تسجيل الدخول

الحبكة الدرامية

​​​​​​​​​​

الحبكة الدراميّة (Dramatic Plot) عنصر من عناصر العمل الدرامي الأساسيّة، شكلت أساسًا في البناء والنقد الدراميَّيْن عبر التاريخ، وتُعَد جوهر النسيج الدرامي ونواته. وتُعرَف الحبكة بأنها تسلسل الأحداث وترتيبها في المسرحية بحسب السببية، منذ البداية وفي المنتصف وحتى النهاية، وتدور حول الأحداث الرئيسة التي تُعطي ملخصًا لسير العمل. وتُوصَف الحبكة بأنها معقدة أو بسيطة، جيدة أو رديئة، بحسب تـصنيف أرسطو.

تعريفها​

الحبكة من الفعل الثلاثي حَبَكَ، أي شدَّ الشيء وأحكَمَه وأَجادَه وأحسن نسجه. وهي نواة العمل الدرامي، والبنية التي تربط أحداثه ضمن علاقة مبنية على التسلسل والسببية. وهي ليست القصة بتفاصيلها، بل الأحداث الرئيسة التي نُسِجت حولها القصة، والتصور الأول الذي يقع في ذهن الكاتب أو المخرج عند نسج العمل الدرامي، فيختار الشخوص المناسبين لأدائها، ثم يملأ جوانبها بالتفاصيل، ويختار الإطارين الزمني والمكاني اللذين تحدث فيهما، وينتخب لها لغة وحوارًا يمكنانها من تحقيق التأثير الدرامي المنشود.

إن الإقرار بحقيقة أن الحبكة هي غرة العمل الدرامي ليس أمرًا غريبًا أو محدثًا، بل هو حقيقة مسلم بها منذ بداية التأطير النقدي للمسرح، أي منذ ألفَي عام ونيف، عندما تحدث أرسطو (Aristotle، 384-322 ق. م.) عن الحبكة بإسهاب في كتابه فن الشعر Poetics، وأولاها أهمية فوق الشخوص واللغة. يصف أرسطو الحبكة في المأساة الدراميّة (التراجيديا) قائلًا: "والأكثر أهمية هنا هو ترتيب الأحداث وتنسيقها، لأن المأساة محاكاة، ليست للإنسان، بل للأحداث والحياة [...] الشخصية تأتي ثانوية للأحداث، ولذلك فإن الأحداث والحبكة هي غاية التراجيديا"[1]. لم يُقدّم أرسطو في كتابه توصيفًا لبناء العمل المسرحي الجيد فقط، وخصوصًا المأساة، ولم يكتفِ بذكر العناصر الدراميّة كالحبكة والشخوص والأسلوب، بل قدّم هرمية لهذه العناصر الدراميّة البنائية، اعتلت فيها الحبكة رأس الهرم، منطلقًا من تعريفه للمأساة بأنها تحاكي الأحداث وليس الشخوص. ثم يقدم أرسطو تبريرًا لهذه الهرميّة بقوله: "فلو ربطنا مجموعة من الأحاديث التي تعبر عن الشخوص، مرتبة بشكل جيد من ناحية الفكر والأسلوب اللغوي، فلن تتمكن من تحقيق التأثير المأساوي الأساسي بنفس الجودة التي تحققها الأحداث"[2]. لم يقصد أرسطو بحديثه المسهب عن أولوية الحبكة (الأحداث) في البنية الدراميّة التقليل من دور الشخوص والحوار الدرامي {{الحوار الدرامي: وسيلة التعبير أو التواصل اللفظي بين الشخوص الدراميين، ويجب أن يناسب طبيعة الشخصية ودورها، ويتسم بالتكثيف والإيجاز والوضوح، ويسهم كذلك في تطور الحبكة الدرامية، وينسجم مع الأحداث ويربطها، ويكشف عن الصراع، ويمهّد للأحداث القادمة.}}، بل سعى لإعادة توصيف المأساة الدراميّة، والتأكيد بأن الشخوص واللغة يخدمان الحبكة لا العكس. 

ما انفك الاستفسار قائمًا بشأن سبب تفوق بعض الأعمال الدراميّة على غيرها، ووصولها إلينا عبر التاريخ الأدبي، إما بنصها الأصلي، وإما بتغييرات أجراها الكتاب والمخرجون اللاحقون، ما يقود إلى الحديث عن دور الحبكة وأهميتها في المسرح والسينما. إن شهرة بعض الأعمال الأدبية التي وصلت إلينا عبر التاريخ البشري، مثل الإلياذة لهوميروس (Homeros)، وأوديب الملك لسوفوكليس (Sophocles، 495-405 ق. م.) وهاملت لوليام شكسبير(William Shakespeare،1564-1616)، والكوميديا الإلهية لدانتي أليغييري (Dante Alighieri، 1265-1321) وغيرها، وبقاءها في الذاكرة البشرية، وعبورها إلى جغرافيات وأماكن جديدة، تُعزى إلى قدرة هذه الأعمال على تقديم حبكة جاذبة تلامس الهموم الإنسانية، وتُقدّم أحداثًا ضمن منطق السببية وليس العشوائية. ربما حرص كُتّاب تلك الأعمال ومخرجوها على اختيار ممثلين موهوبين ومؤهلين في أدائهم ولغتهم لتجسيد الشخوص في زمانهم، لكنّ هؤلاء الممثلين قد رحلوا، والنصوص تغيرت وتُرجِمت، ولم يتبقَّ من هذه الأعمال سوى الحبكة الدراميّة التي لم تتأثر باختلاف مؤديها أو سياقها اللغوي، وهذا دليل على أهمية الحبكة بوصفها أساسًا في شهرة تلك الأعمال. 

ورغم حدوث التنوع الأدبي الأدائي، ووظيفته عبر العصور الأدبية، وظهور السينما وأنواع مسرحية جديدة، فإن الحبكة ما زالت تعد الأساس في التذوق الجمالي الفني لتلك الأعمال، واستمرت في مركز النقد المسرحي عبر التاريخ. يقول بول ريكور (1913-2005): إن الحبكة هي "الكل المنطقي الذي يحكم تتابع الأحداث في القصة"[3]. ويذكر إي​. أم. فوستر (1879-1970)​ أن الحبكة، رغم تعريفها في السياق السردي الروائي وليس المسرحي، هي "القوة الديناميكية المشكلة للخطاب السردي"، وهي التي "تصنع من الأحداث قصة"[4]. ثم يفرق فوستر بين القصة والحبكة فيقول: "الملك مات ثم ماتت الملكة، قصة، و[القول] مات الملك ثم ماتت الملكة من الحسرة، فإن هذه حبكة"[5]. لقد أكد فوستر في قوله هذا على سببية الأحداث بوصفها مكونًا للحبكة المحكمة عند أرسطو، فهي ليست سردًا للأحداث كما تفعل القصة، بل تلخيص لكيفية ارتباط الأحداث ببعضها منذ البداية وحتى النهاية ضمن منطق السبب والنتيجة، وكيف يقود كل حدث إلى آخر منذ البداية وحتى النهاية ضمن نسيج العمل. ويضيف فوستر أن سؤال "ماتت الملكة ثم ماذا؟"، هو قصة، في حين سؤال "لماذا ماتت الملكة؟"، هو حبكة[6]

إن ظهور الرواية والقصة القصيرة وغيرهما من الأجناس السردية، وظهور الأعمال الدراميّة على الشاشات، دفعا النُّقّاد إلى التعمق أكثر في الاختلاف بين الحكاية والحبكة، مع وضع إطار تعريفي يُحدّد تعريفهما بطريقة ربما لم تكن بتلك الإشكالية في المسرح. كذلك يقود البحث في الاختلافات بين الحبكة والعناصر الدراميّة الأخرى إلى تحديد ما يميز الحبكة عن الفكرة الرئيسة أو الموضوع (Theme)، وغالبًا ما يعرّف الموضوع بكلمة أو كلمتين؛ فموضوع عُطَيل{{عُطَيل: (Othello) مأساة شكسبيرية مؤلفة من خمسة فصول، تدور أحداثها في مدينة البندقية، وبطلها عُطَيل، القائد العسكري من أصول مغربية، الذي يترقّى في الجيش، ما يثير حفيظة منافسه إياغو، الذي يسعى لتدمير حياته العائلية وإثارة شكوكه بشأن خيانة زوجته}} لشكسبير هو الغيرة والعنصرية، وموضوع هاملت الثأر والتردد. أما الحبكة، فهي المترجم للموضوع، والضامن لتحقيق الرسالة، فحبكة عُطَيل تبدأ من غيرة إياغو لعدم ترقيته في الجيش، وهذا يدفعه إلى التخطيط من أجل الانتقام من جنراله المغربي عُطَيل، فيحوك مخططًا ينجح في نهايته في إقناع عطيل بخيانة زوجته ديدمونة، ويثير غيرة عطيل الذي يُقدِم على قتل زوجته في نهاية المسرحية[7]. ​





قد يحتوي العمل الدرامي على عدة موضوعات، لكنه غالبًا ما يُقدّم حبكة رئيسة. ومن الممكن أن تظهر في العمل الدرامي حبكة ثانوية {{الحبكة الثانوية أو الفرعية: (Sub-Plot) أحداث فرعية لا يكون لها تأثير مباشر في الحبكة الرئيسة، لكنها تسهم في إثرائها ودعمها، وتسير غالبًا بالتوازي مع الأحداث الرئيسة، وتلتقي مع الحبكة الرئيسة في النهاية.}} تسير بتزامن لتدعم الحبكة الرئيسة. تظهر الحبكة الثانوية في الملهاة (Comedy) عادةً أكثر من المأساة، لتزيد التأثير الدرامي والمتعة وعمق الحبكة الرئيسة. 

خصائصها

يشير أرسطو في كتابه إلى خصائص الحبكة الدراميّة، فالحبكة الجيدة - كما يرى - هي التي تستطيع تحقيق تأثيرها الدرامي في المُشاهِد. إن التأثير الدرامي في نهاية المسرحية، بحسب تحديد أرسطو، يتحقق عند إثارة مشاعر الخوف في المشاهد عند رؤية ألم البطل ونهايته المأساوية من ناحية، وتعاطفه مع البطل من ناحية أخرى. إن هذه المشاعر المختلطة التي تُحدِثها المأساة في المشاهِد (الخوف والشفقة معًا) تساعده في تحرير مشاعر الخوف في نهاية المسرحية، مع الشعور بالارتياح في مقعده لبعده عن ذلك المصير، وهذا البعد سيؤدي إلى تطهير مشاعره (Catharsis). فالحبكة الدراميّة الجيدة عند أرسطو، هي التي لا تقدم متعة فقط، بل تحمل بعدًا نفسيًا ورسالة أخلاقية للمشاهدين. 

لقد وضح أرسطو خصائص الحبكة الدراميّة الجيدة التي تُحدِث أثرها في المشاهد إن صُمّمت بإحكام، ومنها:

  1. أن تكون الحبكة متحدة ومترابطة عضويًا في بنيتها[8]. ويقصد أرسطو بهذه الوحدة تناسق الأحداث في بدايتها وفي منتصفها وحتى نهايتها، بحيث لو أُزِيل حدث ما لوقع اختلال في سير الأحداث. وهو بذلك يقصد البعد عن تشتيت المشاهد بأحداث جانبية، والابتعاد عن الحشو غير المفيد الذي يشتت المشاهد عن خط الصراع الرئيس[9]
  2. أن تُبنى أحداث الحبكة على السبب والنتيجة، أي يقود كل حدث إلى حدث آخر يتبعه زمنيًا، وضمن منطق السبب والنتيجة من البداية حتى النهاية[10]، وألّا تقع الأحداث اعتباطيًا كما هي الحال في الحبكة العرضية (Episodic Plot)، التي يصفها أرسطو بالحبكة الرديئة[11]. فالحبكة المحكمة تبدأ بحدث تأتي الأفعال الأخرى بوصفها نتيجة له، وتستمر هذه السببية والنتيجة حتى المشهد الأخير أو زمن قفل المسرحية. ففي هاملت، يؤدي ظهور شبح الملك، وإخبار ابنه هاملت بضرورة أخذ ثأره من عمه كلوديوس الذي دسّ السم له، إلى حالة ارتباك عند هاملت الذي يُصرّ على البحث عن حقيقة جريمة عمه، ويصاب بالتردد والارتباك في أخذ الثأر لعدم امتلاكه الدليل القطعي، فيقوده ذلك إلى التسرع وقتل الوزير بولونيوس، والد حبيبته أوفيليا، لتصاب الأخيرة بالجنون وتُقدِم على الانتحار. ثم يستغل كلوديوس هذه الجريمة ويخطط للتخلص من هاملت، عبر إقناع ليرتيس، ابن بولونيوس، بالثأر لأبيه. ويكتشف هاملت مخطط عمه، ويقتله في النهاية، ويموت هو بالسم الموضوع على سيف ليرتيس. 
  3. أن تكون الحبكة منطقية في ربط الأحداث[12]. ويقصد بذلك أن تكون العقوبة مناسبة لطبيعة الجريمة، والمكافأة جزاء للخير. وهذا ملحوظ في النهايات السعيدة في الملهاة {{الملهاة: نوع درامي يهدف إلى إثارة الضحك عند الجمهور، وهي نقيض المأساة الجادة التي تنتهي بشكل مأساوي. تعرض الملهاة أزمات الشخوص ومشكلاتهم بطريقة كوميدية، وساخرة أحيانًا، وتحمل رسائل أخلاقية أو سياسية أو اجتماعية، ويغلب على نهاياتها الفرح، وعقوبة الأشرار، والتقاء المتحابّين.}} التي تنتهي بالزواج، أو بنفي الأشرار وسجنهم كما حدث في ملهاة حلم ليلة صيفية لشكسبير، في حين أن المأساة تنتهي غالبًا بموت الشرير أو البطل لاتخاذه قرارًا مصيريًا خاطئًا. إن جريمة عطيل تستحق النهاية المأساوية عندما عاقب نفسه بالانتحار، لكنّ مسرحية أوديبالملك لا تنتهي بقتل أوديب، بل تناسبت العقوبة مع نوع الجريمة، فلم يستطع أوديب أن يغفر لنفسه، حتى وإن كان القدر هو السبب، وينتهي به المطاف بنفي نفسه من المدينة بعد أن فقأ عينيه[13]
  4. أن تكون ذات حجم محدد[14]، أي ليست طويلة لدرجة تشتيت المشاهد، ولا قصيرة فلا يتحقق التأثير، بل يكون حجمها مناسبًا. والحاكم على مناسبة طولها، قدرة المشاهد على تذكر الصراع الرئيس، وتتبع الأحداث منذ بدايتها، وربطها بالنهاية من دون نسيان. 
  5. أن تتصف بمقاربتها للطبيعة البشرية، وليس فقط الحديث عن صراع الآلهة كما جسدته الملاحم الإغريقية؛ وعلى النحو الذي يشعر المُشاهد فيه أن هؤلاء الشخوص بأخطائهم البشرية ومصائرهم مشابهون له، والأحداث مستمدة من حياته المعهودة، وهذا سيدفعه للحظات إلى تخيل قربه من المصير المأساوي لذلك البطل. وعند الشعور بطبيعة الحبكة وقربها، سيتحقق التأثير الدرامي، وهو الشعور بالخوف على البطل ممزوجًا بالشفقة، وهنا يحدث التطهير والاتّعاظ من أخطاء البطل في نهاية المسرحية.

عناصرها

للحبكة عناصر ومكونات أساسية، فعلاوة على تقسيمات أرسطو لعناصرها كالبداية والوسط والنهاية ضمن التسلسل الزمني للعمل الدرامي، قدَّم الكاتب المسرحي والروائي الألماني غوستاڤ فريتاخ (1816-1895) تقسيمًا للحبكة في كتابه تقنية الدراما Technique of the Drama، من خلال بناء هرم أطلق عليه هرم فريتاخ (الشكل 1). ويُعَدّ الهرم الذي قدمه في القرن التاسع عشر تأكيدًا على تقسيمات أرسطو، لكنه أضاف عنصرَيْن آخرَيْن إلى الحبكة، فصارت تتكون من خمسة عناصر تتسلسل زمنيًا لتكون بنية الحبكة الدراميّة. تبدأ الحبكة عند فريتاخ بالتقديم أو العرض (Exposition)، ثم يليه تصاعد الأحداث (Rising Action)، ثم بلوغ الذروة (Climax)، ثم هبوط الأحداث (Falling Action)، وأخيرًا انحلال العقدة (Denouement)[15]. والحقيقة أن فريتاخ عمّم هرمه ليشمل الأجناس الأدبية الدراميّة والسردية الأخرى مثل الرواية والقصة.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​​​​​هرم ف​​​ريتاخ

​​

يقصد فريتاخ بالعنصر الأول (العرض أو التقديم) تقديم معلومات أوليّة للحضور فيما يتعلق بالشخوص، والأحداث القادمة، والإطارين الزمني والمكاني (Setting) للمسرحية. ويكون التقديم عادة في بداية المسرحية، وذلك من خلال تدخل المخرج، أو من خلال سرد الأحداث بوساطة الشخوص، أو من خلال أحداث المسرحية نفسها، أو من خلال البرولوغ {{البرولوغ: (Prologue) عنصر من العناصر الدرامية، وهو مدخل أو استهلال للمسرحية يجري فيه التقديم لها ولأحداثها، وإعطاء الجمهور خلفية عن العرض المسرحي، مثل الأحداث من حيث زمانها ومكانها والشخوص. وقد يربط البرولوغ أحداث المسرحية مع قصة أخرى.}}، وما يهم هنا إغناء المشاهد بخلفية القصة. وبعد التقديم التمهيدي، يأتي دور العنصر الثاني للحبكة، وهو تصاعد الأحداث وبداية تعقدها. وفي هذه المرحلة، يزداد التوتر بين الشخوص، وينكشف الصراع الرئيس، ويتجلى أعداء البطل الدرامي، وتتكشّف أخطاء الشخوص التي ستقود إلى هلاكهم في النهاية، كالعناد عند أوديب، والتردد عند هاملت. يبدأ المشاهد في هذه المرحلة بالإحاطة بموضوع الصراع، ثم تُدفَع الأحداث تدريجيًا نحو الصراع الأساسي الذي سيقابل فيه البطل أعداءه في الذروة. وعادة ما يحتل تصاعد الأحداث أكبر مساحة في النسيج الدرامي.

ثم تأتي ذروة الأحداث، ويبلغ فيها التوتر أعلى درجاته. يجابه البطل في هذه المرحلة أعداءه أو الظروف التي تمنعه من هدفه مباشرة، وتنجلي عن تغير كبير محوري في مصير البطل، ويدرك فيها نتيجة مساعيه السابقة. فالذروة في مسرحية أوديب الملك هي اللحظة التي يدرك فيها الملك أوديب حقيقة أنه قاتل الملك (والده)، وحقيقة زواجه من زوجة الملك (أمه)، علاوة على أنه سبب اللعنة التي أصابت المدينة (ثيبيس). وتكون الذروة في مسرحية عُطَيل في اللحظة التي يعلم فيها عطيل بخيانة زوجته في الفصل الثالث، فيقرر قتلها.

سرعان ما تبدأ الأحداث والعقدة بعد الذروة بالهبوط نحو الحل، وتتجه الأحداث نحو النهاية. تظهر هنا النتائج المترتبة على الأحداث السابقة، ويبدأ انتصار الخير في الملهاة بالظهور، وخسارة الأشرار في المأساة بالحدوث. وهنا، يدرك الشخوص جدوى مساعيهم ونواياهم أو عبثيتها. إن هبوط الأحداث في مسرحية أوديب الملك، يتمثل في إدراك أوديب لقوة القدر، وقتل الملكة نفسها، وندمه على التسرع في الحكم على الشخوص الآخرين.

تنتهي الحبكة الجيدة بتسوية الصراع وحل العقدة عند فريتاخ، وينال البطل مبتغاه كما في الملهاة، ويتزوج المحبّون، ويُدفَن الموتى في مثواهم؛ أو تنتهي بإخفاق البطل كما يحدث في المأساة. وفي هذه المرحلة، تحصل المكافأة أو العقوبة، وتعود الأمور كذلك إلى طبيعتها المعروفة، وقد تصل شخصية جديدة لإرجاع الأمور إلى توازنها الطبيعي، مثل وصول فورتينبراس في نهاية مسرحية هاملت. ومن خصائص نهاية الحبكة المحكمة، عدم ترك النهايات مفتوحة من دون مكافأة الشخوص على أفعالهم السابقة أو معاقبتهم، وإلا فلن يتحقق التأثير الدرامي في المشاهدين.

أنواعها

الحبكة بحسب أرسطو نوعان، وذلك بحسب جودتها وإحداثها التأثير الدرامي في النهاية؛ النوع الأول: الحبكة الرديئة كالحبكة العرضية التي ترتكز فقط على وقوع الأحداث من دون وجود سببية بينها، وتتسلسل بطريقة أقرب إلى العشوائية والمصادفة، وتهدف إلى التسلية والإمتاع وعدم التعقيد، وقد وصفها أرسطو بأنها "الأسوأ من بين الحبكات"[16]؛ والنوع الآخر: الحبكة الجيدة، التي تسير أحداثها حسب المنطقية والسببية والاحتمالية، وهي أكثر جذبًا للمشاهد الذي يتابع الأحداث، من دون وجود عنصر المصادفة فيها.

ويقسم أرسطو الحبكة الجيدة التي تقوم على السببية إلى نوعين: حبكة بسيطة (Haplos)؛ ومعقدة أو مركبة (Peplegmenos). تُعرف الحبكة البسيطة بأنها بناء موحّد لأفعال ضرورية ومحتملة مصحوبة بتحوّل ما في مصير البطل من دون إدراكه لهذا التغيير. أما الحبكة المركبة، فتُصاحبها سمتان أخريان: انعكاس توقعات البطل (Reversal)؛ ولحظة إدراكه لخطئه وضعفه في النهاية (Anagnorisis). تتوالى الوقائع في الحبكة البسيطة بحسب السببية، ولكن لا يوجد عنصر المفاجأة فيها، ولا تحدث بشكل مغاير لتوقعات البطل، فهو يعلم جليًا أين ستقوده أفعاله ونواياه، ولا يتوصّل إلى معرفة الحقيقة، ولا تقع لحظة الإدراك أو الندم على أفعاله السابقة. وضمن هذا التصنيف عند أرسطو، تُعد حبكة مسرحية أوديب الملك حبكة معقدة ومركبة، لحدوث عكس ما توقعه أوديب من كونه المنقذ والمخلّص لشعبه من الآلام، وأنه سيعاقب قاتل الملك، ويكتشف صدفة أنه القاتل وسبب اللعنة التي حلت على المدينة. لا شك أن هذا الانقلاب المفاجئ للأحداث، قد يسبب الدهشة الممتعة لدى المُشاهد الذي تأسره الأحداث، لكن إدراك أوديب ضعفه في مجابهة القدر في النهاية، وندمه على تسرعه واتهامه الشخوص الآخرين، يعطيان الحبكة بعدًا نفسيًا فلسفيًا، قد يتعلم منه المُشاهد دروسًا وعبرًا.

وبتنوّع الأجناس الأدبية السردية والأدائية، ظهرت أشكال أخرى من الحبكات، من بينها الحبكة الخطية (Linear Plot)، التي تُعنى بسرد الأحداث وترتيبها حسب ترتيبها الزمني؛ والحبكة الدائرية (Circular Plot)، التي تنتهي فيها القصة من حيث بدأت، ويعود فيها البطل إلى موقف مشابه للموقف نفسه في البداية؛ والحبكة المضادة (Counter Plot) التي تقدم حبكة مخالفة للرئيسة[17]؛ وحبكة الاسترجاع (Flashback)، التي يستذكر فيها الكاتب أحداثًا سابقة من الماضي؛ أما الحبكة الموازية (Plotparallel) فهي تسير في خط موازٍ للحبكة الرئيسة، وتلتقي معها عند الذروة أو عند لحظة التنوير؛ وأخيرًا الحبكة العرضية، التي يُضمّن فيها المؤلف أحداثًا عدة غير مترابطة بالسببية، بل بالسياق العام للقصة أو المسرحية.

المراجع 

العرب​​ية

أرسطو. فن الشعر. ترجمة إبراهيم حمادة. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2019. 

الخطيب، محمد. المسرح الإغريقي. دمشق: دار مؤسسة رسلان، 2014.

دحيات، عيد عبد الله. النظرية النقدية الغربية: من أفلاطون إلى بوكاشيو. بيروت: المؤسسة العربية للنشر، 2007.

سوفوكليس. تراجيديات سوفقليس. ترجمة عبد الرحمن بدوي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996. 

شكسبير، وليام. عُطَيل. ترجمة خليل مطران. بيروت: دار نظير عبود، 1991.

فتحي، إبراهيم. معجم المصطلحات الأدبية. القاهرة: دار شرقيات للنشر، 2000.

الأجنب​​​​​ية​

Aristotle. The Poetics of Aristotle. S. H. Butcher (trans.). [n. p.]: The Project Gutenberg EBook of Poetics, 2008. at: https://acr.ps/1L9BPwb

Brook, Peter. Reading for the Plot: Design and Intention in Narrative. Cambridge: Harvard University Press, 2010.

Campbell, Janice. “Plot Diagram: Freytag’s Pyramid.” ExcellenceInLiterature. 1/9/2014. at: https://acr.ps/1L9BPnU

Foster, E. M. Aspect of the Novel. New York: Rosetta Books, 2002.

Freytag, Gustav. Freytag's Technique of the Drama: An Exposition of Dramatic Composition and Art. Elias J. MacEwan (trans.). Chicago: Scott Forman Company, 1900.


Mitchell, W. J. T. (ed.). On Narrative. Chicago: Univ. of Chicago Press, 1981.

[1] Aristotle, The Poetics of Aristotle, S. H. Butcher (trans.) ([n. p.]: The Project Gutenberg EBook of Poetics, 2008), p. 9, at: https://acr.ps/1L9BPwb​

[2] Ibid.

[3] Paul Ricoeur, “Narrative Time,” in: W. J. T. Mitchell (ed.), On Narrative (Chicago: Univ. of Chicago Press, 1981), p. 167.

[4] Peter Brook, Reading for the Plot: Design and Intention in Narrative (Cambridge: Harvard University Press, 2010), p. 13.

[5] E. M. Foster, Aspect of the Novel (New York: Rosetta Books, 2002), p. 61.

[6] Ibid.

[7] وليام شكسبير، عُطَيل، ترجمة خليل مطران (بيروت: دار نظير عبود، 1991).

[8] أرسطو، فن الشعر، ترجمة إبراهيم حمادة (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2019)، ص 115.

[9] Aristotle, p. 11.

[10] إبراهيم فتحي، معجم المصطلحات الأدبية (القاهرة: دار شرقيات للنشر، 2000)، ص 101.

[11] عيد عبد الله دحيات، النظرية النقدية الغربية: من أفلاطون إلى بوكاشيو (بيروت: المؤسسة العربية للنشر، 2007)، ص 49-50.

[12] أرسطو، ص 113.

[13] يُنظر: سوفوكليس، تراجيديات سوفقليس، ترجمة عبد الرحمن بدوي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996).

[14] محمد الخطيب، المسرح الإغريقي (دمشق: دار مؤسسة رسلان، 2014)، ص 103.

[15] Gustav Freytag, Freytag's Technique of the Drama: An Exposition of Dramatic Composition and Art, Elias J. MacEwan (trans.) (Chicago: Scott Forman Company, 1900).

[16] Aristotle, p. 12.

[17] فتحي، ص 136.​


المحتويات

الهوامش