فخري بن محمود البارودي (30 آذار/ مارس 1884 -2 أيار/ مايو 1966)، زعيم وطني سوري من دمشق، وأحد الآباء المؤسسين
للجمهورية السورية. شارك في
الثورة العربية الكبرى (1916-1918) ضد العثمانيين، وكان عضوًا مؤسساً في
حزب الشعب عام 1925، وفي
الكتلة الوطنية التي ظهرت عام 1928، قبل أن يستقيل منها عام 1939 عقب فشلها في منع سلخ منطقة
لواء إسكندرون عن
سورية، وضمها إلى
تركيا. كان أحد مشرّعي
دستور عام 1928، وأحد المحرضين الرئيسين ضد الفرنسيين، ما أدى إلى اعتقاله في كانون الثاني/ يناير 1936. فجر اعتقاله موجة من الغضب العارم، وأدى إلى اندلاع ما عرف
بالإضراب الستيني (كانون الثاني/ يناير – شباط/ فبراير 1936) الذي نظمته الكتلة الوطنية. أسّس الذراع الشبابية للكتلة، المعروفة باسم
الشباب الوطني، وأرفقه عام 1936 بتنظيم
القمصان الحديدية الذي أغلقته السلطات الفرنسية بتهمة تعاطف مع
ألمانيا النازية (1933-1945). حمل السلاح في أعقاب
العدوان الفرنسي على مدينة دمشق يوم 29 أيار/ مايو 1945، في مطلع عهد الاستقلال شارك في تأسيس
الحزب الوطني عام 1947.
كانت له إسهامات شتى في الفنون، فهو مؤسس
معهد الموسيقا الشرقية عام 1950، وراعٍ لعدد من الفنانين السوريين، من أبرزهم المطرب
صباح فخري (1933-2021)، والمطرب
فتى دمشق (1925-2005)، والفنان
نهاد قلعي (1928-1933)، إضافة لدوره في إحياء
رقصة السماح الأندلسية. شارك في تأسيس
إذاعة دمشق في شباط/ فبراير 1947 وكان عضواً في مجلس إدارتها الأول، وفي تموز/ يونيو 1960، كان أحد القائمين على
التلفزيون السوري عند افتتاحه في زمن
الوحدة مع مصر (1958-1961).
النشأة والتعليم
وُلِد فخري البارودي في حيّ
القنوات خارج
سور دمشق، وكان والده محمود البارودي من الأعيان الأثرياء، وأمّه من عائلة العلمي المقدسية المعروفة، ولم ترزق بغيره من الذرية، وهذا ما جعلها تُفرّط بدلاله[1]. في مذكراته، يقول إنّ جدّ والده هو أحد أبناء
ظاهر العمر الزيداني (1695-1775)، حاكم
الجليل الفلسطيني في القرن الثامن عشر، الذي تحدى العثمانيين فهاجموه وقتلوه في
عكا يوم 21 آب/ أغسطس 1775[2].
درس البارودي في
مدرسة الآباء العازاريين في دمشق، وفيها تعلم اللغة الفرنسية، ثم انتقل إلى مدرسة
مكتب عنبر، أشهر مدارس دمشق حينئذ[3]. رفض والده فكرة سفره إلى
إسطنبول لإكمال تحصيله العلمي، وكان ذلك في أعقاب الانقلاب على
السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918) عام 1909، فمكث في دمشق، وعمل كاتبًا في محاكمها، وأطلق جريدة هزلية بعنوان
حطّ بالخرج، كان يحررها باللهجة العامية بنفسه، ويُوقّع مقالاته باسم مستعار: عزرائيل[4]. هرب من سيطرة والده وتحكّمه إلى
فرنسا عام 1911، وحاول الالتحاق بمدرسة زراعية قريبة من
باريس، ولكن والده قطع عنه المصروف، وأجبره على العودة إلى دمشق للزواج من خطيبته صفيّة الدالاتي. عاش البارودي سنوات من الاكتئاب والضجر، وفي حالة انفعال شديد، جال في شوارع دمشق وكتب على جدرانها: "تعلَّم يا فتى فإنّ الجهل عار"[5].
الحرب العالمية الأولى 1914-1918
عند اندلاع
الحرب العالمية الأولى عام 1914، تطوّع البارودي في صفوف
الجيش العثماني، وكان حتى السنة التي سبقت الحرب مؤيدًا
للدولة العثمانية، وأحد لموقّعين على معروض رافض
للمؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913.[6] كان تطوّعه في الجيش مستغربًا، لأنه مُعفًى من الخدمة العسكرية، بوصفه وحيد أبويه، وعُيِّن بداية في
طبريا، وكُلِّف بتأمين الملابس والمؤن للجنود، وهو عمل إداري بعيد عن ميدان المعارك، ولكنه وقع أسيرًا في يد
الجيش البريطاني، واعتُقِل في مدينة
بئر السبع عام 1917.
علاقته مع الشريف حسين
لا يشير البارودي في مذكراته إلى بداية علاقته
بالشريف حسين بن علي (1853-1931)، وزمن التحاقه
بالثورة العربية الكبرى (1916-1918)، ولكن رئيس الوزراء السوري الأسبق
خالد العظم (1903-1965) قال في مذكراته، إن الشريف الحسين تواصل مع البارودي خلال اعتقاله، ورتّب خروجه من السجن إلى
مكّة للالتحاق بالثورة[7]. وثمة مصادر أخرى تقول إنه التحق بالثورة بعد خروجه من السجن وليس قبل، والأرجح أن هذا الأمر جرى بوساطة قريبه
نسيب البكري (1888-1966)، أول الدمشقيين المنتسبين إلى الثورة العربية، ومضيف
الأمير فيصل بن الحسين (1883-1933) في داره في أثناء مرور الأخير بدمشق عام 1915. ويبدو أن البكري، العضو المؤسس في
جمعية العربية الفتاة، هو الذي نسّب البارودي إليها[8]. غير أن البارودي نفسه قال للصحافي
جورج فارس (1894-1962) عام 1957، إن الشريف الحسين أوفده إلى
الهند، لتجنيد مقاتلين مسلمين في صفوف الثورة العربية الكبرى[9].
مرافقة الأمير فيصل
كانت العلاقة التي ربطته بالأمير فيصل لافتة، إذ عيّنه مرافقًا عسكريًا له في أثناء الثورة، وبعد دخوله دمشق في 3 تشرين الأول/ أكتوبر 1918، عقب انسحاب العثمانيين منها. نزل الأمير فيصل في دار محمود البارودي في القنوات، قبل أن ينتقل إلى منزل دائم في منطقة
العفيف، بالقرب من حي
المهاجرين[10]. وكان البارودي من المشاركين في مراسيم تتويج الأمير فيصل ملكًا على سورية، في 8 آذار/ مارس 1920، إذ عُيِّن حاجبًا له، إلى جانب
عبد الله بك الدليمي (1884-1932)، وجميل الألشي (1883-1951)، وتحسين قدري (1892-1986)[11].
الانتداب الفرنسي
لم تعمّر
المملكة السورية (8 آذار/مارس – 24 تموز/يونيو 1920) أكثر من أربعة أشهُر، إذ سرعان ما انهارت في أعقاب
معركة ميسلون يوم 24 تموز/ يوليو 1920، وكان من نتائجها فرض
الانتداب الفرنسي على سورية، وصدر قرار بنفي الملك فيصل إلى
فلسطين، واعتُقل فخري البارودي في دمشق مدة 100 يوم، ثم أُطلِق سراحه ونُفي إلى حيفا في كانون الأول/ ديسمبر 1920[12]. ومن حيفا، توجّه إلى
عمّان، حيث حصل على اللجوء السياسي من الأمير
عبد الله بن الحسين (1882-1951)، شقيق الملك فيصل، وظل ضيفًا لديه حتى شمله العفو الفرنسي عام 1922.
في صفوف حزب الشعب
الدكتور عبد الرحمن الشهبندر.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
كان البارودي من أوائل المنتسبين إلى حزب الشعب الذي أطلقه الدكتور
عبد الرحمن الشهبندر (1879-1940) في
أوبرا العباسية يوم 5 حزيران/ يونيو 1925. هدف الحزب إلى تحرير سورية من الحكم الفرنسي، واستعادة
العرش الهاشمي، إذ كان محسوبًا على الأسرة الهاشمية الحاكمة في عمّان وبغداد، بعد أن أصبح فيصل الأول ملكًا في العراق سنة 1921. وبعد تأسيس الحزب بأسابيع معدودة، اندلعت
الثورة السورية الكبرى من
جبل الدروز في تموز/ يوليو 1925، بقيادة
سلطان باشا الأطرش (1891-1982)، فساندها البارودي، واعتُقِل مع عدد من أعضاء الحزب، في حين أنّ الشهبندر أغلق عيادته الطبية واتجه إلى الجبل لمساندة الأطرش. حاولت سلطة الانتداب مفاوضة الأطرش على إلقاء السلاح مقابل إطلاق سراح البارودي وصحبه، ولكنها لم تنجح في مساعيها، وظل البارودي سجينًا لغاية شباط/ فبراير 1926[13].
الكتلة الوطنية ودستور عام 1928
بعد إخماد الثورة السورية ونفْي قادتها إلى
شرق الأردن وفلسطين ومصر، دعا رئيس الحكومة الأسبق
هاشم الأتاسي (1873-1960) إلى اجتماع في
بيروت في تشرين الأول/ أكتوبر 1927، انبثقت عنه الكتلة الوطنية التي لم تكن حزبًا سياسيًا بالمعنى التقليدي للكلمة، بل تجمُّعًا لأعيان المدن الكبرى، بهدف إنهاء الانتداب الفرنسي عن طريق المفاوضات لا السلاح[14]. انتسب البارودي إلى الكتلة في ثاني اجتماعاتها في آذار/ مارس 1928، وفي العام نفسه، ترشح على قائمتها لعضوية
الجمعية التأسيسية المكلفة بوضع دستور جمهوري للبلاد، بدلًا من
الدستور الملكي الذي أطاح به حكم الانتداب عام 1920. جرت الانتخابات في العاشر والرابع والعشرين من شهر نيسان/ أبريل 1928، وفازت الكتلة الوطنية بغالبية مقاعد الجمعية التأسيسية، ما أوصل هاشم الأتاسي إلى سدّتها. وتمكن البارودي ورفاقه من وضع دستور عصري للبلاد، مُستَلْهم من الدساتير الأوروبية الحديثة، لا إشارة فيه إلى الانتداب الفرنسي، ولا اعتراف بالحدود المصطنعة التي فُرِضت على سورية بموجب
اتفاقية سايكس بيكو عام 1916.
لم تعجب مسودّة الدستور المندوب السامي
هنري بونسو (Henri Ponsot، 1877-1963)، فطالب بتعديل بعض المواد الواردة فيه، وإضافة المادة رقم 116، وفيها ذِكْرٌ صريح للسلطة الفرنسية الحاكمة. كان الشيخ
تاج الدين الحسني (1885-1943) حينئذٍ رئيسًا للحكومة، وهو عدو الكتلة الوطنية وأحد أعضاء الجمعية التأسيسية، وقد نصح البارودي ورفاقه بقبول التعديلات الفرنسية، محذّرًا من أن الاستمرار في الرفض قد يودي بمشروع الدستور كاملًا[15]. اتهمه البارودي بالجبن والتخاذل أمام أعضاء الجمعية التأسيسية، ما جعل الحسني يخرج من المجلس غاضبًا[16]. ولم يمرّ الدستور السوري بصيغته الأولية، على الرغم من تصويت أعضاء الجمعية التأسيسية عليه في 11 آب/ أغسطس 1928، وصدر قرار من المندوب السامي بتعطيل الدستور والجمعية[17]. وفي 1 تشرين الأول/ أكتوبر 1928، تعرَّض البارودي لضرب مبرح في شوارع دمشق من مجهولين، ظنّ أنهم يعملون لصالح رئيس الحكومة، وأنهم أرادوا الانتقام منه لِما جاء على لسانه في جلسات الجمعية التأسيسية[18]. في المحصلة، لم يُقبَل الدستور إلا بنسخته المعدلة عام 1930، بعد فرض المادة 116 عليه من الفرنسيين، ومع ذلك، ظلّ البارودي ينظر إلى هذه التجربة بعين الرضا، وعلّق عليها بالقول: "لم يكن بإمكاننا أن نلفظ كلمة "وطن" من قبل، دون أن يستنكر علينا أحد الجواسيس الحقراء. لم يعد لدينا أيّ خوف الآن"[19].
مشروع الفرنك
في عام 1934، أطلق البارودي "مشروع الفرنك" وطلب من المواطنين التبرّع بفرنك سوري واحد شهريًا، لجمع مبلغ ثابت يُخصَّص بشكل دوري لمشروع نفعي للعموم. وفي نهاية كلّ شهر، كان يجمع التبرعات في مكتبه، ويصرفها بإشرافه على ترميم المدارس أو مساعدة الطلبة المحتاجين. وكان يقول إنّ السوريين كلهم يمكنهم التبرع بفرنك، إذ أراد إشراك الناس كلهم في العمل المجتمعي، مُستلهمًا الفكرة من نجاح
الصندوق القومي اليهودي، الذي موّل عمليات نقل المهاجرين اليهود من أوروبا[20].
صنع في سورية
أمّا مشروعه الثاني "صُنع في سورية"، فكان يهدف إلى تشجيع الصناعة الوطنية ودعمها، وقد بدأه بوضع "الميثاق الاقتصادي" الذي وزّعه على تجار دمشق، طالبًا من الجميع أن يعدّوه نبراسًا في عملهم التجاري[21]. وجاء في الميثاق: "السنطيم أساس المليون، والمال أساس الاستقلال"، ثم أضاف: "من أراد حياة بلاده فليعمل بميثاقها الاقتصادي". وكان الميثاق يطلب من التجّار عدم استيراد ما هو موجود في الأسواق المحلية، ويُشجّع الناس على شرائه، من مزروعات، وأجبان، وقطنيات، وملابس[22].
عمل في سورية
كذلك أطلق البارودي أوّل معرض للعمل في سورية في داره، حيث كان يجمع الباحثين عن عمل من خرّيجي
الجامعة السورية، مع مديري المصارف والشركات التجارية الكبرى. وقد سافر إلى
نيويورك لحضور المعرض العالمي في نيسان/ أبريل 1939، وكان يريد مشاركة اقتصادية سورية مدعومة ومموّلة من الحكومة، ولكنها رفضت، ما أجبر العارضين على المشاركة ضمن الجناح اللبناني، وهو ما أزعج البارودي كثيرًا[23].
مكتب البارودي للدعاية والنشر
يُعدُّ
مكتب البارودي للدعاية والنشر أوّل مركز للأبحاث في سورية، وكان مقرّه في دار أسرة البارودي في محلّة القنوات، على مقربة من مكتب الكتلة الوطنية. تعاقد مع عدد من الباحثين الشباب للعمل معه، وجميعهم أصبحوا أعلامًا في مجالاتهم، مثل:
قسطنطين زريق (1909-2000)، خريج
جامعة كولومبيا الأميركية، الذي أصبح رئيسًا للجامعة السورية؛ والدكتور
أحمد السمان (1907-1968)، رئيس الجامعة في مرحلة
الانفصال (1961-1963)؛ والمحامي الشاب
ناظم القدسي (1906-1998)، العائد حديثًا من دراسة القانون في
جامعة جنيف، الذي أصبح رئيسًا للجمهورية السورية عام 1961. اشترى البارودي للمكتب مطبعة خاصّة للمكتب، مع مكتبة ضخمة للباحثين الشباب، الذين وصل عددهم عام 1939 إلى 16 باحثًا، يصدرون نشرة شهرية تُوزَّع على الكليّات الجامعية، والسفارات الأجنبية، والوزارات، وسائر دوائر الحكومة. واشترك البارودي في عدد كبير من الصحف العالمية، لتكون في مُتناوَل الباحثين. كذلك أقام غرفًا خاصّة للمطالعة والبحث، تحمل كلّ واحدة منها اختصاصًا معيّنًا: غرفة
شمال أفريقيا، وغرفة فلسطين، وغرفة
الحجاز، وغرفة العراق، وغرفة أوروبا، وغرفة الأمريكيتين. وقسَّم المكتب إلى ثلاثة أقسام: الأول اقتصادي يُعنى بالتجارة والصناعة، والثاني ثقافي يهتمّ بالمسرح، والموسيقا، والرياضة، والثالث سياسي مختص بالشؤون الدستورية والحزبية، والتطورات الإقليمية والعالمية. ومن مطبوعات مكتب البارودي، ترجمة مذكرات
أدولف هتلر (Adolf Hitler، 1889-1945)
كفاحي إلى العربية، وهو ما سيُسَبِّب متاعب للبارودي في سنوات لاحقة، حين اتّهمته السلطات الفرنسية بدعم النظام النازي في
ألمانيا، بعد اندلاع
الحرب العالمية الثانية عام 1939[24].
القمصان الحديدية
أقنع البارودي زملاءه في الكتلة الوطنية أنّ أعمارهم تمنعهم من الوصول إلى شريحة أوسع من الشباب، وبدأ بتشكيل ذراع شبابية للكتلة، بالتعاون مع المحامي
منير العجلاني (1914-2004)، العائد من
جامعة السوربون، وزميله
سيف الدين المأمون (1905-1955)، خرّيج الجامعة الأميركية في بيروت، ومحمود البيروتي (1903-1983)، صاحب مكتبة صغيرة خلف
ساحة المرجة، كانت معقلًا للمثقفين والطلاب[25]. تأثر البارودي بالتنظيم الكبير للحركات الشبابية في أوروبا، ولا سيّما
القمصان البنية في ألمانيا النازية، والقمصان السوداء في
إيطاليا الفاشية، فأسّس تنظيمًا مشابهًا بدمشق أرفقه بالشباب الوطني، وأطلق عليه اسم "القمصان الحديدية". عيّن منير العجلاني أمينًا عامًا للتنظيم، وسيف الدين المأمون مديرًا ماليًا، وجاء بأحد أقربائه، ويُدعى
نزهت المملوك، وسمّاه قائدًا لتدريب "القمصان.[26]" أراد لذراع القمصان أن تكون نواة للجيش السوري في المستقبل، وكانت مهمّة أعضائها حماية الأحياء، وتدريب الشباب مثل رجال
عصر النهضة في أوروبا، الذين يجيدون حمل السلاح، وركوب الخيل، وفنّ القتال، مع تمكّنهم من التاريخ، والشعر، والموسيقا، وعلوم الرياضيات. وصل عدد أعضاء "القمصان الحديدية" إلى 15 ألف شاب مُنتسب، منهم 1500 في حلب و3500 في دمشق، ولكن التجربة أجهضها الفرنسيّون، بسبب تقارب شعائرها وطقوسها مع طقوس
الحزب النازي في ألمانيا، ولا سيّما التحيّة العسكرية الممدودة وربطة الذراع الحمراء[27].
الإضراب الستيني 1936
في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1935، تُوفّي
إبراهيم هنانو (1869-1935)، زعيم الكتلة الوطنية في حلب، فشارك البارودي في جنازته الشعبية مع رفاقه، ورفعوا شعارات مندّدة بالانتداب وبرئيس الجمهورية
محمد علي العابد (1867-1939)، ورئيس حكومته تاج الدين الحسني. قُتل ثلاثة مشيّعين، وحصلت اشتباكات عنيفة مع السلطات الفرنسية في أثناء الجنازة، أدت إلى مزيد من المظاهرات في الأيام والأسابيع المقبلة[28]. اتُّهم البارودي بالتخطيط لها والتحريض عليها، وفي 18 كانون الثاني/ يناير 1936، أُلقِي القبض عليه، وسِيق مُكبّلًا مُهانًا إلى سجن القلعة (قلعة دمشق)، رغم حصانته النيابية، قبل نفيه إلى مدينة
الحسكة. في إثر ذلك، أُغلِقت مكاتب الكتلة الوطنية، وخرج 20 ألف متظاهر في دمشق، مطالبين بإطلاق سراح البارودي
[29].
دعت الكتلة الوطنية إلى إضراب عام استمرّ 60 يومًا، فردّت فرنسا بنفْي
جميل مردم بك (1895-1960) إلى أعزاز على الحدود التركية، وفصل فارس الخوري (1877-1962) من الهيئة التدريسية في الجامعة السورية، ووضع
شكري القوتلي (1891-1967) ونسيب البكري (1888-1966) ولطفي الحفار (1885-1968) قيد الإقامة الجبرية[30]. دعا رئيس الكتلة هاشم الأتاسي إلى إطلاق سراح رفاقه، وفي مقدمتهم البارودي، وإلى رفع الأحكام العرفية، وإقالة رئيس الحكومة، وإصدار عفو عام، ووضع جدول زمني لإنهاء الانتداب. وقد فرض الإضراب الستيني نفسه على الدولة الفرنسية المنتدِبة، فما كان أمامها إلا الرضوخ لمطالب الكتلة، بإقالة الشيخ تاج الدين الحسني أولًا، وإطلاق سراح البارودي، ودعوة وفد من زعمائها إلى باريس للتفاوض بشأن مستقبل سورية[31]. في المقابل، دعا الأتاسي إلى إنهاء الإضراب، وفي 21 آذار/ مارس 1936، سافر إلى باريس على رأس وفد من الكتلة الوطنية للتفاوض، وظلّ البارودي في دمشق.
مفاوضات مع الحركة الصهيونية
في التاسع عشر من آب/ أغسطس 1935 نزل فخري البارودي في ميناء يافا قادماً من بيروت[32]، بهدف الاطلاع على أوضاع فلسطين عن كثب، وعقد لقاءات مع النخب الفلسطينية لبسط "المشروع الذي يسعى إليه منفرداً وهو تأسيس مكاتب دعاية وفروع لها في البلاد العربية"[33]، وفي أثناء تلك الزيارة التقى من خلال أحد أصدقائه العرب الفلسطينيين، ممثل الوكالة اليهودية إلياهو أبشتاين، ومكث في ضيافته يومين كاملين زار خلالهما مشاريع ومؤسسات تعليمية وزراعية وصناعية يهودية صهيونية مختلفة، وعدداً كبيراً من "الكيبوتسات"، والجامعة العبرية في القدس. وقد اتسم موقف البارودي حينها بمزيج من الانبهار بالتقدم العلمي والتقني للمشروع الصهيوني والتخوف العميق من تداعياته المستقبيلة على العرب[34].
وبعد مغادرته فلسطين لم يخف البارودي أخبار هذا اللقاء فصرح لمراسل جريدة
الجامعة العربية المقدسية في بيروت بعيد وصوله إليها قادماً من ميناء يافا، أنه اختلط بالجماعات الصهيونية أثناء زيارته لفلسطين، ورأى نشاطها وعاين أعمالها، وعبر للجريدة عن مخاوفه من سير العرب إلى الخراب ما لم يتخلوا عن خلافاتهم ويتعلموا من الصهاينة و"يطلعوا الاطلاع الكافي على أعمالهم ومناهجهم"[35].
تطورت هذه اللقاءات فيما بعد لتأخذ طابعاً سياسياً، ففي 17 تموز/يوليو 1936، تزامناً مع الثورة الفلسطينية الكبرى والمفاوضات السورية-الفرنسية. استضاف البارودي في بيته في
دوما وفد الوكالة المكون من أبشتاين وعاموس لندمن، وعميل الوكالة اليهودية في دمشق دافيد لوزيه[36]، ثم في
بلودان، بمشاركة قيادات من الكتلة الوطنية مثل شكري القوتلي ولطفي الحفار. طرح البارودي خلالها رؤية براغماتية تقوم على إمكانية التعاون بين "الخبرة والمال اليهودي" و"الأرض وقوة العمل العربية"، مطالباً الوكالة باستخدام نفوذها الدولي لدعم استقلال سوريا مقابل توسط الكتلة الوطنية لتهدئة الثورة في فلسطين، بشرط وقف الهجرة اليهودية[37]. من المنظور التاريخي، كشفت هذه اللقاءات عن فجوة كبيرة في الإدراك؛ فبينما كان البارودي وقادة الكتلة يجهلون المخططات السرية للوكالة مثل
لجان الترحيل التي كان أبشتاين عضواً فيها[38]، استغلت الوكالة اليهودية هذه القنوات في محاولة فصل المسار الوطني السوري عن الثورة الفلسطينية. لم تؤد هذه الاجتماعات إلى اتفاق بين الطرفين وقد استخلص البارودي منها بأنه لا مجال للتوصل إلى اتفاق بين الطرفين، واستمر هو وقادة سوريون آخرون، وفي مقدمتهم شكري القوتلي في تقديم الدعم للثورة في فلسطين[39].
تكرّر النقاش ذاته، ولم يؤدِّ إلى أيّ نتيجة. لم توقف الوكالة اليهودية مفاوضات باريس، ولكن البارودي اتُّهم بالسعي لاستنهاض المفاوضات معها في آب/ أغسطس 1946، يوم سافر إلى فلسطين بهدف شراء نظام تدفِئة للمجلس النيابي. قيل إنّ اجتماعًا سريًا رُتّب مع الصهاينة، بوساطة متعهد لبناني كان يعمل مع شركة التدفِئة الأميركية. نفى البارودي هذه التهم، وبعد قيام دولة إسرائيل، كرّس جزءًا كبيرًا من وقته للتحذير من الخطر الصهيوني، وحضَّ العرب على الاتحاد في وجهها، وإشهار سلاح المقاطعة ضدها[40].
الاستقالة من الكتلة الوطنية
مكث وفد الكتلة الوطنية في باريس طيلة ستة أشهر، وفي 9 أيلول/ سبتمبر 1936، وقَّع هاشم الأتاسي على معاهدة مع رئيس الوزراء الفرنسي
ليون بلوم (Léon Blum، 1872-1950)، تعطي السوريين مساحة أوسع من الحكم الذاتي، مع استعادة
جبلَي العلويين والدروز، ووزارتَي الخارجية والدفاع الملغاتَيْن منذ مطلع عهد الانتداب. في المقابل، وافق وفد الكتلة على تعيين مستشارين فرنسيين دائمين في مفاصل الدولة السورية، وإقامة قاعدة عسكرية لفرنسا في الساحل، والسماح لهم بالاستفادة من المطارات السورية، والأرض، والجوّ في حال نشوب حرب جديدة في أوروبا. أدّت
معاهدة عام 1936 إلى استقالة رئيس الجمهورية محمد علي العابد، وانتخاب هاشم الأتاسي رئيسًا في 21 كانون الأول/ ديسمبر 1936. ولكن المجلس الوطني الفرنسي رفض التصديق عليها، وفي 8 تموز/ يوليو 1939، استقال الأتاسي من منصبه اعتراضًا على هذا الموقف، قبل شهرين من اندلاع الحرب
العالمية الثانية (1939-1945).
قبل سقوط الحكم الوطني، حصلت عملية سلخ منطقة لواء إسكندرون عن سورية، وضمها إلى أراضي الجمهورية التركية، ما أثّر كثيرًا في سمعة رئيس الحكومة جميل مردم بك، الذي اتُّهم بالتواطؤ مع الرئيس التركي
مصطفى كمال أتاتورك (Mustafa Kemal Atatürk، 1881-1938) في أثناء مروره بأنقرة. استقال البارودي من الكتلة احتجاجًا على سلخ اللواء في شباط/ فبراير 1939، ولحقه كلٌّ من لطفي الحفار ونسيب البكري[41]. ولكنه لم يسلم من الانتقاد أيضًا، ونشر معارضوه رسالة تهنِئة كان وجّهها إلى الرئيس أتاتورك بمناسبة
عيد تركيا الوطني في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1939، ليقولوا إنه كان مثل جميل مردم بك، متواطِئًا في موضوع لواء إسكندرون[42]. سوّغ البارودي استقالته بفشل الكتلة الوطنية في المحافظة على اللواء السليب، وكتب إلى زميله
سعد الله الجابري (1892-1947) قائلًا: "من سوء حظ سورية أنها لم تجد رجلًا قديرًا ينقذها من الوهدة التي سقطت فيها. ومع أنه كان بين رجالنا بعض السياسيين الأذكياء، إلا أنهم كانوا غير متميزين في الحكم، ولهذا فشلت الكتلة، وفشلت قضية سورية، ونفرت البلاد السورية خاصة والبلاد العربية عامة من هذا الفشل[43]".
المنفى في الأردن
بعد أقل من شهر على سقوط العهد الوطني، وفي الأسابيع الأولى من الحرب العالمية الثانية، اتُّهم البارودي بالتعاطف مع النازية، وفي 16 آب/ أغسطس 1939، عُثِر في منزله على أسلحة قيل إنها مرسلة من أدولف هتلر إلى سورية[44]. أنكر هذا الأمر بشدة، وقال إنها زُرِعت من دون علمه لتوريطه، بإيعاز من رئيس حكومة المديرين
بهيج الخطيب (1899-1981)، الذي خلف الكتلة الوطنية في الحكم، وكان محسوبًا على الفرنسيين. وقبل صدور مذكرة اعتقال بحقه، لجأ البارودي مجدّدًا إلى إمارة شرق الأردن. وفور وصوله، كتب أحد معاوني الأمير عبد الله، ووصفه بالوسواس الخنّاس، قائلًا إنه أسوأ عدوّ للإمارة[45].
رُتِّبت مصالحة مع الأمير، وزاره البارودي في قصره، حيث دعم مشروعاته الحيوية في عمّان، ومنها تحويل مركز شرطة مهجور إلى مدرسة، وبناء مسجد مع حجرة خاصّة للقائمين عليه من أئمة وطلاب ومقرئين[46]. واستدان البارودي مبلغًا من أصدقائه، وفتح مطعمًا في العاصمة الأردنية لبيع المرطبات والحلويات، لأنّ عائدات أراضيه الزراعية في سورية، التي كان قد ورثها عن أبيه، لم تعد تعطي مردودًا كافيًا لإقامته الطويلة في الأردن[47]. وفي سعية لإيجاد مخرج من مأزقه، عرض خدماته على
الجيش السعودي، فلم يتلقَّ جوابًا، وراسل رئيس وزراء العراق
طه الهاشمي (1888-1961)، ولكن الأخير أجاب بأنّ القوانين العراقية تمنع دخول غير العراقيين إلى
الجيش العراقي.[48] وكانت آخر محاولة له في مخاطبة
الإذاعة البريطانية في
القدس، عن طريق صديقه الشاعر الفلسطيني
إبراهيم طوقان (1905-1941)، فجرى التعاقد معه لتقديم برنامج أسبوعي للأطفال، لكن البرنامج أُوقِف في الحلقة الثانية بضغط من السلطات الفرنسية في سورية[49]. لم تبقَ أمامه إلا الكتابة إلى سلطات الانتداب الفرنسي، بعد أن ظلّ في المنفى 22 شهرًا، وقد سمحت له بالعودة إلى سورية والترشّح إلى النيابة مجددًا.[50] ترشّح عن قائمة الكتلة الوطنية التي كان يتزعّمها زميله شكري القوتلي وفاز بالنيابة عن دمشق فيما انتُخِب القوتلي رئيسًا للجمهورية في 17 آب/ أغسطس 1943.
العدوان الفرنسي سنة 1945
في 29 أيار/ مايو 1945، التحق بالمقاومة الشعبية للدفاع عن مبنى البرلمان في أثناء
العدوان الفرنسي على مدينة دمشق، وخرج إلى الشارع بلباس الدرك السوري على رأس مجموعة من المتطوعين، بهدف إطلاق سراح الأسرى من سجن القلعة وإسعاف الجرحى إلى حي
القصّاع. أُصِيب بشظية في رقبته، ولكنه تمكّن من دخول القلعة، في الساعة السابعة من مساء 29 أيار/ مايو، وحرّر السجناء كلّهم.[51] ثم نقل ثمانية من الجرحى إلى المستشفى الإنكليزي، وطلب إلى الأطباء المسيحيين القدوم لمعالجتهم. وعندما قطعت فرنسا الكهرباء عن الحيّ، أمر معاونيه بجلب الشموع من الكنائس[52]. قُتِل يومها 600 مواطن سوري، وكانت هذه المجزرة آخر ما فعلته فرنسا قبل إجبارها على وقف إطلاق النار، ومن ثم بدء الانسحاب من سورية، بناء على إنذار صارم صدر من
الحكومة البريطانية في 1 حزيران/ يونيو 1945. وفي
عيد الجلاء الأول، يوم 17 نيسان/ أبريل 1946، كرَّم الرئيس شكري القوتلي صديقه البارودي، وقلّده رتبة "عقيد" فخرية في
الجيش السوري، الذي كان قد تأسّس في 1 آب/ أغسطس 1945.
عهد الاستقلال
غاب البارودي عن نشاطه السياسي المعهود في عهد الاستقلال، على الرغم من انتسابه إلى
الحزب الوطني، الذي وُلِد على أنقاض الكتلة الوطنية في 29 آذار/ مارس 1947، وكان برئاسة سعد الله الجابري. وترشّح للنيابة سنة 1947، فكانت هذه الدورة النيابية هي الأخيرة في مسيرة البارودي السياسية[53]. استقال من مجلس النواب في العام نفسه، فعُرِض عليه منصب مدير مكتب أخبار الجيش[54]. ولا يُعلَم على وجه التحديد إنْ كان يعلم بتعيين الضابط النازي
والتر راوف (Walter Rauff، 1906-1984) في هذا المكتب بصفة مستشار، وهو الذي جاء إلى دمشق بعد سقوط
الرايخ الثالث في ألمانيا، وأسلم واتّخذ لنفسه اسم "عبد الرحمن رؤوف"[55]. أمّا عن المنجزات الحقيقية للبارودي في هذا المنصب، فكان أولها التعاقد مع المخرج الشاب
إسماعيل أنزور (1903-1981) لتصوير أفلام دعائية عن الجيش السوري، وعرضها في صالات السينما في أثناء
حرب فلسطين. وقد قدَّم دعمًا لجيش الإنقاذ بعد تشكيله عقب صدور
قرار تقسيم فلسطين عام 1947، وأسهم في تطويع الشباب في صفوفه، ومنهم نائب
الرقة، الأديب والطبيب
عبد السلام العجيلي (1918-2006)[56].
البارودي والفن
صباح فخري
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بعد انقلاب
حسني الزعيم (1897-1949) على الرئيس القوتلي في 29-3- آذار/مارس 1949، انصرف البارودي إلى المشروعات الفنية التي كانت دومًا قريبة إلى قلبه، وبدأ بتأليف معجم عن الموسيقا العربية، ودراسة عن تبسيط النوتة لكي يفهمها العازفون الهواة[57]. تبنّى عددًا من الفنانين الشباب، كان أشهرهم: الممثل نهاد قلعي، الذي كان يُقلّد صوت البارودي في شخصية "حسني البورظان"؛ والمطرب صباح الدين أبو قوس، الذي رعاه البارودي وأعطاه اسمه الفني، ليُعرف باسم "صباح فخري". وكان أحد القائمين على تأسيس إذاعة دمشق عام 1947، وسُمّي عضوًا في مجلس إدارتها[58].
معهد الموسيقا الشرقية
أسّس البارودي معهدًا متخصصًا في الموسيقا الشرقية، واستصدر مرسومًا جمهوريًا لأجله من الرئيس هاشم الأتاسي، في 9 كانون الأول/ ديسمبر 1950، وكان هذا المعهد هو الثالث في سورية، بعد معهد الموسيقا الأوّل سنة 1942، والثاني سنة 1947. وكان المعهد الثاني، أيضًا، بمبادرة من البارودي، وقد أُنشِئ بقرار من مجلس النواب، وكان يتبع لوزارة المعارف، ولكنه أُغلِق سنة 1949، عندما قرر الوزير
ميشيل عفلق (1910-1989) شطب 90 في المئة من موازنته، بسبب خلافات سياسية بينه وبين البارودي[59].
أمّا المعهد الثالث، فقد عاش تسع سنوات، وكان الوحيد في سورية طوال الخمسينيات، وتخرّج فيه فنانون كبار، وفي مقدّمتهم صباح فخري. أشرف البارودي على مجلسه الاستشاري المكوّن من مجموعة من الملحّنين والموسيقيين العرب، وحُدّدت مدة الدراسة بأربع سنوات. وقد تعاقب على رئاسة المعهد ثلاثة مديرين، كان أشهرهم الموسيقار الحلبي
مجدي العقيلي (1917-1983)، قبل صدور قرار بإغلاقه نهائيًا سنة 1959، بحجّة عدم وجود فرص عمل للخريجين[60].
رقص السماح
في عام 1951، حصلت مواجهة بين البارودي وقاضي دمشق الممتاز الشيخ
علي الطنطاوي (1909-1999)، سببها رقصة السماح التي كان يرغب البارودي في إحيائها، بعد أن كانت في زمنٍ مضى حكرًا على المشايخ والمتصوّفين. قرر البارودي تبنّي هذه الرقصة وتعليمها لطالبات
مدرسة دوحة الأدب في
جادة الشهداء في منطقة
الصالحية، عادًّا أنها سوف تندثر وتموت لو ظلّت محصورة في عالم المشايخ. استعان بالوشّاح الكبير الشيخ
عمر البطش (1885-1950) من حلب لتدريب الطالبات، بعد عصرنة الرقصة التي غدت تقليدًا في مدارس دمشق لسنوات طويلة. ورغم وقوف الطنطاوي ضد المشروع، فقد امتدحه في مذكراته قائلًا: "هو أبرز الزعماء الوطنيين الشعبيين في دمشق، غنيّ واسع الغنى، كريم شديد الكرم، خفيف الروح، ساحر الحديث، حاضر النكتة، ولكنه، والله أعلم بحاله، رقيق الدين."[61] ويقول الطنطاوي في مذكراته إنّ "فكرة شيطانية راودت البارودي، ما أحسب أنها خطرت في بال إبليس نفسه، وهي نقل رقصة السماح من المشايخ والكهول إلى الغيد الأماليد والصبايا الجميلات، من بنات مدرسة دوحة الأدب"[62].
مؤلفاته
ترك البارودي خلفه عددًا من المؤلفات المطبوعة وغير المطبوعة:
فصل الخطاب بين السفور والحجاب (1934)
مذكرة الشرطي (1938)
كارثة فلسطين العظمى (1950)
مذكرات البارودي: ستون سنة تتكلم (1951)
الصلح مع إسرائيل (1957)
تاريخ يتكلم (1960)
كذلك أعاد طباعة كتاب
الطبيخ لمحمد حسن بن محمد البغدادي (توفي 1239)، الذي ذيّله بكتاب صغير عن المطبخ الشامي، وصدر عن
دار الكتاب الجديد في بيروت عام 1964. وله كتاب مخطوط في
المكتبة الوطنية بدمشق، تحت الرقم 11604، بعنوان "المعجم الموسيقي،" ويقع في تسعة مجلدات، في نحو ثلاثة آلاف صفحة؛ و"المعجم الشامي" الموجود في
مجمع اللغة العربية بدمشق، وهو محاولة لوضع معجم للكلمات العامية الشامية[63].
أيامه الأخيرة
حصل البارودي في سنواته الأخيرة على قرض من
بنك سورية ولبنان، لتطوير أراضيه الزراعية وشراء محارث حديثة من ألمانيا، ولكن موسم الجفاف جعله عاجزًا عن تسديد القرض[64]. أُجبِر على بيع منزل أسرته الفاخر في محلّة القنوات إلى الناشر وجيه بيضون، واشترط عليه البقاء فيه ريثما يجد منزلًا مناسبًا له[65]. ثم انتقل إلى منزل واسع مع حديقة في منطقة
كيوان، بالقرب من
ساحة الأمويين، وطلب إلى الرئيس شكري القوتلي مساعدته عن طريق الحكومة المصرية، لكي تسمح له باستيراد شحنة من الأرز المصري، على أن يُسدّد ثمنها بالعملة المحلية بدلًا من الدولار[66]. وقد كتب في رسالته إلى القوتلي: "إذا أخذ الله بيدكم وساعدتموني بهذا الأمر، تنقذوني وتسترون وجهي [...] وحاشا أن يلقى شيخ مثلي تقدّمت به السنون عُسر عيش في عهدكم الميمون"[67].
جائزة فخري البارودي للمؤرخين الشباب
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ظلّ البارودي في داره حتى صيف عام 1963، عندما أُجبِر على المغادرة بعد إحراق المنزل خلال المواجهات الدامية على مدخل مبنى التلفزيون، وذلك في أعقاب محاولة انقلاب فاشلة، اضطلع بها الضابط الناصري
جاسم علوان (1928-2018) ضد
حكم البعث، يوم 18 تموز/ يوليو 1963. لم يُصَب بأذى لأنه كان خارج المنزل، ولكن مكتبته النفيسة ضاعت، وضاعت معها معظم أوراقه المكتوبة بخط اليد، ومنها موسوعة الموسيقا العربية التي كان يعدّها، والجزءان الثالث والرابع من مذكراته. وكان قد استأجر شقة صغيرة في حيّ
ركن الدين، وفيها تُوفّي يوم 2 أيار/ مايو 1966[68].
التكريم
احتفظ البارودي بمكانة خاصّة عند السوريين، ربما أسهم في تكريسها تعدّد مواهبه، وجذرية مواقفه، ورعايته للفنون. وقد أطلقت
محافظة دمشق اسمه على أحد شوارعها الرئيسة، وتحوّل منزله في محلّة القنوات إلى قسم الترميم في
كلية العمارة في جامعة دمشق. كذلك أطلقت
مؤسسة تاريخ دمشق جائزة تحمل اسم
جائزة فخري البارودي للمؤرخين الشباب، وأُنتِج فيلم توثيقي عن حياته للمخرج
نبيل المالح (1936-2016)، غنّى في ختامه صباح فخري قصيدة البارودي الشهيرة:
بلاد العرب أوطاني.
المراجع
العربية
الأرمنازي، نجيب.
سورية من الاحتلال حتى الجلاء. بيروت: دار الكتاب الجديد، 1973.
البارودي، فخري.
مذكرات فخري البارودي. بيروت/دمشق: دار الحياة، 1951.
________.
كارثة فلسطين العظمى. دمشق: دار الأيام، 1957.
بيضون، وجيه.
صراع مع الحياة. دمشق: مطبعة ابن زيدون، 1958.
جروس، سعاد.
من الانتداب إلى الانقلاب: سورية في زمن نجيب الريس. بيروت: نجيب الريس للكتب والنشر، 2015.
جمعة، سامي.
أوراق من دفتر الوطن 1946-1961. دمشق: دار طلاس، 2000.
حداد، عبد المسيح.
انطباعات مغترب في سورية. دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1962.
حسن، نجاة قصاب.
جيل الشجاعة حتى عام 1945. دمشق: مطبعة ألف باء، 1992.
الحكيم، دعد.
أوراق ومذكرات فخري البارودي. دمشق: وزارة الثقافة، 1999.
الحكيم، يوسف.
سورية والحكم الفيصلي. بيروت: دار النهار، 1969.
خوري، كوليت.
أوراق فارس الخوري. دمشق: وزارة الثقافة، 2015.
السيوفي، يوسف.
ذكرى استقلال سوريا. دمشق: مطبعة طه إبراهيم ويوسف برلادي، 1920.
الشريف، صميم. الموسيقا في سورية أعلام وتاريخ. دمشق: وزارة الثقافة، 2011.
الشلق، زهير.
من أوراق الانتداب: تاريخ ما أهمله التاريخ. بيروت: دار النفائس، 1989.
شورى، فريد.
الكتاب الأحمر: سورية المجاهدة في سبيل الاستقلال. دمشق: مطبعة الفيحاء، 1936.
صدقي، نهال بهجت.
فخري البارودي في شعره ونثره. بيروت: دار القدس، 1974.
الطنطاوي، علي.
ذكريات. جدة: دار المنارة، 1992.
عثمان، هاشم.
الأحزاب السياسية في سورية: السرية والعلنية. بيروت: رياض نجيب الريس للكتب والنشر، 2001.
العجيلي، عبد السلام.
ذكريات أيام السياسة. بيروت: رياض نجيب الريّس للكتب والنشر، 2002.
العش، أنور.
في طريق الحرية. دمشق: مطبعة الاعتدال، 1937.
العظم، خالد.
مذكرات خالد العظم. بيروت: الدار المتحدة، 1972.
فارس، جورج.
من هم في العالم العربي. دمشق: مكتب الدراسات العربية، 1957.
القاسمي، ظافر.
وثائق جديدة عن الثورة السورية الكبرى. بيروت: دار الكتاب الجديد، 1965.
قاسمية، خيرية.
الرعيل العربي الأول: أوراق نبيه وعادل العظمة. لندن: رياض نجيب الريّس للكتب والنشر، 1991.
قدري، أحمد.
مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى. دمشق: مطبعة ابن زيدون، 1956.
مبيض، سامي.
شرق الجامع الأموي. بيروت: رياض نجيب الريس للكتب والنشر، 2016.
محارب، محمود،
العلاقات السرية بين الوكالة اليهودية وقيادات سورية في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى، (بيروت، جسور للترجمة والنشر، 2021).
محرر الدفاع، الأستاذ فخري البارودي،
الدفاع، العدد ، (يافا: 20 آب/ أغسطس، 1935).
مراسل بيروت، فخري البارودي يتحدث عن فلسطين،
الجامعة العربية، العدد 1685، (القدس: 16 أيلول/ سبتمبر، 1935).
مراسل حيفا، فخري البارودي،
فلسطين، العدد 159- 3043، يافا: 6 أيلول/ سبتمبر 1935).
وثائق:
مركز الوثائق التاريخية.
أوراق فخري البارودي. قرار صادر عن القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة. دمشق. 27 تموز/ يوليو 1948.
________.
البارودي إلى لطفي الحفار. 21 حزيران/ يونيو 1945.
________.
البارودي إلى مكسيم ويغان. عمّان. 19 كانون الثاني/ يناير 1940.
________.
أوراق فخري البارودي. الملف 84/ 624.
________.
من البارودي إلى حسني تللو. الوثيقة رقم 79. 15 أيلول/ سبتمبر 1940.
________.
من فخري البارودي إلى سعد الله الجابري. 26 تموز/ يوليو 1937.
________.
البارودي إلى شكري القوتلي. 84-612. 27 كانون الأول/ ديسمبر 1956.
الوثائق الهاشمية:أوراق عبد الله بن الحسين، سوريا الكبرى والاتحاد العربي. مج 3. جامعة آل البيت. عمان. 1994. ص 160-161.
الأجنبية:
Nordbruch, Gotz.
Nazism in Syria and Lebanon: The ambivalence of the German option 1933-1945. London: Routledge, 2009.
Seale, Patrick.
The Struggle for Arab Nationalism: Riad el-Solh and the Makers of the Modern Middle East. New York: University of Cambridge Press, 2010.
The National Archives. London, UK:
The National Archives (TNA). 371/4488. vol. 13074. 15 August 1928.
________.
Description of Student Demonstrations. from Gilbert MacKereth to Anthony Eden. 371. 30 January 1936.
________.
Hole to Lord Cushenden. 371/4390. vol. 13074. 9 August 1928.
________.
Hole to Lord Cushendun. 371/4390. vol. 13074. 9 August 1928.
[1] فخري البارودي،
مذكرات فخري البارودي (بيروت/ دمشق: دار الحياة، 1951)، ص 12-13.
[2] المرجع نفسه، ص 7-10.
[3] المرجع نفسه، ص 20-29.
[4] المرجع نفسه، ص 79-81.
[5] نهال بهجت صدقي،
فخري الباروديفي شعره ونثره (بيروت: دار القدس، 1974)، ص 67.
[6]جريدة المقتبس، العدد 1205، 31/5/1913.
[7] خالد العظم،
مذكرات خالد العظم، ج 1 (بيروت: الدار المتحدة، 1972)، ص 89.
[8] أحمد قدري،
مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى (دمشق: مطبعة ابن زيدون، 1956)، ص 29.
[9] جورج فارس،
من هم في العالم العربي (دمشق: مكتب الدراسات العربية، 1957)، ص 66-67.
[10] يوسف الحكيم،
سورية والحكم الفيصلي (بيروت: دار النهار، 1969)، ص 45.
[11] يوسف السيوفي،
ذكرى استقلال سوريا (دمشق: مطبعة طه إبراهيم ويوسف برلادي، 1920)، ص 83.
[12] ظافر القاسمي،
وثائق جديدة عن الثورة السورية الكبرى (بيروت: دار الكتاب الجديد، 1965)، ص 53.
[13] دعد الحكيم،
أوراق ومذكرات فخري البارودي، ج 2 (دمشق: وزارة الثقافة، 1999)، ص 81؛ كوليت خوري، أوراق فارس الخوري، ج 3 (دمشق: وزارة الثقافة، 2015)، ص 207.
[14] هاشم عثمان،
الأحزاب السياسية في سورية: السرية والعلنية (بيروت: رياض نجيب الريس للكتب والنشر، 2001)، ص 123-125.
[15] The National Archives (TNA), 371/4488, vol. 13074, 15 August 1928.
[16] TNA, “Hole to Lord Cushendun,” 371/4390, vol. 13074, 9 August 1928.
[17] Ibid.
[18] سعاد جروس،
من الانتداب إلى الانقلاب: سورية في زمن نجيب الريس (بيروت: رياض نجيب الريس للنشر والكتب، 2015)، ص 92.
[19] Patrick Seale,
The Struggle for Arab Nationalism: Riad el-Solh and the Makers of the Modern Middle East (New York: University of Cambridge Press, 2010), p. 234.
[20] نجاة قصاب حسن،
جيل الشجاعة حتى عام 1945 (دمشق: مطبعة ألف باء، 1992)، ص 307.
[21] فارس، ص 68.
[22] سامي مبيض،
شرق الجامع الأموي (بيروت: رياض نجيب الريس للكتب والنشر، 2016)، ص 177- 205.
[23] فارس، ص 66-67؛ عبد المسيح حداد،
انطباعات مغترب في سورية (دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1962)، ص 111-112.
[24] Gotz Nordbruch,
Nazism in Syria and Lebanon: The ambivalence of the German option 1933-1945 (London: Routledge, 2009), p. 34.
[25] أنور العش،
في طريق الحرية (دمشق: مطبعة الاعتدال، 1937)، ص 57-62.
[26] العش، مرجع سابق.
[27] المرجع نفسه، ص 89-93.
[28] فريد شورى،
الكتاب الأحمر: سورية المجاهدة في سبيل الاستقلال (دمشق: مطبعة الفيحاء، 1936)، ص 35-48.
[29] TNA, “Description of Student Demonstrations,” from Gilbert MacKereth to Anthony Eden, 371, 30 January 1936.
[30] زهير الشلق،
من أوراق الانتداب:
تاريخ ما أهمله التاريخ (بيروت: دار النفائس، 1989)، ص 125.
[31] نجيب الأرمنازي،
سورية من الاحتلال حتى الجلاء (بيروت: دار الكتاب الجديد، 1973)، ص 99.
[32] محرر الدفاع، الأستاذ فخري البارودي،
الدفاع، العدد ، (يافا: 20 آب/ أغسطس، 1935)، ص. 4.
[33] مراسل حيفا، فخري البارودي،
فلسطين، العدد 159- 3043، يافا: 6 أيلول/ سبتمبر 1935)، ص. 7.
[34] محمود محارب،
العلاقات السرية بين الوكالة اليهودية وقيادات سورية في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى، (بيروت، جسور للترجمة والنشر، 2021)، ص. 53، 54.
[35] مراسل بيروت، فخري البارودي يتحدث عن فلسطين،
الجامعة العربية، العدد 1685، (القدس: 16 أيلول/ سبتمبر، 1935)، ص. 1.
[36] للمزيد عما دار في هذا الاجتماع ينظر إلى: محارب، ص. 56-60.
[37] للمزيد عن تفاصيل ما دار في هذا الاجتماع ينظر إلى محارب، ص. 61-65.
[38] المرجع نفسه، ص. 44.
[39] المرجع نفسه، ص. 15.
[40] فخري البارودي،
كارثة فلسطين العظمى (دمشق: مطبعة ابن زيدون، 1950)، ص 57، 58.
[41] جروس، ص 262.
[42] المرجع نفسه، ص 201.
[43] مركز الوثائق التاريخية،
"من فخري البارودي إلى سعد الله الجابري"، 26 تموز/ يوليو 1937.
[44] دعد الحكيم، ج 2، ص 179.
[45] الوثائق الهاشمية،
أوراق عبد الله بن الحسين، سوريا الكبرى والاتحاد العربي، عمان، 1994، ص 160-161.
[46] مركز الوثائق التاريخية في دمشق، "من البارودي إلى حسني تللو"، الوثيقة رقم 79، 15 أيلول/ سبتمبر 1940.
[47] المرجع نفسه.
[48] المرجع نفسه.
[49] المرجع نفسه.
[50] مركز الوثائق التاريخية في دمشق،
"البارودي إلى مكسيم ويغان"، عمّان، 19 كانون الثاني/ يناير 1940.
[51] مركز الوثائق التاريخية في دمشق، "البارودي إلى لطفي الحفار"، 21 حزيران/ يونيو 1945.
[52] اللقاء الوحيد المسجل مع فخري البارودي في أرشيف التلفزيون السوري:
فخري البارودي، "فخري البارودي في لقاء مع التلفزيون السوري عام 1960"،
SyrianHistoryDotCom، موقع يوتيوب، 28/10/2012، شوهد في 27/12/2025، في:
https://acr.ps/1L9F2d0
[53] خيرية قاسمية،
الرعيل العربي الأول: أوراق نبيه وعادل العظمة (لندن: رياض نجيب الريّس للنشر والكتب، 1991)، ص 480.
[54]مركز الوثائق التاريخية في دمشق،
"أوراق فخري البارودي"، قرار صادر عن القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة، دمشق، 27 تموز/ يوليو 1948.
[55] سامي جمعة،
أوراق من دفتر الوطن 1946-1961 (دمشق: دار طلاس، 2000)، ص 57.
[56] عبد السلام العجيلي،
ذكريات أيام السياسة، ج 1 (بيروت: رياض نجيب الريّس للكتب والنشر، 2002)، ص 106-107.
[57] صدقي، ص 161.
[58] مركز الوثائق التاريخية،
"أوراق فخري البارودي"، الملف .84/624
[59] صدقي، ص 159.
[60] صميم الشريف،
الموسيقا في سورية أعلام وتاريخ (دمشق: وزارة الثقافة، 2011)، ص 141.
[61] علي الطنطاوي،
ذكريات، ج 5 (جدة: دار المنارة، 1992)، ص 103.
[62] المرجع نفسه، ص 104.
[63] دعد الحكيم، القسم 1، ص 9.
[64] مركز الوثائق التاريخية،
"البارودي إلى شكري القوتلي"، 84-612، القسم الخاص، 27 كانون الأول/ ديسمبر 1956.
[65] وجيه بيضون،
صراع مع الحياة (دمشق: مطبعة ابن زيدون، 1958)، ص 292.
[66] مركز الوثائق التاريخية، "البارودي إلى شكري القوتلي".
[67] المرجع نفسه.
[68] صدقي، ص 235.