلًا؛ لأن سببه مخالف للآداب العامة وإن لم يوجد نص تشريعي بذلك، غير أن كثيرًا من القواعد الآمرة مستمدة من النظام العام، مثل: تجريم الرشوة، والبغاء، وحظر التعامل بالمخدرات.
كذلك يُعَد النظام العام أكثر ثباتًا من القواعد التشريعية الآمرة التي يمكن أن تعدّلها السلطة التشريعية المختصة أو تلغيها تبعًا لتغير المصلحة العامة. أما سن تشريعات تخالف النظام العام فيكون غالبًا محل جدل قانوني وسياسي لأنه يؤدي إلى المساس بالقيم الأساسية للمجتمع.
ولصعوبة تحديد مضمون فكرة النظام العام على نحوٍ حصري، تكتفي القوانين عادة بالإشارة إليها بصورة عامة. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 62 من قانون الالتزامات والعقود المغربي بشأن سبب الالتزام على أنه "يكون السبب غير مشروع إذا كان مخالفًا للأخلاق الحميدة أو للنظام العام أو للقانون". وتنص المادة 729 من القانون نفسه على أنه "يبطل كل اتفاق يكون موضوعه: تعليم أعمال السحر والشعوذة أو أدائها، أو أداء أعمال مخالفة للقانون، أو للأخلاق الحميدة، أو للنظام العام [...]" وتنص المادة 164 (2) من القانون المدني الأردني على حرية الاتفاق على أي شرط في العقد "ما لم يمنعه الشارع أو يخالف النظام العام أو الآداب وإلا لغا الشرط وصح العقد ما لم يكن الشرط هو الدافع إلى التعاقد فيبطل العقد أيضًا".
سلطة القاضي في تعديل العقد
يقوم مبدأ سلطان الإرادة على أن العقود تُبرم بالتراضي، ولا يجوز تعديلها لاحقًا إلا باتفاق أطراف العقد، غير أن بعض النظم القانونية تجيز للقاضي تعديل العقد في ظروف معينة ويكون حكمه ملزمًا للأطراف. فقد تخول بعض القوانين القاضيَ سلطةَ تعديل العقد بموجب قواعد آمرة بحيث لا يُعتد باتفاق الأطراف على استبعاد سلطة القاضي أو التعهد بعدم طلب تعديل العقد بوساطة المحكمة[41].
على سبيل المثال، تقضي المادة 205 من القانون المدني الأردني بأنه إذا طرأت حوادث استثنائية غير متوقعة تجعل تنفيذ العقد مرهقًا ويهدد المدين بخسارة فادحة، يجوز للمحكمة أن تخفض التزام المدين إلى الحد المعقول، بحيث تُخفف الخسارة وليس المقصود ضمان الربح إذا اقتضت العدالة ذلك، ويقع باطلًا كل اتفاق يستبعد سلطة المحكمة في ذلك. يُعرف كثير من القوانين بحكم مماثل وفق ما يُسمى نظرية الظروف الطارئة (مثلًا، المواد: 147 من القانون المدني المصري، و171 من القانون المدني القطري).
ويمكن التوفيق، بصورة إجمالية، بين سلطة المحكمة في تعديل العقد ومبدأ سلطان الإرادة بأن الأطراف ما كانوا سيرتضون شروط العقد نفسها لو كانوا يعلمون أو يتوقعون وقت العقد الظروف التي طرأت[42]. بعبارة أخرى، إن تدخل القاضي لتعديل العقد، بناء على طلب المدين، يسعى إلى تحقيق الإرادة الضمنية للأطراف.
عقود الإذعان
يحدث في العمل أن يقبل الفرد بإبرام عقد من دون أن يكون لإرادته دور في تحديد مضمونه، بحيث يقتصر موقفه على قبول العقد أو رفضه. تُسمى مثل هذه العقود عقودَ الإذعان، وهي عقود توريد الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها الفرد ليستقيم معاشه، مثل: الكهرباء، والمياه، والاتصالات. وقد التفتَ المشرع في كثير من الدول إلى حقيقة أن مراكز أطراف العقد في عقود الإذعان ليست متساوية، ولا يملك الطرف الضعيف المذعن قوة تفاوضية للمساومة على شروط العقد، لذلك تفرض القوانين عادة قواعد لحماية الطرف المذعن. ومن هذه القواعد أن عقد الإذعان يُفسر، عند غموضه، لمصلحة الطرف المذعن[43]. إلى جانب ذلك، يجوز للمحكمة أن تعدل بنود العقد التي تتضمن شروطًا تعسفية أو تعفي الطرف المذعن منها[44]. (مثلًا، المواد: 158 و166 من قانون المعاملات المدنية العماني، والمواد: 106 و107 من القانون المدني القطري، و149 و150 من القانون المدني المصري).
إلى جانب القواعد العامة في تفسير عقود الإذعان وتعديلها، فإن بعض الخدمات الأساسية التي تحكمها عقود الإذعان تتم بموجب أحكام تنظيمية لترخيص مقدمي الخدمات والرقابة على جودة خدماتهم وقد تتضمن الأحكام التنظيمية بعض القواعد الآمرة، مثل: منع مقدم الخدمة من التوقف عن تقديمها فجأة في حال إخلال الطرف المذعن بدفع التزاماته المالية، واشتراط إنذاره مدة كافية. توجد مثل هذه الأحكام في قوانين تنظيم قطاعات الطاقة والاتصالات.
حماية المستهلك
مع ازدهار اقتصاد السوق الحر {{السوق الحر: هو نظام اقتصادي تقوم فيه المبادلات الاقتصادية على حرية التعاقد والمنافسة، وتتحدد فيه الأسعار أساسًا بقوى العرض والطلب، إذ يكون التدخل الحكومي في الحد الأدنى.}}، وتنوع السلع والخدمات، وظهور الشركات الكبيرة، أصبح كثير من المعاملات يُنظم بموجب عقود نموذجية يعدها مسبقًا مقدم الخدمة أو بائع السلعة، وتطبقها المحاكم عمومًا بوصفها شروطًا تعاقدية ملزمة وإن كان متلقي الخدمة لا يفاوض عليها وقد لا يقرؤها[45]. وبما أن هذه العقود ليست غالبًا من عقود الإذعان التي يضع القانون عادة قواعد لحماية الطرف المذعن فيها، فإن خضوعها لمبدأ سلطان الإرادة قد يؤدي عمليًا إلى فرض شروط غير متوازنة أو إلى استغلال جهل المتعاقد معه في التجارة أو المهنة التي يمارسها مقدم الخدمة أو بائع السلعة، لذلك استحدَث كثيرٌ من النظم القانونية قواعدَ قانونية خاصة لحماية المتعاقد الذي يشتري الخدمة أو السلعة لأغراضه الشخصية (مثل شراء الأجهزة المنزلية للاستعمال الشخصي أو المواد الغذائية لاستهلاكها) وليس لغايات التجارة، وقد تمتد هذه الحماية في بعض الأنظمة إلى بعض المتعاقدين غير المختصين في مجال عمل مقدم الخدمة أو السلعة، مثل العميل في علاقته مع المحامي أو البنك[46]. ويُسمى المتعاقد لأغراضه الشخصية أو غير المختص في مجال عمل المتعاقد الآخر المستهلكَ.
تفرض قوانين حماية المستهلك عادة مبادئ لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، من أهمها:
- الإفصاح عن المعلومات الجوهرية الخاصة بموضوع العقد ومخاطره لضمان تبصير العميل ليتخذ قراره بالتعاقد على بيّنة من أمره. (مثلًا المادة 3 من قانون حماية المستهلك الأردني لسنة 2017، والمادة 4 من القانون الاتحادي الإماراتي رقم 15 لسنة 2020).
- حق المستهلك في التراجع عن العقد وفق شروط وإجراءات محددة[47]. فعلى سبيل المثال، تجيز المادة 17 من قانون حماية المستهلك المصري لسنة 2018 للمستهلك رد السلعة أو استبدالها خلال أربعة عشر يومًا من دون إبداء الأسباب.
- حماية البيانات الشخصية. فمثلًا، يحظر القانون الاتحادي الإماراتي لسنة 2020 وتعديلاته سنة 2023 استخدام بيانات المستهلك لأغراض تسويقية من دون موافقته.
- خدمات ما بعد البيع. على سبيل المثال، توجب المادة 5 من القانون الأردني لحماية المستهلك لسنة 2017 توفير خدمات الصيانة وقطع الغيار وفق مدة يحددها الوزير المختص أو يتفق عليها الطرفان. كذلك يُلزم القانون المغربي رقم 31-08 البائع بخدمات ما بعد البيع مع حد أدنى للضمان في بعض الحالات.
- إبطال الشروط التعسفية. قد تنص قوانين حماية المستهلك على بطلان بعض الشروط التي تُعَدّ تعسفية، مثل تقييد حق المستهلك في اللجوء إلى القضاء، كذلك قد يعطي القانون المحاكم صلاحية تقدير الشروط التعسفية وإبطالها. على سبيل المثال، ينص القانون المصري لحماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018 على صلاحية المحاكم الاقتصادية {{المحاكم الاقتصادية: هي محاكمُ متخصصةٌ تنشئها بعض الدول للنظر في المنازعات والجرائم الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، وذلك لتوفير قضاءٍ أكثرَ ملاءمة لطبيعة المعاملات الاقتصادية الحديثة.}} في إبطال أي شرط أو اتفاق ينتقص من حقوق المستهلك.
وتؤدي الجهات التنظيمية لقطاعات اقتصادية معينة دورًا في تعزيز حماية المستهلك. فمثلًا، توفر البنوك المركزية عادة قواعد لحماية المستهلك المالي المتعامل مع البنوك، وكذلك توفر هيئات تنظيم قطاع الاتصالات قواعد مماثلة لحماية المستفيدين من خدمات الاتصالات وآليات لتلقي شكاواهم. وبناء عليه، فإنه توجد وسائل تشريعية وقضائية وإدارية لضمان الالتزام بقواعد حماية المستهلك التي تمثل قيودًا على سلطان الإرادة فلا يُعتد بالتنازل عنها.
المراجع
العربية
بركات، عماد الدين. "احترام التوقعات بين سلطان الإرادة وقوة القانون وسلطة القاضي". مجلة المفكر. مج 19، العدد 2 (2024).
بورزق، أحمد وخديجة بورزق. "مبدأ سلطان الإرادة في العقود: دراسة مقارنة". مجلة أبحاث. مج 4. العدد 2 (2019).
الجابر، عبد العزيز محمد. "مبدأ سلطان الإرادة في الفقه الحنبلي: دراسة فقهية مقارنة مع القانون المدني القطري". مجلة بيت المشورة. العدد 21 (2024).
حسين، فايز محمد وأحمد أبو الحسن. الموجز في نظرية الالتزامات في القانون الروماني. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2010.
الحمداني، شعيب أحمد. قانون حمورابي. بغداد: جامعة بغداد، 1988.
خوجة، فيصل طراد وسفيان سوالم. "العلاقات الاستهلاكية بين مبدأ سلطان الإرادة والنظام العام الحمائي". مجلة القانون والمجتمع والسلطة. مج 12، العدد 2 (2023).
الدارقطني، أبو الحسن علي. سنن الدارقطني. ج 3. بيروت: مؤسسة الرسالة، 2004.
دبابش، عبد الرؤوف وحملاوي دغيش. "مبدأ سلطان الإرادة في العقود بين الشريعة والقانون". مجلة العلوم الإنسانية. مج 16، العدد 2 (2016).
الزحيلي، وهبة. الفقه الإسلامي وأدلته. ج 4. دمشق: دار الفكر، 1996.
السنهوري، عبد الرزاق. الوسيط في شرح القانون المدني. ج 1. بيروت: دار إحياء التراث، 1952.
علي، حسام سيد عبد الرحيم. "تأملات في بعض المتناقضات بين مبدأي سلطان الإرادة والتوحيد: الاتجاهات الحديثة في قانون التجارة الدولية". المجلة القانونية، مج 9، العدد 14 (2021).
غزالي، محمد ضياء الدين وفيروز بن شنوف. "مبدأ سلطان الإرادة في ظل التحولات الاقتصادية". مجلةالقانون. مج 11، العدد 1 (2022).
فرج، توفيق حسن. المدخل للعلوم القانونية: القسم الأول- النظرية العامة للقانون. بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1993.
فودة، عبد الحميد علي. "مبدأ سلطان الإرادة بين القانون الروماني والفقه الإسلامي". أطروحة دكتوراه. جامعة القاهرة. القاهرة. 1996.
مجموعة مؤلفين. شرح مبادئ اليونيدورا لعقود التجارةالدولية. ج 1. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2017.
مرايصي، سفيان وبدرة لعور. "تأثير مبدأ سلطان الإرادة على الحرية التعاقدية". مجلة الباحث للدراسات الأكاديمية. مج 10، العدد 2 (2023).
"المرسوم رقم 2016-131 الصادر في 10 فبراير 2016، بشأن إصلاح قانون العقود والنظام العام وقانون إثبات الالتزامات". موقع Legifrance. في:https://acr.ps/hBy0N08
ملكاوي، بشار عدنان. "نظرية العقد في القانون المدني الأردني بين الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة". دراسات علوم الشريعة والقانون. مج 33، العدد 2 (2006).
اليافعي، أنور يوسف حسين. "أثر التطور التشريعي لحماية المستهلك في انتكاص مبدأ سلطان الإرادة: دراسة تحليلية في ضوء التشريع اليمني". مجلة السعيد للعلوم الإنسانية والتطبيقية. مج 4، العدد 1 (2021).
الأجنبية
Atiyah, Peter S. The Rise and Fall of Freedom of Contract. Oxford: Oxford University Press, 1979.
Barnes, Wayne R. “Shifting Towards Boilerplate Regulation.” University of Miami Law Review. vol. 79, no. 1 (2024(.
Browne, Oliver B. & Alex Cox. “Meaning of “Good Faith” under English Law: Latest Clarification.” Latham.London. 10/11/2022. at: https://acr.ps/hBy0MYB
Cumyn, Michelle. “Standard Form Contracts and the Erosion of Consent: Is There No Turning Back?.” The American Journal of Comparative Law. vol. 73, no. 1 (2025). pp. 129-163.
Giliker, Paula. “Contract Negotiations and the Common Law: A Move to Good Faith in Commercial Contracting?.” Liverpool Law Review. vol. 43 (2022).
Feinman, Jay M. “Good Faith and Reasonable Expectations.” Arkansas Law Review. vol. 67, no. 3 (2014).
Zipursky, Benjamin C. & Zahra Takhshid. “Consumer Protection and the Illusory Promise of the Unconscionability Defense.” Texas Law Review. vol. 103, no. 4 (2025).
[1] عبد العزيز محمد الجابر، "مبدأ سلطان الإرادة في الفقه الحنبلي: دراسة فقهية مقارنة مع القانون المدني القطري"، مجلة بيت المشورة، العدد 21 (2024)، ص 149، 161-166.
[2] وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ج 4 (دمشق: دار الفكر، 1996)، ص 3045؛ عبد الرؤوف دبابش وحملاوي دغيش، "مبدأ سلطان الإرادة في العقود بين الشريعة والقانون"، مجلة العلوم الإنسانية، مج 16، العدد 2 (2016)، ص 257.
[3] أبو الحسن علي الدارقطني، سنن الدارقطني، ج 3 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 2004)، ص 27، ح 98.
[4] فايز محمد حسين وأحمد أبو الحسن، الموجز في نظرية الالتزامات في القانون الروماني (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2010)، ص 35-43.
[5] المرجع نفسه، ص 120-121؛ عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج 1 (بيروت: دار إحياء التراث، 1952)، ص 142-143.
[6] شعيب أحمد الحمداني، قانون حمورابي (بغداد: جامعة بغداد، 1988)، ص 132-134.
[7] أحمد بورزق وخديجة بورزق، "مبدأ سلطان الإرادة في العقود: دراسة مقارنة"، مجلة أبحاث، مج 4، العدد 2 (2019)، ص 134-136؛ أنور يوسف حسين اليافعي، "أثر التطور التشريعي لحماية المستهلك في انتكاص مبدأ سلطان الإرادة: دراسة تحليلية في ضوء التشريع اليمني"، مجلة السعيد للعلوم الإنسانية والتطبيقية، مج 4، العدد 1 (2021)، ص 5-6.
[8] توفيق حسن فرج، المدخل للعلوم القانونية: القسم الأول- النظرية العامة للقانون (بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1993)، ص 149-150.
[9] Peter S. Atiyah, The Rise and Fall of Freedom of Contract (Oxford: Oxford University Press, 1979), p. 139–146.
[10] Ibid., pp. 345–358.
[11] Ibid., pp. 402–414.
[12] Ibid., pp. 571–590.
[13] Ibid., pp. 726–788;
السنهوري، ص 147-148.
[14] حسام سيد عبد الرحيم علي، "تأملات في بعض المتناقضات بين مبدأي سلطان الإرادة والتوحيد: الاتجاهات الحديثة في قانون التجارة الدولية"، المجلة القانونية، مج 9، العدد 14 (2021)، ص 4700، 4720-4722.
[15] أمين دواس، "التعريف بمبادئ الينيدروا لعقود التجارة الدولية - الفصل الأول، أحكام عامة"، في: مجموعة مؤلفين، شرح مبادئ اليونيدورا لعقود التجارةالدولية، ج 1 (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2017)، ص 209.
[16] علي، ص 4728-4729.
[17] دواس، ص 213-215.
[18] سفيان مرايصي وبدرة لعور، "تأثير مبدأ سلطان الإرادة على الحرية التعاقدية"، مجلة الباحث للدراسات الأكاديمية، مج 10، العدد 2 (2023)، ص 354، 356.
[19] "المرسوم رقم 2016-131 الصادر في 10 فبراير 2016، بشأن إصلاح قانون العقود والنظام العام وقانون إثبات الالتزامات"، موقع Legifrance، شوهد في 16/6/2026، في:https://acr.ps/hBy0N08
[20]Turner v Green [1895] 2 Ch 205 (CA).
الاعتراف بالالتزام بحسن النية ونطاقه يبقى محل نظر قضائيًا حسب وقائع كل قضية، وقد يتفق الأطراف بموجب شرط في العقد على الالتزام بحسن النية. يُنظر:
Paula Giliker, “Contract Negotiations and the Common Law: A Move to Good Faith in Commercial Contracting?,” Liverpool Law Review, vol. 43 (2022), p. 175.
Oliver B. Browne & Alex Cox, “Meaning of ‘Good Faith’ under English Law: Latest Clarification,” Latham.London, 10/11/2022, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/hBy0MYB
Jay M. Feinman, “Good Faith and Reasonable Expectations,” Arkansas Law Review, vol. 67, no. 3 (2014), p. 525.
[21] السنهوري، ص 287 وما بعدها.
[22] عماد الدين بركات، "احترام التوقعات بين سلطان الإرادة وقوة القانون وسلطة القاضي"، مجلة المفكر، مج 19، العدد 2 (2024)، ص 68-69.
[23] المرجع نفسه، ص 140.
[24] عبد الكريم زيدان، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1989)، ص 252-256.
[25] بشار عدنان ملكاوي، "نظرية العقد في القانون المدني الأردني بين الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة"، دراسات علوم الشريعة والقانون، مج 33، العدد 2 (2006)، ص 284، 288.
[26] المرجع نفسه، ص 290-291.
[27] بركات، ص 70-72.
[28] بورزق وبورزق، ص 136.
[29] مرايصي ولعور، ص 363.
[30] المرجع نفسه، ص 356.
[31] بورزق وبورزق، ص 135.
[32] قد يجعل القانون بعض العقود عينية. من أمثلة ذلك عقد القرض في القانون المدني الأردني، إذ لا يتم العقد إلا بقبض المقترض للمبلغ المتفق على إقراضه، كما يوجد في المادة 637 (1) من القانون المدني الأردني التي تنص على أنه "يتوقف تمام عقد القرض على قبض المال أو الشيء المستقرض [...]". وبعكس ذلك، تنص المادة 711 من قانون المعاملات المدنية الإماراتية على أن القرض يُرتب أثره بمجرد العقد (التراضي) وقبل قبض المال، فلا يُعد عقد القرض عينيًا في القانون الإماراتي.
[33] مرايصي ولعور، ص 357-359.
[34] الزحيلي، ص 3051-3058.
[35] الجابر، ص 176-182، 185-189.
[36] مرايصي ولعور، ص 359.
[37] قد ينتهي العقد أيضًا بقوة القانون، كما يحدث في حالة استحالة تنفيذ العقد بسبب قوة قاهرة، إذ ينفسخ العقد، كأن يُبرم -على سبيل المثال- عقد إيجار عقار لاستغلاله في الصناعة، ثم صدر أمر سلطة عامة بمنع النشاط الصناعي في المنطقة التي يقع فيها العقار، وهو ما يؤدي إلى استحالة استيفاء المنفعة المقصودة من الإيجار.
[38] بورزق وبورزق، ص 136-138.
[39] فرج، ص 152-153؛ محمد ضياء الدين غزالي وفيروز بن شنوف، "مبدأ سلطان الإرادة في ظل التحولات الاقتصادية"، مجلةالقانون، مج 11، العدد 1 (2022)، ص 146، 156 وما بعدها.
[40] مرايصي ولعور، ص 364.
[41] المرجع نفسه، ص 368-369.
[42] ملكاوي، ص 293.
[43] بركات، ص 66، 73.
[44] مرايصي ولعور، ص 365.
[45] بصورة عامة، تعد العقود النموذجية المعدة مسبقًا من أحد الأطراف ملزمة للطرف الآخر الذي يوافق ويوقع عليها وإن لم يقرأها، مع أن مركزه القانوني مشابه إلى حد كبير للطرف الضعيف في عقد الإذعان. ويثير هذا الأمر جدلًا في القضاء والفقه القانوني من حيث مدى الحامية الواجب توفيرها للطرف الذي لا يتمتع بمركز تفاوضي. يُنظر مثلًا:
Michelle Cumyn, “Standard Form Contracts and the Erosion of Consent: Is There No Turning Back?,” The American Journal of Comparative Law, vol. 73, no. 1 (2025), pp. 129–163.
Wayne R. Barnes, “Shifting Towards Boilerplate Regulation,” University of Miami Law Review, vol. 79, no. 1 (2024), p. 1.
[46] فيصل طراد خوجة وسفيان سوالم، "العلاقات الاستهلاكية بين مبدأ سلطان الإرادة والنظام العام الحمائي"، مجلة القانون والمجتمع والسلطة، مج 12، العدد 2 (2023)، ص 232؛
Benjamin C. Zipursky & Zahra Takhshid, “Consumer Protection and the Illusory Promise of the Unconscionability Defense,” Texas Law Review, vol. 103, no. 4 (2025), p. 847.
[47] اليافعي، ص 14.