الموجز
ليون فيستينغر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance) هو حالة من عدم الارتياح أو التوتر النفسي تنشأ عندما يتعارض فرد ما مع معتقداته وقيمه وسلوكاته، ما يدفعه إلى محاولة تقليل هذا التوتر عن طريق تغيير المواقف أو السلوك أو تبريرهما.
توضح نظرية التنافر المعرفي أنّ الفرد لديه دافع داخلي للحفاظ على الانسجام مع نفسه، ويبذل جهده لحلّ التناقضات الداخلية لتقليل الضغط النفسي. وقد أسّسها ليون فيستينغر في عام 1957، ولاقت تطبيقات واسعة في مجالات مثل التسويق، والصحة العامة، والسياسة، والتعليم.
تعريف التنافر المعرفي
التنافر المعرفي هو حالة داخلية غير مريحة تنشأ عندما تكون المعارف التي يملكها العنصر الاقتصادي متضاربة، ومن ثمّ تولّد ضغطًا نفسيًا على الفرد لاستعادة التناغم[1]. وفي السياقات التطبيقية، يوصف الحدّ من التنافر عادةً بأنه شكل من أشكال تبرير الذات، فبعد الالتزام بخيار أو إجراء ما، قد يُعيد الأفراد تفسير الأدلة، أو مراجعة المواقف، أو إعادة تقييم الاعتبارات، بحيث تبدو معتقداتهم ومفهومهم عن الذات متسقةً مع ما فعلوه.
ينشأ بذلك التنافر المعرفي من ميل الأفراد إلى السعي نحو "الاتساق المعرفي" (Cognitive Consistency) بين معتقداتهم وسلوكياتهم وقيمهم، إذ يُعدّ هذا الاتساق مهمًا للشعور بالاستقرار النفسي. لكن الحياة الاقتصادية كثيرًا ما تفرض مواقف يتعارض فيها ما يؤمن به الفرد مع ما يفعله في الواقع. وهنا تأتي ظاهرة التنافر المعرفي بوصفها استجابةً نفسية لهذا التعارض، إذ يسعى الفرد إلى تقليل الشعور بعدم الراحة الناتج عنه.
أصول نظرية التنافر المعرفي
قدّم ليون فيستينغر (Leon Festinger، 1989-1919) هذه النظرية في كتابه نظرية في التنافر المعرفي في عام 1957[2]. وانطلقت النظرية من افتراضٍ رئيس مفاده أنّ وجود تناقضٍ بين العناصر المعرفية لدى الفرد يولّد حالة نفسية غير مريحة، تحفّزه على اتخاذ خطوات لإعادة الاتساق الداخلي. ويزداد التنافر كلما زادت أهمية المعتقدات المتعارضة، أو صعوبة التراجع عنها.
وقد مثّل هذا الطرح تحولًا مهمًا في علم النفس الاجتماعي، إذ نقل التركيز من السلوك الظاهر إلى العمليات المعرفية الداخلية. وشهدت نظرية التنافر المعرفي تطويرات لاحقة، من أبرزها أعمال إيدي هارمون-جونز التي ركّزت على البعد الدافعي والعصبي للتنافر، موضحةً أنّ تقليله لا يهدف إلى الراحة النفسية فحسب، بل إلى الحفاظ على صورة الذات الإيجابية[3].
آليات التنافر المعرفي
حدد ليون فيستينغر آلياتٍ عدّة رئيسة يتعامل بها الأفراد مع التنافر المعرفي من أجل استعادة الاتساق المعرفي، وتقليل التوتر الداخلي. ويعتمد اختيار الفرد لآلية محددة غالبًا على أيّ من العناصر المعرفية يكون أقل مقاومة للتغيير. وتشمل هذه الآليات تغيير أحد العناصر المعرفية أو المُعتقدات من خلال إعادة صياغة القناعة لتبرير السلوك القائم، أو إضافة عناصر معرفية متسقة جديدة تقلل حدة التناقض، وتقليل أهمية بعض العناصر المعرفية، واعتبارها ثانوية، ومن ثمّ فالتناقض معها غير مؤثر.
إضافة إلى الآليات التي حددها فيستينغر، طوّر هارمون جونز وآخرون ما يُعرف بـ "نموذج التنافر القائم على الفعل" (Action-Based Model of Dissonance)، الذي ينطلق من افتراض أنّ التنافر المعرفي يصبح إشكاليًا بصورة خاصة، عندما يعرقل القدرة على اتخاذ قرار أو تنفيذ سلوك فعّال. ووفقًا لهذا النموذج، لا يهدف تقليل التنافر إلى تخفيف الشعور بعدم الارتياح النفسي فحسب، بل إلى مواءمة المعتقدات والتقييمات مع الالتزامات السلوكية، بما يسمح بالاستمرار في الفعل من دون تردد أو صراع داخلي. وفي هذا السياق، تُعدّ آلية "توسيع الفروق بين البدائل" (Spreading the Alternatives) من أبرز آليات خفض التنافر بعد اتخاذ القرار، إذ يقيّم الفرد بعد اتخاذ قرار صعب الخيارَ المختار بشكل أكثر إيجابية، ويخفض تقييم الخيار المرفوض، ما يقلّل التنافر، ويعزّز الالتزام بالقرار[4].
ويتمتع إطار العمل الذي قدمه كلٌّ من جورج أكيرلوف وويليام ديكنز بتأثير كبير في مجال الاقتصاد لأنه يربط بين الحدّ من التنافر، ونتائج السوق، وتقييم السياسات. ففي مثالهما عن الصناعات الخطرة، قد يُفضّل العمّال الاعتقاد بأن وظائفهم آمنة لتجنّب "مشاعر الخوف المستمر غير السارة"، حتى لو أدى ذلك إلى أخطاء تقديرية مكلفة تقلّل من الاستثمار في السلامة[5]. وفي ظلّ هذه النزعة الداخلية للاعتقاد، يمكن أن تكون للتنظيم آثار في الرفاه تختلف عن منطق التعويض التفاضلي القياسي. وبتعبير آخر، يمكن أن يؤدي التنافر المعرفي إلى عدم الكفاءة، لأن المعتقدات المختارة بشكل خاص قد تؤدي إلى تحيّز منهجي في خيارات السلامة الخاصة، ويمكن أن تؤدي السياسة في بعض الأحيان إلى تحسين النتائج من خلال تغيير الإجراءات الممكنة، ومن ثمّ التغذية الراجعة بين المعتقدات والأفعال.
تطبيقات التنافر المعرفي
يظهر التنافر المعرفي بوضوح في مجالات التسويق، وسلوك المستهلك بعد اتخاذ قرارات الشراء، خصوصًا المكلفة منها، إذ قد يشعر المستهلك بعدم الارتياح، فيسعى إلى تبرير اختياره عبر البحث عن معلومات إيجابية تؤكد صحة قراره، فيما يُعرف بـالتبرير اللاحق للشراء {{التبرير اللاحق للشراء(تبرير ما بعد القرار): (Post-Decision Justification) هو انحياز معرفي يضطلع خلاله الأفراد بتعزيز المزايا المتصوَّرة للخيار المختار بشكل رجعي، غالبًا عن طريق التقليل من أهمية البدائل المفقودة، لتقليل التنافر والحفاظ على مفهوم متماسك للذات. ويساعد هذا النموذج في علم الاقتصاد السلوكي في تفسير التشوهات المنهجية في الإبلاغ عن التفضيلات والرضا بعد الاختيار، حتى عندما تظل النتائج الموضوعية من دون تغيير.}} وذلك للحفاظ على اتساق صورته الذاتية[6]. ويتجلى التنافر المعرفي أيضًا في مجال الصحة والسلوكات الوقائية، عندما يستمر الأفراد في ممارسة سلوكات ضارة على الرغم من معرفتهم بمخاطرها، مثل التدخين. ويُخفف هذا التنافر عادةً عبر التقليل من خطورة السلوك، أو المبالغة في فوائده المتصوَّرة.
ويوضح نموذج موليناثان وواشنطن للسنّ الانتخابي أنه مبني على الاتجاه السببي الذي يؤكد عليه التنافر، فالأفراد المؤهلون للتصويت يُظهرون استقطابًا أكبر للآراء بعد عامين، بما يتوافق مع الفرضية القائلة بأن التصويت يؤدي إلى تفسيرات أكثر إيجابية في وقت لاحق[7]. وفي هذا النموذج، هذه الآلية لها آثار لاحقة في الاختيار السياسي، والتصميم المؤسسي، بما في ذلك الحوافز للبقاء في المنصب، وديناميات المشاركة[8]. وحتى عندما يكون المرء غير متأكد من القناة النفسية الدقيقة، فإن الأهمية الاقتصادية، هي أنّ السلوك يمكن أن يغير توزيع التفضيلات المُعبّر عنها بمرور الزمن، ما قد يؤثر بدوره في نتائج التوازن في المنافسة الانتخابية، واعتماد المنتجات، والامتثال التنظيمي.
وفي سياق التعليم والتعلّم، قد يؤدي تعرّض المتعلم لمعلومات تتعارض مع معارفه السابقة إلى حالة من عدم الارتياح المعرفي، تُعرف في أدبيات التربية بـ"التعارض المعرفي" (Cognitive Conflict) التي يمكن أن تفضي إمّا إلى تعديل المفاهيم الخاطئة، وإما إلى رفض المعرفة الجديدة، تبعًا للسياق التعليمي، وقدرات المتعلم[9]. وعلى نحوٍ مماثل، يسهم التنافر المعرفي في تفسير التحيز السياسي، إذ يميل الأفراد إلى تجاهل الأدلة أو إعادة تأويل المعلومات التي تتعارض مع مواقفهم الأيديولوجية القائمة، بما يقلل من التناقض الداخلي، ويحافظ على اتساق منظومة المعتقدات[10].
انتقادات لنظرية التنافر المعرفي
على الرغم من الانتشار الواسع لنظرية التنافر المعرفي، فقد وُجّهت إليها انتقادات عدّة منهجية رئيسة. ومن أبرز هذه الانتقادات ما ذهب إليه داريل بيم من أنّ الأفراد لا يشعرون بالضرورة بالتوتر الناجم عن التنافر، بل يستنتجون مواقفهم عن طريق مراقبة سلوكهم الخاص، على غرار الطريقة التي يحكمون بها على الآخرين، وهو ما يشكك في فرضية وجود حالة داخلية قوية من القلق النفسي[11].
وبذلك تُنتَقد النظرية لصعوبة قياس التنافر بوصفه حالةً داخلية غير مباشرة الملاحظة[12]، إذ يعتمد الباحثون غالبًا على استدلالات غير مباشرة، مثل مراقبة تغيّر السلوك، بوصفه مؤشرًا على وجود التنافر، وهو ما قد يؤدي إلى الاستدلال الدائري {{الاستدلال الدائري: (Circular reasoning) مفهوم في الاقتصاد السلوكي يشير إلى خطأ تفسيري يجري فيه تفسير سلوك معين، من خلال تفضيل أو اعتقاد مستنتج من السلوك نفسه، ما يجعل التفسير غير قابل للتفنيد، وغير مفيد من الناحية التجريبية. وعادةً ما يحدث هذا عندما يجري التعامل مع البنى اللاحقة على أنها آليات سببية، من دون قياسٍ مستقل، أو تنبؤات قابلة للاختبار، فعلى سبيل المثال: "اختاروا ذلك لأنهم فضلوه".}}، إذ نفترض وجود التنافر لأن الفرد غيّر رأيه، ثم نُفسر تغييره بأنه نتيجة للتنافر نفسه. إضافة إلى ذلك، تشير الانتقادات إلى غياب أدوات قياس موحّدة وموضوعية، وعلى الرغم من المحاولات الحديثة لاستخدام مقاييس فيزيولوجية أو عصبية، فإنها تظل غير قادرة على قياس التنافر بشكل مباشر، بل تكتفي برصد مؤشرات مصاحبة له[13].
المراجع
Akerlof, George A. & William T. Dickens. “The Economic Consequences of Cognitive Dissonance.” The American Economic Review. vol. 72, no. 3 (1982). pp. 307-319.
Ariely, Dan. Predictably Irrational: The Hidden Forces that Shape our Decisions. New York: Harper Collins, 2010.
Bem, Daryl J. Bem, “Self-Perception: An Alternative Interpretation of Cognitive Dissonance Phenomena.” Psychological review. vol. 74, no. 3 )1967). pp. 183-200
Crano, William D. & Radmila Prislin (eds.). Attitudes and Attitude Change. New York: Psychology Press, 2011.
Egan, Louisa C., Laurie R. Santos & Paul Bloom. “The Origins of Cognitive Dissonance: Evidence from Children and Monkeys.” Psychological Science. vol. 18, no. 11 (2007). pp. 978-983.
Festinger, Leon. A Theory of Cognitive Dissonance. Evanston, IL: Row, Peterson, 1957.
James Y. Shah & Wendi L. Gardner (eds.). Handbook of Motivation Science. New York: Guilford Press, 2008.
Harmon-Jones, Eddie & Judson Mills (eds.). Cognitive Dissonance: Progress on a Pivotal Theory in Social Psychology. Washington, DC: American Psychological Association, 1999.
Mullainathan, Sendhil & Ebonya Washington. “Sticking with Your Vote: Cognitive Dissonance and Political Attitudes.” American Economic Journal: Applied Economics. vol. 1, no. 1 (2009). pp. 86-111.
Posner, George J. et al. “Accommodation of a Scientific Conception: Toward a Theory of Conceptual Change.” Science Education. vol. 66, no. 2 (1982). pp. 211-227.
Taber, Charles S. & Milton Lodge. “Motivated Skepticism in the Evaluation of Political Beliefs.” American Journal of Political Science. vol. 50, no. 3 (2006). pp. 755-769.
Vaidis, David C. Vaidis & Alexandre Bran. “Respectable Challenges to Respectable Theory: Cognitive Dissonance Theory Requires Conceptualization Clarification and Operational Tools.” Frontiers in Psychology. vol. 10, article no. 1189 (May 2019).
[1] Louisa C. Egan, Laurie R. Santos & Paul Bloom, “The Origins of Cognitive Dissonance: Evidence from Children and Monkeys,” Psychological Science, vol. 18, no. 11 (2007), pp. 978-983.
[2] Leon Festinger, A Theory of Cognitive Dissonance (Evanston, IL: Row, Peterson, 1957).
[3] Eddie Harmon-Jones & Judson Mills (eds.), Cognitive Dissonance: Progress on a Pivotal Theory in Social Psychology (Washington, DC: American Psychological Association, 1999).
[4] Eddie Harmon-Jones & Cindy Harmon-Jones, “Cognitive Dissonance Theory: An Update with a Focus on the Action-Based Model,” in: James Y. Shah & Wendi L. Gardner (eds.), Handbook of Motivation Science (New York: Guilford Press, 2008), pp. 71-83.
[5] George A. Akerlof & William T. Dickens, “The Economic Consequences of Cognitive Dissonance,” The American Economic Review, vol. 72, no. 3 (1982), pp. 307-319.
[6] Dan Ariely, Predictably Irrational: The Hidden Forces that Shape our Decisions (New York: Harper Collins, 2010(.
[7] Sendhil Mullainathan & Ebonya Washington, “Sticking with Your Vote: Cognitive Dissonance and Political Attitudes,” American Economic Journal: Applied Economics, vol. 1, no. 1 (2009), pp. 86-111.
[8] Ibid.
[9] George J. Posner et al., “Accommodation of a Scientific Conception: Toward a Theory of Conceptual Change,” Science Education, vol. 66, no. 2 (1982), pp. 211-227.
[10] Charles S. Taber & Milton Lodge, “Motivated Skepticism in the Evaluation of Political Beliefs,” American Journal of Political Science, vol. 50, no. 3 (2006), pp. 755-769.
[11] Daryl J. Bem, “Self-Perception: An Alternative Interpretation of Cognitive Dissonance Phenomena,” Psychological review, vol. 74, no. 3 (1967), pp. 183-200.
[12] William D. Crano & Radmila Prislin (eds.), Attitudes and Attitude Change (New York: Psychology Press, 2011).
[13] David C. Vaidis & Alexandre Bran, “Respectable Challenges to Respectable Theory: Cognitive Dissonance Theory Requires Conceptualization Clarification and Operational Tools,” Frontiers in Psychology, vol. 10, article no. 1189 (May 2019).