الموجز
كليانثس (Cleanthes، نحو 330-230 ق. م.) حكيمٌ رواقيٌّ يوناني، تولّى رئاسة المدرسة الرواقية في أثينا بعد مؤسسها زينون الكيتومي. قَدِمَ إلى مدينة أثينا فقيرًا، وتعلم الفلسفة على يد زينون، واشتهر بالجمع بين الفلسفة والعمل اليدوي لكسب عيشه. تتجلى مكانته، بوصفه فيلسوفًا، في وفائه وقوة صبره وطريقته في تحويل التعب وحالة الفقر المُدقعِ إلى دُربةٍ فلسفيةٍ تمنحه القدرة على ضبط النفس والاحتمال. لهذا يُعدّ كليانثس أنموذجًا للحكيم الرواقي الذي تركزت فلسفته على طريقة العيش المَبنية على مُطابقة القول للعمل، واتَّخَذَ صناعة الفلسفة بمنزلة الرياضة الأخلاقية التي تسعى إلى تهذيب وتربية النفس وجعلها على وفاقٍ مع الطبيعة والعقل والضرورة.
يتجسَّد التُّراث الفكري لكليانثس في أعماله الفلسفية التي ضاع أغلبها، ولم يبق منها إلَّا بعض الشذرات، وفي مقدمتها:
نشيد إلى زيوس
Hymn to Zeus، الذي يُعدّ نصًّا مركزيًّا أجْمَلَ فيه منظوره الثيولوجي والكوني؛ إذ يتجلى زيوس بصفته عقلًا كونيًّا (لوغوس) مبثوثًا في العالم، تنتظم أجزاؤه في توليفة كلية واحدة ومنسجمة. ويَدرسُ كليانثس بعد ذلك قضية الشر ضمن هذا النظام الكلي، ويعتقد أن ما يظهر على أنه شرّ، وفق رؤية الإنسان الجزئي، يسري في أفق الكُل نحو نظام واسع تحكمه قوة العقل. وعليه؛ تجمع فلسفة كليانثس بين ميادين عديدة لاهوتية وأخلاقية وطبيعية، من مُنطلق أن العيش الفلسفي الحقيقي يكمن في مدى انسجام وتوافق العقل البشري مع عقل العالم، وأن يتحول التسليم بالضرورة إلى ضربٍ من ضروب الحكمة.
حياة كليانثس
نعت الأب
لويس فستوجيار {{الأب لويس فستوجيار: (André-Jean Festugière، 1898- 1982) هو راهب دومينيكاني فرنسي، يُعدُّ من أهم الباحثين المختصين في الدين والفلسفة في الأزمنة القديمة المتأخرة، وقد عُرف بدراساته وترجماته عن الأفلاطونية المحدثة والهرمسية.}} الفيلسوف كليانثس بأنه من أعجب وجوه الفلسفة القديمة، وذلك في كتابه وحي هرمس مثلث العظمة La révélation d’Hermès Trimégiste[1] (صدر الجزء الأول منه سنة 1944)، إذ خصص الفصل الحادي عشر من جزئه الثاني لتحليل النص الوحيد الذي ظل من هذا المؤسس الثاني للرواقية:
نشيد إلى زيوس. ويظل
ديوجين لايرتيوس {{ديوجين لايرتيوس: (Diogenes Laertius، نحو 220–240م) كاتب إغريقي مشهور، عُرف بكتابه المركزي:
حياة وآراء الفلاسفة المشهورين، إذ جمع في هذا الكتاب السير الحياتية للفلاسفة وأهم أقوالهم ومقتطفات من نصوصهم الفلسفية، ويُعدّ من أبرز المصادر عن الفلسفة الإغريقية القديمة.}} الذي كثيرًا ما يعرض شهادات المؤرخ الإغريقي
أنتستانس الرودسي {{أنتستانس الرودسي: (Antisthène de Rhodes) هو مؤرخ إغريقي، اشتهر بالتأريخ لفترة بدايات القرن الثاني قبل الميلاد، ويُعتمد في المصادر الدكسوغرافية بوصفه مؤرخًا ناقلًا لأخبار الفلاسفة وأهم الأحداث التي حصلت لهم.}} أهم مصدر لمعرفة كليانثس والاطلاع على أخباره: "كان كليانثس الأسوسي، ابن فينياس الأسوسي (Phanias of Assos)، ملاكمًا، جاء إلى أثينا فقيرًا ليس معه أكثر من أربع دراخمات (Drachma): تعلم الفلسفة من
زينون الكيتومي {{زينون الكيتومي: (Zénon de Cittium، 334-262 ق. م.) هو فيلسوف إغريقي، يعود إليه الفضل في تشييد
المدرسة الرواقية {{المدرسة الرّواقية: (Stoicism) مذهب فلسفي هلنستي، بدأت معالمه الأولى في مدينة أثينا على يد زينون الكيتومي. وتنبني الفلسفة الرواقية على مبدأ أن الهدف من الحياة هو العيش وفقًا للطبيعة، وأن الفضيلة هي الخير الحقيقي الأوحد.}} ووضعِ أسسها المتينة في مجال الأخلاق والطبيعيات والمنطق.}}، ولعله ابتدأ ذلك في سنة 280/ف281 ق. م."[2].
ولئن وصف كليانثس بأنه قد كان "بطيء التعلم"[3]، وبعيدًا عن أن يكون ألمع تلاميذ زينون، إلا أنه كان أوفاهم وأشدهم إخلاصًا له، وفق ما أكده
بيير-مكسيم شول {{بيير-مكسيم شول: (Pierre-Maxime Schuhl، 1902-1984) مؤرخ وفيلسوف فرنسي، مختص في الفلسفة الإغريقية، ولا سيما في فلسفة أفلاطون والتقاليد الفكرية التي درسته وبحثت فلسفته. ألَّف كثيرًا من الأبحاث المرجعية عن تاريخ الفلسفة القديمة في علاقتها مع مشكلات الحداثة.}}[4]. وكان كذلك صبورًا على التعب، يتعلم في النهار، ويعمل في سقاية الحدائق ليلًا، أو في طحن الدقيق للخبّازة في أثينا. وعُرِف ببنيته القوية حتى لُقِّب بين الناس بهرقل الثاني[5].
ويذكر ديوجينس أنه أجاب جوابًا لافتًا عن تعييب
الملك أنتيغونوس الثاني غوناتاس {{الملك أنتيغونوس الثاني غوناتاس: (Antigonus II Gonatas، نحو 320–239 ق. م.). هو ملك مقدونيا، حكمها في فترة القرن الثالث قبل الميلاد، وعُرف في فترة حُكمه بترسيخ النفوذ المقدوني في الإغريق بعد الصراعات والاضطرابات التي حصلت بين الخلفاء الإسكندريين، وكانت أيضًا علاقاته متينة مع الأوساط الفكرية والثقافية في أثينا، وعُرف عنه اهتمامه الكبير بالمدرسة الرواقية.}} له بأنه يعمل في جلب الماء إلى الحدائق؛ فقال: "ماذا؟ هل تراني اقتصرت على جلب الماء؟ ألم ترَ أني أحفر الأرض أيضًا؟ ألم أكن أروي الحديقة وأقوم بكل الأعمال من أجل الفلسفة؟"[6]. ومن الطرائف أن بعض زملائه نعتوه بأنه حمار، فقبل ذلك مضيفًا: "إنه حمار زينون فعلًا، لأنه الوحيد القادر على تحمّل عبء تعاليمه"[7]. ويبدو أن زينون قد استحسن هذا الطبع، فحرص على استبقائه في عمله، وطلب منه أن يدفع له جزءًا من أجره الذي يتقاضاه منه.
تولى رئاسة الرواق بعد وفاة زينون، ودافع عن تعاليم هذا الأخير، وكان من بين تلاميذه
كريسيبّوس {{كريسيبّوس: (Chrysippus، نحو 279–206 ق. م.) فيلسوف يوناني رواقي، يُعدّ بمنزلة المُنظم والضابط لمذهب الرواقية بعد زينون وكليانثس، إذ يرجع إليه الفضل في بناء فلسفة المدرسة على قواعد منطقية وأخلاقية وطبيعية. وخلف الفيلسوف كليانثس في ترؤس المدرسة الرواقية.}} الذي خلفه في رئاسة الرواق من بعده. وهذه الوجوه الثلاثة هي التي تُعرف بها الرواقية الأولى أو "الرواقية القديمة"[8].
أهم مؤلفاته
كان كليانثس كثير التأليف في كل مجالات الفلسفة، وقد ذكر ديوجينس أنه ترك كتبًا عديدة، أحصاها
معجم الفلاسفة القدماء[9] ((Dictionnaire des philosophes antiques لريتشارد غوليه (Richard Goulet، 1943-)، فذكر منها أكثر من سبعة وخمسين كتابًا، يُنتَقى منها خاصة:
-
في الزمان On Time
-
مقالات زينون في الطبيعة (كتابان)
Zeno’s Lectures on Nature
-
تفسير تعاليم هيرقليطس (أربعة كتب)
Interpretation of Heraclitus’ Doctrines
-
في الإحساس On Sensation
-
في الفن On Art
-
ضد ديمقريطس Against Democritus
-
في الميل On Impulse
-
ضد أريستارخوس Against Aristarchus
-
ضد هيرليوس
Against Herillus
-
في الأرباب On the Gods
-
في الشاعر On the Poet
-
في الواجب (ثلاثة كتب)
On Duty
-
في الفضائل On the Virtues
-
في الحب On Love
-
في فن الحب On the Art of Love
-
السياسة Politics
-
في الأشياء الجميلة أخلاقيًّا
On Morally Beautiful Things
-
في الصداقة On Friendship
-
في اللذة On Pleasure
-
في الجدل On Dialectic
-
في ضروب التعبير On Kinds of Expression
-
في فن البلاغة On the Art of Rhetoric
لقد أُورِدت هذه القائمة التي تردد ذكرها عند أكثر من مؤرخ ودكسوغرافي {{دكسوغرافي: (Doxographical) هو نعتٌ يُطلق على ضرب من الكتابة التي تستند إلى جمع أطروحات الفلاسفة وآرائهم ومذاهبهم، إذ تُعرض وتُرتب وفقًا للروايات التي كان متداوَلًا في التقاليد التعليمية، ويُظهرها على شكل تلاخيص وشذرات.}}، لا إحصاءً، وإنما إشارة خاصة إلى سعة ثقافة هذا الفيلسوف الرواقي الذي كان يجمع بين الموضوعات المنطقية، ودروس تاريخ الآراء الفلسفية ومناقشتها، والموضوعات السياسية، والخلقية، والفنية واللغوية. ولعل ذلك مما تمتاز به الفلسفة الرواقية منذ زينون، بل مما تمتاز به المدارس السقراطية (Socratic schools) عمومًا، لأن روَّاد تلك الفلسفات حرصوا على أن يواصلوا تقليدًا سقراطيًّا في التواصل مع الناس، ومع اليومي، والكتابة في مختلف مشاغلهم.
ولم يبق من كل هذه الكتب إلا شذرات محدودة العدد في نصِّها، وأغلب ما بقي روايات لآراء كليانثس ضمن نصوص كثيرًا ما تعمد إلى الحكاية وإعادة الصياغة. ويمكن، في ما يخص هذه الشذرات، التعويل خاصة على مصنفَي
ألفرد تشيلتون بيرسون {{ألفرد تشيلتون بيرسون: (Alfred
Chilton Pearson، 1861-1935) هو عالم كلاسيكيات بريطاني، اشتُهر بتحقيقاته العلمية الرصينة في مجال الأدب الإغريقي، ولا سيما في ميدان التراجيديا، وقد تعلق اسمه بالدراسات الرواقية تحديدًا، إذ اقتدر على جمع الشذرات الفلسفية لكليانثس وزينون.}}[10] (1889) وعلى
هانِس فون أرنيم {{هانِس فون أرنيم: (Hans von Arnim، 1859-1931) فقيه لغوي كلاسيكي مشهور، عُرف بتحقيقاته المرجعية في فلسفات الرواقيين القدامى، وما يزال يُعدّ من أهم المرجعيات المعيارية في الدراسات والأبحاث عن المدرسة الرواقية.}}[11] (1902) في شذرات الرواقيين[12] وعلى ترجماتهما الجزئية لاحقًا.
ويظل
نشيد إلى زيوس أهم نصّ متكامل وصل من كليانثس، وهو نص شعري، اكتسى روحًا صوفية ودينية[13]، وقد خصَّه الشراح بعديد التعليقات والترجمات. وإلى اليوم، يظل هذا النص، إلى جانب بعض الشذرات والشهادات، أهم مرجع تؤخذ منه آراء كليانثس في نظريات المعرفة والطبيعة والكوزمولوجيا والأخلاق والعالم. وبهذا يُعرف كليانثس: تسعة وثلاثون بيتًا ضمن نشيده، وأربعة أبيات أخرى عن القدر.
النشيد إلى زيوس
تقديم النشيد
يتكون النشيد من تسعة وثلاثين بيتًا، ولم تُترجم حتى عام 2026، باستثناء ترجمة جزئية لعثمان أمين {{عثمان أمين: (1905–1978) مفكر مصري معاصر، عمل أستاذًا للفلسفة الحديثة في جامعة القاهرة، ويعود إليه الفضل في خلق اتجاه فلسفي عربي عُرف بالجوّانية. من أهم أعماله الفلسفية:
الفلسفة الرواقية، والجوّانية: أصول عقيدة وفلسفة ثورة.}} في كتابه عن
الفلسفة الرواقية[14]. والنشيد، ككل ما يكتب في الغرض، هو نوع من الابتهال والصلاة المذعنة إلى الإله. ولذلك هو يتكون من قسمَيْن تقليديَّيْن: فهو يبدأ وينتهي بتعظيم
زيوس {{زيوس: (Zeus) هو الإله الأعظم في الميثولوجيا الإغريقية، والحاكم على جبال الأولمب، وملك كل آلهة اليونان. ويُفهم الإله زيوس، في التقاليد الفلسفية الرواقية، بأنه تعبير عن العقل الكوني (اللوغوس).}} والتغني بفضله ونعمته. أما ما يتخلل هذين القسمَيْن من النشيد فهي أبيات تُحلِّل وتُعلِّل فلسفيًّا مظاهر هذه العظمة ضمن نسق منسجم. ذلك أن نشيد كليانثس لا يكتفي بعرض كمالات الكون، بل هو، علاوة على ذلك، يعرض مظاهر الشرّ فيه: إن نشيد كليانثس هو عبارة عن نسق للعالم يتكون من مقدّمة وخاتمة هما العنصر "المتعارف عليه" لكلّ توجه إلى الإله: الإذعان والطاعة، ولكنه يحتوي، أيضًا، عرضَ نظام العالم وكماله، من دون إغفال ما فيه من النقائص التي ينبغي إذن تبرير وجودها في كونٍ يسيّره هذا الإله الذي لا يمكنه أن يريد الشر.
بنية النشيد وعناصره
يتدرج نشيد كليانثس وفق التسلسل الآتي:
- التضرّع (الأبيات الأولى: 1-6)
- وصف عظمة الإله (7-31)
- سيادته على الكون (7-16)
- علاقة عظمته بأفعال الشر (17-31)
- الابتهال الختامي (32-39)
- التضرّع إلى زيوس (الأبيات الستة الأولى): يَستحضر الإله في مجده وعلوية تسييره للكون وفق النظام، وتمام انقياد هذا الأخير إليه: هو "أجلّ الخالدين" وهو "ذو الأسماء العديدة"، وهو "الحاكم الأوحد"[15]، وهو مخاطَب كل الناس، لأنه هو الذي أتاح لهم ذلك.
- وصف عظمة الإله (7-31)
- سيادته على الكون (7-16)
ثم يمر كليانثس إلى إنشاد سيادة الإله على كل ما في الكون، وقدرته المبسوطة على الكون بأسره، فيصف خضوع السماء التي تدور حول الأرض بأنه خضوع "عن طيب خاطر"، ويكشف أن زيوس يتمظهر بوصفه مبدأً عقليًّا/
لوغوسًا كونيًّا {{اللوغوس الكوني (العقل الكوني): (Logos) مفهوم فلسفي يتضمن القول بوجود مبدأ عقلي يُنظم الكون، وهو بمنزلة القانون الكلي الذي يسطّر عالم الطبيعة ويُسيِّرُها ويُنظِّمها ويجعل من العالم قابلًا للفهم.}} بوساطة حزام البرق الناري الذي هو رهن إرادته، والذي يداخل كل شيء ويمتزج به. فيكون العالم بذلك كلًا متساوقًا ومنسجمًا خاضعًا لإرادة واحدة، وعقل واحد.
لا بد أن يُذكَر، على غرار ما فعل عثمان أمين، بأنّ النار التي يتحدث عنها كليانثس ليست هي تلك النار التي تُعرَف بالحواس [...]، بل هي مبدأ ذو صورة هوائية ونارية معًا[16]. ولا شك أن هذا يذكر بنار
هيرقليطس {{هيرقليطس: (Heraclitus، نحو 535–475 ق. م.) فيلسوف إغريقي، عُرف بتصوره الفلسفي القائل إن الواقع هو عبارة عن صيرورة تغيُّرية دائمة، وأيضًا بمفهوم اللوغوس، بوصفه القانون العقلي الكلياني الذي يسيّر العالم ويضبطه ويُنظمه.}} تلك "الرّوح الفنانة"، (The artistic spirit) التي تمثل "العقل البذري" (Seminal reason) لأشياء الكون، ومبدأ تماسكها وانتظامها داخل الكل الكوني.
ولكن هذا النظام الكوني - وهذا أمر تتفق فيه الرواقية القديمة برؤوسها الثلاثة (زينون وكليانثس وكريسبّوس) – سيندثر إلى النار، وسيخلفه نظام آخر. ورغم أنه لا يوجد في نشيد كليانثس تفصيل للقول في هذه المسألة، فقد أورد ديوجينس، في الفقرتين 142 و143 من كتابه عن مشاهير الفلاسفة، قولًا في نشأة العالم لا شك أنه مشترك بين الرواقية القديمة وحتى بعض رؤوس الرواقية الوسيطة مثل
بوسيدوينوس {{بوسيدوينوس: (Posidonius، 135-51 ق. م.) هو فيلسوف ينتمي إلى المدرسة الرواقية الوسطى، ويُعدُّ من الفلاسفة الموسوعيين، لأنه استطاع الجمع بين التاريخ والجغرافيا والطبيعيات والفلسفة، وكان له الفضل في توسيع مجال المدرسة الرواقية، وكان له أيضًا تأثير واضح في الفكر الروماني الذي جاء لاحقًا.}} وبنايتيوس {{بنايتيوس: (Panaetius، 185-109 ق. م.) فيلسوف رواقي من رودس، كان بمنزلة الفيلسوف الوسيط في نقل تراث الرواقية إلى مدينة روما، وإعادة صياغة هذه الفلسفة في ضرب من الأخلاق العملية التي تتوافق والحياة المدنية والسياسية، وكان أيضًا له تأثير واضح في فلسفة شيشرون.}}. فقد أورد ديوجينس أن أصل العالم تحول من النار إلى الرطوبة بتوسط الهواء، "ثم كوّن الجزء الأكثر سمكًا وثخانة منه الأرض، أما الجزء الألطف فقد صار هواء"[17]. وقد تولدت الكائنات الحيوانية والنباتية المختلفة عن اختلاط هذه العناصر.
- علاقة عظمته بأفعال الشر (17-31)
إن إنشاد عظمة الإله وسيادته على العالم لم يمنع كليانثس من أن يخصص الأبيات 17-31 للحديث عن المشكل الأخلاقي للشر: "إذا كان كل شيء في العالم خاضعًا إلى زيوس، فكيف يمكن استيعاب أفعال الشر ضمن سلطانه عليه؟". فلا شيء في أي جزء من هذا العالم، يُمكنه الخروج عن سلطة الإله، لأنَّ ما يتجلى كشرٍّ من رؤية الإنسان الجزئي لا يتأسس وفقًا للتَّصور الرواقي كمبدأ مستقل مضاد للخير، وإنما يندرج معه في انتظام كوني أوحد يحكمه اللوغوس؛ إذ لا يُفهم الشر والخير بمدلولهما الدَّارج، بل من ناحية منزلتهما ضمن عقلانية العالم الكلية.
ينتهي نشيد كليانثس بابتهال إلى الإله بأن يحرر الناس من جهلهم، وأن ينعم عليهم بسداد العقل تناغمًا مع عقل العالم.
أثر كليانثس
يحمل كليانثس أثرًا "جامعًا" من الرواقية لا يقتصر على جانب منها دون الآخر، ففي الرواقية منزع إلى التأمل في العالم والنفس تفرعت بحسبهما الرواقية، ولا سيما في فترتيها الوسيطة والأخيرة، إذ تميزت الوسيطة بمباحث الطبيعيات ومعرفة الكون، في حين تميزت الرواقية الأخيرة، مع
لوكيوس أنّايوس سينيكا {{لوكيوس أنّايوس سينيكا: (Lucius Annaeus Seneca، 4 ق. م.-65م) هو خطيب إغريقي وفيلسوف رواقي ورجل دولة روماني، عُرف واشتهر بأعماله الفلسفية مثل:
الرسائل الأخلاقية إلى لوكيليوس. وقد عرف نهاية مأساوية في أخريات حياته إذ قُسر على الانتحار بأمر من نيرون.}} وإبيكتاتوس {{إبيكتاتوس: (Epictetus، نحو 55–135م) هو فيلسوف ينتمي إلى المدرسة الرواقية، عُرف بمبادئه وتعاليمه الأخلاقية التي تنبني على التفرقة بين ما يقع تحت طائلة استطاعتنا وما لا يقع.}} وماركوس أورليوس {{ماركوس أورليوس: (Marcus Aurelius، 121-180م) هو فيلسوف ينتمي إلى المدرسة الرواقية، وكان أيضًا إمبراطورًا رومانيًّا، عُرف بكتابه:
التأملات، وهو عمل بسط فيه تأملاته الأخلاقية التي تُعبِّر عن مسلك الرواقية العملية في مناحي العيش وفق الطبيعة والعقل وضبط النفس.}} بالنظر في النفس، والتركيز على تهذيبها من الداخل وعدّها بمنزلة "القلعة الباطنية للإنسان"[18]. وكما يتضح في نشيده، فقد جمع كليانثس بين هذين المنزعَيْن الرواقيَّيْن، ولكنه فعل ذلك تحت قبة ضرب من اللاهوت/ الثيولوجيا لعلها تبرز أكثر في نصه الوحيد الذي ظلّ. وهذه الثيولوجيا هي التي جعلت القول في الإله يتراوح بين منزعين: عقلي فيزيائي؛ وصوفي ديني، مثلما لاحظ ذلك الأب فستوجيار، وعرّفه في هذا المفهوم بالإله الكوزمي (Le Dieu cosmique) هو تعبير لاهوتي استخدمه هذا الأخير لنعت تصوره اللاهوتي القائل إن الإله مبدأ كوني دائم الحضور في عالمنا، وينتظم معه باستمرار، بحيث يصبح الكون، في حد ذاته، ميدانًا لتجلي الإله وحضوره[19].
المراجع
العربية
اللائرتي، ديوجينيس.
حياة مشاهير الفلاسفة. ترجمة إمام عبد الفتّاح إمام. مراجعة محمّد حمدي إبراهيم. مج 2. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2007.
أمين، عثمان.
الفلسفة الرواقية. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1971.
الأجنبية
Arnim, Hans von.
Stoicorum veterum fragmenta [1902]. vol. 4. Lipsiae (Leipzig): In aedibus B. G. Teubneri, 1903–1924.
Festugière, André-Jean.
La révélation d’Hermès Trismégiste. Paris : J. Gabalda et Cie. (Librairie Lecoffre), 1949.
“Cleanthes.”
The Encyclopaedia Britannica. 11th ed. vol. 6. Cambridge: Cambridge University Press, 1911.
Hadot, Pierre.
The Inner Citadel: The Meditations of Marcus Aurelius. Michael Chase (trans.). Cambridge, MA: Harvard University Press, 1998.
Goulet, Richard et al. (eds.).
Dictionnaire des philosophes antiques: vol. 2, Babélyca d’Argos à Dyscolius. Paris: CNRS Éditions, 1994.
Goulet, Richard (ed.).
Dictionnaire des philosophes antiques. 7 vols. Paris: CNRS Éditions, 1989-2018.
Laërtius, Diogenes.
The Lives and Opinions of Eminent Philosophers. C. D. Yonge (trans.). London: George Bell & Sons, 1915.
Pearson, Alfred Chilton.
The Fragments of Zeno and Cleanthes: With Introduction and Explanatory Notes. An Essay Which Obtained the Hare Prize in the Year 1889. London: C. J. Clay and Sons (Cambridge University Press Warehouse), 1891.
Schuhl, Pierre-Maxime.
Les Stoïciens. Paris: Gallimard (Coll. Pléiade), 1962.
Sellars, John.
Stoicism, Ancient Philosophies. Chesham : Acumen, 2006.
Thom, Johan. “'The Problem of Evil in Cleanthes' Hymn to Zeus.”
Acta Classica. no. 41 (1998).
https://casa-kvsa.org.za/legacy/1998/AC41-07-Thom.pdf
Wissowa, Georg, Wilhelm Kroll & Kurt Witte (eds.).
Paulys Realencyclopädie der classischen Altertumswissenschaft: Neue Bearbeitung. Bd. XI,1 (Halbband 21): Katoikoi–Komödie. Stuttgart: J. B. Metzler, 1921.
[1]André-Jean Festugière,
La révélation d’Hermès Trismégist: vol. 2, Le Dieu cosmique (Paris: J. Gabalda et Cie. (Librairie Lecoffre), 1949), p. 310وما بعدها .
[2] Richard Goulet et al. (eds.),
Dictionnaire des philosophes antiques : vol. 2, Babélyca d’Argos à Dyscolius (Paris: CNRS Éditions, 1994), p. 409.
[3] Festugière, p. 310.
[4] يُنظر، مقدمة كتاب بيير-مكسيم شول في:
Pierre-Maxime Schuhl,
Les Stoïciens (Paris : Gallimard (Coll. Pléiade), 1962), p. XXXII.
[5] ديوجينيس اللائرتي،
حياة مشاهير الفلاسفة، ترجمة إمام عبد الفتّاح إمام، مراجعة محمّد حمدي إبراهيم، مج 2 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2007)، الفقرة 170، ص 246.
[6] يُنظر مع تصرّف طفيف في ترجمة إمام عبد الفتاح إمام: المرجع نفسه، الفقرة 169، ص 246.
[7] Diogenes Laërtius,
The Lives and Opinions of Eminent Philosophers, C. D. Yonge (trans.) (London: George Bell & Sons, 1915), p. 324.
[8] John Sellars,
Stoicism, Ancient Philosophies (Chesham: Acumen, 2006), pp. 8–11.
[9] يُنظر:
Richard Goulet (ed.),
Dictionnaire des philosophes antiques, 7 vols (Paris: CNRS Éditions, 1989-2018).
[10] يُنظر:
Alfred Chilton Pearson,
The Fragments of Zeno and Cleanthes: With Introduction and Explanatory Notes. An Essay Which Obtained the Hare Prize in the Year 1889 (London: C. J. Clay and Sons (Cambridge University Press Warehouse), 1891).
[11] يُنظر:
Hans von Arnim,
Stoicorum veterum fragmenta [1902], vol. 4 (Lipsiae (Leipzig): In aedibus B. G. Teubneri, 1903–1924).
[12] Hans von Arnim, “Kleanthes,” in: Georg Wissowa, Wilhelm Kroll & Kurt Witte (eds.),
Paulys Realencyclopädie der classischen Altertumswissenschaft: Neue Bearbeitung, Bd. XI,1 (Halbband 21): Katoikoi–Komödie (Stuttgart: J. B. Metzler, 1921), pp. 563–564.
[13] ولعل ذلك ما جعل بيير-مكسيم شول يكتب في مستهل حديثه عن كليانثس ضمن الفصل المتقدم ذكره. يُنظر:
Schuhl,
Les Stoïciens, p. 310.
"قد ينطوي النظام الفلسفي الواحد على ظلالٍ متباينة وفقًا لروح من يعتنقه ويحمله، ولهذا فإن المدرسة الرواقية القديمة التي تظهر لدى زينون أكثر انضباطًا وصرامةً في منحاها الأخلاقي، ولدى كريسبوس أكثر دقةً من الناحية العلمية والجدلية، تتّسم مع كليانثس بالمنحى الديني المحض، بل يُمكن القول إنها تتخذ عنده منحًى صوفيًّا".
[14] يُنظر: عثمان أمين،
الفلسفة الرواقية (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1971)، ص 62-64.
[15] المرجع نفسه، ص 62.
[16] المرجع نفسه، ص 163.
[17] اللائرتي، ج 2، الفقرة 142.
[18] Pierre Hadot,
The Inner Citadel: The Meditations of Marcus Aurelius, Michael Chase (trans.) (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1998), p. 120.
[19] يُنظر الهامش 40 في:
Johan Thom, "The Problem of Evil in Cleanthes' Hymn to Zeus,"
Acta Classica, no. 41 (1998), p. 57.
https://casa-kvsa.org.za/legacy/1998/AC41-07-Thom.pdf