الموجز
جماعة وجدة، وتُعرف أيضًا بـ "عصبة وجدة" (Clan d’Oujda)، هي جماعة عسكرية سياسية جزائرية نافذة، تشكلت خلال حرب التحرير الجزائرية (1954-1962) في مدينة وجدة المغربية القريبة من الحدود الجزائرية.
تشكلت الجماعة حول هواري بومدين قائد الولاية الخامسة ثم قائد هيئة الأركان العامة لجيش التحرير الوطني، ونجحت بفضل سيطرتها على جيش الحدود في حسم الصراع على السلطة عقب استقلال الجزائر سنة 1962.
أصبحت الجماعة النواة الرئيسة للسلطة السياسية والعسكرية في البلاد خلال العقدين التاليين.
النشأة والتطور
ارتبط تشكل جماعة وجدة تاريخيًا بوجود جالية جزائرية كبيرة في الجهة الشرقية للمغرب، ولا سيما في مدينة وجدة. إذ انتقلوا إليها بداية من خمسينيات القرن التاسع عشر إثر الاستعمار الفرنسي للجزائر، واستمر قدومهم إليها حتى منتصف القرن العشرين. وشملت هذه الجالية أبناء البرجوازية الصغيرة، وملاك الأراضي، وأعوان الإدارة المغربية، إضافة إلى الطلبة والإطارات[1]. وقد حرصت قيادة
الولاية الخامسة التي تمركزت داخل الحدود المغربية على تأطيرهم منذ اندلاع الثورة في 1 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1954، فصاروا يتميزون بتنظيم محكم، وتسليح ثقيل، وتسييس قوي[2].
زاد تعيين
هواري بومدين في كانون الأول/ ديسمبر 1959 قائدًا لهيئة الأركان العامة لجيش التحرير الوطني من نفوذ جماعة وجدة، حيث تأسست نواتها الأولى حول
عبد الحفيظ بوصوف، قائد الولاية الخامسة ومؤسس جهاز مخابرات الثورة الجزائرية. ثم انتقلت قيادة الجماعة إلى بومدين الذي خلف بوصوف وهو على رأس الولاية نفسها، قبل أن يصبح المسؤول الأول على
جيش الحدود، الذي يعد أقوى فصائل جيش التحرير الوطني وأكثرها تدريبًا وتسليحًا، والمُشكل من القوات الجزائرية المرابطة على الحدود التونسية والمغربية مع الجزائر.
التسمية
ظهر مصطلح "جماعة وجدة" لأول مرة باللغة الفرنسية Groupe d’Oujda، ثم تداولت بعض الأوساط الإعلامية وبعض المؤرخين تسمية أخرى هي "عصبة وجدة" (Clan Oujda). وتُعد الصحفية الفرنسية آنيا فرانكوس (Annia Francos، 1938-1988)[3] أولَ مَن أطلق اسم "جماعة وجدة" على هذه المجموعة من العسكريين، خلال تغطيتها لأحداث
أزمة صائفة عام 1962 في الجزائر. وقد نشرت لاحقًا عام 1976 كتابًا يتناول سيرة هواري بومدين[4].
في المقابل، يرى
شريف بلقاسم، أحد أعضاء جماعة وجدة، أن هذه التسمية غير دقيقة وتحمل في طياتها نية للإساءة، ويقترح بدلًا منها تسميات تعكس ما يصفه بـ "الواقع التاريخي الموضوعي"، مثل "جماعة قيادة الأركان العامة"[5]. ويبدو أن التحفظ على التسمية الرائجة ينبع من حساسية ربط مجموعة تولت مقاليد الحكم في البلاد بمدينة أجنبية، لما قد يوحي به ذلك من دلالات التبعية أو الولاء لجهة خارجية، وهو ما يشكل مصدر إزعاج سياسي وتاريخي لأعضائها.
الأعضاء
هواري بومدين
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
لا يوجد إجماع حول القائمة النهائية لأعضاء "جماعة وجدة"، التي تشكلت حول هواري بومدين، وتحولت إلى تكتل سياسي وعسكري حكم الجزائر المستقلة على مدى عقدين. وتتعدد الرؤى في حصر أعضائها، إذ يذهب البعض إلى أنها ضمّت كلًا من: هوراي بومدين، وعبد الله بلهوشات، ومحمد الشريف مساعدية، وعبد العزيز بوتفليقة، والشاذلي بن جديد، وأحمد دراية، وطيبي العربي[6]، في حين يحصرها آخرون في قائمة تشمل: هواري بومدين، وعبد العزيز بوتفليقة، وعلي منجلي، وأحمد قايد، وشريف بلقاسم، وأحمد مدغري، ولعروسي خليفة، والطاهر زبيري، ومسعود زقار. ومع ذلك، ينفي بلقاسم، أحد أعضاء الجماعة، انتماء الطاهر زبيري وقايد أحمد وعلي منجلي إليها، على الرغم من أن الأخيرين كانا من مساعدي بومدين في قيادة الأركان العامة إبان ثورة التحرير. ويُستدل على استبعاد منجلي بعد إطلاعه على قرار الانقلاب ضد بن بلة في 19 حزيران/ يونيو 1965، نظرًا إلى شكوك الجماعة في ولائه للرئيس. حتى بعد تعيينه عضوًا في مجلس الثورة عقب الانقلاب، فإنه آثر الانسحاب بعد عام واحد حين أدرك أن وجوده كان شكليًا فحسب[7].
عبد العزيز بوتفليقة
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أحمد قايد
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أحمد مدغري
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
من جهته، يقدم شريف بلقاسم تعريفًا أكثر ضيقًا للجماعة، بقوله: "التعريف الصحيح لجماعة وجدة هو أنهم أولئك الذين كان لديهم سلطة فعلية، وهم ثلاثة إضافة إلى بومدين: شريف بلقاسم، أحمد مدغري، وعبد العزيز بوتفليقة"[8].
أزمة صيف عام 1962
كان جيش الحدود وقيادة الأركان العامة، ومن ورائهما جماعة وجدة، أحد طرفي الصراع على السلطة الذي اندلع مباشرة بعد إعلان وقف إطلاق النار بين
جبهة التحرير الوطني والحكومة الفرنسية في 19 آذار/ مارس 1962. وقد خلص هذا الطرف إلى مساندة أحمد بن بلة، أحد القادة التاريخيين للثورة، عقب اتصالات أجراها عبد العزيز بوتفليقة. وأدى ذلك إلى ترجيح كفة بن بلة وإلى تحييد الطرف الثاني من الصراع، المتمثل في
الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وقادة الولايات: الثانية والثالثة والرابعة، الذين عارضوا توليه رئاسة المكتب السياسي لجبهة التحرير، وهي الهيئة التي كان مقررًا أن تُشرف على انتخابات
المجلس التأسيسي المكلف بصياغة دستور البلاد وتعيين رئيس للحكومة. وقد اعتُبر هذا انتصارًا سياسيًا وعسكريًا لجماعة وجدة، في حين رأى فيه آخرون انقلابًا على الشرعية، وسلبًا للاستقلال، وتكريسًا لتحرير غير مكتمل. وهو ما انعكس في عناوين عدد من المؤلفات والسير الذاتية وشهادات الفاعلين في الحركة الوطنية والثورة الجزائرية، التي شاعت فيها تعبيرات من قبيل "الاستقلال المستلب" و"الاستقلال المجهض"[9].
انقلاب عام 1965
عُين أحمد بن بلة رئيسًا للحكومة في 27 أيلول/ سبتمبر 1962، ثم انُتخب أول رئيس للجمهورية الجزائرية في 15 أيلول/ سبتمبر 1963، وكان قد سبق له أن فرض سيطرته على حزب جبهة التحرير الوطني، الحزب الحاكم، في 19 نيسان/ أبريل 1963، عندما أصبح أمينًا عامًا له[10].
بعد ذلك، التفت إلى ما اعتبره خطرًا يهدد حكمه، متمثلًا في نفوذ هواري بومدين، وزير الدفاع وقائد أركان الجيش، وفي جماعة وجدة التي كان عدد من أعضائها يتولون وزارات سيادية: عبد العزيز بوتفليقة وزيرًا للخارجية، وأحمد مدغري وزيرًا للداخلية، وشريف بلقاسم وزيرًا للتربية.
وفي هذا السياق، عمل بن بلة على التواصل مع قيادات تاريخية للثورة المعارضة لنظامه، أبرزهم
حسين آيت أحمد. كذلك سعى إلى تحجيم نفوذ بومدين داخل الجيش من خلال تعيين الطاهر الزبيري قائدًا للأركان في 4 آذار/ مارس 1964. وبادر أيضًا إلى إقالة مدغري من وزارة الداخلية وأحمد قايد من وزارة السياحة، وتقليص صلاحيات شريف بلقاسم، وأخيرًا إقالة بوتفليقة من وزارة الخارجية في 28 أيار/ مايو 1965.
وقد دفعت هذه القرارات بومدين ومقربيه من جماعة وجدة إلى الانقلاب على بن بلة في 19 حزيران/ يونيو 1965، وهو الحدث الذي اصطلحوا على تسميته في البيان الصادر عقب ذلك بـ "التصحيح الثوري"[12].
التفكك والانقسام
تتباين التقديرات حول التاريخ الفعلي لتفكك جماعة وجدة وتراجع نفوذها السياسي، فمن جهة يشير شريف بلقاسم إلى ما سماه "أزمة 1974" بداية للنهاية، ويقصد بها موجة الشائعات التي اجتاحت البلاد صيف ذلك العام حول انقلاب دُبر ضد الرئيس هواري بومدين. وقد ترافق ذلك مع أحداث مفصلية، أبرزها: انتحار وزير الداخلية أحمد مدغري في 10 كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه، وتخلي أحمد قايد عن الأمانة العامة للحزب واختياره المنفى في المغرب، فضلًا عن انسحاب بلقاسم شخصيًا من المشهد السياسي بصفة نهائية. ويصف بلقاسم حالة الرئيس إثر هذه الأحداث قائلًا: "صار بومدين بعد كل هذا ضعيفًا جدًا، ومجردًا من أي حماية سياسية ومن دون مستشارين حقيقيين"[13].
وتعزز مسار التفكك هذا بعد ثلاثة أعوام، وتحديدًا في عام 1977، إثر تراجع نفوذ قيادات الصف الثاني لجماعة وجدة، الذي تجلى في إبعاد شخصيات أمنية وعسكرية بارزة، فقد عُين أحمد دراية وزيرًا للنقل بعد أن شغل منصب المدير العام للأمن الوطني طيلة الفترة الممتدة من عام 1965 إلى عام 1977، وأُسندت وزارة الموارد المائية إلى أحمد بن شريف بعد قيادته للدرك الوطني خلال الفترة ذاتها، في حين كُلف
محمد الصالح يحياوي قيادة جبهة التحرير الوطني بعد أن كان قائدًا للأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال حتى عام 1977[14].
في المقابل، يذهب اتجاه آخر إلى ترجيح أن النهاية الفعلية لجماعة وجدة تزامنت مع وفاة الرئيس هواري بومدين في 27 كانون الأول/ ديسمبر 1978، وما تلاها من إخفاق لوزير خارجيته، عبد العزيز بوتفليقة، في خلافته.
ويفسر شريف بلقاسم قوة جماعة وجدة واستمرارها بوجود "عقد أخلاقي" غير مكتوب تحول إلى نظام حكم فعلي، أدار شؤون البلاد لأحد عشر عامًا (1965-1976) في ظل غياب تام للمؤسسات السياسية كالبرلمان أو دستور للبلاد[15]. ويشدد على أن الإطاحة بالرئيس بن بلة كانت نتاج قرار جماعي اتخذته جماعة وجدة، ولم تكن خطوة فردية من بومدين[16]. بناء على ذلك، يعتقد بلقاسم أن تفكك الجماعة يعود في المقام الأول إلى تآكل الثقة بين أعضائها بمرور الوقت. ويُعبر عن ذلك بقوله: "لقد تم بناء نظام حكم على كل ما استنكرناه في حزيران/ يونيو 1965 [...]. إن الدستور الذي اقترحه بومدين بعد 11 سنة من الحُكم هو دسترة للحكم الفردي [...] وإني أرى في هذا خيانة"[17].
علاوة على ما سبق، يرجع بلقاسم انهيار الجماعة وتآكل نفوذها إلى تفاقم الصراعات الشخصية والاعتبارات النفسية، محملًا عبد العزيز بوتفليقة مسؤولية كبرى فيما حدث، إذ يصفه بأنه "كان يمنع أيًا كان من التقرب من بومدين، ويتصرف كأن بومدين ملكيته الخاصة"[18].
أثر جماعة وجدة بعد 1999
مع تولي عبد العزيز بوتفليقة رئاسة الجزائر عام 1999، تجدد الحديث عن جماعة وجدة ونفوذها السياسي. وما أسهم في تعزيز سردية قوة هذه الجماعة واستمرار نفوذها، هو استعانة بوتفليقة بشخصيات وُلدت في مدينة وجدة أو أمضت فيها أعوام حرب التحرير الجزائرية، وهي شخصيات انتسبت في مجملها إلى جيش الحدود ودوائر
وزارة التسليح والاتصالات العامة المعروفة بمخابرات الثورة أو
المالغ {{المالغ: هو تعريب للأحرف الأولى من اسم وزارة التسليح والاتصالات العامة بالفرنسية (MALG - Ministère de l’Armement et des Liaisons Générales}}، ومن هؤلاء:
عبد الحميد تمار، وشكيب خليل، ويزيد زرهوني، وغيرهم.
المراجع
العربية
"بيان مجلس الثورة الصادر في 19 يونيو 1965".
الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية. العدد 56 (6 تموز/ يوليو 1965). ص 801-816.
عبداوي، أحلام ونسيمة قاشي. "أحمد بن بلة الدور الوطني والثوري ورجل الدولة 1916-2012". رسالة ماجستير. جامعة 8 ماي 1945. قالمة. 2017.
ميرل، روبير.
مذكرات أحمد بن بلة: كما أملاها على روبير ميرل. ترجمة عفيف الأخضر. ط 3. بيروت: منشورات دار الآداب، 1981.
الأجنبية
Aggoun, Lounis & Jean-Baptiste Rivoire.
Françalgérie: crimes et mensonges d’Etat. Paris: La découverte, 2017 ]2005[.
Abbes, Ferhat.
L’Indépendance confisquée 1962–1978. Paris: Flammarion, 1984.
Charef, Abed.
L’Algérie autopsie d’un massacre. Paris: Editions de l’Aube, 1998.
Francos, Ania & Jean Pierre Séréni.
Un Algérien nommé Boumediene. Paris: Stock, 1976.
Harbi, Mohamed.
Une vie debout: mémoires politiques, Tome 1: 1945–1962. Alger: Casbah, 2001.
Hidouci, Ghazi.
Algérie:La libération inachevée. Paris: La Découverte, 1995.
Katan, Yvette. “Bourgeois et notables algériens en terre marocaine.”
Cahiers de la Méditerranée. no. 45 (1992). pp. 137–150.
Rouzeik, Fawzi.
Le groupe d’Oujda revisité par Cherif Belkacem. Paris: Harmattan, 2015.
[1] Yvette Katan, “Bourgeois et notables algériens en terre marocaine,”
Cahiers de la Méditerranée, no. 45 (1992), pp. 137–150.
[2] يُنظر:
Mohamed Harbi,
Une vie debout: mémoires politiques, Tome 1: 1945–1962 (Alger: Casbah, 2001).
[3] Fawzi Rouzeik,
Le groupe d’Oujda revisité par Cherif Belkacem (Paris: Harmattan, 2015), p. 30.
[4] Ania Francos & Jean Pierre Séréni,
Un Algérien nommé Boumediene (Paris: Stock, 1976).
[5] Rouzeik, p. 123.
[6] Abed Charef,
L’Algérie autopsie d’un massacre (Paris: Editions de l’Aube, 1998), p. 89.
[7] Rouzeik, p. 198.
[8] Ibid., p. 200.
[9] يُنظر:
Ferhat Abbes,
L’Indépendance confisquée 1962–1978 (Paris: Flammarion, 1984); Ghazi Hidouci,
Algérie:La libération inachevée (Paris: La Découverte, 1995).
[10] يُنظر: أحلام عبداوي ونسيمة قاشي، "أحمد بن بلة الدور الوطني والثوري ورجل الدولة 1916-2012"، رسالة ماجستير، جامعة 8 ماي 1945، قالمة، 2017؛ روبير ميرل،
مذكرات أحمد بن بلة: كما أملاها على روبير ميرل، ترجمة عفيف الأخضر، ط 3 (بيروت: منشورات دار الآداب، 1981).
[11] Lounis Aggoun & Jean-Baptiste Rivoire,
Françalgérie: crimes et mensonges d’Etat (Paris: La découverte, 2017 ]2005[), p. 53.
[12] "بيان مجلس الثورة الصادر في 19 يونيو 1965"،
الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، العدد 56 (6 تموز/ يوليو 1965)، ص 802.
[13] Rouzeik, pp. 68–69.
[14] Ibid., pp. 188–189.
[15] Ibid., p. 115.
[16] Ibid., p. 194.
[17] Ibid., p. 196.
[18] Ibid., p. 203.