الموجز
إبكتيتوس (Ἐπίκτητος/ Epictetus، نحو 55-135)، فيلسوف رواقي من أصل يوناني، وُلد في مدينة هيرابوليس (Hierapolis) في آسيا الصغرى، وتتلمذ للرواقي غايوس موسونيوس روفوس (Gaius Musonius Rufus، ما بين 20 و30-101)، ثم غادر روما في إثر قرار دوميتيان (Domitian، حكم بين سنتَي 81 و96) نفيَ الفلاسفة، فأسّس مدرسته في نيقوبوليس (Nicopolis) بإقليم إبيروس، ومكث فيها معلّمًا حتى وفاته. لم يضع مصنَّفات بنفسه، وإنما وصل فكره عبر المحاورات (Discourses) والدليل أو المُختصر (Encheiridion)، وهما نصّان دوّنهما تلميذه لوسيوس فلاڤيوس أريانوس (Lucius Flavius Arrianus، ولد نحو 85-90 وتوفي نحو 160-180).
تقوم فلسفته على التمييز بين ما هو في قدرة البشر وما ليس في قدرتهم، وقد صاغ ثلاثة تمارين يرى أن اتّباعها بنجاح يُفضي إلى حياة سعيدة وطيبة، وهي: ضبط الرغبة والنفور، وضبط الانفعال، وضبط الحكم.
تركت تعاليمه أثرًا في ماركوس أوريليوس (Marcus Aurelius، 121–180) والمدرسة الرواقية. وامتد أثرها إلى الفلسفة الإسلامية عبر العلماء المسيحيين السريان. كذلك أثرت في الإنسانيين الأوروبيين ورينيه ديكارت (René Descartes، 1596–1650) وآخرين.
حياته وأعماله
وُلد إبكتيتوس نحو سنة 55 للميلاد في هيرابوليس، وهي مدينة يونانية رومانية تُعرَف اليوم باسم باموكالي (Pamukkale) التي تقع في جنوب غربيّ تركيا الحالية. وقد وُلد في الرِّق، وآلت ملكيته إلى إيبافروديتوس (Epaphroditus) الذي كان سكرتيرًا للإمبراطور نيرون (Nero، حكم بين سنتَي 54 و68). ومن ثمَّ، أُتيح له في طور مبكر أن يعيش تجربة الخدمة في البلاط الإمبراطوري الروماني في ظلّ حكمي نيرون ودوميتيان. وفي هذه الأثناء، تلقَّى إبكتيتوس تعليمه على يد الفيلسوف الرواقي غايوس موسونيوس روفوس، وقد كان لذلك أثر في تكوينه الفكري، وفي صوغ ملامح أسلوبه التعليمي لاحقًا.
أصدر دوميتيان في سنة 95 قرارًا بنفي الفلاسفة من إيطاليا، ما دفع إبكتيتوس إلى مغادرة روما، قاصدًا مدينة نيقوبوليس في غربيّ اليونان (ألبانيا اليوم)، حيث أسس مدرسته الخاصة، مستندًا إلى ما كان قد اكتسبه من مكانة وسمعة تعليمية، فتفرّغ لتدريس الفلسفة لجماعة من التلاميذ الشبان[1].
عاش إبكتيتوس في نيقوبوليس عيشةً بسيطة متقشّفة، متجنبًا مظاهر الزينة والتكلف، ومعتمدًا في معيشته على ما كان يتلقّاه من طلابه. ومكث في نيقوبوليس حتى وفاته، ويُرجَّح أنه لم يغادرها إلا في زيارات قصيرة إلى أثينا وأولمبيا. وقد أمضى معظم عمره في التدريس، وعاش زمنًا طويلًا أعزب، قبل أن يُروى عنه في شيخوخته أنه تبنّى رضيعًا كان مُعرَّضًا للهلاك، وأنه استعان بامرأة لتساعده في تربية الطفل[2].
لم يصل فكر إبكتيتوس في صورة مصنَّفات وضعها بنفسه، بل وصل من خلال المحاورات والدليل أو المُختصر (Encheiridion)، وهما النصَّان اللذان ارتبطا باسم تلميذه المؤرِّخ لوسيوس فلاڤيوس أريانوس الذي يُرجَّح أنه دوّنهما بعد سنة 108. وتمثِّل المحاورات المتن الرئيس لتعاليم إبكتيتوس، ولم يصل منها سوى أربعة مجلدات من أصل ثمانية أو أكثر يُرجَّح أنه كان يشتمل عليها. وقد صيغت المحاورات باليونانية العامية للحفاظ على حرارة الدرس الشفهي. وبذلك، تُعدّ هذه المحاورات شاهدًا على تعليم الرواقية في زمن مبكر[3].
فلسفته
يتمحور فكر إبكتيتوس حول التمييز بين ما هو في قدرة البشر وما ليس في قدرتهم، إذ يرى أن ما يقع تحت سلطان البشر هو ما ينبع من داخلهم، وهو الاختيار العاقل: الآراء والرغبات والنفور والأحكام التي يصدرها الإنسان على الانطباعات الحسّية. أما الجسد، والمال، والسمعة، والصحّة، فليست خيرًا أو شرًا في ذاتها، بل اختبارات يُظهر "الاختيارُ الحر" من خلالها فضيلته[4]. ولتحويل هذا المبدأ إلى ممارسة يومية، صاغ إبكتيتوس ثلاثة تمارين، يرى أنه متى اتبعها الطالب الرواقي بنجاح باتت حياته سعيدة وطيبة، والتمارين هي: ضبط الرغبة والنفور، وضبط الانفعال، وضبط الحكم (الإذعان للانطباعات)[5].
ويعني ﺑ"ضبط الرغبة والنفور" تحديد ما يستحق أن يرغب فيه الإنسان العاقل الذي يسعى إلى التميُّز. فبالنسبة إلى الرواقيين، الأمر الوحيد الذي يستحق الرغبة هو الفضيلة والأفعال التي تُفضي إليها، بوصفها "الخير الحقيقي". ويَعُدُّ إبكتيتوس هذا التمرين الأهم، لارتباطه المباشر بالانفعالات والعواطف، فلا تنشأ الاضطرابات والأسى والحسد -وفقًا له- إلا نتيجة لخيبة أمل رغبة الإنسان أو وقوعه فيما ينفر منه، الذي يجعله غير قادر على الاستماع إلى صوت العقل. وإن معظم الأمور التي يسعى إليها الإنسان، ويعتقد أنها ستجعل حياته أفضل، هي خارج سيطرته، ما يجعل تحقيقها مرهونًا بأيدي الآخرين أو القدر. وعندما تفشل مساعيه، يصاب بالإحباط أو الغضب. ويوضح إبكتيتوس ذلك بقوله: "تذكر أن الرغبة تتطلب حصولَك على ما أنت راغبٌ فيه، وأن النفور يتطلب تجنُّبك لما أنت نافرٌ منه؛ إن مَن يفشل في بلوغ الشيء الذي يرغب فيه هو مُحبَط، ومن يحيق به الشيء الذي يتجنبه فهو شقي"[6].
ويرى إبكتيتوس أن هذه الانفعالات هي المصدر الحقيقي الوحيد للشقاء الإنساني، ولذلك فإن التخلُّص من هذا الشقاء يرتبط عنده بألّا يضع الإنسان آماله في "الاحتياجات الخارجية"، بل في فضيلته الأخلاقية ورفعتها. وهذا لا يعني عند إبكتيتوس أنّ على الإنسان أن يتوقف عن السعي لتحقيق احتياجاته الخارجية مثل النجاح أو الصحة، بل إن تميُّز الإنسان يكمُن في "الفضيلة"، ومن ثمَّ، فإنه لن ينهار عند الفشل أو المرض. فهو يدرك أن الأمور ليست في يده، ويتعامل معها بوعي كامل. ويُعَدُّ ذلك الوجهَ العمليَّ لفكرة رواقية أعمّ، وهي أن الحياة الطيبة لا تتحقق بتكديس النتائج، بل بأن تصدر أفعال الإنسان عن الفضيلة: عن الصبر، والعدل، وضبط النفس، واللطف، والشجاعة، وسكينة النفس. فليس المهم -لدى الرواقيين- أن يطاوع العالمُ الإنسانَ دائمًا، بل أن يحافظ الإنسان على استقامة الفعل على الدوام.
أما ضبط الانفعال، فيرى إبكتيتوس أنه يرتبط بدوافع الإنسان إلى الفعل أو الإحجام عنه، أي بالطريقة التي يوجّه بها إرادته العملية ضمن ظروفه الخاصة، ومن ثَمَّ فإن القضية تتحول من السؤال عن نتائج الأفعال إلى أسئلة "كيف يمكننا اختيار أفعالنا؟"، و"ما الذي نبتغيه منها؟"، و"على أيّ نحو نؤدي دورنا بوصفنا كائنات عاقلة واجتماعية تتطلع إلى التميّز؟". فالنتائج عند إبكتيتوس ليست ضمن قدرة الإنسان على السيطرة، أما ميله إلى هذا الفعل دون غيره، وإلى هذا المقصد دون سواه، فهو يدخل في نطاق قدرته. ولهذا، شبّه الرواقيون الفعل برامي السهام، فهو ليس في وسعه أن يضمن إصابة المركز، لأن الريح قد تنحرف بالسهم، أو قد يختلّ القوس، غير أن ما يبقى في مقدوره هو جودة التصويب نفسها. فلا يُقاس النجاح، في المنظور الرواقي، بمجرد إصابة الهدف، بل بحسن التوجّه إليه، وبذل الوسع في ذلك أيضًا، فيغدو الإخفاق الخارجي -حسب هذا المنظور- غير ناقض لسلامة الفعل، ما دام الفعل قد صدر على الوجه الذي ينبغي له[7].
وعلى هذا الأساس، يرى إبكتيتوس أن أفعال الإنسان ينبغي ألّا تصدر عن الرغبة العارضة أو الهوى المنفلت، بل عن الالتزامات التي تترتب على هويته، وعلى روابطه الاجتماعية بالآخرين، وعلى الأدوار التي يشغلها في العالم. فيرى أن كون المرء ابنًا، أو أخًا، أو صديقًا، ليس مجرد اسم، بل هو تعيين لطائفة من الأفعال المناسبة، وأن الإنسان إذا نسي من يكون، أخفق، تبعًا لذلك، في إدراك ما ينبغي له أن يفعله. ومن ثمّ، فإن تحسين هذا الانضباط يقتضي -بحسبه- أمرين: وعيًا دائمًا بالدور الذي يؤديه الإنسان من جهة، ووعيًا بالأفعال اللائقة بهذا الدور من جهة أخرى.
أما "ضبط الحكم"، فيرى إبكتيتوس أنه يقوم على التمييز بين الانطباع الذي يَرِد على الإنسان، والتصديق الذي يمنحه إياه. فالانطباع في ذاته -وفقًا لإبكتيتوس- ليس سوى ما يعرض للنفس من صورة أو تمثّل أولي، أما التصديق فهو الخطوة التي يلتزم الإنسان فيها بهذا الانطباع، ويقرّر أنه يصف الواقع كما هو. وبعبارة أخرى، يرى إبكتيتوس أن المشكلة ليست في تعرض الإنسان للأشياء وتشكل انطباعات لديه نحوها، بل في الإسراع إلى صياغة أحكام حولها. وبذلك، يغدو ضبط الحكم -عنده- تمرينًا على إبطاء هذا الانتقال من التلقّي إلى الإقرار، أي على تعليق الحُكم من أجل تمحيص الصورة المعروضة على العقل. ولهذا، يؤكّد إبكتيتوس أنه ينبغي للإنسان ألّا يقبل أي انطباع قبولًا مباشرًا، بل عليه أن يستوقفه ويسأله، فهو يرى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في ورود الانطباعات، إذ ذلك مما لا يملك الإنسان دفعه دائمًا، وإنما يكمن في الأحكام المتسرّعة التي يضيفها الإنسان إليها، فيحوّل الواقعة إلى قيمة، والعارض إلى شرّ مطلق.
وبحسب إبكتيتوس، تتبدّى هنا الأهمية العملية لهذا الانضباط، إذ يرى أن فساد الحكم لا يقف عند مستوى النظر، بل ينسحب مباشرةً إلى "ضبط الرغبة والنفور" و"ضبط الانفعال". فإذا أخطأ الإنسان في تقدير الأشياء، رغب فيما لا يستحق الرغبة، ونفر مما لا يستوجب النفور، ثم صدر عنه، تبعًا لذلك، فعل غير مستقيم. ومن ثمّ، فهو يرى أن الحكم الصحيح هو الشرط الذي تتأسّس عليه الرغبة الصحيحة والفعل الصحيح، معًا. وبناءً عليه، فالحكمة العملية عنده لا تقوم على إلغاء الانطباعات، بل على تعلّم الحذر في استقبالها، والتوقف عن إصدار الحكم متى وُجد أدنى سبب للشك[8].
أثره
تأثر بتعاليم إبكتيتوس الفلسفية عدد من الأسماء، منها: الإمبراطور الفيلسوف ماركوس أوريليوس الذي أعاد صياغة كثير من مقولات إبكتيتوس في المحاورات وضمنها كتابه التأملاتMeditations[9]. أما في الفلسفة الإسلامية، فقد ذهب فهمي جدعان إلى أن لإبكتيتوس أثرًا، إذ يرى أن كتاباته كانت معروفة في العالم الإسلامي من خلال العلماء المسيحيين السريان. ويظهر هذا الأثر على نحو خاص عند الكندي ورسالته الحيلة لدفع الأحزان[10].
ومع نشر ترجمة أنغلو بوليتسيانو (Angelo Poliziano، 1454–1494) لكتاب المُختصر إلى اللاتينية سنة 1497، انتشر الكتاب في أديرة أوروبا. ورأى إنسانيّو القرن السابع عشر، مثل غيوم دو ڤير (Guillaume Du Vair، 1556–1621)، ويوستوس ليبسيوس (Justus Lipsius، 1547–1606)، وتوماس غاتاكر (Thomas Gataker، 1574–1654)، أنّ رواقية إبكتيتوس تلامس جوهر المسيحية، في حين حذّر بليز باسكال (Blaise Pascal، 1623–1662) من "غُرور" القول باتحاد النفس بالعقل الإلهي. إضافة إلى ذلك، تأثَّر رينيه ديكارت به في مشروعه الأخلاقي[11].
وفاته
توفي إبكتيتوس في نحو عام 135، في مدينة نيقوبوليس في إقليم إبيروس في اليونان.
المراجع
العربية
إبكتيتوس. المختصر. دراسة وترجمة عادل مصطفى. وندسور: مؤسسة هنداوي، 2019.
أوريليوس، ماركوس. التأملات. ترجمة عادل مصطفى. وندسور: مؤسسة هنداوي، 2019.
الأجنبية
Inwood, Brad. “Epictetus (AD c. 50–c. 120).” The Routledge Encyclopedia of Philosophy. at: https://acr.ps/hBya1qD
Long, Anthony A. Epictetus: A Stoic and Socratic Guide to Life. Oxford: Oxford University Press, 2002.
Seddon, Keith H. “Epictetus (55–135 C.E.).” Internet Encyclopedia of Philosophy. at: https://acr.ps/hBya1fY
Zalta, Edward N. & Uri Nodelman (eds.). The Stanford Encyclopedia of Philosophy. Stanford, CA: Metaphysics Research Lab, Stanford University, 2025.
[1] Anthony A. Long, Epictetus: A Stoic and Socratic Guide to Life (Oxford: Oxford University Press, 2002), pp. 10-12.
[2] المرجع نفسه.
[3] Margaret Graver, “Epictetus,” in: Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.), The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Stanford, CA: Metaphysics Research Lab, Stanford University, 2025).
[4] إبكتيتوس، المختصر، دراسة وترجمة عادل مصطفى (وندسور: مؤسسة هنداوي، 2019)، ص 21.
[5] Keith H. Seddon, “Epictetus (55–135 C.E.),” Internet Encyclopedia of Philosophy, accessed on 31/8/2026, at: https://acr.ps/hBya1fY
[6] إبكتيتوس، ص 22.
[7] المرجع نفسه.
[8] المرجع نفسه، ص 59-61.
[9] ماركوس أوريليوس، التأملات، ترجمة عادل مصطفى (وندسور: مؤسسة هنداوي، 2019)، ص 31.
[10] Brad Inwood, “Epictetus (AD c. 50–c. 120),” The Routledge Encyclopedia of Philosophy, accessed on 31/8/2026, at: https://acr.ps/hBya1qD
[11] Graver, op. cit.