الموجز
تضاعُف الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين (أو تضاعف الدنا، DNA replication) عملية دقيقة تنقل المعلومات الوراثية عبر الأجيال وفق الآلية نصف المحافظة، حيث تعمل كل سلسلة أبويّة كقالب لتخليق سلسلة مكملة.
يبدأ التضاعف من أصل واحد في بدائيات النوى، ومن أصول متعددة في حقيقيات النوى عند شوكات التضاعف {{شوكات التضاعف: (Replication Forks) مواقع العمل الفعلية حيث تُفك سلاسل الـ DNA وتُبنى نسخ جديدة.}}. تتضمن العملية إنزيمات رئيسية؛ كالهيليكاز (Helicases) لفتح اللولب المزدوج، وبوليميراز {{إنزيمات بوليميراز: إنزيمات تبني سلاسل من الأحماض النووية DNA أو RNA، عبر إضافة نيوكليوتيدات واحدة تلو الأخرى وفق قالب محدد.}} الدنا لتخليق السلاسل الجديدة.
يكون التضاعف مستمرًّا على الشريط القائد، ومتقطعًا على الشريط المتأخر مكونًا شظايا أوكازاكي {{قطع أو شظايا أوكازاكي: (Okazaki fragments) مقاطع قصيرة من الـ DNA تُصنَّع على السلسلة المتأخرة أثناء تضاعف المادة الوراثية.}} التي يربطها إنزيم اللصق. وتُنظم هذه العملية بدقة بالتزامن مع دورة الخلية لضمان الاستقرار الجيني.
التعريف
[الشكل 1]
الطرائق الثلاث المقترحة لتضاعف جزيء الدنا
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يعدّ تضاعُف الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين عملية دقيقة عالية التنظيم تضمن النقل المضبوط للمعلومات الوراثية من جيل إلى آخر. تاريخيًا، اقتُرحت ثلاث آليات لعملية تضاعف جزيء الدنا وهي: المحافظة (Conservative) ونصف المحافظة (Semiconservative) والمبعثرة أو التشتتية (Dispersed)[1]. في الطريقة المحافظة، يُضاعف الحلزون القديم أو الأبوي بكلا سلسلتيه ثم تُربط السلسلتين القديمتين (القالب) ببعضهما لتشكيل الحلزون الأصلي (القديم) والسلسلتين الجديدتين ببعضهما لتشكيل حلزون جديد كليًا. أما في الطريقة نصف المحافظة وهي الأكثر شيوعًا التي أُثبتت عام 1958 من العالِمَيْن ماثيو ميسيلسون (Matthew Meselson) وفرانكلين ستال (Franklin Stahl)، فتُجمَع إحدى السلسلتين الجديدتين بسلسلة قالب بحلزون هجين نصفه قديم والنصف الآخر مخلق. وبالطريقة المبعثرة تُجمع كل سلسلة من سلاسل الحلزون من قطع دنا قديمة وأخرى مخلقة حديثًا (الشكل 1)[2].
تضاعف الدنا عند بدائيات وحقيقيات النوى
تتبع عملية التضاعف في كل من بدائيات النوى وحقيقيات النوى المبدأ ذاته الذي وصفه جيمس واطسون (James Watson) وفرنسيس كريك (Francis Crick)، إذ تعمل كل من سلسلتي الحمض النووي الأبويتين كقالب لتخليق سلسلة مكملة، منتجةً جزيئين ابنتين متطابقين[3].
عند بدائيات النوى، يبدأ التضاعف من منطقة أصل تضاعف واحدة تُعرف باسم منطقة أصل التضاعف (Origin of replication)، وذلك بسبب صغر حجم جينوماتها، التي غالبًا ما تتكون من كروموسوم دائري واحد، ويُعرف هذا الأصل باسم أصل التضاعف C (OriC) عند جراثيم الإشريكية القولونية (E. coli). أما في حقيقيات النوى، حيث الكروموسومات أكبر حجمًا وأكثر عددًا بالإضافة إلى كونها خطية وليست دائرية، فتتوزع مناطق أصول التضاعف العديدة على طولها كاملًا لضمان إنهاء عملية التضاعف في الوقت المحدد.
آلية تضاعف الدنا
[الشكل 2]
شوكة التضاعف
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تتميز مناطق أصول التضاعف التي تتشكل عندها شوكات التضاعف (الشكل 2) بغناها بالقواعد النتروجينية A وT التي ترتبط برابطتين هيدروجينيتين فقط ما يسهل كسر هذه الروابط وفتح سلسلتي الدنا لتعمل كل منها كقالب في عملية التضاعف[4]. تتضمن عملية التضاعف التعرف إلى هذه الأصول بوساطة بروتينات البادئ (مثل بروتين DnaA في الجراثيم أو معقد التعرف إلى الأصل في حقيقيات النوى)، يليه توظيف إنزيمات الهيليكاز التي تكسر الروابط الهيدروجينية بين القواعد النيتروجينية المتقابلة، ما يؤدي إلى فك اللولب المزدوج للدنا أو فتحه وتوليد ما يُعرف باسم شوكات التضاعف (الشكل 2). تُثبّت بروتينات الربط أحادية السلسلة (Single-stranded DNA binding proteins - SSBs) القالب غير الملفوف، ما يمنع إعادة الالتحام، في حين تُخفّف إنزيمات التوبوأيزوميراز {{إنزيمات التوبوأيزوميراز: (Topoisomerases) إنزيمات تنظّم البنية الفراغية للحمض النووي (DNA).}} من الإجهاد الالتوائي {{الإجهاد الالتوائي: (Winding effect) الشدّ الناتج عن زيادة الـ DNA أو نقصان التفافه حول نفسه مقارنةً بحالته الطبيعية.}} قبل شوكة التضاعف. تُعد البروتينات SSBs مهمة جدًا لقدرتها على الارتباط بسلسلة مفردة من الدنا وبالتالي حمايتها من التلف أثناء عملية التضاعف. يُحفّز تخليق الدنا، بوساطة إنزيمات بوليميراز، الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين من النوع الثالث (DNA polymerases III)، التي تعمل على إطالة السلسلة الناشئة في الاتجاه 5' إلى 3' باستخدام ثلاثي فوسفات الريبونوكليوسيد منقوص الأكسجين {{ثلاثي فوسفات الريبونوكليوسيد منقوص الأكسجين: (Deoxyribonucleoside triphosphate) الوحدة البنائية الأساسية للـ DNA التي يستخدمها إنزيم ( DNA polymerase) أثناء عملية تضاعف المادة الوراثية.}} بوصفها ركائز[5].
من المعلوم أن هذه الإنزيمات لا تستطيع بدء التخليق أو إطالة سلاسل الدنا المفردة المتشكلة في شوكة التضاعف، لذلك فإن بادئات الحمض النووي الريبي القصيرة (RNA primers) التي تُصنّعها إنزيمات البريماز {{البريماز: (Primases) إنزيم مسؤول عن تصنيع بادئ (Primer) قصير من الرنا أثناء تضاعف الدنا.}} ترتبط بالسلاسل المفردة لتأمين قالب قصير مضاعف السلسلة. ويوفر هذا الارتباط أيضًا مجموعات الهيدروكسيل عند النهاية 3' الضرورية لعمل إنزيمات بوليمراز الدنا[6].
تضاعف سلسلتي الدنا
تختلف عملية التضاعف التي تحدث على كل من سلسلتي الدنا اختلافًا جذريًا، إذ يكون التضاعف مستمرًا على الشريط القائد (Leading strand)، ويتقدم التخليق في اتجاه حركة الشوكة نفسها. أما على الشريط المتأخر (Lagging strand)، فيكون التضاعف متقطعًا، مُولِّدًا شدفًا قصيرة من الدنا تُعرف باسم "شظايا أوكازاكي"، يبدأ كل منها ببادئ الحمض النووي الريبي (الشكل 2). تُعالَج هذه الشظايا لاحقًا بإزالة بادئات RNA، وملء الفجوات بتسلسل مشابه من الدنا، وإغلاقها بوساطة إنزيم ربط أو لصق الدنا (DNA ligase) لإنتاج شريط متصل. تُضمن دقة التضاعف من خلال عدة آليات: خصوصية اقتران القواعد النيتروجينية وسعيها للتتام فيما بينها، ونشاط تصحيح نوكلياز خارجي من 3' إلى 5' للعديد من إنزيمات بوليميراز الدنا، وأنظمة إصلاح أو ترميم عدم التطابق بعد التضاعف. تتطلب عملية التضاعف في حقيقيات النوى خطوات إضافية مقارنة ببدائيات النوى، مثل الحاجة إلى تكرار الدنا وتفكيك الجسيمات النووية قبل شوكة التضاعف ويُعاد تجميعها خلفها بمساعدة مرافقات الهستون (Histone chaperones)، ما يضمن انتشار المعلومات فوق الجينية (Epigenetic information)[7].
تضاعف النهايات التيلوميرية (Telomeric ends)
تُمثل الطبيعة الخطية للكروموسومات عند حقيقيات النوى مشكلةً في عملية التضاعف لنهايات الكروموسومات أو ما يُعرف بالتيلوميرات (Telomeres)، إذ لا تستطيع إنزيمات بوليميراز الدنا التقليدية تكرار النهايات 3' للخيوط المتأخرة بشكل كامل، ما يؤدي إلى فقدان تدريجي في أطوال التيلوميرات. يُعاكس إنزيم التيلوميراز (Telomerase) وهو بروتين نووي ريبي، مشكلة التقصير إذ يعمل على إطالة التكرارات التيلوميرية ويحافظ على سلامة الكروموسومات، خاصةً في الخلايا الجرثومية والخلايا الجذعية والعديد من الخلايا السرطانية[8].
التحكم بعملية التضاعف
ينسق توقيت التضاعف وبدء التخليق في مناطق الأصول في حقيقيات النوى بدقة مع دورة الخلية، ويحدثان بشكل رئيس خلال الطورS (تخليق الدنا) من الدارة الخلوية، ويُنظَّمان بوساطة إنزيمات الكيناز (Kinases) التي تعتمد على بروتينات السيكلين (Cyclin) ومسارات نقاط التفتيش {{نقاط التفتيش: (Check points) آليات مراقبة داخلية حيوية تضمن دقة انقسام الخلية وسلامة الحمض النووي (DNA). تعمل هذه النقاط بوصفها "مكابح" توقف الدورة الخلوية إذا اكتشفت أي خلل، وذلك لمنع انتقال الطفرات أو حدوث انقسام غير منضبط قد يؤدي إلى السرطان.}} لمنع إعادة التضاعف أو عدم اكتمال التخليق. يمكن أن تؤدي أخطاء التضاعف أو العيوب في البروتينات المرتبطة إلى عدم استقرار الجينوم، ما يُسهم في حدوث الطفرات واضطرابات النمو وتكوّن الأورام. وبالتالي، فإن تكرار الحمض النووي ليس مجرد عملية نسخ ميكانيكية، بل هو آلية منظمة بدقة ومحافظة تطوريًا، تدمج الدقة الإنزيمية، وديناميكيات الكروماتين، وتنظم دورة الخلية لضمان الاستقرار الجينومي والقدرة الخلوية على البقاء[9].
المراجع
Kang, S. & H. Yan. “Mechanisms of DNA replication: From DNA polymerases to replication forks.” Current Opinion in Cell Biology. vol. 74 (2022). pp. 102-110.
Lodish, Harvey, et al. Molecular Cell Biology. 9th ed. New York: W. H. Freeman, 2021.
Meselson, Matthew & Franklin W. Stahl. “The replication of DNA in Escherichiacoli.” Proceedings of the National Academy of Sciences of the United States of America. vol. 44, no. 7 (1958). pp. 671-682.
O’Donnell, Michael, Lance Langston, & Bruce Stillman. “Principles and concepts of DNA replication in bacteria, archaea, and eukarya.” Cold Spring Harbor Perspectives in Biology. vol. 5 no. 7 (2013).
Okazaki, Reiji, et al. “Mechanism of DNA chain growth.” Proceedings of the National Academy of Sciences. vol. 59, no. 2 (1968). pp. 598-605.
Watson, James D. et al. Molecular Biology of the Gene. 7th ed. Boston, MA: Pearson, 2014.
[1] S. Kang & H. Yan, “Mechanisms of DNA replication: From DNA polymerases to replication forks,” Current Opinion in Cell Biology, vol. 74 (2022), pp. 102-110.
[2] James D. Watson et al., Molecular Biology of the Gene, 7th ed. (Boston, MA: Pearson, 2014).
[3] Michael O’Donnell, Lance Langston, & Bruce Stillman, “Principles and concepts of DNA replication in bacteria, archaea, and eukarya,” Cold Spring Harbor Perspectives in Biology, vol. 5 no. 7 (2013).
[4] Matthew Meselson & Franklin W. Stahl, “The replication of DNA in Escherichiacoli,” Proceedings of the National Academy of Sciences of the United States of America, vol. 44, no. 7 (1958), pp. 671-682.
[5] Kang & Yan, op. cit.
[6] Harvey Lodish et al., Molecular Cell Biology, 9th ed. (New York: W. H. Freeman, 2021).
[7] Reiji Okazaki et al., “Mechanism of DNA chain growth,” Proceedings of the National Academy of Sciences, vol. 59, no. 2 (1968), pp. 598-605.
[8] Lodish, op. cit.
[9] Ibid.