الموجز
فائز بن يعقوب الخوري (1895–1959)، سياسي سوري من دمشق، والأخ الأصغر لفارس الخوري، أحد الآباء المؤسسين للدولة السورية الحديثة. كان عضوًا فاعلًا في الكتلة الوطنية وأحد أبرز مشرعي دستور عام 1928، إضافة لكونه مدرسًا في الجامعة السورية وعميدًا لكلية الحقوق من عام 1940 وحتى 1943، له مؤلفات في القانون، منها الحقوق الرومانية، وأصول استماع الدعوى الحقوقية.
تسلّم حقائب وزارية عدة، منها المالية والاقتصاد في عهد الرئيس هاشم الأتاسي (1936-1939)، والخارجية ثلاث مرات في عهد الرئيس تاج الدين الحسني (1941-1943). في عام 1941، أعلن الخوري بصفته وزيرًا للخارجية استقلال سورية عن الانتداب الفرنسي، مع بقاء قوات فرنسية على أراضيها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
كان أحد مؤسسي الحزب الوطني عام 1947، وفي نهاية مرحلة الانتداب الفرنسي، أصبح وزيرًا مفوضًا إلى موسكو. عينه الرئيس شكري القوتلي وزيرًا مفوضًا في واشنطن عام 1947، وعضوًا في وفد سورية الدائم إلى الأمم المتحدة، ثم رئيسًا لهذا الوفد، خلفًا لشقيقه عام 1949. كان سفيرًا في لندن ما بين 1952-1955، قبل أن يفارق الحياة عام 1959.
النشأة والتعليم
وُلد فائز الخوري في مدينة دمشق عام 1895 لأسرة تعود جذورها إلى قرية الكفير في قضاء حاصبيا، الذي كان أحد أقضية متصرفية دمشق في ولاية سورية العثمانية. فقد والده وهو في الثانية من عمره، فتولى شقيقه الأكبر المحامي والسياسي فارس الخوري رعايته والإشراف على تعليمه[1].
درس بدايةً في الكلية السورية البروتستانتية (الجامعة الأمريكية في بيروت)، ثم انتقل إلى الأستانة لدراسة الحقوق، وخلال دراسته انخرط في العمل القومي من خلال انتسابه للمنتدى الأدبي الذي كان مركزًا للنشاط المناوئ لسياسة التتريك[2].
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، سِيق الخوري إلى الخدمة الإلزامية في الجيش العثماني، وأُرسل إلى جبهة القوقاز، وفي 10 كانون الثاني/ يناير 1916 اعتُقل على خلفية نشاطه السابق وانتمائه للمنتدى الأدبي[3]. وأُطلق سراحه لاحقًا بعد وساطة شقيقه فارس الخوري لدى طلعت بيك وزير الداخلية، حيث استندت الحجة القانونية للإفراج عنه إلى صغر سنة وقت انضمامه للمنتدى الأدبي، إذ كان دون الثامنة عشرة من عمره ما دفع السلطات لإخلاء سبيله[4].
المسيرة الحقوقية والسياسية
في عام 1922، انضم فائز الخوري إلى الهيئة التدريسية في الجامعة السورية، حيث شغل منصب أستاذ لمادتي الحقوق الجزائية والقانون الروماني في مدرسة الحقوق (كلية الحقوق)، وبالتوازي مع عمله الأكاديمي، عُين مستشارًا في محكمة الاستئناف، واستمر في هذا المنصب حتى عام 1925[5].
انخرط الخوري في العمل السياسي عام 1928، بانتسابه إلى الكتلة الوطنية التي كان شقيقه فارس الخوري أحد أبرز قادتها، وانتُخب عضوًا في مجلسها العام، ممثلًا عن مدينة دمشق، لتبدأ مرحلة نضاله ضد الانتداب الفرنسي[6].
في العام نفسه، انتُخب الخوري عضوًا في الجمعية التأسيسية المكلفة بوضع دستور جمهوري لسورية برئاسة هاشم الأتاسي. وقد أدى دورًا محوريًا في صياغة مواد الدستور، حيث اختِير عضوًا في لجنة الصياغة التي ترأسها إبراهيم هنانو، وشاركه فيها زميله في كلية الحقوق، المحامي فوزي الغزي[7].
ملامح الدستور المقترح
تميزت مسودة الدستور التي أنجزتها اللجنة خلال شهرين بطابعها العصري المستلهم من الدساتير الأوروبية الحديثة، وحملت أبعادًا سيادية تمثلت في:
- تجاهل الانتداب: عدم الإشارة نهائيًا إلى السلطة الفرنسية القائمة منذ 1920.
- الهوية الوطنية: إقرار علَم جديد للجمهورية السورية.
- السيادة الإقليمية: رفض الحدود المفروضة بموجب اتفاقية سايكس بيكو (1916).
- الصلاحيات: تعزيز سلطات رئيس الجمهورية السوري على حساب المفوض السامي الفرنسي[8].
الصدام مع سلطات الانتداب
أثار هذا التوجه السيادي حفيظة المندوب الفرنسي هنري بونسو، الذي اعترض على ست مواد دستورية وعدّها إشكالية، مطالبًا بتعديلها وإضافة المادة 116 التي تمنح الانتداب الفرنسي سلطة فوق الدستور[9]. رفض فائز الخوري وزملاؤه هذه التعديلات، وصوتت الجمعية بالإجماع على المسودة الأصلية في 11 آب/ أغسطس 1928. وردًا على هذا التحدي الوطني، اتخذ بونسو سلسلة إجراءات قمعية شملت:
- تعطيل الجمعية التأسيسية لمدة ثلاثة أشهر.
- تمديد التعطيل لأجل غير مسمى اعتبارًا من 5 شباط/ فبراير 1929.
- حل الجمعية نهائيًا في 14 أيار/ مايو 1930 قبل أن يعود ويفرض الدستور قسرًا في 22 أيار/ مايو 1930، بعد تعديل المواد التي تحفظت عليها فرنسا[10].
النشاط المناهض للانتداب
انخرط فائز الخوري في الحراك الوطني المناهض للانتداب، حيث شارك في الإضراب الستيني الذي دعت إليه الكتلة الوطنية عام 1936، ونتج عن مواقفه السياسية فصله من الهيئة التدريسية في الجامعة السورية. وفي العام ذاته انتُخب نائبًا عن مدينة دمشق في البرلمان السوري، ونال ثقة زملائه بانتخابه نقيبًا للمحامين، وظل في هذا المنصب النقابي حتى 26 تموز/ يوليو 1938، تاريخ تقلده وزارة الاقتصاد الوطني في حكومة جميل مردم بك، واستمر في منصبه حتى استقالة الحكومة في 23 شباط/ فبراير 1939[11].
عُين فائز الخوري وزيرًا للخارجية والمالية في حكومة الرئيس لطفي الحفار التي تشكلت عقب استقالة حكومة مردم بك، وخلال هذه المرحلة القصيرة والمفصلية قاد الحفار مفاوضات مع الحكومة الفرنسية للتصديق على معاهدة عام 1936، التي أوصلت الكتلة الوطنية إلى الحكم، غير أن مساعيهما لم تنجح. واجهت حكومة الحفار تعنتًا فرنسيًا حال دون تحقيق اختراق في ملف المعاهدة، ما أدى إلى انسداد الأفق السياسي. وبناءً على ذلك، قدمت الحكومة استقالتها للرئيس هاشم الأتاسي في 5 نيسان/ أبريل 1939، إيذانًا بنهاية مرحلة مهمة من محاولات التثبيت الدستوري للاستقلال[12].
وزيرًا للخارجية
عقب سقوط الحكم الوطني واستقالة الرئيس الأتاسي في تموز/ يوليو 1939، قبل شهرين من اندلاع الحرب العالمية الثانية، عاد فائز الخوري إلى الحقل الأكاديمي، وأصبح عميدًا لكلية الحقوق عام 1940[13]، قبل أن يستأنف نشاطه السياسي في أيلول/ سبتمبر 1941 وزيرًا للخارجية في حكومة حسن الحكيم في عهد الرئيس تاج الدين الحسني، ممثلًا عن الكتلة الوطنية التي قبلت المشاركة في الحكم بناءً على الضمانات البريطانية بنيل الاستقلال[14].
وخلال هذه المرحلة دُمجت جبال العلويين والدروز مع الوطن الأم، ودعا الرئيس الحسني إلى احتفال كبير في السراي بمناسبة الوحدة والاستقلال، استقبل فيه فائز الخوري ممثلين عن مصر، والسعودية والعراق، وإيران، إضافة إلى الجنرال إدوارد سبيرز، أول وزير مفوض بريطاني إلى سورية. وفي 27 أيلول/ سبتمبر 1941، أبرق الخوري إلى عواصم العالم، معلنًا انتهاء الانتداب بشكل رسمي، وفقًا لما جاء في بيان جورج كاترو في صيف عام 1941 وكلام رئيس الحكومة البريطانية ونستون تشرشل في مجلس العموم في شهر أيلول/ سبتمبر من العام نفسه[15].
استمر الخوري في منصبه حتى استقالة حكومة الحكيم في 17 نيسان/ أبريل 1942، ليُكلَّف بحقيبتي الخارجية والمالية معًا في حكومة حسني البرازي (18 نيسان/ أبريل–8 كانون الثاني/ يناير 1943). توفي الرئيس الحسني في 17 كانون الثاني/ يناير، بعد أيام من تعيين جميل الألشي رئيسًا للحكومة، وقد سُمّي فيها فائز الخوري وزيرًا للخارجية للمرة الثالثة حتى 25 آذار/ مارس 1943. وقد أثار تقاربه مع الرئيس الحسني وتوقيعه على بيان استعادة البرلمان المُنحلّ عام 1939 خلافات مع بعض أقطاب الكتلة الوطنية، سعيًا منه لإضفاء الشرعية الدستورية على الحكم في تلك المرحلة الحرجة[16].
وزيرًا مفوضًا في موسكو
شهد عام 1943 تحولًا جذريًا في مسيرة فائز الخوري المهنية، فبعد انتخاب شكري القوتلي رئيسًا للجمهورية وإعادة انتخاب شقيقه فارس الخوري رئيسًا للمجلس النيابي في 17 آب / أغسطس، وقع الاختيار على فائز ليكون أول وزير مفوض للجمهورية السورية لدى الاتحاد السوفيتي. قدم الخوري أوراق اعتماده رسميًا إلى السوفياتي جوزيف ستالين، في حقبة اتسمت ببداية التغلغل السوفياتي في منطقة الشرق الأوسط. وقد هدفت هذه البعثة إلى حشد الدعم الدولي لاستقلال سورية التام، مستغلةً التنافس القائم بين القوى العظمى والاتحاد السوفياتي الساعي لتقويض النفوذ الفرنسي في المشرق العربي[17].
بين واشنطن ولندن
بعد جلاء الفرنسيين عن سورية في 17 نيسان/ أبريل 1946، صدر مرسوم من الرئيس شكري القوتلي بتسمية فائز الخوري وزيرًا مفوضًا في واشنطن، وعضوًا في وفد سورية الدائم إلى الأمم المتحدة، الذي كان يرأسه فارس الخوري، وهناك التقى بالرئيس الأمريكي هاري ترومان، وقدّم اعتراضًا رسميًا إلى الحكومة الأمريكية على دعمها لـقرار تقسيم فلسطين، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947. وهو العام الذي أصبح فيه رئيسًا لوفد سورية إلى الأمم المتحدة وممثلها في البنك الدولي[18].
بقي فائز الخوري في واشنطن حتى عام 1952، ولم تطُله التسريحات التعسفية التي حصلت في وزارة الخارجية خلال مرحلة الانقلابات العسكرية (1949-1951). عيّنه رئيس الدولة فوزي سلو سفيرًا في لندن عام 1952، وبقي في منصبه حتى شهر كانون الأول/ ديسمبر 1955.[19]
الوفاة
منذ عودته من لندن ابتعد فائز الخوري عن العمل السياسي، وعاش في عزلة بعد انتحار ابنه فواز عام 1957، بإطلاق الرصاص على نفسه في أحد فنادق واشنطن وهو في العشرين من عمره، حيث كان يدرس الهندسة في معهد فرجينيا العسكري[20]. وتوفي فائز في دمشق يوم 27 حزيران/ يونيو 1959، وكتب فارس الخوري في يومياته معلقًا: "موت فائز... وا أسفاه!"[21].
مؤلفاته وترجماته
- الحقوق الرومانية (دمشق: المطبعة الحديثة، 1920).
- أصول استماع الدعوى الحقوقية (دمشق: تحقيق مطبعة الترقي، 1923).
- مقابلة بين الحقوق الرومانية الحقوق الإسلامية والفرنسية والإنكليزية (دمشق: المطبعة الحديثة، 1924).
- موجز الحقوق الجزائية (ترجمة: المطبعة الحديثة، 1927).
- دروس مستعجلة في الحقوق المدنية الأوروبية (دمشق: مطبعة التوفيق،1927).
- الحقوق الجزائية (دمشق: مطبعة الترقي، 1931).
المراجع
العربية
الكزبري، سلمى الحفار. لطفي الحفار: مذكراته، حياته وعصره. لندن: دار رياض نجيب الريس، 1997.
الحكيم، حسن. مذكراتي: صفحات من تاريخ سورية الحديث. بيروت: دار الكتاب الجديد، 1965.
خوري، كوليت. أوراق فارس الخوري. ج 1. دمشق: دار طلاس، 1989.
__________. أوراق فارس الخوري. ج 3. دمشق: وزارة الثقافة السورية، 2015.
فارس، جورج. من هم في العالم العربي. ج 1. دمشق: مكتب الدراسات السورية والعربية، 1957.
الكيالي، عبد الرحمن. المراحل في الانتداب الفرنسي وفي نضالنا الوطني من عام 1926 حتى نهاية عام1939. ج 1. حلب: مطبعة الضاد، 1958.
الأجنبية
The National Archives (TNA) 371/3435, volume 13074, Hole (Beirut) to Chamberlain (London), 12 June 1928.
Khoury, Philip S. Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism 1920-1945. New Jersey: Princeton University, 1987.
Moubayed, Sami. Steel & Silk: Men and Women Who Shaped Syria1900-2000. Seattle: Cune Press, 2005.
[1] كوليت خوري، أوراق فارس الخوري، ج 3 (دمشق: وزارة الثقافة السورية، 2015)، ص 133.
[2] كوليت خوري، أوراق فارس الخوري، ج 1 (دمشق: دار طلاس، 1989)، ص 84.
[3] المصدر نفسه، ص 148.
[4] المصدر نفسه.
[5] جورج فارس، من هم في العالم العربي، ج 1 (دمشق: مكتب الدراسات السورية والعربية، 1957)، ص 230.
[6] عبد الرحمن الكيالي، المراحل في الانتداب الفرنسي وفي نضالنا الوطني من عام 1926 حتى نهاية عام 1939، ج 1 (حلب: مطبعة الضاد، 1958)، ص 187.
[7] The National Archives (TNA) 371/3435, volume 13074, Hole (Beirut) to Chamberlain (London), 12 June 1928.
[8] الكيالي، ص 100-102.
[9] المرجع نفسه.
[10] Philip S. Khoury, Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism 1920-1945 (New Jersey: Princeton University, 1987), p. 340.
[11] فارس، مرجع سابق.
[12] سلمى الحفار الكزبري، لطفي الحفار: مذكراته، حياته وعصره (لندن: دار رياض نجيب الريس، 1997)، ص 281-283.
[13] فارس، ص 40-43.
[14] Sami Moubayed, Steel & Silk: Men and Women Who Shaped Syria1900-2000 (Seattle: Cune Press, 2005), pp. 414-415.
[15] حسن الحكيم، مذكراتي: صفحات من تاريخ سورية الحديث (بيروت: دار الكتاب الجديد، 1965)، ص 6-9.
[16] فارس، ص 43.
[17] المرجع نفسه، ص 40-43.
[18] المرجع نفسه.
[19] المرجع نفسه.
[20] Associated Press Wirephoto (October 1957).
[21] خوري، مرجع سابق، ج 1، ص 35.