إستر عبد الله أزهري مويال (1873-1948) كاتبة صحافية لبنانية من مدينة بيروت، اشتهرت بمقالاتها السجالية مع دعاة التمييز ضد المرأة في صحف بيروت ومجلاتها. شغلت منذ عام 1892 منصب كاتبة رسائل [أي أمينة سر] في جمعية باكورة سورية النسائية؛ ولذلك سمّاها مؤتمر النساء العالمي عام 1893 عضوًا في لجنته الصحافية، وتطورت أفكارها بشكل كبير بعد تعرفها على المصلح المصري عبد الله النديم (1845-1896)، في مدينة إسطنبول عام 1894، إذ أصبحت تربط دعواتها النسوية الليبرالية بتأسيس نهضة حضارية عربية تسهم فيها المرأة مناصفة مع الرجل.
حياتها
وُلدِت إستر بنت عبد الله أزهري في مدينة بيروت عام 1873 لعائلة يهودية سفاردية مهاجرة من الأندلس. استقرت في سوريا العثمانية، وكان والدها تاجر حرير أراد تنشئة ابنته تنشئة عربية، فقد حفظت القرآن الكريم بقراءاته السبع، ودرست الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، ثم درست عام 1884 اللغتين العربية والإنكليزية، ثم حصلت على شهادة المدرسة الأميركية للبنات عام 1890، لتدرّس بعدها اللغة العربية في مدارس تابعة لبعض البعثات التبشيرية[1].
انضمت أزهري عام 1891 إلى جمعية باكورة سورية، أولى الجمعيات النسائية في سوريا العثمانية، فشغلت عام 1892 منصب كاتبة رسائل الجمعية، أي أمينة سر بالتسمية الحالية[2]. وفي عام 1893 وصلتها دعوة للمشاركة في مؤتمر النساء العالمي في شيكاغو، لتكون عضوًا في لجنة الصحافة هناك، ولكنها لم تسافر بسبب مجموعة اشتراطات أرسلتها إلى رئيسة المؤتمر بيرثا هونوريه بالمر (Bertha Honoré Palmer، 1849- 1918)[3].
بعد زواجها من الطبيب اليهودي الفلسطيني شمعون يوسف مويال (1866–1915) عام 1894، انتقلت إلى إسطنبول لحصول زوجها على ترخيص لممارسة المهنة، وهناك تعرفت على المفكر المصري عبد الله النديم المنفي في عاصمة الدولة العثمانية بسبب اتهامه بالمشاركة في الثورة العرابية، ونشأت بينهما صداقة عميقة، فسمّت ابنها الوحيد عبد الله النديم مويال باسمه[4].
هاجرت أزهري وعائلتها إلى مصر عام 1899 لتؤسس مجلة العائلة التي كانت تصدر مرتين في الشهر حتى أُغلِقت عام 1902، لتعاود إصدارها عام 1904 بوصفها صحيفة. وبعد انقلاب جمعية الاتحاد والترقي على السلطان عبد الحميد الثاني (1842- 1918) عام 1908، عادت أزهري وزوجها إلى فلسطين، واختارا الإقامة في مدينة يافا، حيث نشطا في الدفاع عن الرابطة العثمانية، والرد على الادعاءات الصهيونية في تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين. وعملت في صحيفة الأخبار التي غادرتها في ما بعد بسبب ميول إدارتها الاستيطانية، فأصدرت بعد ذلك بالتعاون مع زوجها صحيفة صوت العثمانية باللغة العربية، ولكن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 أُغلِقت الجريدة، وجُنِّد زوجها طبيبًا عسكريًّا في الجيش العثماني، فقُتل بعد عام، وإثر ذلك غادرت إلى مدينة مرسيليا الفرنسية، واعتزلت الناس ما يقرب عقدين من الزمن[5]، لتعود في بداية الحرب العالمية الثانية إلى يافا بعد أن تقدمت في السن، فأقامت في حي عربي إلى أن توفيت قبيل نكبة فلسطين عام 1948[6].
أفكارها النسوية
دعت أزهري إلى المساواة بين الرجل والمرأة، بما في ذلك حق العمل خارج المنزل، وعبرت عن أفكارها تجاه ذلك بوضوح، إذ يظهر ذلك من خلال ردها على الطبيب أمين خوري الذي عارض فكرة المساواة بين الرجل والمرأة، مدللًا على أفكاره بمزاعم حول محدودية عقل المرأة، ووجود فروقات بيولوجية تجعل الرجل متفوقًا بطبيعته عليها[7]. وغلب على ردها السخرية من حججه الواهية الضعيفة، مثل وضعه المرأة في مرتبة متساوية مع الخيول والحمير والكلاب، وعبّرت عن دهشتها من ادعاءاته بأن عقل المرأة محدود في دائرة محصورة، مؤكدة أنها تعرف نساء كثيرات لا ينطبق عليهن وصفه، وقد عددت أسماء نساء ناجحات في العالم، وأرجعت سبب تخلف أوضاع المرأة العربية إلى منعها من التعليم، وازدراء الرجال إياها[8].
عمّقت أزهري أفكارها حول تحرر المرأة بدءًا من عام 1899 في افتتاحيات مجلة العائلة، فأكدت على أن المرأة تمتلك إرادة حرة وضميرًا حيًّا، وهي مساوية للرجل رغم خصوصياتها الجسمانية لها التي تجعل الرجل متفوقًا عليها عضليًّا، بينما تتفوق المرأة عليه في رهافة المشاعر ودقة الرؤية، وتقول إن المرأة في حال حصلت على فرصة مساوية للرجل في التعليم، فإنها ستضاهيه في كل شيء[9]. وكذلك عبّرت كذلك عن أفكارها الداعية إلى خروج المرأة من منزلها، وتحقيق ذاتها خارج نطاق الأسرة في ثلاث مقالات نشرتها في مجلة الحسناء بين عامي 1910 و1912، دعت فيها إلى حق المرأة بالانخراط في الحياة العامة والاقتصاد، مشيرة إلى أن إسهاماتها ضرورية لتحقيق نهوض الأمة، وأن إقصاءها عن الحياة العامة هو في الواقع إحدى العقبات الأساسية أمام تقدم الشرق. وكانت أزهري تميِّز بين مسألتين على صعيد التأثر بالغرب، فهي تمتدح نجاح الأوروبيين في تحقيق المساواة بين النساء والرجال، ولكنها في الوقت نفسه تدعو العرب إلى التمسك بعاداتهم الإيجابية وخصوصيتهم الحضارية[10].
أفكارها القومية
آمنت أزهري بقيم الحرية والعدالة والمساواة، وفصَلت الانتماء الديني عن الانتماء المدني، واعتدَّت بالثقافة العربية، واعتبرتها المظلة التي تجمع السوريين بمختلف طوائفهم، ضمن اتحاد عثماني، وهي فكرة كانت تتبناها النخب العربية في سوريا العثمانية والعراق قبل الحرب العالمية الأولى. وقد طالبت أزهري الفتيات، في خطاب ألقته عام 1911 في المدرسة الأميركية للبنات، بأن يميزن أنفسهن بدراسة الطب، والقانون، والعلوم، والموسيقى، والفنون، وذكَّرتهن جميعًا بأنهن عربيات سوريات، وأن معرفتهن بالإنكليزية أو الفرنسية لا تجعل منهن إنكليزيات أو فرنسيات، وأكدت على ضرورة تعلم اللغة العربية، وتحبيبها لأطفالنا، وإشباعهم بالرغبة في حفظ قصائد الشعر العربي وأمثال حكمائنا، داعية إلى تأسيس حضارة عربية شرقية تسهم فيها المرأة مناصفة مع الرجل[11].
المراجع
العربية
ابن حنينا، يهوشع. "الكاتبة أستير مويال ووفاتها". صدى الشرق. القسم الأول. 17/9/1944.
أزهري، إستر. "جمال الزواج وجمال الأم". الحسناء. ج 2. مج 2 (آب/ أغسطس 1910).
________. "المرأة والتجارة". الحسناء. ج 3. مج 2 (أيلول/ سبتمبر 1910).
________. "خطاب". الحسناء. ج 1. مج 3 (تشرين الأول/ أكتوبر 1911).
________. "نهضتنا". الحسناء. ج 9. مج 3 (حزيران/ يونيو 1912).
________. "هل للنساء أن يطلبن كل حقوق الرجال". الهلال. ج 14. السنة 2 (15 آذار/ مارس 1894).
خلف، تيسير. الحركة النسائية المبكرة في سوريا العثمانية: تجربة الكاتبة هنا كسباني كوراني (1892-1896). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.
خوري، أمين. "هل للنساء أن يطلبن كل حقوق الرجال". الهلال. ج 12، السنة 2 (15 شباط/ فبراير 1894).
دي طرازي، فيليب. تاريخ الصحافة العربية، ج 4: يحتوي على جميع فهارس الجرائد والمجلات العربية في الخافقين مذ تكوين الصحافة العربية إلى نهاية عام 1929. بيروت: المطبعة الأميركانية، 1933.
نوفل، هند. "مراسلات الجهات". الفتاة. السنة الأولى، العدد 5. 1 نيسان/ أبريل 1893.
الأجنبية
Levy, Lital. "Partitioned Pasts: Arab Jewish Intellectuals and the Case of Esther Azhari Moyal (1873-1948)." in: Dyala Hamzah (ed.). The Making of the Arab Intellectual: Empire, Public Sphere and the Colonial Coordinates of Selfhood. New York: Routledge, 2012.
[1] يهوشع بن حنينا، "الكاتبة أستير مويال ووفاتها"، صدى الشرق، القسم الأول، 17/9/1944، ص 17.
[2] هند نوفل، "مراسلات الجهات"، الفتاة، السنة الأولى، العدد 5، 1 نيسان/ أبريل 1893، ص 288.
[3] تيسير خلف، الحركة النسائية المبكرة في سوريا العثمانية: تجربة الكاتبة هنا كسباني كوراني 1892-1896 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 31.
[4] ابن حنينا، ص 17.
[5] فيليب دي طرازي، تاريخ الصحافة العربية، ج 4: يحتوي على جميع فهارس الجرائد والمجلات العربية في الخافقين مذ تكوين الصحافة العربية إلى نهاية عام 1929 (بيروت: المطبعة الأميركانية، 1933)، ص 287.
[6] Lital Levy, "Partitioned Pasts: Arab Jewish Intellectuals and the Case of Esther Azhari Moyal (1873-1948)," in: Dyala Hamzah (ed.), the Making of the Arab Intellectual: Empire, Public Sphere and the Colonial Coordinates of Selfhood (New York: Routledge, 2012), pp. 151.
[7] عارض الطبيب اللبناني أمين خوري، المقيم في دمياط، فكرة المساواة بين الرجل والمرأة في رسالة نشرها في باب المراسلات في مجلة الهلال. يُنظر: أمين خوري، "هل للنساء أن يطلبن كل حقوق الرجال"، الهلال، ج 12، السنة 2 (15 شباط/ فبراير 1894)، ص 366-369. وقد قوبلت رسالته هذه بردود مضادة، وللاطلاع عليها يُنظر باب المراسلات في الأعداد 12، 14، 15، 17، 18، 19، 20 من المجلة نفسها.
[8] يُنظر: إستر أزهري، "هل للنساء أن يطلبن كل حقوق الرجال"، الهلال، ج 14، السنة 2 (15 آذار/ مارس 1894)، ص 438-440.
[9] Levy, p. 142.
[10] إستر أزهري، "جمال الزواج وجمال الأم"، الحسناء، ج 2، مج 2 (آب/ أغسطس 1910)، ص 58-61؛ إستر أزهري، "المرأة والتجارة"، الحسناء، ج 3، مج 2 (أيلول/ سبتمبر 1910)، ص 87-88؛ إستر أزهري، "نهضتنا"، الحسناء، ج 9، مج 3 (حزيران/ يونيو 1912)، ص 408-415.
[11] إستر الأزهري، "خطاب"، الحسناء، ج 1، مج 3 (تشرين الأول/ أكتوبر 1911)، ص 24-29.