الموجز
إريك ڤايل (Éric Weil، 1904-1977) فيلسوف ألماني- فرنسي، عمل، من خلال فلسفته، على بناء مشروع نسقي، انطلاقًا من فهم العلاقة القائمة بين العنف والعقل، بوصفها القضية الأساسية في التاريخ والوجود البشري. والأطروحة المركزية في فلسفته هي أن العنف هو الإمكانية المستمرة التي تتجلى في لحظة يشعر فيها الكائن البشري بالعجز عن تحصيل القدرة على البوح عن خبرته في سياق خطاب عقلي يُضفي عليها المعنى. وعليه، يتجسد دور الفلسفة الأساسي عنده في تشييد خطاب عقلي نقدي يمتلك القدرة على تحويل الخبرة البشرية، بما تمتلكه من تجارب حول الصراع والتاريخ، إلى ضرب من المعنى القابل للحوار والفهم.
على هذا الأساس، عمد ڤايل إلى بسط تمثل نسقي للفلسفة بوصفها عملًا تحليليًّا لمنطق الخطابات البشرية، إذ تتوالى وتتابع في التاريخ ضروب متباينة من التعبير عن الذات وعن العالم، بدايةً من الخطابات ذات الحمولة الأسطورية، والدينية، والسياسية، والأخلاقية، وصولًا إلى ضرب من الخطاب الفلسفي الذي يصل فيه العقل البشري إلى درجة من الوعي بذاته وبشرائط معناه. ووفق هذا التمثل الفلسفي يجمع ڤايل بين التاريخ والفلسفة والسياسة والأخلاق، إذ يعتقد بأن التاريخ البشري مساق يُفهَم باعتباره يترنح بين العنف من جهة، وإمكانية الحوار والعقلانية من جهة ثانية. ويصير العقل، بناءً على هذا الإطار، شرطًا أساسيًا وجوهريًا لبناء عالم بشري تشاركي يتحقق فيه الاعتراف المتبادل والحجاج والمعقولية، عوضًا عن القوة والإكراه.
حياته الشخصية والمهنية
وُلد ڤايل في بارشيم (Parchim) في ألمانيا، لأسرة يهودية ميسورة الحال. وبدأ مسيرته بدراسة الطب، ثم تحول عنها لدراسة الفلسفة. وتأثر ڤايل في نشأته
بالكانطية الجديدة {{الكانطية الجديدة (Neo-Kantianism) :تيار فلسفي ازدهر في ألمانيا منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى أوائل القرن العشرين، دعا إلى إحياء الفلسفة النقدية لإيمانويل كانط، وركّز على تحليل شروط المعرفة والقيم، بدلًا من الانشغال بقضايا الميتافيزيقا التأملية}}، وبقي أثرها معه، وأنجز أطروحته للدكتوراه تحت إشراف
إرنست كاسيرر (Ernst Cassirer، 1874-1945) عام 1928، وحملت عنوان: "مذهب الفيلسوف بييترو بومبوناتزي حول الإنسان والعالم" (Des Pietro Pomponazzi Lehre von dem Menschen und der Welt)[1].
لم ينفصل المسار الفكري لڤايل عن الاضطرابات التاريخية التي عاصرها، إذ تبلور نظامه الفلسفي برمته استجابةً للصراع المحوري في القرن العشرين بين العقل والعنف، وهو صراع كابده شخصيًا. وتلقى تكوينًا كانطيًا متينًا رسّخ إيمانه بالعقل، بيد أن هذا الإيمان اصطدم بالواقع الوحشي حين دفعه صعود النازية عام 1933 إلى الفرار نحو فرنسا. وفي مدينة باريس، وجد في حلقات
ألكسندر كوجيڤ (Alexandre Kojève، 1902-1968) حول
فريدريش هيغل (Friedrich Hegel، 1770-1831)، الأدوات الديالكتيكية والتاريخية اللازمة لتنظير هذا الصراع. وكان قد شهد هذه الحلقات عدد من الفلاسفة، أمثال:
جاك لاكان (Jacques Lacan، 1901-1981)، وميشيل ليريس (Michel Leiris، 1901-1990)، وجان إيبلويت (Jean Hyppolite، 1907-1968)، وجان ڤال (Jean Wahl، 1888-1974)، وريمون بولان (Raymond Polin، 1910-2001)، وريمون كينو (Raymond Queneau، 1903-1976)، وجورج باتاي (Georges Bataille، 1897-1962)[2].
الفيلسوف الروسي-الفرنسي ألكسندر كوجيف (1902-1968).
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
واتخذ التزامه ضد العنف شكلًا ملموسًا خلال الحرب العالمية الثانية (1939–1945)، حين التحق بالجيش الفرنسي بمجرد حصوله على الجنسية الفرنسية عام 1938، غير أنه سرعان ما وقع أسيرًا لدى قوات ألمانيا النازية في حزيران/ يونيو 1940، حيث مكث في الحبس لمدة خمسة أعوام حتى عام 1945. وهي الفترة التي شهدت مقتل والدته وشقيقته في معسكرات الاعتقال[3]. وعقب انتهاء الحرب، شرع ڤايل في مسيرة أكاديمية مرموقة، إذ عُيّن في المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS) عام 1945، قبل أن يصبح أستاذًا في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا (EPHE) في العام الذي تلاه. وشغل، لاحقًا، مناصب الأستاذية في جامعة ليل (Université de Lille) (1956-1968)، ثم في جامعة نيس (Université de Nice) التي ظل فيها منذ عام 1968 حتى وافته المنية. وقد تكللت هذه الحقبة بنشر أعماله المنهجية الكبرى، وأبرزها
هيغل والدولة (Hegel et l'État) (1950)[4]، وعمله الرئيس
منطق الفلسفة (1950)[5]، والفلسفة السياسية(1956)[6]، والفلسفة الأخلاقية (1961)[7]، ومشكلاتكانطية (1963)[8].
غلاف الطبعة الثانية من كتاب منطق الفلسفة، لإريك ڤايل (1967).
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
فلسفته
يتأسس المشروع الفلسفي لدى إريك ڤايل على مسألة تشخيص المحنة التي تُغالب الإنسان في الأزمنة الحديثة، وذلك في سياق الرابطة المضطربة القائمة بين العنف والعقل. ففلسفة ڤايل تُموضع مفارقة الإنسان الحديث (Le paradoxe de l'homme moderne) في جوهر اهتمامها، وترى أن هذا الكائن يمتلك الأهلية على استعمال عقله والقدرة على البوح بخبراته من خلال الخطاب (Le Discours) من ناحية، ويُجابه في الوقت نفسه مشكلة اعتماد طريق العنف (violence) في اللحظة التي يقع فيها عاجزًا عن تحوير تلك الخبرة إلى ضرب من المعنى (Le Sens) يُمكنه من التواصل مع الآخرين وتوطيد العلاقة معهم. فالكائن البشري وفق منظور هذا الفيلسوف يمتلك الأهلية لدخول عالم المعنى من خلال أدوات الحوار والخطاب والتبرير، لكنه يبقى، في الآن عينه، في مجابهة مستمرة مع إمكانية السقوط في مسالك العنف، في كل لحظة يعجز فيها عن صياغة خبراته وتجاربه في تخلق أمثلة لمعنى تشاركي يمتلك القابلية للمناقشة والفهم والحوار.
والعنف، من منظور ڤايل، هو احتمالية مستمرة موازية أو محايثة لوجود الحرية البشرية عينها، بحكم أن هذه الحرية تفسح المجال أمام الكائن البشري لأن يسلك مسلكين متقابلين: المسلك الأول يمنحه القدرة على ولوج عالم المعنى عبر الحوارات (Les Dialogues) والتبريرات/ التسويغات العقلانية (Justifications rationnelles)؛ أما المسلك الثاني فيتمثل في إمكانية الانسحاب من هذا العالم، والارتماء في أحضان منطق الإكراه، واستعمال القوة. ولهذا يصير سؤال الفلسفة عند إيريك ڤايل معياريًا وعمليًا في الوقت نفسه، ويتناول معرفة الكيفية التي يُمكن للعقل من خلالها التأسيس لنظام حول المعنى يضع حدًّا للعنف، من دون أن يدحر حرية الإنسان، أو أن يتحول هو عينه إلى ضرب جديد من العنف باسم العقل والعقلانية[9].
ويعتقد ڤايل أن الفلسفة هي في جوهرها عبارة عن تحليل لمنطق الخطابات (La logique des discours) التي يتلفظ بها الإنسان، ويستطيع من خلالها تكوين قدرة على فهم نفسه والعالم المحيط به. فالخطابات عند الإنسان هي دروب في الفهم والوجود، ولكل ضرب من الخطاب مفاهيمه المركزية ومقاييسه التي تجعل للخبرة البشرية قابلية التبرير (La Justifiabilité) والنعت (La Qualification) والتفسير (L'Explication). ولهذا يُقدم ڤايل قراءة للفكر البشري بوصفه مسارًا تتوالى فيه أنماط متباينة من العقل تتنافس على تقديم تفسيرات عن العالم. وترتقي الفلسفة، بوصفها فعلًا نقديًا يتقصى منطق الخطابات الإنسانية ويفكِّك مختلف أنواعها التاريخية، من الدين والأسطورة والأخلاق والسياسة إلى الخطاب الفلسفي الذي يصعد فيه العقل إلى مصاف الوعي بنفسه وبشرائط اشتغاله. ويُعامل ڤايل هذه الخطابات من ناحية بيان كيفيات نشأتها، التي يُرجعها بالأساس إلى نوع من التوتر الداخلي بين الحاجة الملحة إلى المعنى ومجابهة العنف، وبحث الكيفية التي يحصل فيها الانتقال التاريخي، عندما يكون خطاب معين قاصرًا عن تحصيل خبرة عصره أو السعي لتبريرها[10]. ويرى أن التاريخ الإنساني لا يتجلى بوصفه تقدمًا خطيًا، وإنما هو في الأساس ساحة للصدام المستمر بين إمكانات العقل وإغراءات العنف، بين إمكانية العيش في عالم مبني على الاعتراف المتبادل أو الوقوع في براثن الغلبة والإكراه.
فالعنف، عند الفيلسوف ڤايل، ليس مجرد اعتماد للقوة المباشرة، وإنما هو في جوهره عملية رفض قاطع للمعنى، ومُجابهة لكل طريق يسلك ميدان البرهنة وتحمل المسؤولية. فهذا العنف ينأى عن ولوج فضاء المساءلة (L'Espace de la responsabilité) والحوار (Le Dialogue) وبسط الأسباب (Donner des raisons). وبناء على ذلك، يجمع ڤايل العقل بالحجاج (L'Argumentation)، بحكم أن العقل هو تلك القدرة على تقديم مبررات يستطيع الآخرون فهمها ومناقشتها. وحينما لا يتسنى للذات أن تُفصح عن خبرتها أو أن لا تجد لغة تشاركية (Le langage commun) مع غيرها، قد تجد في العنف ملمحًا إغرائيًا لكونه يقدم حسمًا سريعًا للنزاع والصراع، من دون أي حاجة إلى الإقناع. وبذلك يسلك مفهوم بناء الخطاب لدى ڤايل معنى يمتلك حمولة أخلاقية وسياسية، من منطلق أن أي ترسيخ للغة تشاركية ومقاييس للتبرير هو بمنزلة الشرط اللازم لعملية تقليص العنف الذي يتعاظم حينما تُصفّد أبواب المعنى ويقطع دابر النقاش والحوار[11].
ووفقًا لما سبق ذكره، تتجلى الأخلاقيات لدى ڤايل بوصفها أخلاقيات نحو "الاعتراف بالعقل" (La reconnaissance de la raison). فالواجب الأخلاقي المتين هو بالأساس عملية اختيار الانتساب إلى عالم المعنى، بحيث تكون الأفعال الصادرة عن الكائن البشري قابلة للتبرير أمام الأغيار، وتُفهم الحرية بوصفها إمكانية تحمُّل المسؤولية وشرط أن يأخذ الإنسان على عاتقه الأسباب التي يسوقها عن أفعاله. وعلى هذا الأساس، يعمد ڤايل إلى إعادة قراءة القيم التي تتغنى بها الحداثة، مثل العدالة والحرية والكرامة. فالحرية، عنده، تُقاس، وفقًا لمقدرة الفاعل على تحويل بواعثه إلى أسباب قابلة للنقاش وتكون مفهومة. أما العدالة فتُقاس وفقًا لمنحى إمكانية تعميم التبرير في سياق أفق إنسانوي رحب[12].
والسياسة، عند ڤايل، هي الميدان الذي يتعاضد فيها النزاع بين العقل والعنف. فالدولة تُعد السياق والإطار المؤسسي الذي يسعى إلى نقل الصراعات من العنف نحو الإجراءات والقواعد والنقاشات العمومية. ومع ذلك تبقى السياسة في حالة تأهبٍ دائمٍ لأن يطالها الانقلاب والنكوص نحو العنف، في الحالات التي تصير فيها السلطة بمنزلة الغاية في حد ذاتها، أو يُحول الفضاء العام إلى وسائل للدعاية والسيطرة. ولهذا يُشدِّد ڤايل على مسألة مهمة مفادها أن العقل السياسي هو بالأساس عقل معياري يتقصى البحث عن شرعية تمتلك القابلية للتبرير ويجعل من القوة ميدانًا خاضعًا لمطلب المعنى. وبذلك تتجلى أهمية ومركزية فكرة السلام (La centralité de l’idée de paix) عند ڤايل، التي لا تعني غياب أو انتهاء الحروب، بل قيام شرائط خطابية ومؤسسية تجعل حل الصراع ممكنًا، من دون أن يُقصى الآخر أو يُعمل على إخضاعه عبر القوة الغاشمة[13].
غلاف كتاب الفلسفة السياسية (Philosophie politique)، لإريك ڤايل.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
كان مشروع ڤايل الفلسفي برمته محاولة لاكتناه التاريخ البشري، من خلال عمل دؤوب وسعي دائم نحو إسباغ المعنى على الخبرة البشرية، وتشييد نظام عقلنة للخطاب يمنح للكائن البشري إمكانية وقدرة على مُجاوزة العنف وإحقاق إمكانيات الحرية. فهو مسعى نحو تشييد مسلك كونية غير مغلقة (L’universalité non close)، لا تبنى على رؤى ميتافيزيقية، وإنما تتأسس على دعامة حاسمة مفادها أن يمتلك المعنى القابلية للمشاركة. فالبشرية أو الإنسانية تُعرف لديه بناءً على إمكانيتها وقدرتها على المعيش ضمن فضاء خطاب يأخذ بالأسباب ويتقبل الاختلافات والتباينات ما دام قابلًا للحوار والفهم. وفي المقابل من ذلك، يبقى العنف تهديدًا مستمرًّا لإحقاق هذه الكونية، كونه يقطع دابر إمكانية التشارك، ويقيم العلاقات البشرية على أساس منطق الغالب. لهذا يبسط ڤايل تصوُّرًا لفلسفة قاتمة بمنحى التاريخ، ويموضع العقل في صورة تيقظ دائم، لأن هذا الأخير مشروع يُبنى ويُحطَّم في الآن عينه. وعملية الاختيار لصالحه لا تكون دومًا طريقًا أو مسلكًا حتميًا نحو التقدم، وإنما هو قرار سياسي وأخلاقي يحكمه التجديد المستمر[14].
المراجع
العربية
وايل، إريك.
هيجل والدولة، ترجمة نخلة فريفر. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 2007.
الأجنبية
Canivez, Patrice.
Éric Weil. Paris: Les Belles Lettres, 2004.
Kirscher, Gilbert. “Éric Weil: A Biography.” Eric Weil Institute. at:
https://acr.ps/hBxQIyP
Perine, Marcelo.
Philosophie et violence: Sens et intention de la philosophie d’Éric Weil. Paris: Beauchesne, 1991.
Weil, Éric.
Logique de la philosophie. Paris: Librairie Philosophique J. Vrin, 1950.
______.
Philosophie politique. Paris: Librairie Philosophique J. Vrin, 1956.
______.
Philosophie morale. Paris: Librairie Philosophique J. Vrin, 1961.
______.
Problèmes Kantiens. Paris: Librairie Philosophique J. Vrin, 1963.
[1] Gilbert Kirscher, “Éric Weil: A Biography,” Eric Weil Institute, accessed 1/7/2025, at:
https://acr.ps/hBxQIyP
[2] Ibid.
[3] Ibid.
[4] إريك وايل،
هيجل والدولة، ترجمة نخلة فريفر (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 2007).
[5] Éric Weil,
Logique de la philosophie (Paris: Librairie Philosophique J. Vrin, 1950).
[6] Éric Weil,
Philosophie politique (Paris: Librairie Philosophique J. Vrin, 1956).
[7] Éric Weil,
Philosophie morale (Paris: Librairie Philosophique J. Vrin, 1961).
[8] Éric Weil,
Problèmes Kantiens (Paris: Librairie Philosophique J. Vrin, 1963).
[9] Weil,
Logique de la philosophie, p. 415;
كما يُنظر أيضًا:
Marcelo Perine,
Philosophie et violence: Sens et intention de la philosophie d’Éric Weil (Paris : Beauchesne, 1991), p. 153.
[10] Weil,
Logique de la philosophie, p. 77.
[11] Ibid., p. 16.
[12] Weil,
Philosophie morale, pp. 67, 70, 114.
[13] Weil,
Philosophie politique, pp. 33, 59, 286.
[14] Patrice Canivez,
Éric Weil (Paris : Les Belles Lettres, 2004), pp. 102-115