تسجيل الدخول

الحضارة



الموجز

الحضارة من أكثر المصطلحات تداولًا في الخطابات الثقافية والسياسية والتاريخية والاجتماعية الحديثة، وهو يحيل إلى مفهوم متعدّد التفسيرات يضبط المادة التاريخية ويرتّبها في الخطاب التاريخي الحديث والمعاصر. فالحضارة، ومثلها الثقافة، من المفردات وافرة الاستعمال والتوظيف في المجال العمومي، وهي سريعة الانقياد لتوظيفها أيديولوجيًا، إذ وظفت في الصراعات السياسية والأيديولوجية والقومية على امتداد قرنَيْن من الزمن تقريبًا. وقد جاء هذا الحضور على أوجهٍ مُتفاوتة الدقة في الدلالة، تتراوح بين المعاني والمدارك العامّية والمعاني الانطباعية من جهة، والاستعمالات المدروسة والعلمية من المؤرخين وعُلماء الاجتماع، بطرق مُتفاوتة المعاني والمقاصد من جهة أخرى.

يصدق ذلك على استخدامات المفردة في المجال الثقافي العربي، كما يصدق على مرادفاتها في المجالات الثقافية الأخرى، لا سيما وأن الحضارة شأنٌ يكثُر اللجوء إليه لدى الإشارة إلى أمور تتعلّق بالهُوية، والتراث، والماضي، والعلاقات الدولية. 

وقد ارتبط نشوء مفهوم الحضارة الحديث بدخول الزمانية إلى فهم التاريخ، إذ لم يعد الزمان مجرد تعاقب للأحداث، بل صار قوة فاعلة في انتقال المجتمعات نفسها من طور إلى آخر، الأمر الذي جعل مفهوم الحضارة مقرونًا بمسألة التقدم والتخلف، وبالتصورات الوضعية والتطورية التي رأت في التاريخ مسارات صاعدة من البداوة أو الهمجية إلى المدنيّة والتحضّر. غير أنّ هذا المسار لم يكن واحدًا، بل ظهر بموازاته اتجاهات رومانسية شدّدت على فرادة الأمم وتمايز الثقافات، وعلى استمرارها العضوي عبر الزمن، فضلًا عن الاتجاه الكوني الذي رأى أنّ الحضارة نتاج مشترك للبشرية. 

انتقلت الكتابة حول مفهوم الحضارات من تقديم تواريخ عامّة للتقدم البشري، إلى تنميط وتصنيف للحضارات بوصفها كيانات جامعة كبرى ذات سمات معينة وخصوصيات فريدة. ففي أعمال دانيلفكسي وشبنغلر وتوينبي تظهر الحضارات بوصفها كائنات تاريخية لها أطوار من الولادة والنمو والنضج ثم التراجع، أو بوصفها وحدات كبرى متمايزة في شروطها ورموزها وقيمها. وقد ارتبط هذا الاتجاه في التفكير بشأن الحضارة مع صعود فكرة الحضارة الغربية، وما رافقها من محاولات لتفسير التفوق الأوروبي وتحديد أسبابه وردّها عند البعض إلى عوامل في الجغرافيا أو المناخ أو البنى الدينية والاجتماعية. ثم ظهر اتجاه في التحليل الحضاري، كما عند ماكس فيبر، يدرس الحضارات من خلال أنماط العقلانية والدين والسلطة والنظم القانونية والاقتصادية. 

أمّا في الثقافة العربية، فقد ارتبطت كلمة الحضارة في معناها التراثي واللغوي بما هو مقابل للبداوة، ثم اكتسبت في العصر الحديث معاني جديدة متأثرة بالمفهوم والاستخدامات الأوروبية، ولاسيما بما تتضمنه من معاني التقدم والتمدّن والتطور التاريخي، قبل أن يستقر استعمال المصطلح للدلالة على المعنى الحديث الواسع، ويرتبط بقضايا النهضة والانحطاط والأصالة والمعاصرة، لاسيما بعد هزيمة عام 1967، حين تفجّر السؤال من جديد عن موقع العرب في التاريخ العالمي، وعن أسباب التأخر والانحطاط وسبل الخروج منه. لكن ظل مفهوم الحضارة في الثقافة العربية الحديثة ميدانًا للتوتر والجدل بين التاريخ والهوية، وبين التحليل المفهومي والاستخدام الخطابي والإيديولوجي. فالمصطلح لا يستخدم دائمًا بالإحالة إلى مفهوم منضبط، بل كثيرًا ما يوظّف بوصفها مفردة شاملة تعبر عن الأصالة أو النهوض أو الخصوصية.

المفهوم واستعمالاته

الحضارة: الكلمة والمصطلح

اتّخذ مفهوم الحضارة في الفكر الأوروبي الحديث مجريَيْن دلاليَّيْن أساسيَّيْن تضافرا مع تيارات أيديولوجية متباينة على امتداد القرنَيْن التاسع عشر والعشرين. ويقصد هنا أساسًا المفهوم الذي تؤديه كلمة Civilisation، مع أن كلمة Culture، أي الثقافة، قد استُعملت في كثير من الأحيان لأداء الدلالات نفسها، إذ كثيرًا ما تكون الكلمتان مترادفتَيْن. أما في حال الإشارة إلى تبايُنات المعنى، فإن ذلك يظهر في الاستعمال الذي يقرن بين الحضارة وما هو عامّ في التطور البشري، وبين الثقافة والخصوصيات المميِّزة لجماعة عمّا خلاها من الجماعات البشرية. إن الكلمة الأولى قد استُعملت بهذا المعنى أيضًا، وهذا يوجب الحذر والتنبّه عند استعمال الكلمتَيْن، ثم إن استخدامهما معًا لأداء معانٍ متداخلة قد ارتبط في مراحل معينة بخلافات فكرية وسياسية أوسع.

ترجع جذور المصطلح إلى كلمة Civilitas اللاتينية، ومنها جاءت صيغ civility-civilité التي أدّت معاني الثقافة والتمدّن؛ أي النزول في المدينة، بوصفها حالة مورفولوجية مجرّدة عن الزمان ومُشيرةً إلى تهذيب أخلاق الأفراد. ثم اكتسبت دلالاتها الأحدث والأوسع عندما دخلت في مجالات الاستعمال والخطاب المُنتمية إلى حقل دلالي مرتبط بالتاريخ والتقدّم، المتضمّنة التطلّع إلى ترقٍّ مستمرّ في المستقبل؛ أي إن المقصود بالحضارة هنا ليس جِدة هذا المعنى الجزئي أو ذاك، ولكن اندراجه في حركة نماء إنساني شامل، معيارها التحسّن العقلي والخُلقي والأدبي في حركة متصاعدة، على خلاف التركيز على الوفاء للماضي الذي كان سائدًا في العصور الأقدم.

إن مفهوم الحضارة بمعانيه الحديثة لم يكن ممكنًا لولا دخول الزمانية إلى مجال تصوّر التاريخ على معنًى يُفيد الطابع النوعي للزمان، بحيث ينتقل مفهوم الزمان من دلالة لا تفيد إلا تتابع الأحداث إلى دلالة تُضفي على الزمان طابع الفاعل النوعي، على النحو الذي يرتبط اللاحق فيه بالسابق بعلاقة تجاوزٍ وترقٍّ؛ فلئن كانت الكلمات المتصلة بالحضارة قديمة وذات جذور لاتينية (civis, civil, civilité, civility)، وتُفيد ما يُعرف بالآداب العربية بالتهذيب واللطف وحُسن الأدب والأخلاق، فإنها قد دخلت في مجال مفهومي ومُعجمي جديد بدءًا من أواخر القرن الثامن عشر. ويتناول هذا الكلام نوعًا مُعيَّنًا من التحوّل الذي أضحى في أواخر القرن الثامن عشر، وعلى امتداد القرن التاسع عشر وما يليه، عنصرًا مُكوَّنًا من الثقافة العالمية في نظرتها إلى التاريخ، وفي آفاق نظرتها إلى المستقبل، أوروبيًا أولًا ثم عالميًا. بذلك، أضحى للزمان طابع دينامي فاعل متمايز عن مفاهيم سابقة للزمن عَدَّته سياقًا صرفًا لتسلسل الحوادث، وقد أُطلقت على الصفة النوعية هذه لفعل الزمان مفردة التقدّم أو الترقّي.[1]

بذلك، يُنظر إلى التقدّم في التاريخ بهذا الاعتبار على أنه مُناظر لاكتشاف مفهوم المنظور البصري (perspective) وتطبيقه، وهو مفهوم قام عليه التحوّل الكبير في فن الرسم في عصر النهضة في إيطاليا، على النحو الذي يصبح فيه للمسافة من نقطة الرؤية وزاويتها أثر في صفات الموضوع المُصَوَّر، وذلك اعتمادًا على هندسة علم المناظر التي وضعها ابن الهيثم البَصري، حسب دراسة مُستفيضة لهانز بيلتِنغ (Hans Belting، 1935-2023)، أحد كبار دارسي تاريخ الفن[2].

إن هذا القِران بين مفهوم الحضارة الحديث ومفهوم الترقّي العقلي والأخلاقي والسلوكي، هو ما جعل من الترقّي مناط الاشتراك في المعنى بين الحضارة والثقافة، وذلك في كونهما درجتَيْن متمايزتَيْن على سُلَّم مشترك[3]. في كل الأحوال، فإن المُسلَّمة الثاوية في كل استعمال للكلمات التي تُفيد الحضارة والثقافة والمَدنية، وكل خطاب يتعلّق بها، هي الفصل بين نوعَيْن متفارقَيْن من العمران البشري: الهمجي البدائي، والمتحضّر[4]، ثم الانتقال من الواحد إلى الآخر.

الحضارة وزمن الحداثة

اتخذ مفهوم الحضارة في التاريخ وآفاق المستقبل منحًى موازيًا لمناحي أنواع أخرى من المعارف التي تحوّلت نوعيًا في الفترة نفسها، كالمعارف بالتواريخ، وتطوّر اللغات، والطبقات الجيولوجية، والأجناس الحيوانية والنباتية، وتطوّر الجنس البشري الذي تناولَتْه باستفاضة مدارس معروفة كالوضعية عند أوغست كونت (Auguste Comte، 1798-1857) وهربرت سبنسر (Herbert Spencer، 1820-1903)، ولدى أنثروبولوجيين من بينهم إدوارد تايلر (Edward Tylor، 1832-1917)[5]. وقد عَدَّت تلك المدارس الزمن عنصرًا إيجابيًا فاعلًا تصاعديًا، يجعل للتطوّر أدوارًا متتالية ذات دوافع وديناميات داخلية، كانتقال الجنس البشري في مقدراته المعرفية من الطور اللاهوتي إلى الميتافيزيقي، وأخيرًا إلى الوضعي العلمي لدى كونت، أو الانتقال من طور الوحشية إلى طور الهمجية، ثم إلى طور الحضارة لدى تايلر. تُضارِع هذه المدارس مفهوميًا ما جاء في بعض فلسفات التاريخ لذلك العصر، من انتقال أدوار الحضارة البشرية في حركة تصاعدية تُشهد بوضوح عند هيغل (Hegel، 1770-1831) تحت تسمية الروح ((Geist، متحوّلة في أدوارها من الحضارات الشرقية إلى الجرمانية وصولًا إلى البروسية. ولم يكن التصور الماركسي لتطوّر التاريخ البشري من المشاعية إلى العبودية، إلى الإقطاع إلى الرأسمالية، وأخيرًا إلى أُفق الشيوعية، بعيداً عن هذه التصوّرات للزمان.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


من الواضح أن مفهوم الحضارة هذا يتناول السرد من جهة والمفاضلة المعيارية من جهة أخرى، ويُفاضِل في الحالتَيْن بين الأزمنة باعتماد سُلّمٍ للترقّي والنماء الشامل للعقل والأخلاق والحياة المدنية والسياسية، ويُوازي بين حاضر المجتمعات التي تُعَدّ بدائية وماضي المجتمعات التي عُزي إليها التقدّم، في سياق السيطرة الأوروبية المتنامية على أجزاء المعمورة كافة[6]. يُذكر أن للوجه المعياري التفاضلي للمفهوم استعمالات تتضافر مع التمايزات داخل الجسم السياسي الواحد، فلم يكن تايلر الوحيد الذي وجد في رعاع العامّة في بلده بريطانيا نظائرَ للشعوب الهمجية، ولم يكن إداريّو الدولة الفرنسية الحديثة الوحيدين الذين وجدوا في بعض المناطق الريفية في بلادهم -مثل تلال سافوا في شرق فرنسا وكورسيكا- مناطقَ مُتدنّية الحضارة تُناظِر شعوب المستعمرات في الجزائر والمحيط الهادي[7].

عُرّف مفهوم الحضارة في اعتبارها الزماني على وجهَيْن أساسيَّيْن استمرّا حتى اليوم: أحدهما كونيّ التوجّه تمّ التطرّق إليه؛ والآخر أكثر تنبّهًا إلى خصوصيات الجماعات الحضارية والقومية. وقد تضافر هذان الوجهان مع التنافر بين التيارات المُعادية للأنوار الأوروبية في القرن الثامن عشر، وبين تلك التي انطلقت من تراث الأنوار وتبنّت مفهومًا شاملًا كوزموبوليتيًا للبشرية وإمكانية تطوّرها مجتمعة. وقد توازى هذا التمايز مع تمايز آخر بين القوى السياسية والأيديولوجية المحافظة من جهة، وتلك القوى التي إما ساندت الثورة الفرنسية وما تلاها من ثورات، وإما بنت على تلك الحركات أيديولوجيات ثورية واشتراكية تمثّلت في النهاية في الماركسية والفوضوية والاشتراكية الديمقراطية. توجد هذه الانشطارات داخل فرنسا أيضًا، مثل التيار المحافظ بشخصيات ثقافية كبيرة والت الكنيسة والمَلكية والتراتبية الاجتماعية القديمة، مثل جوزيف دو ميستر (Joseph de Maistre، 1753-1821) ولويس دو بونال (Louis de Bonald، 1754-1840)، وقد كان لكليهما نظراء فكريون على امتداد أوروبا، ربما كان ألمعهم فكريًا البريطاني الإيرلندي إدمُند بورك (Edmund Burke، 1729-1797).

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


وقد تبنّى هؤلاء وغيرهم نظرة رومانسية إلى التاريخ، تنطلق من نقد الثورة الفرنسية التي وجدوا فيها حركة غوغائية مدمّرة لأُسس الحضارة، وشدّدوا على تمايز الأمم القائم على التراث والاستمرار، وتبنّوا نظرة تتنافر بدرجات متفاوتة مع مفهوم الحضارة المستند إلى زمانية مُقِرّة بالقطع بين المراحل في التاريخ. والحال أن التنافر بين النظرية الرومانسية قد تمثّل لمدة طويلة، وعلى امتداد القرن التاسع عشر، في التفارق بين مفهوم الثقافة (Kultur) المستخدم في ألمانيا، ومفهوم الحضارة الذي ساد في فرنسا. وقد كان المفهوم الأخير قد أضحى مناط التاريخ العامّ على الصورة التي وضعها ڨولتير (Voltaire، 1694-1778) في تاريخه الحضاري الشامل الضخم المعنون بـ مقالة في الأخلاق وروح الأمم، الذي نُشر كاملًا لأول مرة عام 1756، والذي أحجم عن الابتداء فيه برواية الخلق التوراتية كما كان معهودًا في التواريخ العالمية[8].

ولئن لم يستخدم ڨولتير لفظة الحضارة، بل الخُلق والعادات (les moeurs)، فإن تاريخه كان تاريخ ما أضحى بعد ذلك بقليلٍ يُعرف بالحضارة، أي تاريخ الاقتصاد والممارسات والأديان والفنون وغيرها من المظاهر التاريخية للأمم، التي عَدّ ڨولتير الأساسي منها -فضلًا عن أوروبا- الصين والهند والفرس والترك والعرب[9].

أما يوهان غوتفريد هردر (Johann Gottfried Herder، 1744-1803)، فقد كان الشخصية المحورية في تفارُق مفهومَي الثقافة (Kultur) والحضارة (Zivilisation)، وفي استقرارهما في ظرف مُعيَّن على مدلولات متمايزة في أفقها وغرضِها رغم تداخل المدلولات، فقد جعل الثقافة مناط نظرية تاريخية رومانسية ناهضت عالمية الأنوار، وشيّد نظرية في تواريخ الأقوام عمادها ثقافات هذه الأقوام المستقرّة في عبقرية لُغتها وسائر قواها الكامنة التي تنمو وتنضج من دون أن تتحوّل نوعيًا (وذلك في كتاب أفكار من أجل فلسفة في تاريخ البشرية (1784-1791)). فالثقافة، وهي التعبير الأكمل عن النشاط البشري الساعي إلى استكمال إنسانيته، ثمرة جوهر الأمة التي لها أن تتقدّم، من دون أن يعني ذلك أنها تقترب من الاكتمال أو الكمال[10].

بناءً على ذلك، فإن فهم ثقافةٍ ما وتاريخها يجري قياسًا على الكائنات الحية التي تنمو منفردة وتكبر وتمرض ثم تهرم، إلى سائر هذه المجازات واسعة التداول في هذا الفهم للشخصيات التاريخية المنفردة والمتمايزة للحضارات. أما مفهوم الثقافة بهذا الاعتبار، فهو مفهوم عضواني مبني على مجاز بيولوجي، وذلك في تضاد مع المفهوم الميكانيكي للتقدّم الذي ساد في عصر الأنوار، والذي وجد التقدّم عملية منفتحة ومتحوّلة نوعيًا على مرّ الزمان، وعرضة للدخول في علاقات سببية مع القوى الخارجية الباعثة عليها، بدلًا من استنادها إلى ديناميات داخلية مغلقة؛ أي إن التضاد هذا يُحاكي التضاد بين البيولوجيا والفيزياء النيوتونية التي أخذ بها إيمانويل كانط (Immanuel Kant، 1724-1804)، أستاذ هردر الذي كتب في تعليقه على كتاب هردر المعروف بـ أفكار أن تلميذه قد جافى متطلّبات التحليل العقلي للتاريخ، وأنه لجأ إلى الاستعارات والمجازات والإحالات على الأساطير وإلى العبارات الشعرية، بحيث استبدل الحقائق بالأمثلة، والتفسيرات بالأدوات البلاغية[11].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


يُمثِّل التضاد بين الاثنَيْن تضادًا أعرض في النظر إلى التاريخ والمجتمع والسياسة ما زال قائمًا. ولئن كانت أحكام كانط على شؤون السياسة والأخلاق والتاريخ قائمة على اعتبار العقل، كأحكامه على سائر الأمور، فإن أحكام هردر قامت على نمط من الفهم والتأويل، انطلاقًا من الإدراك التعاطفي (verstehen) الذي أتاح له قدرًا من الفضول الكوزموبوليتي وسَعة الأفق والسخاء في الأحكام التي يُطلِقُها، ما مكّنه من تثمين فرادة التواريخ على حساب تضافر سياقات التاريخ ومساراته في مجرًى إنساني جامع واحد. وقد ثمَّن بموجب منظوره هذا حضارة العرب القُدامى وحضارة العبرانيين (ألّف كتاب في روح الشعر العبري عام 1783) بناءً على آدابهم، وبوصفهم في النهاية -وفقًا له- أطفال البشرية القُدامى القائمين على صفاء الفطرة، في تصوّرٍ ليس بعيدًا عن أفكار جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau، 1712-1778) الأكثر شهرة[12].

وقد استمرّ هذا التفارق بين المفهوم الرومانسي والمفهوم الوضعي الحداثي فاعلًا في الانشطارات السياسية والأيديولوجية بين الأستاذ كانط والتلميذ هردر، التي اندرجت لاحقًا في مسارات القومية الألمانية. طبع هذا الانشطار عناصر مهمة في الثقافة السياسية والوجدانية للقومية الألمانية، بدايةً من الحركات المُناهضة للاحتلال النابليوني، وصولًا إلى الاشتراكية القومية (النازية). كانت هذه الصلة التاريخية والأيديولوجية واضحة لدى أحد أكبر فلاسفتها: هانز غيورغ غادامر (Hans-Georg Gadamer، 1900-2002)، الذي وجد في هردر منهل فلسفة التاريخ التي استندت إليها النازية[13]، التي استلهمت نظرية عضوانية بيولوجية في التاريخ ماثلت بين الحضارة والجنس أو العرق. أما الباعث على هذا التنافر فقد كان العداوة التي امتدّت من الاحتلال النابليوني إلى الحرب البروسية-الفرنسية (1870-1871)، التي حُوصرت باريس خلالها وقُصفت، ما أدى إلى الانتفاضة التي انتهت في عامية باريس ربيع عام 1871. استمرّت هذه العداوة مع صعود النوازع القومية الألمانية والفرنسية واستفحالها حتى الحرب العالمية الأولى، وصولًا إلى الحرب العالمية الثانية واحتلال ألمانيا لباريس.

أما حداثوية كانط، فقد سارت في مسار آخر انتعش أساسًا في فرنسا، ولدى قوى اليسار على امتداد أوروبا، ولدى حركات الحداثة عالميًا. يُلحظ في هذا المسار للاندراج السياسي والثقافي لمفهوم الحضارة بمفردته المعروفة Civilisation، أن مدلول المصطلح قد بدأ بالثبات على معانيه الحديثة في مناخ موسوعة ديدرو (Denis Diderot، 1713-1784)، بعد انتقال المفردة من معاني التثقيف والتعليم والتهذيب الذاتي إلى معانٍ تُطلَق على الترقّي العامّ للجماعات، وهو التحوّل الذي استعارته ألمانيا من فرنسا في ذلك الحين (كما يتبيّن لدى هردر)، مستخدمةً لفظة Kultur لأداء المعنى نفسه. يُشار هنا إلى ما سبق وأن ورد وما سيرد بعد ذلك، من أن لفظتَي الحضارة والثقافة لفظتان متداخلتان مفهوميًا، تُطلَقان على حقول تداولية مشتركة. وفي إشارة مشتركة إلى تواريخ عامّة، كان من الممكن -وما زال- استخدام اللفظتَيْن للإشارة إلى وحدات بشرية متفاوتة السعة والامتداد، كالأمة والشعب والحضارة الأشمل مجالًا جغرافيًا.

وقد حصل هذا التداخل في جوٍّ من التنافر والازدراء المتبادل بين من استخدم إحدى اللفظتَيْن، ذلك أن المعاني التي استخدمها الفرنسيون على العموم كانت تتوخّى الكونية، ولو أنها اتّخذت في كثير من الأحيان فرنسا بمنزلة مَجازٍ مُرسَل للحضارة بكلّيتها، وبمنزلة الجزء للكل فيها[14]. أما الاستعمال الألماني، فكثيرًا ما كان يتفاخر بالثقافة ويزدري الحضارة العابرة للأمم والجماعات، بوصفها مؤشرًا على الاستلاب والانسلاخ. إنّ المسار الفرنسي عالَمي التوجّه والاستقبال كان قد ابتدأ بمناصرة الثورة الفرنسية التي رحَّب بها كانط، والتي قامت النوازعُ الرومانسية التاريخية في ألمانيا وفرنسا وغيرهما في تضادّ معها ومع تيار الأنوار، كما يتبيّن في أعمال مفكّرين كبار مثل دو ميستر في فرنسا وبورك في بريطانيا. وربما كانت المدرسة التاريخية للقانون في ألمانيا، بدءًا من الربع الثاني من القرن التاسع عشر إلى عام 1945، من أكثر التعبيرات اكتمالًا ومنهجية عن هذا النَّفَس الحضاري الثقافوي الشامل، وعن استدخال مفهوم عامّ للأصالة في معرض التفكير بفاعليات تشريعية ممكنة، وذلك ما يُلمَس فيه حضور هردر[15].

إن التعارض بين المفهومَيْن الكوزموبوليتي والماهوي للحضارة، مهما كانت العبارة المستخدمة للدلالة عليهما، كان تنافرًا بين مفهومَيْن: الأول مفهوم عامّ لوحدة الجنس البشري واتّساق مظاهره المختلفة، بناءً على افتراض الاشتراك في مسار التطوّر البشري وارتباط المظاهر الحضارية بالمحطات الزمنية لسُلَّم الرُّقي. وبهذا الاعتبار، فإن الحضارة والثقافة شأنان لا بد وأن يكونا متمايزَيْن عن الطبيعة الصمّاء؛ أما المفهوم الآخر، فهو يرى في الأمم والثقافات أو الحضارات ظواهرَ نظيرة للطبيعة في ثباتها، كونها جماعات وبُنًى قارّة عابرة للزمن وعصية على التحوّل الفعلي، أي إنها بمنزلة الطبيعة التي تسبق التاريخ وتبنيه من دون أن تُبنى عليه. بهذا المعنى، فإن أي مظاهر تحوّل حضاري في التاريخ ستتناول في هذا الفهم استكمال ما وجد في لحظة قيام الحضارة/ الثقافة وما كَمُن فيها بفعل طبيعتها.

في تمايُزٍ مع هذه النظرة إلى توازي الحضارات، جاءت النظرة الكوزموبوليتية التي وجدت في الحضارة نتاج تراكم الجهد البشري عمومًا. ولعل أكثر النصوص أثرًا في بروز المفهوم وانتشاره كان تاريخ الحضارة في أوروبا لفرانسوا غيزو (بالفرنسية: François Guizot، 1787-1874) السياسي والمؤلّف الفرنسي الشهير، الذي نُشر وطُبع مرارًا وتُرجم من الفرنسية إلى لغات عدة بعد صدور طبعته الأولى عام 1828؛ علاوة على كُتبه حول تاريخ الحضارة في فرنسا، وتاريخ إنكلترا، وغير ذلك. وقد كان عمادَ نظرته عَدُّ الحضارة نتاجًا بشريًا يشتمل على تطوّر كل مظاهر الحياة من الصناعة والتجارة والحياة المدنية، وترتيبها وصولًا إلى العلوم والفنون والمعارف التي تتنقل من طور إلى طور أكثر نماءً ورُقيًّا على مرّ الزمان، لدى المصريين والرومان والفينيقيين وغيرهم. لذلك، دلّ العنوان على تاريخ لمفهوم عامّ، وعلى عملية تاريخية هي الحضارة في أقطار تجلّت فيها على نحو متوازٍ. كانت روافد الرُّقي الحضاري الأوروبي متعددة، كالفنون الإيطالية ونظم الحكم البريطانية، وكان كل منها جزءًا بمنزلة الكل. إلا أن تواريخ الحضارة تتضافر وتجتمع في شكلها الأكثر تطورًا في بوتقة أوروبية عمادها فرنسا، جامعةً لنتاج التاريخ الإنساني عمومًا. بذلك، تُدرَج الخصوصيات الوطنية في عموم إنساني، وتصبح فرنسا مناط قدر البشرية الذي ينطوي على انتشار الحضارة رديفة التقدّم وتعميمها.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


انتشرت هذه الأفكار إلى أجزاء المعمورة كافة بالمُحاكاة، وأصبحت معيارًا للرُّقي بمعية التوسّع الكولونيالي وغيره لدول أوروبية على امتداد القرن التاسع عشر. أما تواريخ ما خلا أوروبا، فقد أضحت من هذا المنظور بمنزلة ما قبل تاريخ الحضارة الأوروبية الكونية. وبعد دخول المعارف التاريخية الحديثة حول مصر والعراق، وُضعت هذه التواريخ في البدايات الزمانية للحضارة العالمية -المُكنّى عنها بأوروبا- بحيث أصبح تاريخ مصر وتاريخ ما بين النهرَيْن من سوابق التاريخ العالمي وبواكيره[16]. ولا حصر للكتب التي تناولت تاريخ هذه الحضارة أو تلك على امتداد القرن التاسع عشر، كحضارة أوروبا أو فرنسا أو غيرهما. وثمة مؤشرات رقمية للتوسّع المتسارع لاستعمال المفهوم في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وانتقاله من مجال البحوث إلى الثقافة العامة وقد توسّع استخدام لفظة الحضارة لدى المؤرّخين في تلك المرحلة على صورة كادت أن تكون مُرسَلة في مداها وفي اللفظة نفسها. وقد مكّن ذلك من التأليف في حضارة العرب، كما فعل غوستاف لوبون (بالفرنسية: Gustave Le Bon) عام 1884 مستخدِمًا لفظة civilisation[18] أو حضارة عصر النهضة الأوروبية، كما فعل ياكوب بوركهارت (بالألمانية: Jacob Burckhardt، 1818-1897) في كتابه الشهير المنشور عام 1860، الذي قنّن دراسة هذه الفترة لأجيال لاحقة، بدراسة الدولة والفن، وصعود الفرد، واستلهام التراث القديم، واكتشاف الإنسان كقيمة مستقلة، والعالَم الطبيعي، تحت مُسمّى الثقافة(Kultur) [19]. أما ترجمات هذا الكتاب إلى الفرنسية والإنكليزية فقد استخدمت لفظةcivilisation ، واعتمدت الترجمة الإيطاليةcivilità .

ولئن كان محور دراسة بوركهارت حقبة مُعيَّنة في مكان مُعيَّن، والنتاج الفني والأدبي والعقلي الناتج منها، فقد جاء محور لوبون شعبًا مُعيَّنًا هو شعب العرب، الذي عرّفه بوصفه عرقًا (race) مستقلًّا له طبائع وأخلاق وعادات مستمرّة على مرّ الزمن، توافقت مع ما جاء به الإسلام النابع بدوره من هذا العرق. وقد كانت هذه الطبائع والعادات والشيم هي ما أدت إلى نجاح الفتوحات العربية وقيام دولها التي ساعدت على بروز الثقافة الباهرة التي صنعها العرب، وأدّت بدورها -وفي ظروف مستجدّة- إلى الضعف والضمور التاريخيَّيْن. ويمكن الإشارة هنا إلى تبايُنٍ بين هذا الموقف العضواني الجوهراني -أي حصر الحضارة بجماعة تاريخية مستمرة- وبين موقف غيزو الدينامي الذي يتّخذ من فضاء جغرافي موضعًا لعمليات تاريخية ليست مرتبطة بطبائع شعب أو مجموعة من الشعوب، بل هي نتيجة للجهد والفاعلية والتقدّم البشري.

الحضارة بوصفها ظاهرة تاريخية

طُرح شأن الحضارات الجامعة في سياق تشكّل مجتمع سياسي أوروبي من الأمم، مع الجنوح إلى التفكير في الحضارات بوصفها وحدات مغلقة، جريًا على ما استقرّ عليه المفهوم الرومانسي للأمم.

تاريخ الحضارة والتاريخ الطبيعي

لا شك في أن أوّل من صاغ نظرية الحضارات عالمية الشمول، والمبنية على فكرة فرادة كل حضارة وفرديتها، بحيث اعتبر تاريخ الجماعات البشرية بمنزلة تاريخ طبيعي، كان الروسي نيكولاي ياكوفليفيتش دانيلفسكي (Nikolay Yakovlevich Danilevsky، 1822-1885)، الذي كان لكتابه روسيا وأوروبا (نُشر عام 1869) كبير الأثر في بعض أوساط المثقفين الأوروبيين، بعد تلخيصه بالفرنسية عام 1871 وترجمته إلى الألمانية عام 1920[20]. وقد كان هذا العالِم الطبيعي، الذي اشتغل في مجالات الجغرافيا والإثنولوجيا وعلوم الحياة، من دُعاة القومية السلافية الجامعة.

وجد دانيلفسكي في الحضارات كيانات طبيعية قائمة على قوام لُغوي مشترك يُملي مسارًا تاريخيًا ثقافيًا مشتركًا، ما يجعل الفواصل المتداولة في الجغرافيا السياسية العابرة لمواطن الأقوام فواصلَ اصطناعية[21]. وتَنتُج من الفواصل الثقافية الطبيعية فواصلُ جوهرية يرى فيها المؤلّف تنافرًا بين عنف وتعصّب الثقافة الجرمانية- الرومانية المُتمثّلة في الكاثوليكية والبروتستانتية، وبين نقائض هذه في الثقافة السلافية الأرثوذكسية، حسب رأيه. ولئن كان غرض دانيلفسكي الفصل بين روسيا وأوروبا والانتصار لأصحاب أصالة الرّوس على حساب التغريبيين داخل روسيا، فإن نظريته كانت أوسع أُفقًا، واشتملت على النماذج الثقافية التاريخية المصرية والصينية، والآشورية- البابلية- الفينيقية والكلدانية، أو السامية القديمة، والهندية والإيرانية واليهودية واليونانية والرومانية والعربية أو السامية الجديدة، والمكسيكية والبيروفية، وأخيرًا الجرمانية الرومانية والسلافية[22].

وجد دانيلفسكي أن للحضارات مسارات طبيعية متماثلة تحكمها قوانين ثابتة، أهمّها ضرورة الانتقال السياسي كشرط لإمكانية التطوّر والنمو، وأن طبائع حضارة ما لا يمكن أن تُستزرع في حضارة أخرى، وأن ازدهار الحضارات يُقارَن بالنباتات التي تنمو ببطء وتزهر مرة واحدة قبل ضمورها النهائي وزوالها[23]. ورأى أنه، ولئن امتنع التلاقح والاستزراع، فإن ثمة آثارًا تنتقل بين الحضارات من دون المساس بالجواهر التي لها، ذلك مع استثناء حضارات منغلقة على نفسها رغم إنجازاتها كالهند والصين، وبالتأكيد أيضًا الحضارات التي لم يُكتب لها الاكتمال أو غير القادرة خلقيًا على النمو، كحضارة فنلندا على ما رأى. وهو يشير إلى خصائص طاغية على حضارات عدة، كالجمال بالنسبة لليونان، والعلم للأوروبيين، والديانة للساميين، أو القانون للرومان، والدراية العملية للصينيين، أو التصوّف للهنود. أما السلافيون، فهو يرى فيهم حضارة اقتصادية واجتماعية في طور النشوء. وقد تضافر أثر الكتاب مع أثر نظريات مناظرة له لدى هردر، كان لها أثر في روسيا في القرن التاسع عشر، خصوصًا لدى مثقّفي الأصالة المُعادين للغرب الأوروبي، ودُعاتها مثل الروائيَّيْن دوستويفسكي وتولستوي وغيرهما من المُحافظين، بعد ترجمة مبكّرة وغير كاملة لكتابه أفكار إلى اللغة الروسية عام 1829[24].

عمل دانيلفسكي على امتداد عقود على دراسة ومسح الظروف الطبيعية الجغرافية والبشرية والنباتية والحيوانية لبلده المتوسّعة آنذاك جنوبًا وشرقًا، بتكليف من الدولة. ويتبيّن جليًا لديه أثر مُقايسة الحضارات على الكائنات العضوية. أما أوزوالد شبنغلر (بالألمانية: Oswald Spengler، 1880-1936)، مؤلف الكتاب الشهير تدهور الغرب: معالم مورفولوجيا التاريخ العالمي (1918-1922)[25]، فقد كان أستاذًا غريب الأطوار في مدرسة ثانوية، ومؤلِّفًا موسوعيَّ الثقافة، اشتُهر عالميًا بنظرة عضوانية ترى الحضارات بمنزلة الكائنات الحية، فهو قد انتصر لنظرة الشاعر غوته (Goethe، 1749-1832)، رائد الأدب الرومانسي في ألمانيا وفي ثقافة أوروبا عمومًا؛ فتمامًا كما انتصر هردر للعضوانية في مواجهة ميكانيكية الأنوار، عَدّ غوته الطبيعة كائنا حيًا. ثم أوَّل شبنغلر ذلك على أنه يُفيد بفرادة الحضارات على شاكلة الأفراد الأحياء من الحيوان والنبات، ووجد أن الحضارات ليست إلا العالم الطبيعي بصيغة التاريخ، الذي يخضع للجبر والقدر، أي لضرورات الحياة العضوية بدلًا من الخضوع للقوانين العَلية وللتفسير استنادًا إلى السببية[26].

إن التاريخ العالمي حسب هذه النظرة ما هو إلا مجموعة السِّيَر المتوازية والمستقلّة لهذه الحضارات، التي أطلق عليها لفظة Kultur، مُخصِّصًا Zivilisationلفترة التخشّب والضمور والموات والفوات، ومُندِّدًا بها على صورة أصبحت مألوفة. جاء ذلك في نص غاضب اختتم به كتابه، ناقدًا المادية التي تسكُن في الحضارة الآفلة، والتي تضع في رأيه المال والدم بمُحاذاة بعضهما[27]، فقد جاء الكلام عن التدهور والانحطاط حصيلة عقود طويلة من تطوّر هذه الفكرة في الفكر الأوروبي بلُغاته المختلفة. كان من البواعث على ذلك ازدهار المفاهيم العضوية في الأفكار القومية والاجتماعية المناوئة لأفكار التطور والأنوار في درود محافظة على ثورات 1848 وعامية باريس وتوحيد إيطاليا وغير ذلك من مظاهر التحول والهرج[28]. عزّز ذلك من الشعور بالوجَل والاستياء والريبة تجاه تسارع التحوّل الاجتماعي والاقتصادي والتقني المُنهِك[29].

وقد شهد الفكر الأوروبي في عقود الانتقال بين القرنَيْن التاسع عشر والعشرين وصولًا إلى الحرب العالمية الأولى، اهتمامًا بالغًا بظواهر مُقلِقة عُدَّت ملازمة لنموّ التمدن والعلم والثقافة وتعقّد الحياة في الحضارة الحديثة، كالجريمة والأمراض النفسية والعقلية التي عُدَّت دلائلَ على تهتُّك سوية الشخصية. ووُجدت لذلك تفسيرات مورفولوجية ووراثية وعرقية وبيئية، ربما كان التعبير الأكبر أثرًا لها في كتاب الطبيب الفرنسي بنيديكت موريل (بالفرنسية: Bénédict Morel، 1809-1873) رسالة في التهتك الجسدي الذهني والأخلاقي للجنس البشري (1857)[30]، وكتابات تشيزاري لامبروزو (Cesare Lombroso، 1835-1909) حول الخصائص الأنثروبومترية للشخصية الإجرامية والجسد المجرم.

تضافرت هذه الاهتمامات مع التفكير المنهجي في التمايُزات البشرية النوعية، وأُضيفت إلى التمايزات التراتبية في المجتمع الاجتماعيةُ والتفاضلُ بين الأعراق، في أفكار وبحوث صارت تُسند إلى علوم الحياة وعلم النفس المرضي[31]. وقد فُسّرت التمايزات الاجتماعية الجديدة بالاستناد إلى نظريات الجمهور وسيكولوجية اللاعقلانية الجمعية المؤدية إلى ثورات الطبقات الدنيا: تستحوذ طبيعة العرق على الجمهور الذي يتحرّك بجموح أعمى، ناقلًا اللاعقلانية والجموح بالعدوى بين أفراد الجمهور المستعدّ للاستجابة لإشارات الشخصية الكاريزماتية، أي الجمهور بوصفه "أتباع كل ناعق" كما يرد في التراث العربي. هكذا جاء التحليل في كتاب شهير ومؤثِّر آخر لغوستاف لوبون، أحد أعلام نظرية الأعراق: سيكولوجيا الجماهير، الذي تُرجم إلى 19 لغة خلال سنة واحدة من نشرِه عام 1895، وترجمَهُ إلى العربية للمرة الأولى فتحي زغلول (1863-1914)[32].

استُؤنفت هذه النوازع الفكرية في نشاط الطبيب الفرنسي ألكسيس كاريل (Alexis Carrel، 1873-1944)، وفي كتابه الشهير الإنسان ذلك المجهول، المقروء بكثرة بالعربية، والمترجَم إليها أكثر من مرة بعدّة طبعات، والمُحبَّب لدى بعض مُفكّري الإسلام السياسي الوازنين مثل سيد قطب، وعلي شريعتي في إيران[33]. وقد أدمج كاريل الطب بالهندسة الطبيعية (ما يُدعى بتحسين النسل/ (Eugenics في نظرية انحطاط الجنس الأبيض، المترتّب على ما وَجد أنه تزايد أعداد المعطوبين من الطبقات الدنيا، ما سُحب على وضع العجز والانحطاط. جاء ذلك لدى كاريل في توليفةٍ ما كانت بعيدة عن أحد أهمّ مُنظِّري أقصى يمين القومية الفرنسية: شارل موراس (Charles Maurras، 1868-1952). وتماشى خطاب الانحطاط البيولوجي والاجتماعي مع استشراء الخطاب حول الانحطاط والتهتّك الثقافيَّيْن، الذي كان أبرز أعلامه المجري ماكس نوردو (Max Nordau، 1849-1923)، خليفة ثيودور هرتزل (Theodor Herzl، 1860-1904) في رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية. ألّف نوردو كتابًا ذائع الصيت عنوانه التهتّك (1892)[34]، تناول فيه الأدب والفن والموسيقا والحداثة الثقافية.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


وقد ساد في أوساط ثقافية وسياسية واجتماعية واسعة جوٌّ من النفور من الحداثة ونظرتها الميكانيكية إلى كل الأمور، وتغييبها مفهوم القداسة، وتنامي العدمية، وتفاقُم التشنّجات الاجتماعية والسياسية، وعَدّ العوامّ -ومنهم من كانوا ثوّارًا- بمنزلة الهمج الرعاع، والتخوّف من مصير قاتم لا سيما إن تمكّنت العامّة من الإمساك بنُظم سياسية وديمقراطية. كانت هذه التصوّرات والهواجس ما عبّر عنها بأكثر وجوهها انتشارًا الفيلسوف الإسباني الشهير خوزِه أورتيغا إي غاسِت (بالإسبانية: José Ortega y Gasset، 1883-1955) في كتابه تمرد الجماهير[35]. كذلك يشار إلى اكتشاف اللاوعي مع سيغموند فرويد (Sigmund Freud، 1856-1939) ونظرته إلى الحضارة، وهو يستخدم لفظة Kultur بوصفها أداة قامعة للنوازع، ممدِّنة ومحضِّرة، ولكنها قاهرة وباعثة على القلق وعدم الاستقرار، وهشّة في نهاية المطاف[36].

في سياق هذا الطيف من الأفكار والهواجس التي شغلت مساحات واسعة من الثقافة الأوروبية العالمية على امتداد ثلاثة أرباع القرن، تبلورت نظرية شبنغلر[37]. وتُضاف إلى ذلك الظروف التي كانت تعصف بألمانيا عندما ألَّف شبنغلر كتابه وعمل على نشره، متمثّلة في: الهزيمة في الحرب العالمية الأولى؛ والتضارب والعنف والفوضى في مجالات السياسة والمجتمع التالية لها؛ والثورة السبارتاكية (1918-1919) وما رافقها من سفك للدماء، وهي الثورة التي تلت الثورة البلشفية وحاولت مُحاكاتها من جوانب متعددة؛ علاوة على عدم استقرار جمهورية فايمار؛ وبالتزامن في ظل ذلك كله مع انفجارٍ خلّاق فريد في الآداب والفنون. والملحوظ أن الترحاب الأكبر بشبنغلر كان وما زال من طرف الأوساط المحافظة اجتماعيًا وأيديولوجيًا، ولكن لا توجد استقصاءات لأثره في الثقافة العربية، بيد أن دراسة حديثة أثبتت أثره الكبير الواسع في تركيا، لا سيما من الاتجاهات المُحافِظة قوميًا ودينيًا، والمُرحِّبة بكل ما يعزو الانحطاط إلى الغرب[38].

جاءت إشارات شبنغلر العينية إلى الحضارات (Kulturen) ككيانات ثابتة عبر الزمن حتى الوصول إلى محطتها النهائية (Zivilisation)، بالإحالة إلى الحضارات البابلية والهندية والصينية والمصرية، ثم إلى الحضارات القديمة (اليونانية والرومانية)، ثم العربية (التي ضمَّ إليها المسيحية المبكّرة والبيزنطية)، والمكسيكية والغربية (ابتداءً من عام 900م تقريبًا)، وأخيرًا إلى الحضارة الروسية الموعودة في الألفية الثالثة حسب ما أصِرّ وتوقَّع. وكل هذه ثابتة على وتائر وخصائص، إذ انطبعت بطبائع واستعدادات خاصة بها تتجلّى في مجمل مجالات الحياة، منها -حسب نقاشات مُستفيضة في الكتاب- الرياضيات، خصوصًا بمفاهيم العدد المطبوعة حضاريًا، والعلوم ثم الفنون بمجملها. لهذا، كان ممكنًا له أن يُفرِد عنصرًا من عناصر كل حضارة للتدليل عليها وجعله رمزًا لها؛ إذ تغلُب الروح (Seele) الأبولونية (نسبة إلى الإله أبولو) على اليونان وحضارتهم، وتؤْثر اعتبار الجمال على غيره من الاعتبارات المعنوية والمادية، ويمكن أن يُرمز لها ويُمَثَّل عليها بنحت الجسد البشري؛ وتغلُب الروح المجوسية على الحضارة العربية التي يمكن أن يُرمَز لها بالقبة والأقواس؛ وتطبَعُ الروح الفاوستية الحضارة الغربية القائمة على الأنا والإرادة الساعية إلى استكشاف الآفاق والتجديد، فتمامًا كما أن فاوست (Faust) في مسرحية غوته الشهيرة قد باع روحه مقابل المعرفة والاستطاعة، بادلَ الغربُ ذاتَه مقابل الثقافة ويمكن أن يُرمز إلى هذه الحضارة بالمقام الموسيقي المُسمّى فوغا (Fugue)، أو الطِّباق الموسيقي المَبني على التضافر الخطي بين العلامات الموسيقية.

أما إطلاق الصفة المجوسية على الحضارة العربية، فإنه يتضمّن الإشارة إلى التراث الديني الفارسي ورجال الدين (Die Magier)فيه (موبذ/ موبذان؛ موغ/ موغان بالفارسية)، إذ تشتمل هذه الحضارة على اليهود منذ القرن الرابع قبل الميلاد، والفرس، والمسيحيين الأوائل، والمسلمين. أما الإسلام، فقد وجد فيه شبنغلر الشكل الأصفى والأكثر طهرانية من الأديان المجوسية السابقة عليه واللاحقة له، بيد أنه كان كيانًا معقدًا مركّبًا غير صرف، إذ وجده مُغلَّفًا بقشرة هلنستية، ما جعل منه في النهاية كيانًا ذا طبيعة وكيان هجينَيْن (Pseudomorph)، وهي العبارة التي ترجمها عبد الرحمن بدوي بـ"التشكّل الكاذب"، التي تنطبق أيضًا على روسيا في رأي شبنغلر [40].

ثمة نظائر واضحة هنا مع دانيلفسكي، ولو أنه ليس ثمة دليل يشير إلى أن شبنغلر قد قرأه، ويُلحظ هنا أن مخطط شبنغلر جاء أكثر جمودًا وصرامة من مخطط دانيلفسكي الذي تفادى الانجرار إلى القول بالنسبية الحضارية التامة المانعة للتأثير والتأثّر الخطيَّيْن في مجالات العلوم وغيرها[41]. يتفق دانيلفسكي وشبنغلر، وهردر كذلك -ولو بقدرٍ أقل صراحة- على مذهب جبري في التاريخ له مقام الحتمية الطبيعية؛ وقد أفاد بذلك التفاؤل لدى الأول، الذي رأى في الشعوب السلافية وحضارتها مشروعًا مستقبليًا؛ والتشاؤم بل الإنذار بالانحدار والضمور والزوال للحضارة الأوروبية لدى الثاني، في وقت وجد فيه دانيلفسكي الحضارة السلافية حضارة للقرن اللاحق لزمانه وحياته. ويبدو أن ذلك النذر بالشؤم هو ما دفع بالمؤرّخ والأكاديمي والدبلوماسي الإنكليزي أرنولد توينبي (Arnold Toynbee، 1889-1975) إلى ابتكار نظريته في قيام الحضارات، المعروفة بنظرية التحدي والاستجابة[42].

من تنميط الحضارات إلى التأريخ لها

كانت تلك النظرية عماد دراسة توينبي للحضارات الواحدة والعشرين التي ما بقي منها حيًا في أيامه -تبعًا لتعداده- إلا الحضارات الغربية والأرثوذكسية والهندية والإسلامية (التي احتوت على مكوّناتها الأبكر: الفارسية، والسريانية، وحضارة الشرق الأدنى). ويُشار إلى أن المؤلف استخدم لفظة المجتمعات (societies) بوصفها عمادًا اصطلاحيًا في الفصول الأولى، إلى أن ابتدأت لفظة الحضارة(civilisation) بالحلول محلّها، ثم استمرّ في استخدام كلتا اللفظتَيْن بوصفهما مترادفتَيْن على امتداد الكتاب. وقد نشر كتابه الشهير دراسة في التاريخ في اثني عشر جزءًا بين عامَي 1934-1961. أما النسخة المتداولة على نحو عامّ، فهي تلخيص للكتاب في جزأيْن، وقد تُرجمت إلى العربية[43].

أما التحديات التي تؤدي إلى التكوّن الحضاري، وهو نشوءٌ بشري في الزمان بفعل النشاط الإنساني وليس من فضل الطبائع الكامنة في المجموعات البشرية، فقد تكون طبيعية، كالمناخ في جنوب العراق الذي استجاب للتحدّي الذي شكّله بتشييد نظام للرّي، ما سمح بنشوء الدول والإمبراطوريات والحضارة. وقد يكون التحدي هزيمة أو عوزًا أو غير ذلك من الأمور، ما يدفع بأقلّية خلّاقة إلى فعل تاريخي يُنشئ دولة وتاريخًا يبْنيان حضارة. وللحضارات سِيَر متماثلة، ولكنها ليست كذلك بناءً على مورفولوجيا كامنة في الجواهر الحضارية المتّجهة إلى غاية كامنة في البدايات، كما يتبيّن عند شبنغلر، بل نحن بصدد ديناميات تاريخية، لا بصدد تجلّيات لجوهر ميتافيزيائي[44]. بناءً على ذلك، فإن تشابه مسارات الحضارات يشي بتشاكُلٍ وتناظرٍ مبنيَّيْن على المشاهدة، أي مشاهدة المؤرّخ، وليس على افتراض نماذج جاهزة تتّخذ مُسلَّمات تُطبَّق على جميع الحالات من الخارج. كان توينبي مؤرخًا في الوقت الذي كان فيه فيلسوفًا للتاريخ، وقد اختار الحضارات موضوعًا أو مفهومًا أساسيًا لضبط المادة التاريخية وتعقُّلها، من أجل الاستغناء عن مفاهيم قومية أو جغرافية ضيقة رأى أنها تلجم المعرفة التاريخية وتُقنِّنُها في أُطر لا تفي بما في التاريخ من تعقيد، وتُفيد تأريخًا مُرتكِزًا حول أوروبا في المقام الوحيد أحيانًا[45].

بناءً على ذلك، وجد كتاب توينبي الأشهر -على امتداد الأجزاء الثلاثة الأولى- تشابهًا في مسيرات الحضارات، بدأ بالتأسيس من طرف أقلّيات خلّاقة متحوّلة على مرّ الزمن إلى أقلّيات حاكمة قد تنحو إلى إنشاء دولة كُلّية عالمية، أو إمبراطورية بالمعنى الفعلي، من دون أن يكون هذا التحوّل ضرورة بموجب الطبيعة. يُفضي ذلك، وبعد أن تخسر الأقلية طاقاتها ومقدّراتها الخلّاقة (وهو موضوع الجزء الرابع)، إلى نشوء هوامش داخلية وخارجية أطلق عليها المؤلّف تسمية البروليتاريا الداخلية والبروليتاريا الخارجية، إشارةً في الحالتَيْن إلى فئاتٍ ما عادت تحت الهيمنة الفكرية للأقلّية الحاكمة، وصارت مُستلَبة ذهنيًا وغير ميّالة إلى التقليد أو المُحاكاة (mimesis)للأقلية التي كانت قد صنعت ما يمكن أن يُطلق عليه اليوم "رابطة الولاء الأيديولوجي والثقافي".

في خضم هذه العمليات التي يصفها توينبي بذكاء تحليلي لامع ودراية استثنائية وأسلوب أدبي رفيع، تتساقط شذراتٌ أطلقَ عليها عبارة المستحاثة (fossil)، أي الأحفورة المتحجّرة، مُمثِّلًا على ذلك باليهود. أما الدول الكُلّية هذه، فهي تُيسِّر قيام مؤسسات ثابتة وقابلة للانتقال عبر الحدود الحضارية (على عكس شبنغلر)، كالنظم القانونية والمالية، مستخدمًا عبارة من الفيزياء هي التوصيل (conductivity) للكهرباء والحرارة، ما يفيد علاقات استنساب (Apparentage) بين حضارات شتى. أيضًا، تُيسِّر هذه الحضارات نشوء ما سمّاه المؤلف "الكنائس المسكونية"، أي الأديان المتأسِّسة ذات الطابع الجامع كالبوذية والمسيحية والإسلام، وهي ما شكَّل موضوع الجزء الثامن من الكتاب، حيث وُصف التئام البروليتاريات الداخلية حول هذه الأديان الجامعة[46].

قد يلحظ القارئ أن ثمة تناغمات بين توصيف توينبي لمسار الحضارة وتوصيف ابن خلدون للدولة؛ والحال أن توينبي كان شديد الإعجاب بابن خلدون، ووصف كتابه المقدمة بأنه "أعظم عمل من نوعه على الإطلاق، وأعظم عمل من هذا النوع تمت له الصياغة من قبل أي ذهن في أي زمان وأي مكان"[47]. وإنْ جاز تجاوز قضية الأناكرونية أو المفارقة الزمانية، يتبيّن وجود فوارق بيّنة بين الاثنَيْن، ليس أقلّها عَدّ البدو "طاقة خلّاقة" عند ابن خلدون، و"همجًا رعاعًا مُخرّبين" لدى توينبي، قادرين رغم ذلك على إنتاج دول غاشمة، وآلهة حربية وبطولة وشعر ملحمي. وهؤلاء ماثلون دومًا في عملية تحلّل الحضارات، وبموازاة الأديان الكبرى التي تبدو مُطيلة لأمد الحضارات في طور ضمورها، ومُجدِّدة لأمجادها؛ ذلك أنه من المشهود ازدياد حضور فكرة الخلاص الديني وبأشكال مختلفة منذ الجزء الرابع من الكتاب (1939) فصاعدًا، حيث يأتي الدين استجابة لتحديات التحلّل والتهتّك، وتظهَر في فكرة التجلّي الإلهي الاستجابة الأسلم في هذا السياق، ولا سيما في سياق ذكر توينبي لشخصية وحضور المخلِّص القادر على ملء الأفق بكل امتداداته. يظهر في التاريخ في هذه المرحلة من تطوّر أفكار توينبي الانتقال من الله بوصفه مصدرًا إلى الله بوصفه هدفًا، ومن الدِّين بوصفه نتاجًا للحضارة إلى الدين بوصفه هدفًا لها[48]، وكأن المؤرّخ في نهاية الكتاب قد تحوّل إلى متصوّف مُتنبّئ، وكأن الحضارات -في ظل التفكير في الغرض منها- حوامل للديانات، تكون دراسة التاريخ فيها رؤية للخلق الإلهي وهو يتحرّك، وصولًا إلى تطلّع توينبي إلى مسكونية دينية عالمية. هذا مع العلم بأن نقد توينبي للأديان المُتَعَيِّنة، ومنها المسيحية، كان نقدًا قاسيًا، موجّهًا بالأساس إلى المؤسسات الدينية، مع التأكيد على تجاوز العقلانية العلمية لِما في الأديان من لاعقلانية[49].

تلك النهايات ما وراء التاريخية، وتلك الرؤى للمستقبل، قامت في منتهى عمليات تاريخية يمكن التمثيل عليها بالحضارة الغربية، التي كانت بداياتها في القرن العاشر قبل الميلاد، والتي مرّت بفترات امتحانها العصيب كالحضارات كافة، بعد دولة الإسكندر المقدوني الكُلّية. استمرّت فترة الامتحان إلى الوقت الذي تمّ فيه للأقلّية المُسيطِرة في مدينة روما القيام على دولة كُلّية. وقد ظهرت البروليتاريا الداخلية وتنامت في كنف هذه الدولة، ووُلدت كنيسة مسكونية هي المسيحية. أما على التخوم، فقد ظهرت البروليتاريا الخارجية الجرمانية وغيرها، التي استُوعبت في الحضارة المسيحية الغربية في الوقت الذي استُنسبت فيه حضارة ناشئة هي الأرثوذكسية. قامت هذه الحضارة مع قيام الدولة البيزنطية، تلك الدولة التي استمرّت في جسد الإمبراطورية العثمانية التي تلتها -والتي صنّفها توينبي على أنها مِمَّا عَدّه حضارات متوقّفة وفي النهاية مجهَضة- شأنها شأن دول أخرى أبرزها روسيا حسب رأيه، في مواقف قد تُعبِّر عن نفور سياسي وتاريخي لدى المؤلّف. حصل ذلك وانصرم قبل أن يُصار إلى استئناف البدء للحضارة الغربية مع عصر النهضة في إيطاليا، وصولًا إلى زمن توينبي الذي وجده مؤرخَنًا متّسِمًا بمخاطر، على رأسها آثار الصناعة والإيغال في التقانة والديمقراطية، ما وجده باعثًا على النزوعات القومية والحروب بين الأمم[50].

أما الحضارة الإسلامية، فجاءت حسب رؤية توينبي استجابة طويلة الأمد للتحدي الذي شكّلته فتوحات الإسكندر المقدوني، واستئنافًا لدولة الفرس الأولى التي قهرها الإسكندر. وهي بذلك استئناف للحضارة السريانية (بالمعنى الأقوامي للعبارة) التي تمثَّلت حضارة بابل وورِثَتْها، قبل أن تستوعبها إمبراطورية الفرس. وقد أدت هذه الحضارةُ متسلسلةُ الدوائرِ متّصلةُ الحلقاتِ البشرية إلى تراث الديانات التوحيدية، التي استُوعب بعضها في حضارات مجاورة.

تتناسل الحضارات عند توينبي إذًا، وتأخذ وتُعطي بالمُجاوَرة والتتالي، على صورة أباها غيره من مُنظِّري الحضارات، من دون أن يكون منظور توينبي طويل الأمد للحضارة عائقًا أمام رصد التراكم والتحوّل. ولئن كانت نظرته إلى الحضارة السريانية -التي أصبحت عربية وفارسية وإسلامية- تُناظِر ما جاء به شبنغلر حول الحضارة المجوسية -وفي هذا التحليل التاريخي ما تؤيده نتائج البحوث التاريخية المعاصرة[51]- فإن هذا التحليل جاء غير مُكبَّل بالإصرار على افتراض ثبات جوهراني يعاند الزمن. ورغم كل ما جاء لدى توينبي عن المُساواة القيمية بين الحضارات كافة بوصفها ظواهرَ إنسانية تتساوى في عُلوِّها على الهمجية، وعن الحضارات المكتملة في تفوّقها على الحضارات المنقطعة غير المكتملة تاريخيًا، فإن قراءة الكتاب، وخصوصًا الأجزاء اللاحقة منه، تُفيد بالتفوّق النسبي لِلّاحق على السابق داخل الحضارة الواحدة وبين الحضارات كافة، من دون أن يعتمد المؤلّف هذه المقالة صراحة.

صعود الحضارة الغربية

في هذه النظرة توافقٌ مع المفهوم المعهود السائد للحضارة -كما سبق- في فكرته الناظمة للسياق الزماني الخطي والتطوّري الذي نشأت فكرة الحضارات في كنفه. وقد ظلّت فكرة التفوّق هذه كامنة في جُلّ ما أُلّف في تاريخ الحضارة، التي وجدت في تواريخها انتقالًا من طور إلى طور تناغُمًا مع انتقال مركز الحضارة الإنسانية على نحو يبدو من منظور نهايته تداوُليًا. وما كان هذا الانتقال دومًا نتاج الانحطاط، بل كان بالأحرى ناتجًا من النفاد للطاقات المتوفّرة لهذا المسار التاريخي أو ذاك. وينبغي النظر إلى فكرة مركزية الغرب الحديث في التأريخ للحضارات من هذا المنظار التداولي التراكمي، ذلك أن المركزية هذه، مثل مركزية روما ومركزية بغداد في عصور أخرى، ما كانت صُنع الخيال فقط، ولم تكُن أداة سيطرة فحسب؛ كانت ذلك كله بالتأكيد، ولكنها استندت بعناد إلى واقع مركزية الغرب في التاريخ الحديث منذ القرن الثامن عشر، ويُستحسَن الكلام في هذا الموضوع دون الجهاز السجالي السياسي الذي يرافق عادةً إثارة شأن المركزية الأوروبية. وقد شابت النظرةَ المركزية الأوروبية أغراضٌ سياسية توسّعية، ونوازع عنصرية، ودوافع استغلالية واستعمارية وإمبريالية، وأُحيطت بعض هذه التصوّرات للمركزية الغربية بهالة أسطورية وكلام ينحو أحيانًا إلى الأخذ بمقولة "المعجزة الأوروبية".

كانت تلك العبارة عنوانًا لكتاب بعيد الأثر بين المؤرّخين[52]، احتوى على جُلّ الحجج التأريخية المتداولة بلغات أوروبية مختلفة. وقد وُجدت هذه الحجج في المناخ والتضاريس والبنى الأُسرية والاجتماعية التي قامت في بداياتها على التنافس والفردية والعدوان، واندرجت هذه العوامل في بنًى أتاحت قيام نُظم حكم ذاتي قائم على السوق وقِيَمه، وفي نوازع عقلانية أتاحت إنتاج العلوم وانتشارها، واكتسبت أثرًا بيّنًا من التراث المسيحي وغير ذلك من المُكوِّنات التاريخية. ومع عزوف علم التاريخ في العقود الأخيرة عن تفسير التاريخ بالإحالة على البدايات، اعترف كثيرون بأن تفوّق أوروبا ما تنامى وطغى إلا منذ نحو عام 1500م، وهي النقطة التي عُدّ أنها تُشكِّل إما انطلاقة قائمة على إمكانات وطاقات تاريخية اجتمعت في ذلك الوقت، وإما مرحلة رُقيّ ذات ديناميات تجاوزت غيرها من الأقطار، هذا في الوقت الذي غلبت فيه على العالم خارج أوروبا الغربية عوائد معوّقة للنمو[53].

لهذا الاتجاه انتقادات تاريخية مهمة أصبحت معروفة ومُجانِبة للسجال الأيديولوجي على الغالب، من دون أن يعني ذلك غياب المساجلات الأيديولوجية، لا سيما المستجدّ منها والناجم عن سياقات خطابات ما بعد الكولونيالية[54]. إن هذه الاتجاهات الجديدة في التحليل التاريخي ما عادت في الواقع بحاجة إلى مفهوم الحضارة الذي يُبسِّط ويُسطِّح ما لديها من تحليلات لوقائع التاريخ، والذي لا يُشكِّل أي إضافات أو إيضاحات مفهومية لِما لديها؛ فهذه الاتجاهات الجديدة في التحليل التاريخي ترصد الاتصال بين الكُتل التاريخية والجغرافية المختلفة وتُحلِّلُه، وتنظر بدقةٍ تُجانِبُ الأحكامَ العمومية المستسهَلة عن تاريخ نشوء العالَم الحديث. تنظر هذه النزعات الجديدة إلى تاريخ العالَم الحديث على أنه كان تاريخًا تضافريًا على صُعُد كثيرة سبقت السيطرة الأوروبية، وهي تدلّل على ذلك بتناولها تشابك تاريخ النظم المالية والبنى الدولتية والنظم العامة للديانات والتجارة والمعارف الخرائطية والذائقة. أيضًا، نقضت هذه الدراسات مقولة الانتقال الحتمي من الإقطاع إلى الرأسمالية، وعَدّ هذا الانتقال بمنزلة الخط الذي انتظم حوله تفوّق أوروبا في العصور الحديثة، وغير ذلك من سياقات توصيفٍ تُميِّز أوروبا[55].

على الرغم من ذلك، كان لتاريخ الحضارة الأوروبية في عهد غلبَتِها في عصر الحداثة حتى بداية ما بعد الحداثة تأريخ خاص لا ينفي التشابك والارتباط، مع عدم نفي صفة المركز ومواقعه لأوروبا. يتبيّن ذلك في دراساتٍ لتاريخ أوروبا في سياق من التاريخ العالمي، الذي يُستنتج منه تتالي مركز ثقل للحضارة العالمية عبر الزمن. ومن ذلك الصعود التاريخي للمركزية الإسلامية الناتجة من الحضارة الأوراسية بين 500ق. م.-1500م. جاء ذلك حسب قراءة أفضل ما كُتب وأشهره في هذا الموضوع، وهو كتاب وليام مكنيل (William McNeill، 1917-2016) صعود الغرب:تاريخ الجماعة البشرية (1963)[56]، الكتاب الذي يتشابك فيه العالم مع أوروبا، ويبدو فيه الغرب لحظة مركزية تداولية لا دخل فيها للقدر أو الغائية، من دون افتراض ثوابت في الحضارات، بل بتناول مراكز الثقل التاريخية المنتقلة والمتداولة عبر الزمن، وكأن القارئ بصدد توينبي من دون فلسفة التاريخ لديه، وغيذو من دون الغائية.

يرى مكنيل تراكمًا "وترقّيًا عامًّا"، من دون صلة لهذا بطبائع مزعومة للحضارات الهلنستية أو الهندية أو الإسلامية. وقد وجد مكنيل أن تاريخ الحضارات عبر تداول موقع المركز التاريخي منها، آيلٌ عن حركة اختلاج مزدوجة تربط ضمور السابق بصعود اللاحق[57]، وتَنتُج عنها فترات توازن واستقرار نسبيَّيْن، كالصعود المتضافر لحضارات ضفاف الأنهار الكبرى بين 2700-1700 ق. م. في مصر والعراق والسند، وهي الفترة التي تلتها عهود التوازن الثقافي الأوراسي بين 500-1500 ق. م.، والتي كسرت عناصر توازنها مع صعود النُّظم التي قامت على ضفاف المحيط الأطلسي وغلبتِها.

لا يرى مكنيل وجود عناصر حضارية جوهرية مستقرّة ساعدت على صعود الغرب، عدا الدينامية الآيلة عن اضطراب مزمن في أوروبا أدى إلى نشوء طاقة إبداعية، نجم عنها في النهاية عصر الغلبة الأوروبية. وبغض النظر عن مدى صحة هذه المقالة، فإن فيها ما يُذكِّر بتوينبي في تناوله لشأن الصعود المستأنف لمنطقة شرق آسيا بين 600-1000م، والآيل في سياق الأعراض إلى جملة من التحديات والاستجابة لها. ويجد مكنيل أن أداة الصلة بين هذه الوحدات للدراسة التاريخية -مراكز الثقل في مجالاتها الجغرافية، أي ما يُسمّى بالحضارات- هي الانتشار (diffusion): عنوان مدرسة أساسية في تاريخ الثقافة والتقانة وأنثروبولوجيتهما. وفي حين أن مراكز ثقل جديدة توصّلت إلى الغلبة، فإن مراكز آفلة تنزع إلى جملة من الاستجابات المعروفة في تواريخ التهميش والهزيمة في نهاية المطاف، ومثال ذلك ما وصفه مكنيل بالتخشّب النفسي المَرضي (Catalepsy) لدى المسلمين بين عامَي 1700-1850[58].

الحضارة بوصفها ظاهرة مورفولوجية في العمران

لم يهتمّ علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا كثيرًا بشأن الحضارة، التي كانت مجالاتها التداولية منحصرة إلى حدّ كبير في الخطاب التاريخي، العالمي والاختصاصي منه، وذلك المنتشر في نُظم التعليم، وفي المجال العامّ في تماسٍ مع التيارات السياسية والأيديولوجية. وقد استخدمت العلوم الاجتماعية أجهزة مفهومية متميّزة قليلة الصلة بما بدا على أنه -كالحضارة- مفاهيم قابعة في ما وراء التاريخ والمجتمع، أي ما قد يُدعى بالمفاهيم الميتا-تاريخية والميتا-اجتماعية. ولم يأتِ الاهتمام المباشر بالحضارة إلا في ظرف تاريخي مُعيَّن، وفي سياق ضرب مُعيَّن من علم الاجتماع التاريخي الذي تُطلَق عليه تسمية "التحليل الحضاري".

انصبَّ اهتمام الأنثروبولوجيا والتناول النظري للعمران على شؤون تتعلّق بنقاط الفصل والتمايز المورفولوجي بين الهمجية والمجتمعات المستقرّة على وتائر وأنماط قابلة للنموّ والتطوّر، أو ما قد يُدعى --وهذه نقطة خلافية إلى حد كبير وحاملة لطاقة أيديولوجية لا يُستهان بها- بالتمايز بين المجتمعات التاريخية وتلك غير المنفتحة على التاريخ. وقد عُزيت إلى هذه الأخيرة جملة من الخصائص والحدود البنيوية والخلقية لإمكانات النمو والتطوّر؛ ومن هذه الذهنية البدائية وجملة أخرى من خصائص الحالة الاجتماعية البدائية التي استفاض في توصيفها النشاط الأنثروبولوجي حتى سنوات الستين من القرن العشرين، مُولّدةً انطباعات عامّية ما زالت منتشرة.

كثيرًا ما اقترنت هذه النظرة التصنيفية أساسًا مع نظرة ذات إمكانات واحتمالات حركية، رأت في الحالة البدائية للعمران وثقافاته ما قبل التاريخ حالة قد خضعت للتطوّر وباشرت مساراتها نحو النماء والحضارة، أي إن زمانية الحالة البدائية التي قد تبدو مستمرّة ومعاصرة تُمثِّل ما قبل تاريخ البشر المستمرّ[59]. في نقطة الالتقاء هذه تتموضع الدراسات حول نشوء الحضارات، وهي دراسات تضافرت فيها جهود اختصاصات متمايزة، أبرزها علم الآثار في دراسة التاريخ وما يُدعى ما قبل التاريخ (العصر الحجري، والعصر البرونزي الأول)، وما سبق ذلك من تطوّر الجماعات البشرية وشبه البشرية وانتشارها، كالنياندرثال أو ما يُدعى بالأنثروبولوجيا المبكّرة (paleo-anthropology)، واللّغات القديمة وكتاباتها المسمارية والهيروغليفية وغيرها، والأنثروبولوجيا التاريخية، ومفاهيم الاقتصاد وعلوم السياسة والمجتمع.

تركّز هذه الدراسات في محصّلتها التحليلية النهائية على مفهوم التعقيد الذي أضحى في العقود الأخيرة مفهومًا مهمًا عابرًا للتخصصات، وذا حضور في الرياضيات والاقتصاد وعلوم الحياة وغيرها، بحيث أفاد الانتقالُ إلى التاريخ ارتفاعَ مستويات التعقيد في المجتمعات[60]. تفيد خطاطة الانتقال هذه إلى نتائج الزراعة، والقيام على الأنعام، ونموّ مقدّرات العمل اليدوي، وابتكار الأدوات، تفيد من قيام المجتمعات الأكثر تركبًا وتنظيمًا، وبروز التمايزات المهنية، والتراتب الاجتماعي المنتقل إلى تحوّل المشيخة إلى الرئاسة ثم إلى المَلكية. وتفيد الخطاطة أيضًا قيام نُظم سلطوية ثابتة، وظاهرة الرقّ، وتنظيم الحروب، والسيطرة المكانية وإدارتها، وقيام أنظمة الريّ واسعة النطاق (في مصر والصين والسند والعراق)، ونشوء الدولة وأجهزتها، مع الاستمرار في عدم الاتفاق بين المختصّين بشأن مفهوم الدولة وتعيين المؤشرات الدالّة على حضور مدلوله. كذلك، تشمل دراساتُ الانتقال إلى طور الحضارة ظاهرةَ تنامي التعقيد في التطوّر اللغوي، والمقدّرات الفنية، وتبلور الظاهرة الدينية في المجتمع، واندراجها في تصوّرات وتوقّعات ومؤسسات شعائرية وكهنوتية وغيرها[61].

تظل هذه الدراسات على العموم وثيقة الصلة بالمادة الملموسة معرض التحليل، وتُحجِم عمومًا عن الخوض في القضايا المفهومية والنظرية والتحليلية التي طبعت كثيرًا من مقاربات المؤرخين، التي ظلت عمومًا على تماسٍ مع التيارات الأيديولوجية الموظِّفة للمعارف التاريخية. تستخدم هذه الدراسات على العموم مفردات "حضارة" و"ثقافة" و"مجتمع" و"إمبراطورية" تبادُليًا، وكأنها مترادفات[62]. والحال أن شأن الحضارة وتعريفها وتنظيرها لم تحُز على كبير عناية من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا، هذا إذا عُدَّ هذا الجهد متميزًا عن رصد المؤشرات على ولوج حالة التحضّر[63]. لهذه الأسباب مجتمعة، لم تكن الحصيلة التنظيرية والمفهومية لهذه الدراسات وفيرة. مع ذلك، يشار إلى معالم جديرة بالإعجاب وواعدة. قدّم كروبر (Kroeber) نقاشًا ثريًا ومُرهَفًا لحج فيه بدقة الاستمرارات المورفولوجية الأولية بين حالتَي العمران: الثقافة المحلية التي قد تُنعت بالبدائية؛ والحضارة الأوسع مجالًا، مع التقليل من شأن التمايزات النوعية، إذ وجد من غير المحتمل أن تحوي الثقافات المتقدّمة عناصرَ بنيوية تكوينية غائبة كلّيًا عن تلك المنعوتة بالبدائية، كنظم السيطرة والتوزيع والمدافعة، وتقسيم العمل حسب الجنس، والقيام على حدود دُنيا من الشعائر المتعلّقة بالموت وخلافه، وغير ذلك مِمَّا يُعَدّ مشترَكًا بشريًا عامًّا.

وضع كروبر قضية أن الحضارة نظام اجتماعي متميز نوعيًا موضع السؤال، فقد غلَّب المؤلف فهمًا للحضارة على أنها أو على أن كلًّا منها حالة مُتعيِّنة وملموسة من تبلور عناصر عمرانية مختلفة ومتحرّكة عبر الزمان، مع درجات متفاوتة ومتغايرة من التكامل الداخلي، وفي سياق توزيع زماني ومكاني متفاوت للسمات الصنائعية والفنية والتصوّرية والتنظيمية المتعلّقة بحضارةٍ ما. كان هذا ما جعل الحضارة عصية على التحليل الاجتماعي الوافي، وقد اقترب كروبر في هذا التصوّر من موقف المدرسة الفرنسية المعاصرة له، التي ما وجدت الحضارة جسمًا اجتماعيًا، بل -كما في العبارة اللامعة والمُوحية لمارسيل موس (Marcel Mauss، 1872-1950)- نظامًا ما فوق الاجتماعي (système hypersocial) جامعًا لنظم اجتماعية، أي نظامًا شبيهًا مورفولوجيًا بالأمة، ولكنه متجاوز لها. بذلك، تكون الحضارات المسيحية والمتوسطية والأميركية الشمالية وحدات معنوية قد تتمايز داخليًا في سياق أُمم مكوّنة لها[64].

بذلك، لم تجنَح الدراسات المتلمِسة لشأن الحضارة إلى التنميط المورفولوجي المُحايث أحيانًا للمتطلّبات الأيديولوجية، الذي مالت إليه الدراسات ذات الطابع التاريخي، التي نحت على العموم إلى إسقاط النماذج الجامدة إلى حدّ كبير على الوقائع المُتعيّنة. وقد تمّ ذلك على العموم استنادًا إلى افتراضات جبرية وحتمية تتناول الطبيعة والإثنولوجيا -أي الطبائع الأقوامية- معًا، كما سيتبيّن.

قيمة الحضارة في سياق تاريخ نشوئها

من المناسب قبل ذلك النظر إلى نمط من علم الاجتماع التاريخي الذي جمع الاختصاصَيْن بهدف استقراء بروز حال من أحوال العمران التي تمزج بين المفهومَيْن التاريخي والمعياري، كونها دراسة للصعود الاجتماعي والثقافي للمفهوم الحديث للحضارة، في سياق التاريخ الحديث لأوروبا الذي يُقدِّم كناية عن تاريخ التحضّر العالمي كما سبق.

على سُنّة النهج المعياري الذي يُماهي بين الحضارة بوصفها عملية تحضّر وتمدّن في الزمان وبين الحضارة بوصفها قيمة، صدر كتاب بالغ الشهرة لعالم الاجتماع نوربرت إلياس (Norbert Elias، 1897-1990) تحت عنوان حول عملية التمدن (1939)[65]. تناول المؤلّف في كتابه هذا نشوء أنماط من السلوك أضحت مرادفة للحضارة بمعناها المعنوي الذي يُشير إلى السلوكات الاجتماعية والفردية، أي بمعنى civilité التي سبق التطرّق إليها. يتمحور البحث في الجزء الأول من هذا الكتاب حول اكتساب الأفراد في أوروبا -ابتداءً من البلاط ونزولًا إلى أعيان المدن مع بعض الانتشار إلى الأوساط الأكثر تواضعًا- لملكات سلوكية تُنعت بالمتمدّنة، ابتداءً من القرن الثالث عشر وانتهاءً بالثامن عشر. وقد غدت الملكات السلوكية للأفراد في سياق علاقاتهم الاجتماعية -حسب تحليلات إلياس- بمنزلة طبيعة ثانية، واشتملت على: الارتفاع بالمكانة العملية للإحساس بالخجل؛ والشعور بالاشمئزاز؛ والعقلانية في السلوك؛ والسيطرة على النفس؛ والتحفّظ في الكلام والتعفّف في العبارة خصوصًا فيما يتعلّق بالإحجام عن استخدام العنف الجسدي أو اللفظي؛ والعلاقات الجنسية؛ وقواعد السلوك والبروتوكول؛ والنظافة الجسمانية؛ وآداب المؤاكلة. وتبدو هذه كلها جديدة في أوروبا، على صورة تتباين زمانًا ومكانًا.

وقد كان لهذه العملية وجه آخر ناقشه المؤلّف في الجزء الثاني، وهو عملية بناء الدول المركزية في أوروبا، والاستحواذ الدولاني -بعد جهود جهيدة- على احتكار العنف المشروع. ترافقت هذه التطوّرات مع غلبة النُظم الملكية على الإقطاع والنبلاء وتدجينهم، وترافقت أيضًا مع تزايد تعقيد الوظائف الاجتماعية للأفراد والمِهن وتمايُزها، ما يُعَدّ من عوامل الحداثة التي ترافقت مع هذا التمدّن والترقّي.

وقد أسَّس المؤلّف تحليله على سبرٍ وتقصٍّ لكُتب الأخلاق والسلوك والاجتماع والفن والأدب، لصياغة تاريخ لتبلور الحضارة، ولنشوء خصائص في السلوك والتصرّف أضحت في نهاية مطافها معالمَ ما أصبح ثقافة المجتمع البرجوازي. من هذه المعالم المحلية أوروبيًا والمنتشرة عالميًا على امتداد القرنَيْن التاسع عشر والعشرين: الانفتاح النسبي على التسامح؛ وتنامي الفكر الإنسانوي والعلمي؛ ونبذ الخرافات والنزوعات المُنافية للعقل. علاوة على ذلك، ثمة قطاع نما نتيجة عملية التمدّن، واكتسب استقلالًا نسبيًا عن الجهاز المعياري الذي أدّى إليه، وهو العقلانية البيروقراطية والتقدّم التقاني.

كانت هذه النظرية السوسيولوجية في الحضارة الحديثة عرضة للنقد من اتجاهات مختلفة، ليس أقلّها إيراد شواهد تفصيلية قد تُفيد ما يعارض عموم المقالات التي طرحها إلياس ودقّتها. وقد جمع أحد السوسيولوجيين كل ذلك في ردٍّ على الكتاب على امتداد خمسة مجلّدات بالغة الفائدة، في تقصّي تعقيد وتشعّب العمليات الموصوفة التي طالت الجسد والعنف والنظافة والتهذيب. كذلك انتقد الكتاب لإهماله مجتمعات وحضارات غير أوروبية، ولمركزيته الأوروبية، ولأنه اتّخذ من المفهوم التطوّري التنويري للحداثة عمادًا لفهم الحضارة كمعيار مطلق[66]. وقد انصبّت كل التعليقات على إيراد الشواهد التي لا تؤيد مقالة عملية التمدّن بالفهم المُرسَل لها. وإن كان ممكنًا صرف النظر عن النواحي الأيديولوجية في هذه الانتقادات، تظلّ ملاحظة أن جُلَّها لم يتطرّق إلى شأن أساسي في مقالة إلياس، وهو إيراد السياقات من دون أي دعاوى للشمول والعموم التامَّيْن لهذه العملية، وأن مُرادَ إلياس لم يكُن هذا التعميم، بل استخراج محصّلة عملية تاريخية في توصيف جامع[67]. ولعلّ أفضل دليل على عدم ادّعاء الشمول كان صياغة إلياس لمفهوم ردّة الحضارة وارتدادها، بالإشارة إلى حوادث وأوضاع تاريخية -متخذًا من ألمانيا في القرن العشرين مثالًا على ذلك- على نحوٍ كان له التوسّع من باحثين آخرين في دراسة حالات أخرى في الولايات المتحدة وحروب الأديان وغيرها[68].

الحضارة والحتمية الجغرافية

ثمة نزعة تنامت في القرن التاسع عشر متناغمةً مع صعود الفكرة القومية وبروز علوم الطبيعة إلى الصدارة، وقد وجدت في الجغرافيا إطارًا ناظمًا لطبائع الشعوب، ومن ثم عماد خصائصها الحضارية، مُستعيدةً بذلك فكرة قديمة كانت معروفة لدى الجغرافيين العرب، ومشروحة باستفاضة في مقدمة ابن خلدون، ترى أن الجماعات البشرية حبيسة ظروفها الجغرافية والمناخية والبيئية بكل المعاني. غير أن نموّ المعارف والبحوث الدقيقة في مجال الجغرافيا قد انتقل بهذا الفهم للحتمية الجغرافية من أفكار انطباعية عامّة إلى مصافٍ من التحرّي والتدقيق والبحوث والمسوح الميدانية. وبذلك، رافقت نموّ الجغرافيا البشرية نظريات في طبائع الشعوب كان لها الأثر الكبير في تصوّر الحضارة، وذلك بالمعاني المُنفتِحة التي أُشير إليها عدّة مرات.

كان فردريك راتسل (Friedrich Ratzel، 1844-1904)، الذي درس أوّل أمره علم الحيوان، أبرزَ من مزجَ بين الجغرافيا والإثنولوجيا في سياق الداروينية الاجتماعية، واستخدم مفهوم الصراع من أجل البقاء، المستقرّ في علم الأحياء التطوّري لدى داروين في مجال الجغرافيا البشرية. ولهذه النظرة الحتمية والماهوية للشعوب صلة واضحة بهردر[69]. وقد كان لكتاب راتسل الجغرافيا البشرية الصادر بين عامَي 1882-1892 أثر كبير في عوالم المعرفة في أوروبا، لا سيما وأنه طرح فيه العلاقة بين التاريخ والجغرافيا بتفصيل كبير، وصولًا إلى تطوير نظرية المجال الحيوي(Lebensraum) للأجناس والأعراق ذات الحضارة الوازنة، وهي النظرية كبيرة الأثر في الاحتلال الألماني لكثير من أراضي أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية، بحيث عُدّ راتسل مؤسسًا لمفهوم الجيوبوليتيكا[70].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


كان لهذه النظرة إلى طبائع الأعراق والشعوب والأمم الحاملة للحضارة أثر كبير في فرنسا، خصوصًا لدى عالِمها الجغرافي الأبرز بول فيدال دو لا بلاش (Paul Vidal de la Blache، 1845-1918)، الذي انطلق من دراسات تفصيلية لجغرافية فرنسا إلى صياغة متلازمة الأمة/ الفضاء المكاني/ السيادة، وفي سياق من الحتمية الطبيعية التي لا يُخفِّف من وطأتها إلا شيء من الانفتاح على المرونة التي تتطلّبها وفرة المعارف الملموسة التي جمعها. وقد صاغ بذلك علمًا طبيعيًا لأنماط الحياة البشرية بدلًا من الوصول إلى علم للبُعد الاجتماعي للمكان، وذلك تحت عنوان "طابع الحياة" (genres de vie) التي وجد فيها بذور أشكال الحضارة[71].

إن اللافت هنا هو أن هذه الصياغة الطبيعية الجغرافية البيولوجية للحضارات التاريخية كانت حاسمة الأثر في تصوّر فرنان بروديل (بالفرنسية: Fernand Braudel، 1902-1985) للزمانية الحضارية الثابتة، مع إشادة منه بأعمال دو لا بلاش وتصوّراته، وإقراره بأثره التكويني فيه. تُشكِّل الحضارات في هذه "مجموعة من المجموعات" البشرية، تتضمّن ثقافات ومجتمعات، بحيث تشكّل أكثر الثوابت ثباتًا[72] في هذا الصدى لصياغة موس التي ذُكرت سابقًا، وتتجاوز عناصرها الحضارة وخصائصها والأزمنة والوقائع الاجتماعية المحدودة والمُعيّنة، وذلك في أنماط وثوابت واستمراريات تشترك في تشكيلها العقليات والذهنيات الجماعية، وثوابت الجغرافيا الاقتصادية، بحيث تتجذّر الحضارة في التضاريس. وتُشكِّل هذه الأخيرة بذلك الماضي السحيق المستمرّ أبدًا في إثبات نفسه، حتى إن انفصال شمال أفريقيا (المَعنية هنا الجزائر) عن أوروبا ما جاء عام 1962، بل في القرن الثامن، أو بالأحرى عند بناء مدينة قرطاج، مدينة الشرق على ما رأى بروديل[73]. ويكمن القول إن هذا الكلام حول الأسبقية التي للقوام الطبيعي، هو فكرة جارية في كتابه هوية فرنسا الصادر في جزأين عام 1987[74]، الذي كان بإمكانه بسهولة أن يُعنونه "حضارة فرنسا"، فيما يُرجَّح أن يكون إشارة ولاء سياسي.

نشأت هذه النظرة في بيئة من الجغرافيين والمؤرخين الفرنسيين القاطنين في بلدان المغرب العربي في الفترة الاستعمارية، ولعل أبرزهم كان الجغرافي والمؤرخ إيميل فليكس غوتييه (بالفرنسية: Émile-Félix Gautier، 1864-1940) الذي أقام في الجزائر، والأنثروبولوجي روبير مونتاني (بالفرنسية: Robert Montagne، 1893-1954) الذي عمل لمدة مستشارًا للمارشال ليوتييه (Lyautey) في المغرب، وانتهى به الأمر في الكوليج دو فرانس أستاذًا لكرسي تاريخ تمدّد الغرب[75]. لقد أسقط غوتييه مفهوم أنماط الحياة على تاريخ المغرب، بعد أن نزع عن هذا المفهوم إمكانات المرونة، جاعلًا منه قالبًا جامدًا بنى عليه فكرة حتمية التنافر والفصل بين العرب والبربر بحكم الطبيعة نفسها، مستخدمًا بذلك كغيره نصوص ابن خلدون في تأويلات خاصة لها. وكذلك فعل مونتاني في كتابه الشهير حضارة الصحراء (1947) لغرضٍ مُشابه. وكانت للاثنَيْن آثار مهمة في صياغة السياسات الكولونيالية في الجزائر والمغرب[76]. يُذكر أن أضراب التأويل التاريخي والاجتماعي المُنتمية إلى هذا الجو الفكري كانت لها آثار بالغة الأهمية على أعمال الأنثروبولوجي إرنست غلنر (Ernest Gellner، 1925-1955) كبيرة الأثر في دراسات المغرب وما يُعرف بسوسيولوجيا الإسلام.

الحضارة والحتمية الثقافية والإثنولوجية

يستتبع فرز الحضارات وتسميتها ونسبتها إلى شعب أو دولة أو ديانة مُعيَّنة اعتبار حدودها وتخومها، وتعيينها باللجوء إلى المجال الجغرافي وإلى الفترة الزمانية، وإلى الخصائص الإثنولوجية التي أُشير إليها في سياق نقاش شبنغلر وغيره، والتي أدت وما زالت تؤدي دورًا كبيرًا في الفرز الإثنولوجي والهُوياتي. على كل حال، أتت الدراسة السوسيولوجية للتعدد الحضاري في سياق توسيع مجال البحث، ولكنها أتت في نهاية الحرب الباردة، مع بوادر صعود الهُوية بوصفها قضية سياسية وأيديولوجية على الصعيد العالمي، وتداخل هذه القضية بأمر بالحداثة وبِما استحسنه بعضهم من كلام عن تعدّد الحداثات وتاليًا القول عن تعدّد العلمانيات. وقد ارتبط هذا أيضًا بقضية استجدّت عالميًا في الفترة نفسها وتناولت تعدّد الحضارات، الأمر الذي لم يكن شاغلًا أساسيًا قبل ذلك، عالميًا وعربيًا[77].

ولقضية اختلاف الحضارات وخصوصيتها أصل في علم الاجتماع الكلاسيكي، وهو أصل ليس غائبًا عمّا يُسمّى اليوم بـ"التحليل الحضاري". يكمُن ذلك الأصل في أعمال ماكس فيبر (Max Weber، 1864-1920)، خصوصًا في الدراسة المقارنة للحضارة لديه. كانت حضارة أوروبا الحديثة في موقع المحور من دراسة فيبر للحضارة والحضارة الحديثة التي نشأت تالية للبروتستانتية، والتي تمثّلت -حسب ما بيَّن فيبر- في تطوّر العقلانية في مجال السلوك الفردي. كان هذا ما أتاح قيام الرأسمالية على أُسس ثابتة (في دراسة تناولت أساسًا إنكلترا وهولندا وأميركا الشمالية) زاوجت بين التقوى وقِيَم العمل المنضبط والسلوك الاقتصادي الرشيد. وكانت العقلانية عماد التحليل: العقلانية بأنواعها الأربعة حسب تصنيف فيبر: تلك المرتبطة بالهدف العملي (Zweckrational) المباشر؛ وتلك المرتبطة بالقيمة (Wertrational) وبوصفها علاقةً (قِيَم العمل) مباشرةً بين الفعل وهدف الفعل؛ هذا فضلًا عن العقلانية الوجدانية (كالذائقة)؛ وأخيرًا العقلانية التقليدية المستندة إلى وراثة القِيَم والممارسات. دون ذلك، ما كان لأوروبا أن تُنتِج نُظمًا بيروقراطية فعّالة وكفؤة صارت عماد الدولة الحديثة المحتكِرة للعنف، تدير الدولة وشؤونها تبعًا لنموذج قانوني عقلاني[78].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وقد كانت لفيبر إطلالات واسعة على ما هو خارج أوروبا، مع دراية تفصيلية به، في دراسات سوسيولوجية تاريخية تناولت الصين القديمة والهند القديمة، والعبرانيين القُدامى، وشيئًا من البحث حول الإسلام. وقد كانت هذه التواريخ تقصّيًا لأنماط العقلانية القائمة في هذه الحضارات على وجه الخصوص، مع اهتمام ملحوظ بالأديان (التاوية والهندوسية والبوذية والإسلام، هذا فضلًا عن دراسة تاريخ الفِرَق المسيحية)، ما كوَّن حصيلة سوسيولوجية تاريخية مقارنة للأديان والحضارات، وهو بالمناسبة يستخدم لمفهوم الحضارة لفظة Kultur أوHochkultur أي الحضارة الراقية. ويُشار إلى أن العقلانية لم تكُن لدى فيبر مفهومًا مُرسَلًا من دون ضبط مفهومي ومدلولات ملموسة، فهو قد تقصّاها في مجالات مُعيَّنة في الفعل البشري: نُظم الحكم، والقانون، والدِّين، والحياة الاقتصادية، التي عاينها جميعًا في سياق مقارن عندما تناول السلطة، والجماعات السياسية، والكاريزما، والفئات الاجتماعية والشرعية، والبيروقراطية، والدولة، والسوق، والقانون، مع إيلاء اهتمام مستمرّ للموسيقا[79].

تناول فيبر هذه الموضوعات وموضع العقلانية منها من زاوية فينومنولوجية، أي من زاوية نظر الفاعل إلى فعله كهدف وقيمة ووسيلة. وتجتمع هذه العناصر تحت مظلة مفهوم "المعنى" لديه، وتتبدّى في مجال الاقتصاد -على سبيل المثال- في أخلاقية العلاقات والتبادُلات الاقتصادية كما بدت للفاعلين. ولئن كان القصد في النهاية التوصّل إلى صورة واضحة وتفصيلية لتخوم خصوصية أوروبا بعد عصر النهضة، أي أوروبا الحداثة، فإن هذا تماشى مع التوصّل إلى توصيفات دقيقة وواضحة لخصوصيات الصين والهند والعبرانيين القُدامى. وهو يفصِّل ذلك استنادًا إلى استقصاء التفاعل بين تصوّر الفاعل للفعل والفعل نفسه، وإلى تتبّع العلل الثاوية وراء الفوارق والفواصل بين الحضارات، وإلى تصوّراتها العامّة الجامعة للعالم: من شروط العزوف عن الملذّات ونتائجه عند البروتستانت، إلى الاعتكاف والتنسّك لدى البوذيين، وعلاقة الاثنَيْن مع تصوّرات الدنيا والآخرة من جهة والممارسة من جهة أخرى، ما يتضمّن دراسة وتحليل العلاقة بين الدوافع والظروف البنيوية للمجتمع والاقتصاد[80].

كانت المعاني أو الدوافع الداخلية التي ينشط الفاعلون الاجتماعيون بموجبها مناط تلك المقارنات التفارقية التفاضلية بين الحضارات، أي إن هذه المقارنات الفينومنولوجية قامت منهجيًا على اعتماد التأويل للمعاني القائم على "التعاطف" والفهم الداخلي (Verstehen)، بوصفه وجهةً ومجال تصوّر أساسيًا سابقًا على العمل التحليلي والتركيبي. قام هذا العمل المزدوج عند فيبر اعتمادًا على نماذج عامّة لكل حالة، وقد مرّ هذا سابقًا بخصوص هردر: لماذا كان هذا الزهد البروتستانتي مُقبِلًا على الدنيا بينما كان نظيره في الهند مُعرِضًا عنها؟ لماذا اتّخذ التمايز الاجتماعي في الهند وجهة تبلور الطبقات المهنية؟ لماذا نشأت الرأسمالية في أوروبا وغابت عن الديار الإسلامية، رغم اشتراك الدينَيْن المسيحي والإسلام في تحريم الربا[81]؟

تناول فيبر هذه الموضوعات المقارنة في موضوعات كثيرة أخرى وهو يحاول نمذجة كلٍّ من الحضارات التي تناولها: اعتماد الصين مثلًا -وعلى امتداد ألفَي عام- على ضرب من العقلانية نشأ عن الإداريين رفيعي الثقافة (الماندارين) المتحالفين مع بيروقراطية باتريمونيالية وسلطة متمركزة في شخص الإمبراطور؛ والنشوء في أوروبا في العصور الوسطى لمدن مستقلة قانونيًا طوّرت مزيجًا من القانون العقلاني والترتيبات الوضعية التي صِيغت قانونيًا، ما أتاح التطوّرات اللاحقة للحياة البرجوازية والرأسمالية.

كل ذلك في سياق تصوّرات عامة تُكوِّن تخومَ الحضارات وتُعرِّف أُسسَ تكاملها الداخلي، من دون افتراض تكامل تامّ مطلق، أو انغلاق أو مقارنة مع الكائنات العضوية، فلم تكن لدى فيبر مفاهيم غائية للحضارات وأدوار صعود وأفول كامنة فيها، بل ظل الموضوع مزيجًا بين المفهوم- النموذج العامّ (كالكاريزما والكهانة والزهد وغيرها من المفاهيم) والأوضاع المُتعيِّنة القابلة للفهم استنادًا إلى هذه المفاهيم، والقابلة للتأكيد بالبحث التاريخي الاجتماعي العَيْني، فليس ثمة تمام في المطابقة بين النموذج الذي يقارب التفاصيل وبين التفاصيل عينها، فالتفاصيل تقارب النموذج في اجتماعها من دون تمام المطابقة التي لا تتمّ في العالم المشهود. بناءً على ذلك، فلا يمكن استقراء السلوك والوقائع من النموذج، وكل ما يمكن التوصّل إليه هو تعيين أنماط وقوالب من الأفعال الاجتماعية المرتبطة بكوكبة مُعيَّنة من المعاني التي تُصنِّف حضارةً ما، والتي تتفاوت داخليًا في صرامتها البنائية، من دون أن تستقرّ بالضرورة على وتائر وأنماط روتينية التكرار. والسبيل إلى ذلك منهج اختباري مَرِن استخدمه فيبر الذي لا يُتيح لنفسه -بطبيعته المتنبّهة دومًا إلى الوقائع- أن يطلق الأحكام القاطعة والعامّة على أي مجتمع من المجتمعات، ولم يرَ أن التعرف إلى أنماطٍ غالبةٍ من الفعل وعقلانية الفعل وفهمه، ومن فهم العالم، ومن السياق الأخلاقي، يُشكِّل تصوّرات كُلّية وقاطعة حول مسارات حضارية.

 أما ما يُعرف بمدرسة "التحليل الحضاري" في التاريخ الاجتماعي للحضارات في العقود الأخيرة، التي ترى فيبر مرجعها الرئيس، فقد قامت على اعتماد المفهوم المنمَّط للحضارة جاهزًا، من دون عملية بنائه انطلاقًا من الوقائع الملموسة، أي إنه يُلمَس فيها استخدام فيبر ضد فيبر. لقد كان تشديد فيبر على المعاني والأخلاق يُراعي مساحة مهمة من الواقع التاريخي حيث تتموضع الممارسات والأفعال الاجتماعية، وكانت هذه الاعتبارات في عصره أخذًا للماركسية في الحسبان، وردًّا ضمنيًا عليها في آن، وهو القائل إنه لا يمكن لباحث في عصره أن يكون جِديًا وأمينًا من دون اعتبار علاقته بماركس ونيتشه[82]. أما مدرسة التحليل الحضاري، فهي بانيةٌ للنموذج أو النمط انطلاقًا من الصورة التي يُصار إلى اختيارها واعتبارها تعبيرًا عن نظرة حضارةٍ ما لذاتها، فيصبح الانطلاق من النموذج إلى الوقائع المُتعيِّنة مِمّا يُشكِّل أداة تقريبية غليظة بعض الشيء لتصوّر الواقع وسبره.

قامت مدرسة التحليل الحضاري في عصرٍ كان أفول الماركسية فيه ماثلًا، وفي وقتٍ تنامى فيه الكلام عن الهُوية في السياسة والمجتمع، وبدأ فيه تعزّز القيام على شعور إيماني بالخصوصيات الحضارية وغلبة الثقافة على العناصر الأخرى للسببية في مجالات تفسير التاريخ[83]. وبناءً على هذا، كان استلهام فيبر مستخدَمًا ضد عناصر أساسية في تصوّره للحضارة، الذي قام على اعتبار التعقيد الداخلي للظواهر موضع الدراسة، وعلى التقصّي الإمبريقي للوقائع المتحوّلة؛ فبدلًا من الحضارة كعملية في المجتمع، ترى مدرسة التحليل الحضاري الحضارة بوصفها حالة ثابتة حبيسةَ تبعيةِ المسار، بعد تبلور أوّلي يسري في مسارها على صفة جوهرية؛ وبدلًا من العلاقة بين النموذج والوقائع الفردية عند فيبر (التكامل الداخلي بوصفه شأنًا يستدعي التحرّي وليس التوكيد)، ثمة اندفاع في مدرسة التحليل الحضاري تجاه تأكيد تكاملية منغلقة للحضارات، تكاد تكون مضارعة للقوام الفرد للكائنات العضوية.

ترتبط مدرسة التحليل الحضاري بجملة من المُشتغلين بعلم الاجتماع التاريخي الذين يشتركون في حيوات عابرة للجغرافيا: الإسرائيلي بولوني الأصل شمويل أيزنشتاد (1923-2010)، الذي يعدّ عميد هذه المدرسة؛ والأسترالي أيسلندي الأصل يوهان آرناسون (Jóhann Páll Árnason، 1940-)؛ والأميركي إيراني الأصل سعيد أرجومند، مؤسس جمعية دراسة المجتمعات المتأثرة بالفارسية؛ وبيورن فيتروك (Björn Wittrock، 1945-)، مؤسس المعهد السويدي للدراسات العُليا في علوم الاجتماع. أنتج هؤلاء مجتمعين جملة من الدراسات القائمة على النموذج الحضاري في تحليل التواريخ التفارقية ومقارنتها، مُستلهِمين فيبر ومتأثّرين بتفسير حصري ثقافوي له صاغه عميد علم الاجتماع في الولايات المتحدة تالكوت بارسونز (Talcott Parsons، 1902-1979).

وبالنظر إلى نقاش آرناسون لفيبر مثلًا، يتبيّن أنه ينحو إلى إدغام العقلانية في الثقافة التي تحملها حضارةٌ ما، من دون نصاب تحليلي مستقلّ للمفهوم[85]. وبمعاينة تناوله لشبنغلر، يتبيّن أنه يُقلِّل من شأن تناظر رؤى الأخير مع أيزنشتاد وآرناسون والمدرسة هذه على نحو عامّ[86]. والأرجح أن الباعث على ذلك كان سوء صيت شبنغلر العصامي في أوساط أساتذة الجامعات، وإعجاب قوى اليمين به. ثم إن برنامج البحوث الحضارية المقترحة يبتدئ بالمُسلَّمات الثقافية التي ترى هذه المدرسة على أنها العنصر الجامع في أي بنيان حضاري عبر الزمان والمكان، والتي تتبدّى في مفهوم ضبابي جامع هو "صورة العالم" (Weltanschauung, world view)، وفي التراث الديني والمسارات التاريخية. أما المؤسسات والبنى السياسية وغيرها، فما هي من هذا المنظور إلا ترجمة عملية للتصوّرات الآيلة عن الثقافة، وهو ما يظهر ليس في الحضارات الآفلة فقط، بل -حسبما يرى المؤلّف- في الحضارتَيْن الإسلامية والشيوعية، وهو ينظر إلى الاثنتَيْن على أنهما نقيضان حضاريّان للحضارة الغربية[87]. ويظهر أيضًا أن المقارنة التنافرية تستمرّ رغمًا عن الزمن؛ فيظهر مثلًا كيف أن أرجوماند يجد في الترتيبات السياسية المدنية في إيران في القرن الرابع عشر مؤشرات كافية لتعليل ما وجد أنه موانع دخول الحداثة السياسية في مسار إسلامي اليوم[88]. يُذكر في هذا المقام أن للإسلام موقعًا بالغ التميّز في أعمال المقارنة الحضارية التفارقية الفاصلة بين الحضارات، حتى عند الدارسين من المؤرخين وعلماء الاجتماع ذوي التقدير الخاص للمسلمين حاضرًا وماضيًا[89].

يُشار في نهاية نقاش هذه الحصيلة الثرية من الدراسات التاريخية التي لا يتّفق مع تأويلاتها الجميع، إلى نقطة المبتدأ زمانيًا في هذا التأريخ للحضارات، التي يُشير إليها كثيرٌ مِمَّن خاضوا في هذا المجال من البحوث في السوسيولوجيا التاريخية. يُطلَق على نقطة المبتدأ هذه "العصر المحوري" (Axial Age) الذي انبثقت عنه الحضارات المعروفة في غرب آسيا وأوروبا -حسب هذا التصوّر- بين عامَي 800-200ق. م. نشأت في هذا العصر المقوّمات الجوهرية للحياة المتحضّرة التي تجلّت في الأديان، وفي بوادر العقلانية ونقض الأساطير ووعي التاريخ ومفهوم الفضيلة في السياسة. كان ذلك المفهوم الذي ابتكره الفيلسوف الوجودي الألماني كارل ياسبرز (Karl Jaspers، 1883-1969) ولوَّنَهُ على صورة بدت فيها تجلّيات كمال هذا العصر في البروتستانتية (على وجه الخصوص إيقاظه لِما كان كامنًا في جوهر شعوب شمال أوروبا)، وذلك في كتابه حول أصل ومنتهى التاريخ المنشور عام 1949[90]. تعود حضارات اليوم إذًا إلى استمرارٍ مع برهة محورية تبلورت فيها تبعية المسار التي ما زالت حتى اليوم، بل هي تحتمل أيضًا وجوه مقارنة وتناظرٍ مع الصين وأجزاء أخرى من شرق آسيا[91].

كانت فكرة العصر المحوري جذّابة لِمن رام صياغة رؤية ماهوية للحضارات، ومع أثر إعطاء الأولوية للنصاب الرمزي للمجتمعات على دينامياتها الداخلية. لذلك، فإنه يصحّ أن التحليل الحضاري ينحو إلى أن يكون أكثر فلاحًا عندما يُطبَّق على حضارات ميّتة، وأن فائدته تتناقض طردًا مع مدى معرفة الإنسان بالحضارة موضع التحليل[92].

الحضارة في الثقافة العربية الحديثة

الحضارة مفردة مستقرّة في اللغة العربية وقواميسها المعروفة بالمعاني والاستعمالات المستقرّة بدوْرها. وقد استُصلحت تلك المفردة في القرن العشرين لأداء معانٍ مستحدثة آيلة عن مفاهيم حديثة في التاريخ، ومُفيدة للترقّي والنماء على سُلَّم التاريخ، مع استبقاء المعاني المعجمية الأقدم التي تُفيد شكلًا من أشكال العمران يرتبط بالإقامة في الحضر.

وقد اندرج موضوع الحضارة في الخطاب التاريخي على صورة محدودة في الثقافة العالِمة، ثم انتشر في العقود الأخيرة في الثقافة العامّة، على وجهٍ اتّصل فيه فهم الحضارة -عبارةً ومصطلحًا- بالجدال حول الاستمرار والانقطاع التاريخيَّيْن، وحول مسألة الهُوية الوطنية وما يتعلّق بها من مفاهيم كالأصالة والمعاصرة وغيرهما.

المصطلح والمفهوم

تُفيد القواميس العربية التراثية كافة أن الحضارة كلمة تدلّ على خِلاف البداوة، أي إنها كلمة ذات مجال دلالي علائقي تُستفاد معانيها من التضاد مع كلمة أخرى هي البداوة. كان ذلك المعنى الذي اتّخذ شهرة خاصة في مقدمة ابن خلدون، حيث تشير الكلمة إلى أحد الطورَيْن الأساسيَّيْن في الدائرة العمرانية للدولة. وبهذا المعنى، فهي تفيد عند ابن خلدون -كما عند غيره- الإقامة في الحواضر وما يستتبعها من تفنّن وتأنّق وثروة وتهذيب للطباع. وقد استمرّ هذا المعنى في القواميس العربية الحديثة والمعاصرة.

إلا أن هذه الإشارات والدلالات على النزول في المدن والأخذ بأسباب التمدّن الحضري، اتّخذت في قاموس الاستعمال العربي للقرن العشرين معانيَ أخرى تُفيد وضعًا زمانيًا آيلًا عن التقدّم على امتداد التاريخ وسُلَّمه، وذلك على خلاف النظرة الدائرية للزمان والحضارة الموجودة عند ابن خلدون. تُفيد هذه النظرة ونظائرها معنًى مورفولوجيًا ثابتًا للحضارة على وتيرة مستقرّة متكرّرة، لا يدخل فيه الزمان إلا على صفة دائرية تُفيد في النهاية التكرار لا التحوّل. أما المعاني الأكثر جِدةً التي بدأت في الدخول إلى الثقافة العربية في القرن التاسع عشر، فهي تُفيد التاريخ الخطي التراكمي والتصاعدي. إن المعاني الأكثر جِدّةً هذه تتضمّن الإشارة إلى النموّ والتجديد النوعي اللذَيْن يسمان الانتقال التاريخي من مراحل أولية إلى مراحل أكثر نضجًا واكتمالًا. أتى ذلك على عكس النظرة السكونية التي تُفيد الاستعادة والاستئناف من دون إفادة تجديد نوعي متحوّل ومُتنامٍ على سُلَّم الرُّقي، أي من دون فهم الزمان على أنه عامل تحوّل نوعي، وارتكازًا على فهم للزمان يقوم على التتالي الصرف. وقد يظهر أن الاشتراك في لفظ الحضارة بين الاستعمال الخلدوني والاستعمال المعاصر قد أدى إلى اختلاط المفهومَيْن عند كثير من المؤلّفين، الذين جنحوا إلى موازاة الاثنَيْن من دون تناول العلاقة أو اعتبار الفوارق بينهما، وكأنما الحماسة لشخصية تراثية عربية فذّة تنحو إلى استبعاد المفارقة التاريخية (الأناركونزم) في استخدام مفهومٍ في موضعٍ مفارِقٍ له تاريخيًا[93]، وتسمح بتجاوز دواعي الانضباط المفهومي[94].

طُوّرت هذه المعاني الاصطلاحية التاريخية التي أصبحت مألوفة لمفهوم الحضارة (civilisation) وأحيانًا "culture"في أوروبا أولًا، ثم لم تصبح جارية في الثقافة العربية إلا في القرن العشرين. كانت هذه المعاني التطوّرية التاريخية للحضارة ومُرادفاتها الأولى كالتمدّن والمَدنية (والأخيرة مُولَّدة على الأرجح وتعود إلى القرن التاسع عشر) غائبةً عن أوّل القواميس العربية الحديثة مثل محيط المحيط لبطرس البستاني (1819-1883)، المنشور عام 1870[95]، الذي لا يتضمّن من معاني مفردة "الحضارة" إلا خلاف البداوة، ولا ترد فيه كلمة "المدنية"، ولا يشير كذلك إلى دلالة كلمة "التمدّن" عدا التخلّق بأخلاق أهل المدن، من دون إدراج هذا المعنى في مجال دلالي يرتبط بالتقدّم. وهو لا يقارب المعاني الحديثة للتمدّن إلا عند الإشارة إلى الانتقال "من حالة الخشونة والبربرية والجهل إلى حالة الظرف والأُنس والمعرفة"، مفيدًا بذلك بداية دخول هذه المعاني الجديدة في الثقافة العربية الحديثة على شكل أولي غير مكتمل، ما زال يجول في مدار الدلالات الأقدم. بذلك، يظهر الاستمرار في تقليد معجمي قديم يحصر مجالات المعاني في المعاجم العربية على النواحي القاموسية الصرفة، من دون الإشارة إلى ما دخل من المعاني الاصطلاحية على الاستعمال اللغوي الدارج والمستقرّ. فتمامًا كما استقرّ المعجميون العرب في أواخر القرن التاسع عشر على ما وُجد لدى البستاني من تعريف الحضارة حصرًا بالإقامة في الحضر، وقَصْر معاني التمدّن على التنعّم والتأنّق، كما يظهر أيضًا في قاموس سعيد الشرتوني (1849-1912)[96] الصادر عام 1889، يظل هذا مستمرًّا في أكثر معجم عربي انتشارًا منذ صدوره عام 1908 وحتى الطبعة الواحدة والأربعين السائرة اليوم: ذلك شأن المنجد للويس معلوف (1863-1947)[97]، حيث لا توجد مفردة الحضارة إلا بضم الحاء (حُضارة) بمعنى الإقامة في الحضر.

لا دلائل على دخول المعاني التاريخية المكتملة على اللغة العربية، لِما أصبح لاحقًا المفهوم المتداول للحضارة، مع انتقال العبارة إلى المفهوم، إلا عند ربط المدنية والتمدّن بمعانٍ تاريخية تُفيد الترقّي والتحوّل. وجاء ذلك في عنوان كتاب جرجي زيدان (1861-1914) تاريخ التمدن الإسلامي، الذي صدر في خمسة أجزاء بين عامَي 1902-1906[98]. إن هذا الكتاب، ولئن أشار عنوانه إلى الإسلام، فقد كان في واقع الحال وفي الأساس تاريخًا للحضارة العربية إلى نهاية العصر العباسي، مع تركيز على العنصر العربي في العصور التي أرَّخ لحضارتها. أما لفظة الحضارة للدلالة على civilisation باللغات الأجنبية، فقد دخلت في الاستعمال بشكل متقطِّع، وتُوّج وجودها في عنوان حضارة العرب لغوستاف لوبون، المنشور عام 1884، والصادر بالعربية عام 1945[99]، الذي حاز وما زال حائزًا على إعجابٍ كبيرٍ لدى القُرّاء العرب. فهو -شأنه شأن كتاب جرجي زيدان- تاريخ حضاري عامّ على النسق الحديث، يتضمّن معاني اللفظتَيْن المتلازمتَيْن في النهضة العربية: التمدن، والترقّي. والحال أن استخدام "المدنية" لمعاني civilisation انحسر في العربية لصالح "الحضارة"، ولكنه ظل في لغات ذات تواريخ مُوازية لتاريخ العرب ومتداخلة مع العربية قاموسيًا حتى اليوم، على صورة "مدنيت" و"تمدّن" بالفارسية، وmedeniyet وأحيانًا sivilizasyon بالتركية. 

أمّا civilisation، وهي الكلمة الدالّة على المفهوم الأمّ، فإن لها تاريخًا مفهوميًا يعود إلى القرن الثامن عشر الأوروبي، وهو مفهوم أوروبي المنشأ أصبح عالميَّ الاستعمال على مرّ الزمان، شأنه شأن مفاهيم كثيرة أخرى كالأيديولوجية والمجتمع والديمقراطية وغيرها[100]. وقد مرّت معاني اللفظة في اللغات الأوروبية الأساسية بأطوارٍ مناظِرةٍ لِما حصل في اللغة العربية في مرحلة لاحقة عليها، ناقلةً معاني التحضّر والتمدّن من عموم الدلالة على ما يتجاوز الطبيعة إلى معاني الثقافة بمدلولاتها الحديثة. ثم خضعت اللفظة لتحديد هذا التجاوز وربطه بمعاني الترقّي والتطوّر الزمانيَّيْن للجنس البشري على العموم، مع الإشارة إلى أن "الثقافة" بمعانيها القاموسية العربية السابقة للقرن العشرين كانت تُشير إلى الضبط والإتقان وغيرهما في المعاني المتقاربة التي لا تماس لها مع معاني الثقافة المتداولة اليوم إلا عن بُعد، وهي الكلمة التي كانت في القرن التاسع عشر وما زالت تقتصر في المعاني -بسبر محيط المحيط- على التهذيب والتعليم، دون المعاني التاريخية- الاجتماعية الأوسع التي اتّخذتها الكلمة فيما بعد، وتحت أثر علوم التاريخ والمجتمع، وخصوصًا الأنثروبولوجيا. ولعلّ من الشواهد على تعثُّر استقرار المفهوم الاصطلاحي للحضارة لمدة طويلة، هو إحجام أحمد أمين عن استخدام هذه الكلمة في عنونة كتابه الشهير في تاريخ الحضارة الإسلامية، الذي صدرت أجزاؤه بين عامَي 1929-1952، تحت عناوين تُبدي في تتاليها نمذجة زمانية مألوفة في التأريخ للحضارات: فجر الإسلام، ثم ضحى الإسلام، يليهما ظهر الإسلام ويوم الإسلام.

 وكما دخلت الزمانية في القرن الثامن عشر الأوروبي على مفهوم الحضارة في أوروبا، ودخلت في مجالات الاستعمال والخطاب المُنتمية إلى حقل دلالي مرتبط بالتاريخ والتقدّم، والمتضمّنة التطلّع إلى ترقٍّ مستمرّ في المستقبل في حركة نماء إنساني شامل؛ ترتبط الحضارة أيضًا بالجِدّة في أحد مناحي المعجمية العربية المعاصرة، وذلك في سعيها إلى إنتاج معاجم للحضارة القصد منها نحت كلمات عربية أو توليدها أو اشتقاقها لأداء كلمات أجنبية دخلت العامّيات، توخيًا لتفصيح الكلام بالقدر المطلوب في أمور تتعلّق بما استجدّ في الاقتصاد والحياة اليومية والثقافة والفنون وغيرها، لعلّ أبرزها كان معجم الحضارة لمحمود تيمور (1894-1973) المنشور عام 1961[101].

وقد استقرّ استعمال اللغة العربية لمفردة الحضارة على أداء معانٍ في الحقل الدلالي لكلمةcivilisation ونظائرها في اللغات الأجنبية، التي تُفيد النماء والرُّقيّ التاريخي الشامل في هذه المرحلة. ثم تَقوْنَن هذا الاستعمال قاموسيًا في قاموس مرجعي صدر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1960. يظهر في هذا القاموس واسع التداول حتى اليوم[102] استمرار تعريف الحضارة بالإقامة في الحضر، ولكنّ هذا التعريف يأتي مرفقًا بـ"معالم الرقيّ الأدبي والعلمي والفني في الحضر، ومرحلة سامية في مراحل التطوّر الإنساني". أيضًا، يظهر ذلك المعنى المتضمّن حركة التاريخ التصاعدية في معجم صادر عام 2008 تحت إشراف أحمد مختار عمر، يشير إلى علائقية الصلة بين معاني الحضارة والبداوة، مع الإشارة إلى أن الأخيرة مرحلة سابقة من مراحل التطوّر الإنساني. وفي هذا كله استمرارٌ للربط بين الحضارة والثقافة المَدينية على نحوٍ يضارع ما استقرّ عليه قاموس العربية[103]، وإثبات ما استقرّ في مصطلح الحضارة في العقود الأخيرة من معانٍ معيارية من جهة، وأخرى تاريخية تتّصل بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية من جهة أخرى[104].

لا شك في أن الاستقرار المتأخر للمفهوم واللفظة في اللغة العربية قد تمّ في ظرف تاريخي باعث على ذلك، في ظرفٍ اتّسم باتّساع الاستعمال؛ فقد اتّسمت الثقافة العربية بعد حرب 1967 بتكاثف الانشغال بالتراث والصلة بالماضي، وهو انشغال كانت له سوابق تضافرت ثم انتقلت إلى مواقع أكثر مركزية في الفكر العربي، وذلك تحت أثر بدايات ضمور الفكر الحداثي، وازدياد الأثر الذي صار للتوجّهات التاريخية المُحافِظة، التي اقترنت بالثقافة الدينية وبإحالتها على الماضي، وبتوسّعها إلى مفاهيم الاستمرار التاريخي. وقد أدى ذلك إلى بروز تنافر مفهومي بين اعتبارَيْن ومفهومَيْن للحضارة مناظرَيْن لِما في الفضاء العالمي: مثَّل أحدهما كتاب قسطنطين زريق (1909-2000) فيمعركة الحضارة، الصادر عام 1964، والداعي إلى فهمٍ تطوّري عالمي للحضارة؛ ومثَّل الآخر كتاب حسين مؤنس (1911-1996) الحضارة، الصادر عام 1977، الذي انتصر لنظرة ماهوية تراثية محافظة إسلامية اللّون، وهو كتابٌ خلا من أي إشارة إلى كتاب زريق[105].

وقد لا يكون من قبيل الصدفة أن تكون هذه الفترة من التاريخ الثقافي العربي قد شهدت ترجمة ونشر كتاب ويل ديورانت (Will Durant، 1885-1981) الشهير قصة الحضارة، الذي نُشر بالإنكليزية في 11 مجلدًا بين عامَي 1935-1975. وكانت قد نُشرت أجزاء منه لدى لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة عام 1965، بعد مبادرة من أحمد أمين عام 1949، ثم نُشر الكتاب كاملًا بمبادرة من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بين عامَي 1988-2002[106]. كان لهذا الكتاب توجّه عالَمي من دون مركزية أوروبية طاغية، وقد رأى في الحضارة مسارًا تاريخيًا عالميًا، وهو التوجّه الذي ناسب مرحلة الانفتاح الثقافي والحركات السياسية والأيديولوجية الاجتماعية كونية الوُجهة التي سادت في الدول العربية الوطنية حتى ثمانينيات القرن الماضي.

ولكنّ هاجس الخصوصية والتميّز والدفاع عن الهُوية باسم الخصوصية الحضارية، يبدو ماثلًا في مقدمة الطبعة الأخيرة لكتاب ديورانت عام 1988، حيث كتب محيي الدين صابر (1919-2003)، المدير العامّ للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم آنذاك، بأُفقٍ ثقافي اعتذاري، أنه ولئن كان الكتاب واسع الأُفق، فإن المترجمين "صحّحوا" ما ابتعد عن الحقيقة في تصوّره[107]، في إشارة إلى معالجة عناصر من تاريخ الإسلام على نحو موضوعي غير ديني؛ ذلك أن هذا الكتاب تناول الحضارة الإسلامية كما يجري تناول الحضارات عمومًا، من دون مُراعاة خاصة لِما نُقل من العقائد أو ما استقرّت عليه الثقافة الشعبية من روايات للتاريخ، وقد كان ذلك قضية شغلت كثيرين في وسائل الاتصال الاجتماعي وغيرها[108]. والحال أن المركزية الإسلامية في التأليف عن تاريخ الحضارات كانت قد أضحت مطلوبة في تلك الفترة من تاريخ العرب الحديث، بما في ذلك استثناء الحضارة الإسلامية من سُنن التاريخ، وعزو ما هو ذو قيمة في التاريخ الإنساني إليها، كفكرة الحرية وحكومة القانون، من دون بناء ذلك على التحرّي والبحث في وقائع التاريخ[109].

مسألة الانحطاط وموقع الحضارة من الفكر العربي

جاء نشوء مفهوم الحضارة والاهتمام به لدى المؤرخين وغير المؤرخين في أوروبا متلازمًا مع حسٍّ تاريخي بالزمن، أضحى فيه مفهوم التقدّم في النهاية مشخَّصًا بوصفه فاعلًا تاريخيًا بحدّ ذاته. وقد أفاد هذا المفهوم النماء والترقّي والمسار نحو الأفضل عقلًا وخُلقًا ونظامًا، ووجد الأوروبيون أنفسهم -غرب أوروبا على وجه التحديد- في مركز القلب من التقدّم التطوّري نحو الأفضل، في وضعٍ رأوا فيه أن التقدّم عملية بشرية كانوا الروّاد فيها، تستتبع الأمم والأقوام الأخرى وتستدعيها لِلّحاق بركبها.

ولئن كانت لمفهوم التقدم أُسس عامّية انطباعية في النظر إلى طبائع الكائنات الحية التي تنمو ثم تضمحلّ بفعل الطبيعة، وهو ما وُجد لدى ابن خلدون وجُلّ مَن كتبوا في التاريخ قبل العصور الحديثة، فإن إدخال الزمانية وتشخيص التقدّم وانفتاحه على المستقبل أزالت عن هذا المفهوم وجهه المجازي القائم على المُقايسة على الطبيعة ذات الزمان الدائري المحكوم بتداوُل الحياة والموت والنماء والاضمحلال. لم يطُل هذا التحوّل مفهوم الانحطاط والتدهور، الذي استمرّ على صيغته المجازية المُقايسة لطبيعة الأجسام الحية المَعنيّة بالنهايات، بمعنى الاكتمال قبل العود إلى البدء وإدغامه بمفهوم القدر كما عند شبنغلر وفي النظريات الدائرية للزمان. يظلّ ذلك التصوّر مُهيمنًا على الخطابات التاريخية التي تتناول أفول الحضارة، وعلى الاستخدامات الأيديولوجية لهذه الفكرة، على الرغم من أن الانهيار للبنى الاجتماعية والاقتصادية المركّبة -التي قد تُسمّى حضارات حقيقية تاريخية- يمكن دراسته عيانًا بمعزل عن ميتافيزيقيا التاريخ قيد المناقشة هنا، واستنادًا إلى علوم التاريخ والآثار والاقتصاد والاجتماع والسكّان والبيئة والأنثروبولوجيا ونظريات النظام (system theory) والنُّظم المُعقّدة (complexity theory)، واستنادًا إلى مفاهيم كتناقص العائدات، والإنتروبيا، وسلاسل تغذية الموارد، والتغذية المرتدّة وغيرها[110].

أما في مجال الفكر العربي، فإن بدايات الاهتمام بالحضارة تقوم على الانشغال بموضوع الانحطاط والتدهور والفوات، وذلك بالقياس على ما هو حاصل في أوروبا من علوم وتقانة وتنظيم واقتدار، مع التركيز على المعارف والتنظيمات الدولانية والاجتماعية. وقد اهتمّ بعض المؤلّفين العثمانيين بنظرية أدوار الدولة وأطوارها لدى ابن خلدون، علّهم يجدون فيها بعض ما يُفيد في تقوية عضدها مقابل القوى الأوروبية المُحارِبة لها[111]. يصدُق هذا الحكم أيضًا على الجهود النظرية للكاتب شلبي (مصطفى بن عبد الله، 1609-1657) لاستيعاب نظرية أدوار الدولة الخلدونية، بطريقة مبتكرة تركّزت على المقارنة بين هذه وأطوار حياة الجسم البشري[112]. وقد ترجم شيخ الإسلام صاحب بيري-زاده (1674-1749) المقدمة وقدّمها إلى السلطان محمد الأول (حكم بين 1730-1754) عام 1730[113]. وأعاد ترجمة الفصل السادس منها المُصلِح التنظيماتي أحمد جودت باشا (1822-1895) عام 1858[114] في ظروف مغايرة. واهتمّ بها محمد عبده بعد أن صدرت الطبعة الأولى لنصّها بالعربية عام 1867 عن مطبعة بولاق، بعناية المُحقِّق الشيخ نصر الهوريني (ت. 1874)، الذي كان قد سبق ونشر في مطبعة بولاق ترجمة بيري-زادة إلى التركية عام 1859، وهي الطبعة التي يُرجَّح أن المقصود بها كان بلاط الأسرة الحاكمة في مصر آنذاك.

 ولكنّ المقدمة أُخذت في تلك الأوقات على أنها كتابٌ في فنون الحكم والسياسة في المقام الأول، ولم يُنظر إليها على أنها نظرية تاريخية، فلم يكن دخول المفهوم الدينامي للتاريخ، والتصوّر الأعرض لابن خلدون ونظرته إلى التاريخ، قد استتبَّا في تركيا قبل العهد الجمهوري[115]، ولم تدخل الحضارة في سياق المفهوم التاريخي الحديث للزمان عند العرب إلا تحت عنوان الترقّي والتقدّم، في سياق تصوّرٍ للفوات والتأخّر التاريخيَّيْن الناجمَيْن عن الانحسار والانحطاط، وما استتبع ذلك من محاولات تقصّي مَواطن الاعتلال في الواقع العربي، ومعالجة ذلك بالانخراط في سياق الرُّقي الذي توصّل الآخرون إليه وتمكّنوا به من إخضاعنا واستتباعنا. وقد سكنت فكرة التأخّر جوانب عدة من الفكر والسياسة والمجتمع في العالم العربي لِما قارب القرنَيْن[116]، ولم ينحصر هذا الأمر بالدولة العثمانية أو العالم العربي، بل كان توخّي الترقّي على هذه الصورة ظاهرة عالمية استُخدمت للإصلاح الداخلي وممانعة القوى الخارجية الضاغطة في آن، من إسطنبول وصولًا إلى سيام/ تايلاند والصين واليابان وكوريا[117].

كانت بذلك زاوية اهتمام العرب بشأن الحضارة مدفوعة على العموم باعتبار المستقبل الراقي الموافق لحاضر الآخرين بمنزلة الأُفق ممكن التحقّق، ولم يكن ثمة التفات إلى شأن الحضارة بحد ذاته بوصفها مفهومًا إلّا لمامًا، فقد أُخذ اللفظ واستُخدم وكأنه كناية عامّة عن المستقبل السوِيّ المنشود وإشارة إليه؛ ذلك أنها -أي الحضارة- لم تُشكّل بوصفها مفهومًا قضيةً في الفكر العربي إلا عندما أُدغمت في سياق خطابات الأصالة والهُوية والإحياء والنهضة ذات الطابع الرومانسي، التي كوّنت لنفسها قوامًا مهمًا ومستقلًّا في الفكر العربي. وقليلة وكليلة كانت العناية بها.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

والحال أن بروز شأن الحضارة بمُسمّاها في الثقافة العربية، وتواتر الإشارة إليها، لم يأتيا إلا كعنصر مع التحوّلات التي جرت بعد هزيمة حزيران، ونتيجة لها. ترافق تواتر هذا الشأن مع انحسار القوميتَيْن العربيتَيْن الناصرية والبعثية ونظائرهما، وضمور اليسار التقليدي بشتى أشكاله الذي رافقهما أحيانًا، وازدياد الضغط الثقافي والسياسي على العلمانية فكرًا وممارسة، وبدايات صعود مفهوم الأصالة واتجاهه إلى القرار في مساحات متنامية من الثقافة العربية. كذلك، ترافق ذلك مع صعود الأصوليات الأيديولوجية الدينية، إلى أن توصّلت هذه إلى موقع المركز من الخطاب العامّ في العالم العربي[118]. تضافر هذا مع نقد الحداثة والأنوار، ومع ازدياد تداول فكرة غروب الغرب وأفوله، مع إشارات متّصلة إلى شبنغلر على نحوٍ يشي بتداول فكرة الانحطاط والأفول على صورة عامّة وانطباعية، إذ لا يبدو أن المؤلِّف قد قُرئ، ولا يبدو أن كتاب عبد الرحمن بدوي عنه -المنشور لأول مرة عام 1941- قد قُرئ أيضًا، وهو كتاب عميق واسع الثقافة، تغلُب عليه المعالجة الفلسفية متحرّية الصلات بين نظرة التاريخ لدى شبنغلر وفلسفات هنري برغسون (Henri Bergson، 1859-1941) وسورن كيركغورد (Søren Kierkegaard، 1813-1885) وغيرهما. بناءً على ذلك، فقد أكد بدوي على نبذ أفكار الإنسانية والتقدّم، وانتصر لتأكيد الذات ضد الحضارة المتحضّرة، أي ما دعاه شبنغلر Civilisation، أي الطور الانحداري للثقافة في سبيل صنع التاريخ ضد حضارات الأفول[119]. ويجب تذكّر أن هذه الصفحات كانت قد كُتبت في عهد اتّسم بإعجاب كبير بالتجارب الفاشستية في أوروبا، وببروز حركات شبابية سياسية مستلهمة لها في مصر، كالقمصان الحديدية ومصر الفتاة وغيرهما.

توتر بين مذهبَيْن في الحضارة

انتصر بدوي إذًا للمذهب الحيوي الرومانسي مقابل النظرة الطبيعية الميكانيكية الوضعية للتاريخ، وآثر مقايسة الحضارات على الكائنات العضوية، مع التأكيد على ثبات طبائع الأمم وامتناع التأثر والتأثير بينها وفيها، وشدّد على أولوية العناصر الروحية الثقافية على العناصر المادية في الحضارة[120]. وقد جاراه في ذلك المؤرخ المصري حسين مؤنس، الذي أفرد للحضارة كتابًا نُشر للمرة الأولى عام 1978، في مرحلة انطلاقِ عهدٍ شهد بوادرَ انتصار النزعات المُحافِظة دينيًا واجتماعيًا، بعد أفول المشروع القومي وبدايات انحسار قوى اجتماعية وراديكالية ارتبطت به. بناءً على ذلك، جاء كتاب حسين مؤنس راجيًا الشمول في معالجة المفهوم، مع جنوح إلى الاستطراد والوعظ في الأسلوب، وإلى الدمج بين الحضارة والدولة على شاكلةٍ وُجدت في الكتابات التاريخية عن الحضارة باللّغات الأجنبية، مثل كتاب ويل ديورانت الشهير، مشيرًا في هذه الأجزاء من كتابه إلى المشرق الإسلامي والأندلس والإمبراطورية الرومانية وغيرها. ولكنه على ذلك لا يرى في الدول صانعة للحضارة، بل يرى ذلك في الأفكار التي تحملها الأمم جوهريًا، ويرى في الحضارات مولّدات للتاريخ، بحيث تكون حركة التاريخ تالية لحركة الحضارة[121].

يمزج مؤنس بين رؤية توينبي للتحدّي والاستجابة ونظرة شبنغلر، ولا سيما في معرض كلامه عن الانفصال بين الحضارات، ونبذه فكرة التقدّم البشري العامّ التي رأى فيها إيمانًا مُبالَغًا فيه بالتطوّر والترقّي[122]. وهو يقرن بين هذا النقد وبين مجال تاريخي يراه محايدًا هو العلم، وينتقد في الوقت نفسه التقانة على طريقة شبنغلر، وما قد تدعو إليه من ذوبان الفواصل بين البشر. لقد وجد في ذلك ما يؤذن بالانحدار في رأيه، وما هو ضارّ بقوام ثقافة المسلمين التي يراها واحدة واضحة المعالم، ومتميزة عن كل الحضارات الأخرى قِيَميًا وبكل اعتبار آخر، ولو كانت خاضعة للغزو الحضاري وبحاجة -من ثم- إلى التحصّن والتخندق. كانت فكرة الغزو الحضاري هذه قد ابتدأت بالانتشار في الخطاب العربي الإسلامي أولًا، ثم في بعض أوساط اليسار منذ ستينيات القرن العشرين. وقد كانت لهذا آثار رآها المؤلِّف غير مُحبَّبة، كالحرية الشخصية للنساء[123].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

أما علَمُ الفكرِ القومي العربي قسطنطين زريق، الذي ابتكر مصطلح "النكبة"، فقد اتّخذ منحًى آخر يحتفظ بقدر بسيط ورمزي من الشحنة الرومانسية الحضارية، ويواكب بينها وبين المفهوم التطوّري للحضارة والرّقي. إن في التعارض بين النظريّتَيْن الرومانسية والوضعية في الفكر والثقافة التاريخيَّيْن العربيَّيْن، وفي مفهومَي الحضارة المتصلَيْن بهما، استئنافًا للتعارض نفسه الموجود في أوروبا. وقد قدّم زريق في كتابه معركة الحضارة(1963) دراسة منهجية متماسكة وواضحة بشأن الحضارة في مختلف نظرياتها: التقدّمية، واللولبية، والتراجعية؛ وفي مفهومها المعياري (الشامل للقِيَم والأفكار والإنجازات والنُّظم) والوصفي والتاريخي والأنثروبولوجي (الشامل للعادات والفنون والآداب والفلسفة والدين)، بوصفها في كل الأحوال نتاجًا للجهد البشري، لا بوصفها نتاجًا لطبائع جوهرية للأمم والشعوب، وهي بذلك تندرج في سياقات التحوّل، وعلى رأسها التقدّم الشامل للبشرية.

ميَّز زريق بين "التاريخ العبء" و"التاريخ الحافز"، وبين تصوّر للماضي يرتهننا به وآخر يحفّز على تجاوزه في سياق الترقي. ووجد في هذا التمييز -وهو يكتب قبل حرب 67- أحد الوجوه المكمِلة لتشخيصه للتباين بين العجز العربي والاقتدار والتجبّر الإسرائيليَّيْن الواضحَيْن، في رضّة النكبة وما تلاها: وجد أن العرب والإسرائيليين ينتميان إلى مرحلتَيْن متفاوتتَيْن من الحضارة، فإسرائيل متأصلة في الحياة الحديثة، بينما يتنكّر كثير من العرب لهذه الحياة، مُخدِّرين أنفسهم بأمجاد الماضي. ووجد أن التفاوت البيّن في الاقتدار بين العرب والإسرائيليين نتيجة تباين حضاري لا سبيل إلى تجاوزه إلا إن تحوّل العرب من مجتمع انعزالي النزوع، توهّمي ميثولوجي سحري، إلى مجتمع تحقيقي عقلاني علمي[124].

جاء الاهتمام بالحضارة لدى هذا المفكّر الوضعي الحداثي من هذا الباب، فإذا كان للعرب الترقّي الشامل، يتعيّن عليهم الجمع بين مفهوم للفرادة الحضارية التي لا يمكن أن تكون إلا نسبية، ومفهوم عالمي بشري شامل، مناطه تراكم الحضارة البشرية والتقدّم. وهو بذلك يجمع بين البواعث النفسية الجماعية على التقدم والاستقلال ودوافعها، والبواعث العقلية والمصلحية عليها، القائمة على الاندراج في المسار العالمي[125]. وبناءً على أن زريق قرّر صعوبة البتّ في هذه المسألة على نحو قاطع، فليس غريبًا إن استبقى موقفًا متوترًا؛ فلئن كان التمايز الشامل بين الحضارات على طريقة شبنغلر غير واقعي في رأيه، فهو مستعد للإقرار بحقيقة الوجود التاريخي لسمات غالبة في الحضارات (كالطابع البروميثيوسي للحضارة الغربية الآيلة إلى العالمية). ولكنه في كل ذلك آثر الدقّة على التنميط والنمذجة، فامتنع عن الإقرار بامتناع المقارنات، وآثر التحوّط في استخدام مفهوم الشخصية الحضارية[126].

لذلك، فإن نقد بعض مظاهر حضارة الحداثة وآثارها مثل الأتمتة، وانحسار الحميمية، والفردية، وتغوّل الرأسمالية، وغيرها من المآخذ المألوفة لدى مؤرخين مثل حسين مؤنس وقسطنطين زريق، قد اتّخذ مَنحيَيْن مُتباينَيْن. فلئن عَدّ الأول هذه المآخذ خاصة بالغرب وبما ومن تأثّر بالغرب، ووجد الإجابة في الالتجاء إلى إحياء التراث، فقد وجد الآخر فيها مظاهرَ للحضارة العالمية مِمّا لا يُؤخذ عليها ككل ولا يُؤاخذ بها العرب، ووجد أن هذه المظاهر من أوجه القصور والتقصير (منها تلوّث البيئة)، وليست بالضرورة ديناميات داخلية أو بنيوية، رغم الاستعمار والعنف والتفاوت بين التقدّم التقني والتقدّم الخُلقي. ووجد زريق أن الحل لا يكمُن في التفارق عن مسار الحضارة العالمية، بل في الإسهام في تراكم التراث البشري المنفتح على المستقبل[127]. يكمُن مناط هذا التباين في النظر إلى اتجاهَيْن أيديولوجيَّيْن متباينَيْن: أحدهما تأصيلي تقليدي متجدّد البأس منذ سبعينيات القرن العشرين؛ والآخر وضعي حداثي كانت له الغلبة في الخطاب العربي العامّ حتى أواخر سبعينيات القرن العشرين.

رغم هاتَيْن الدراستَيْن، لم يكن حضور لفظة الحضارة في الثقافة العامّة في العالم العربي مهتمًّا بتقصّي المفهوم واستخداماته، بل استُخدمت اللفظة عمومًا على صورة انطباعية وبيانية تفخيمية، وكأن مدلولاتها ومعانيها كانت مستقرّة على معانٍ ثابتة. ولم يتحرّ إلا القلّة معاني المفهوم وتخومه وجواز استعماله وسياقات هذا الاستعمال. ولئن كان استخدام اللفظة حتى ثمانينيات القرن العشرين قد اقتصر على دراسات تاريخية الطابع مزجت بين التاريخ العامّ الشامل للثقافة وبين الحضارة (على طريقة جرجي زيدان أو ويل ديورانت أو فرانسوا غيزو قبلهما)، فإن الظروف التي استجدّت في العقود الأخيرة أنتجت وضعًا في الثقافة العالمية للعرب صارت فيه الحضارة -وقرينتها الثقافة- من مكوّنات خطاب أيديولوجي مناطه نظريات التفارق التاريخي بين الحضارات. وجاء التعبير عن مناط الاستعمال هذا بتوسّل مفاهيم الأصالة والاستمرارية التاريخية وإحياء التراث والربط معه، في حركةٍ مُعارِضةٍ لِما كان قد استقرّ عليه فيما سبق خطاب النهضة من نزوع نحو العالمية والتنوير في الفكر.

الحضارة ومقاربة الماضي

تبلور اتجاه توسّل الماضي واستعادته سبيلًا إلى المستقبل ودليلًا عليه، وانتقل من الهوامش الثقافية والاجتماعية إلى المركز من الثقافة العامة في أقطار عربية محورية مع نهايات الحرب الباردة. وتضافر هذا الانتقال مع تيارات عالمية من سياسات الهُوية والسياسات النيوليبرالية في إدارة الاقتصاد والحدّ من فاعليات الدولة التربوية والثقافية، وتلاقى مع تيار عارم من النزعات المحافظة دينية الطابع. تضافر ذلك كله في نزوع إلى الغلبة في الخطاب وفي السلوكات، وإلى تيسير بلورة مفاهيم ونشرها كالاقتصاد الإسلامي، والدولة الإسلامية، والديمقراطية الإسلامية، والدستور الإسلامي، والمعرفة الإسلامية، علاوة على شعار "الإسلام هو الحلّ". ذلك كله جاء بمعية نظرة إلى التراث لدى العرب تُبرز العناصر الإيمانية والخطابات الدينية على حساب غيرها من مكوّنات تاريخ هذا التراث، وتُثبت الديانة الإسلامية بوصفها محورًا جامعًا لتاريخ حضارة العرب. ذلك كله جاء أيضًا مع إسلام مُعولَم (مناظر للتمدّد المُعولَم للبروتستانتية)، خطابًا ومؤسّساتٍ وجامعات ووسائلَ اتّصال[128]. وقد تضافرت هذه النزعات خطابيًا ومفهوميًا مع الخطاب ذي البُعد الكولونيالي، الذي دخل في مجال الثقافة العربية في مطلع القرن الواحد والعشرين، مازجًا بين إلمام متفاوت بهذا الخطاب في مجالاته الأصلية في الولايات المتحدة الأميركية، وبين أقوال متداولة في المجال العربي العامّ.

أدت هذه النقلة في السياق العالمي وفي الثقافة العربية إلى غلبة ضرب من القومية الثقافية أو الحضارية، عماده قضية التراث والاستمرار الحضاري، مع تهميشه لقضايا التقدّم بل والسجال الحادّ ضد أفكار عصر الأنوار التي كانت منهلًا مهمًا للفكر العربي. وقد نُظر إبان هذا التحوّل إلى المستقبل تحت عنوان النهوض الاسترجاعي، والجنوح إلى الاستغناء عن مقولة التقدّم ومساجلتها أدّت هذه النقلة إلى نظرة إلى الحضارة أضفت عليها صفة تفاضُلية وتنافُرية، وبوصفها مناطًا للاختلاف والتباين في المصاف الأول، مقتربةً من خطاب هنتنغتون اقترابًا مفهوميًا يفيد برغبة القيّمين على مفاهيم استرجاع الأصول في ممانعة الغرب، الذي يُؤخذ في هذا الاعتبار على أنه حضارة كتلة سياسية أو ثقافية أو استعمارية، وحضارة اختلاف نوعي.

وقد اقترن هذا الاتجاه بذلك الذي يرى في الحضارات مجازًا للاستمرار التاريخي، أي يجعل منها أداة خطابية في تأكيد التباين وامتناع التداخل والتضافر. واقتضى ذلك إدغامًا لمفهوم الحضارة في إشكالية التراث والاستمرارية التراثية المأخوذة في هذا الاعتبار سياقًا أساسيًا للنهوض. كذلك اقتضى ذلك إزاحة مفهوم النهضة عن النزوع الحداثي الذي اقترن به لمدة قرن من الزمن، وإدغامه بالمفاهيم الدينية، والنزوع نحو الإدغام بين الإسلام والعروبة واعتبار أحدهما مجازًا للآخر. تم ذلك في سياق غلبة تآلف سياسي وثقافي بين التيارَيْن الإسلامي والقومي في الثقافة العربية العامّة، مع غلبة في هذا التآلف للتصوّرات الإسلامية للتاريخ والمجتمع. كان ذلك سياقًا لم توجد فيه للدراسة التاريخية المُتقصّية لمفهوم الحضارة الإسلامية أهمية تتجاوز دواعي الخطاب السياسي، بل كان عماده إطلاق تسمية الإسلام على تاريخ العرب، ووصف التاريخ كله بسمة دينية. جاء ذلك كله في ظرف عُزّز وتَمأسس فيه السعي إلى أسلمة المعرفة، وأسلمة العلوم، وأسلمة اللغة الإنكليزية أيضًا، برعاية مؤسسات ذات امتدادات عالمية ودول. وقد انتظم ذلك كله في خطابات هُوية تروم استرجاع ما خسرته "الذات الحضارية" وما استلبته منها الحداثة الغربية، على ما يرى هذا الخطاب[130].

ربما كانت فكرة النهوض الحضاري الشامل من السمات المميّزة للعقود الأخيرة في الثقافة العربية، بعد التهميش النسبي للتيارات اليسارية والعلمانية، مع أن فكرة النهضة كانت ماثلة في الثقافة العربية منذ قرن ونصف القرن، ومقترنة أساسًا بالتيارات الحداثية الإصلاحية أولًا، والقومية والعلمانية واليسارية لاحقًا. وقد كانت التيارات الإسلامية تفضّل عناوين كالإصلاح والسلفية، وعبارات تراثية متصلة بها. يُذكر أن تغليب فكرة الاستمرار التاريخي على واقع الانقطاع في عصر الحداثة، والتباهي بالماضي والركون إليه بوصفه دليلًا للنهوض والمستقبل، قد جاءت في زمن إحباط وهبوط، وليس في زمن صعود وتفاؤل، حين غلبت الأفكار الحداثية على مواقع المركز من الثقافة الوطنية. يُذكر أيضًا أن مناهضة الاستعمار كانت في يومها متلازمة مع تطلُّع حداثي عالمي التوجّه. أما في نهايات الحرب الباردة، فقد شُوهد انتقال الإسلام السياسي إلى مواقع أساسية؛ ومن أكثر مؤشرات هذا الانتقال دلالةً انزياح المجال التداولي لعبارات النهضة والنهوض الحضاري من مجال خطاب التيارات الحداثية والعلمانية -صراحةً أو ضمنًا- إلى التيارات الإسلامية، إذ استُصلحت وأُعيدت صياغة أُسسها وأهدافها. وقد يشار هنا إلى استصلاح العبارة في تسمية حركة النهضة في تونس عام 1981، التي تلتها حركة النهضة في الجزائر عام 1989.

ولئن توزّع الخطاب المَعني بالحضارة على الدراسات والبيانات والمقالات الصحفية والنقاشات التلفزيونية، ولاحقًا وحتى اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي، فإن هذا التبعثر النسبي في مجالات الخطاب قام نتيجة تضافر عدّة جهود فردية وجماعية، ثقافية وسياسية. التأمت هذه الجهود على ما جرى التواضع في هذا السياق على عَدِّه مُسلَّمات، واجتمعت في خطاب النهوض الحضاري والاستقلال الحضاري المتجاوز في شموله، مع إرسال مجالات السياسة والتاريخ والثقافة والمجتمع إلى سموٍّ لا يُقاس على ما كان قد طُرح من خطابات النهضة العربية حتى تلك اللحظة، أي اللحظة التي التأم فيها الإحباط مع الطموح. إنّ مناط الإشارة هُنا إلى الإحباط والقنوط هو إلى ما تلا هزيمة حزيران، وإلى رجحان التيارات المحافظة بعدها، ثم إلى تفكّك الكتلة الاشتراكية وانحسار الفكر الحداثي، ونزوع قطاعات مهمة من المُثقّفين العرب إلى التعامل مع الفكر الإسلامي واستبطان مُسلَّماته، وحمله على صورة ما كانت مألوفة قبلًا.

يمكن التمثيلُ على هذه الحركة التاريخية الانتقالية والتكنِيةُ عنها بالإشارة إلى ندوات اجتمع فيها من قد يُعَدّون زبدة المفكّرين في العالم العربي، للتداول في شأن "الأزمة الحضارية" بقصد التوصّل منها إلى نهوض حضاري شامل لجميع أوجه الحياة العربية. وبالإمكان عَدّ مساهمة المفكّر والحركي الفلسطيني منير شفيق العبارة الأكثر اتساقًا للعبور إلى المرجعية الإسلامية، فقد كان سبّاقًا في الانتقال من الشيوعية إلى نقضها بحجّة الاغتراب عن الواقع الفلسطيني العربي الإسلامي، الذي تتطابق فيه العناصر الثلاثة هذه، وصاغ سيرة تفصيلية لهذا الانتقال وظروفه السياسية على صورة لا نظائر لوضوحها. وانتقل من الشيوعية إلى تأويل مفهوم الأمة والجماهير المقتبَس من الثورة الصينية في صياغتها لدى ماو تسي تونغ، ومن حرب التحرير الفيتنامية في صياغتها لدى هو تشي مِنه (Hồ Chí Minh)، على صورة تدغم بين الإسلام والجماهير وقِيَمها، وفي سياق علاقة تنافُرية بين الإسلام/ الجمهور والغرب وحضارته. وقد صِيغ ذلك كله في كتاب بعنوان الإسلام في معركة الحضارة، كان بمنزلة بيان حول القطع والانقطاع كمهمة تاريخية وسياسية ونضالية، من دون الدخول في اعتبارات تاريخية أو مفهومية خاصة بالنظر في الحضارة، وبالاستناد إلى نظرة (وهي العِماد المفهومي للشعبوية بمعناها الأيديولوجي) تُماهي بين التاريخ والمجتمع والنصاب السياسي، وترى في النصاب السياسي انعكاسًا وإعلاءً للشعب أو الأمة من دون زوائد أو نواقص. وهذا تصوّر للسياسة كان بالغ الأثر في خطابات الديمقراطية في العالم العربي، ولا سيما لدى الأحزاب السياسية الإسلامية[131].

يشار في هذا السياق إلى اتساع مجال البحث والموضوعات التي جرى البحث فيها وكأنها مشروعات انتقال وتحويل شامل للمجتمع العربي، مِمَّا كان قبل ذلك يُعَدّ من مهمات الدولة الحديثة والأحزاب السياسية الطامحة إلى تثوير المجتمع والانتقال به من طور إلى آخر. ليس مستغربًا بعد هزيمة حزيران وتأزم الناصرية والبعث أن يرى كثيرٌ من المثقّفين في اجتماعهم تعويضًا عن ضمور الدولة والأحزاب. وليس غريبًا أن تؤدي رعاية المثقّفين للمجتمع، أو ربما طموحهم للوصاية عليه، إلى تحوّل قضايا سياسية إلى قضايا ثقافية تُفخَّم بالتسمية الحضارية التي لا حدود لمجال معانيها، في وقت ازدادت فيه الكتابات حول تأزم الثقافة العربية ومُثقّفيها، وازدادت فيه الانتقادات الذاتية حدّةً بعد هزيمة حزيران عام 1967، وانتعشت فيه الآداب والفنون والخطابات والسلوكات الحداثية. جاءت هذه المؤتمرات مسكونة بهواجس سياسية تمثّلت في برامج مُعلَنة للتحوّل والدخول في السياسة من موقع ثقافي مفارِق لها يُتيح استشراف التطوّر، ولاحقًا النهوض بالحضارة: والكلمة تبدو واضحة الدلالة، ولكن التباس معانيها مُضلِّل. كذلك فإن إحالة السياسة والمجتمع إلى الحضارة تُلبِس أكثر مِمَّا تُفصِح وتوضح[132]، وقد جاءت بِنَفَس وكأنها تدافع عن ذات جماعية معرّضة لنقد راديكالي[133].

القصور الحضاري

اجتمعت الندوة الأولى في الكويت في نيسان/ أبريل 1974، بدعوة من جامعة الكويت وجمعية الخرّيجين فيها، وبرعاية من الدولة التي اتّبعت في ذلك الوقت سياسة تنمية ثقافية نَشِطة وطموحة. كان عنوان الندوة "أزمة التطوّر الحضاري في الوطن العربي"، وهو عنوان يُلحَظ فيه استخدام لفظة متداولة آنذاك هي التطوّر، التي تشي بزمانية منفتحة على المستقبل وعلى العالمية والانتقال من طور إلى طور حضاري أرفع، وهي اللفظة (ومدلولها) التي كان لها الانحسار في السنوات التالية لصالح لفظة أكثر شاعرية وتصدية، هي النهوض أو النهضة.

تضمِر الإشارة إلى التطور افتراضًا لعدم الاكتمال، وقد كان هذا الافتراض واضحًا في مداولات المؤتمر وفي بيانه الختامي الذي وقّع عليه المشاركون[134]. جاء في هذا البيان تأكيد على التأزم والانسداد في تطوّر المجتمعات العربية، مع الدعوة إلى بناء جماعة من المثقّفين الحُكماء لتشخيص الاعتلال وصياغة الحلول الناجعة التي تُتيح للقوى المادية والروحية للأمة العربية مواكبة الحضارة العالمية، فصِير إلى نقد التخلّف الفكري البعيد عن الروح العلمية وعن العقلانية. أُعلن كذلك عن تثمين الماضي العربي المُسمّى تراثًا، مع ضرورة استيعابه وتجاوزه في آن، من دون تجويز جعل المستقبل مرتهِنًا بالماضي، ومن دون دمج الأصالة بالتراث. وفي هذا ردّ مضمر على التيارات الإسلامية التي وجدت أن الهزيمة كانت نتيجة الابتعاد عن الدين والتراث، وفقدان الأصالة، واستلاب الذات العربية في النظم الناصرية والبعثية، ورأت أن الحل يكمُن في الدعوة إلى الإيمان وإيقاظه في النفوس[135].

ولكنّ مداولات هذا المؤتمر تشير إلى استمرار جوٍّ حداثي، مِمّا أشار إليه البيان الختامي في استدعائه أزمة القِيَم في مجتمعاتٍ وجد المجتمعون أنها ما زالت في دور الانتقال من سمات البداوة إلى سمات التحضّر وخصائصه. أشار البيان أيضًا إلى ضرورة مناقشة الدِّين من دون حساسيات، ودعا إلى إجراء مسح شامل للمجتمعات العربية بقصد التيقُّن من واقعه بدلًا من الركون إلى التقريرات التقريبية والانطباعية والعامّية. ولئن ورد في المداولات النزوع (في مداخلة أنور عبد الملك) إلى استصحاب مفهوم الأصالة والخصوصية بمعانٍ عامّة لا تُفيد بالضرورة النظر إلى ذلك بالإشارة إلى الإسلام، فإن هذا النزوع انتُقد (في تعليق لمحمود أمين العالم)، على اعتبار عدم جواز افتراض الاستمرار بدلًا من الانقطاع في التاريخ العربي الحديث، وبتأكيد قسطنطين زريق على أن النظرة التراجعية إلى التاريخ من سمات أدوار التخلّف في التاريخ

يُذكَر هنا ذكر مفردة جديدة نسبيًا في الخطاب الحداثي التطوّري هي "الأصالة"، التي كانت متداولة عمومًا قبل ذلك في الأوساط الإسلامية من دون أن يُماهى بينها وبين التراث، خصوصًا التراث الديني. ولكن، بعد ذلك بسنوات قليلة، أُدغمت هذه المفردة ومدلولاتها -خصوصًا الدينية منها- في نقاشات التطوّر والرُّقي، بحيث تحوّلت مفرداتها الناظمة إلى التراث والحداثة بوصفهما شأنَيْن متمايزَيْن ينتميان إلى زمنَيْن متمايزَيْن ينبغي الجمع بينهما. لقد كان مُصيبًا الانتقاد الذاهب إلى أن هذه الصياغة بجعل القضية آيلة إلى شأن "الحضارة"، غير مُتعيِّنة الدلالة، بدلًا من الحركة الملموسة لمجتمع اليوم، التي تُغيِّب الحاضر بتوسّل الماضي المُصاغ بعبارات التراث والحضارة (ومفهوم العقل العربي القارّ)، بدلًا من الولوج إليه بتلمّس الدينامية التاريخية، وبالإشارة إلى النهضة بمعنى الإحياء للماضي بدلًا من فهمها بالإشارة إلى معاني التقدّم[137]. والحال أن ثقافوية هذا التناول لأزمة الحضارة في وجهَيْه الحداثي والإسلامي، كانت موضع نقد بمناسبة الذكرى الخمسين لهزيمة حزيران[138].

كانت لندوة الكويت استعادة بعد أربعين سنة لحصولها، في ندوة "إعادة التفكير في أزمة التطوّر الحضاري في الوطن العربي"، التي عُقدت في الكويت بدعوة من المجلس الوطني للثقافة والفنون في كانون الثاني/ يناير 2014[139]. وقد طُرحت قيد المداولة جملة من الأمور التي استجدَّت أو تفاقمت في المدة الفاصلة بين المؤتمرَيْن، ومنها: الصعود السياسي للإسلام السياسي؛ وما عُدَّ أنه بداية تراجع هذا التيار بعد الربيع العربي؛ وتنامي التحوّل في القِيَم الاجتماعية؛ والالتباسات والتوتّرات الناجمة عن سرعة وتائر التحوّل؛ وانفجار الهُويات الفرعية؛ وانتشار الفكر الديمقراطي؛ والتقدّم البَيّن في قطاعات اجتماعية لحرّية الفرد وإدخال اعتبارات المُساواة بين الجنسَيْن. ولكن، طُرح أيضًا أثر وسائل الاتصال على نشر الخرافات والعادات المتصلة بالتخلّف الفكري، وعناد استمرار مؤشّرات التخلّف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي[140]. ولكن البُدّي كان أن نتائج الندوة الأولى ما تم لها الاستكمال، وأن اقتراحاتها للحلول العملية ظلت أفكارًا صِرفة بدا وكأنها قد تقادمت، وأن المشاغل التي طُرحت عام 1974 لم تتعرّض لمراجعة أو تحيين عام 2014، وأن الأفكار الأساسية كانت نفسها، مع الإشارة إلى تماسك أكبر في الطرح في الندوة الأولى.

بناءً على ذلك، بدا وكأن الزمان قد توقّف خلال أربعين عامًا، وأن مفهوم الحضارة المستعمل قد تخلخل إلى درجة تفوق ضبابيته في الندوة الأولى، وأنه لم يتجاوز أن يكون عنوانًا جامعًا لقضايا كثيرة معظمها فكري، حائزًا على رنين خطابي لم تُجارِه الإحالة على المدلول المفهومي، الذي يبدو وكأنه قد تناثر إلى موضوعات متفرّقة[141].

كفاية الحضارة

الحال أن رزمة المشاغل التي نُوقشت في الكويت استمرّت ماثلة في الجوّ الثقافي، وكُرّر كثيرٌ منها في دراسات ومقالات وبيانات في نشاطات وكتابات تناثرت، ثم التأم شملها في إطار مؤسَّسي جيد التنظيم وطويل الأمد، رعاه مركز دراسات الوحدة العربية تحت مسمّيات اجتمعت في سياق تجمّع ثقافي عربي عريض، أُريد له أن يُصلح بين القوى الإسلامية السياسية الصاعدة من جهة، والقوى القومية واليسارية والليبرالية بعد أن ضَعُفت بعد حرب حزيران من جهة أخرى، وبعد أن توسّع أثر الخطابات الإسلامية وشبكاتها الإعلامية والتربوية والثقافية. وكان العنوان السياسي لرغبة الاجتماع هذه بناء "كتلة تاريخية" وطنية تحت عنوان "المؤتمر القومي- الإسلامي"، بموازاة "المؤتمر القومي العربي"، وبمحاذاة انتشار فكرة الديمقراطية في المرحلة التي شهدت اختتام الحرب الباردة[142]. أما العنوان الثقافي، فقد كان التوفيق بين التضاد الذي برز في هذا الوقت بين الحداثة ونقيضها المستجدّ "الأصالة"، في سبيل نهوض حضاري شامل.

أُخذ على هذا المشروع: عدم التنبّه إلى تبدّد الحوامل السياسية للتيار القومي؛ وغموض مفهوم "الكتلة التاريخية" ومقاصدها فيما خلا العنوان الجذّاب؛ ومحاولة التوفيق التي قد تشلّ الفاعلية بتشتيتها للفوارق[143]. وأُخذ عليه أيضًا اقتراحه الدخول في تحالف سياسي-ثقافي لن يكون متوازنًا، نظرًا للتفاوت في الحضور السياسي على الأرض، والتباين الأيديولوجي المانع لإنتاج مشروع تاريخي أو حضاري مشترك في مجتمعات منشطرة، وبين تيارات فكرية وأيديولوجية متباينة وحاملة لعداوات تاريخية[144]. ولكن هذا الاتجاه التوافقي ظلَّ جاريًا على التأسيس في مجال الأفكار، وفي الجعل من إرادة الاجتماع -ومفهومه في سياق حضاري مشترك- مفتاح حلٍّ للانسدادات التاريخية المشهودة. وقد كانت المبادرة الواسعة الطموحة الأولى ذات الطابع البرنامجي هي ندوة "التراث وتحدّيات العصر في الوطن العربي"، التي عُقدت في القاهرة عام 1984[145]. لقد كانت هذه الندوة مُناسَبةَ جمعِ وتنسيق التحوّلات التي طالت التوزيع الداخلي للمركزي والهامشي من تيارات الفكر، والتي قَونَنَت غلبة الاتجاه التوفيقي المستدخل لنتائج انتقال الاتجاه الإسلامي إلى مواقع محورية، مع جنوحٍ إلى تغليب ما يطرحه هذا الاتجاه من إشكاليات، وتثبيت "الأصالة" في موقع محوري من الشواغل.

وقد تطوّرت هذه النشاطات وتوسّعت إلى أن اجتمعت في مبادرة واسعة أُطلقت عليها تسمية "المشروع الحضاري النهضوي الشامل"، رعاها ونظّمها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت منذ عام 1988، وحتى صياغاتها الأولى عام 1996، وصولًا إلى حصيلة قُدّمت ونُوقشت في مؤتمر عُقد في مدينة فاس عام 2001، ضمَّ ثُلة من المثقّفين العرب من اتجاهات متعددة جمعت بين المخضرمين مِمَّن حضروا ندوة الكويت قبل ذلك بربع قرن، والعناصر الأكثر شبابًا. وقد نُشرت تلك الحصيلة في كتاب من 1167 صفحة[146].

تتجلّى في هذا المشروع جملة من الملحوظات التي سبق وأن أُبديت بشأن استعمالات لفظة الحضارة، فمن البُدّي من العنوان نفسه أن الحضارة غير مستخدمة بمعانٍ تاريخية مُحدَّدة ومعلومة، بقدر ما هي إشارة إلى شمول المشروع للاقتصاد والسياسة والمجتمع علاوة على الثقافة، بوصفها جميعًا سُبلًا لتحقيق الأهداف العملية التي ترتجي إصلاحات أساسية تلتئم جميعًا في مشروع وطني شامل له أُفق جامع اصطلح أصحاب المشروع على وسمه بالحضارة في طور النهوض والتحقّق. ثم إن المشروع يتضمّن إشارات عدة إلى تسمية هذه الحضارة وتعيينها، فهي تارّة عربية وتارة إسلامية تبعًا للسياق، وأحيانًا عربية- إسلامية استرشادًا بالاستعمالات المغاربية. ومن شأن هذا الإدغام بين شأنَيْن متمايزَيْن الانجرار إلى الالتباس واللّايقين، وتيسير المفارقة الزمانية الآيلة عن عدم التمييز بين المعاني القديمة الإسلامية والمعاني القومية الحديثة لمفردة الأمة باللغة العربية.

علاوة على ذلك، تمحور المشروع على عناصر ستة هي: الوحدة العربية، والديمقراطية، والتنمية المستقلّة، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني القومي، والتجدّد الحضاري. وقد قُدّمت للمنتدى أبحاث تناولت الاقتصاد والعدالة الاجتماعية والسياسية، ودارت حول التنمية المستقلّة والعدالة الاجتماعية والصراع العربي الصهيوني والاستقلال الوطني، دونما ارتباط عيني بحضارة بعينها. أما المناط الجامع، فقد كان النهضة التي في عمومها أُعطيت تسمية الحضارة ووسمها دون مفهومها، وقامت على مفهوم الإحياء والاستنهاض، أي على افتراض كيان تراثي قائم وقارّ فيما وراء التاريخ ينتظر الاستدعاء[147].

يشي ذلك بمفهوم ضمني للحضارة مِمّا يُصنَّف في باب الثقافوية أو الرومانسية التي تسم بعض تصوّرات الحضارة، وهو يرتجي في كلامه عن التراث والحداثة والنهوض الحضاري الاستقلال الحضاري، أو بعبارة أخفّ "التميّز الحضاري" -حسب تعبير طارق البشري- القائم على ما رأى المؤلّف أنه "الإرادة السياسية للجماعة" ذات الشرعية المستمدَّة من الإسلام، تلك الجماعة أو الأمة التي خرجت من القرآن "الذي تمحورت حوله الثقافة والآداب والفنون والجهود العقلية"[148]، وذلك على صورة مألوفة في نظريات الحضارة القائلة بفرادة الأمم، التي تتّخذ من الرموز التاريخية صوانًا للتقصّي التاريخي للتاريخ، على نحو يُذكّر بشبنغلر. يُتمِّم ذلك ما جاء به عادل حسين في دراسة حول الاستقلال الوطني، من أن النموذج الحضاري المرجوّ محكوم ولا بد بمبدأ التوحيد الإسلامي وما يتفرّع عنه من التزام أخلاقي، على صورة تامّة الاختلاف عن الحضارة الغربية المنعوتة بالمادية، ومتفوّقة عليها. ولئن كانت إمكانات الأمّة التي ترتجي النهوض الحضاري (الأمة الإسلامية حول نواة عربية على ما وجد عادل حسين) متواضعة، فإن المستنهضين "موعودون بنصر الله إذا نصرنا النموذج الذي كُلّفنا بإقامته"[149].

أما التجدّد الحضاري بناء على توسّل الاستمرار التاريخي، فهو يكمُن في عرض شؤون الحداثة من ديمقراطية وعقلانية وغيرهما على ميزان الشرع من وجوبٍ وندب وإباحة ومنع وكراهية، مع الالتزام بالنهي القرآني القاطع[150]. يُفيد هذا ترجمة العبارات الحداثية المناسبة لأوضاع اليوم إلى عبارات تراثية مُستقاة من الفقه الإسلامي، وافتراض التماهي المفهومي بين العبارات الماضية والراهنة، والاستمرار في المعنى بين العبارة التراثية وأصولها الزمانية الأولى، ولعلّ نقاش ترجمة الشورى بالديمقراطية كان من الموضوعات الأوسع انتشارًا وتداولًا[151].

تمثّلت في هذه الندوة وفي سياق النقاش الثري الذي احتوت عليه، آراء وأفكار ومواقف ما كانت على وفاق مع الاتجاه الحضاروي الجامع لها، ولكنَّ التيار الناظم هذا كان الغالب، مع غلبة الاتجاه التأصيلي القائل بالفرادة التاريخية والاستمرار بين الأصول والآن التاريخي، على النسق الذي وُصّف واتّخذ مناحيَ سياسية واستراتيجية في العقدَيْن الماضيَيْن على المستوى العالمي الشامل للدول الغربية وروسيا والصين، حيث جرى الانكباب الجِدّي على تقصّي معاني الحضارة ومفاهيمها في سياق صدام الحضارات. بذلك، فإن الاستخدام الأداتي لمفهوم الحضارة في المشروع المذكور جاء بمنزلة عالم صغير لعالم أكبر هو الثقافة العامة التي أضحت غالبة في العالم العربي، والتي أضحت "الحضارة" في خطابها المتداوَل مندمجةً في تيار أيديولوجي يُوطِّن في العالم العربي فهمًا عالِمًا بالتاريخ، غربيّ المنشأ والمجتمع، باستخدام الجهاز الرمزي للإسلام وتاريخه. في هذا السياق، يبدو أن التقصّي المفهومي والتاريخي لشأن الحضارة بحدّ ذاته كان ولا يزال في غير محلّه، ذلك أن شأن الحضارة مندرج في خطاب الأصالة والهُوية المُستلهَم من الخطاب الإسلامي المتراكب مع النزعات الرومانسية في الخطاب القومي، وليس متمايزًا عن هذا الاندغام في سياق مستقلّ احترافي للتاريخ.

عود على بدء

لقد استمرّ أحد المهتمّين بشأن الحضارة، وهو الباحث والكاتب والإعلامي المغربي ماهر الملاخ، بعد ندوة فاس بعقدَيْن من الزمان، في طرح القضايا نفسها التي سبق وأن طُرحت عام 1974، ثم استُعيد الكلام فيها عام 2001. يُضاف إلى هذا تسارع نزوعات وسمَت الألفية الجديدة، من إيغال في النزوع نحو التفسير الديني لدعائم الحضارة العربية في الماضي، وجعل هذا الأداة لصياغة عناصر مستقبلِها، وذلك في استئنافٍ لمشروع المؤتمر القومي- الإسلامي، وإنعاشِ القول بـ"الكتلة التاريخية". جاء هذا مع الانتقاد لجنوح المشروع الذي طُرح في فاس إلى تغليب عناصر لحظته السياسية على الشؤون الأخرى، وجنوحه إلى استرضاء الأطراف المشاركة فيه على حساب التماسك والدقة الفكريَّيْن، في سياق التطلّع الحضاري المستقبلي، مِمّا كان من العوامل المؤدية إلى "الاحتباس الحضاري" المستمرّ للعرب، حسب أحد من حاولوا الاستدراك على المشروع الحضاري وإعادة الروح إليه.

جاء ذلك مع محاولة المشروع الجديد ضبطَ التخلخل المفهومي وتذرّر الموضوعات الاقتصادية والسكّانية وغيرها، باستصحاب نظرية ابن خلدون في تطوّر الدول، ونظرية توينبي في الحضارة والتاريخ، وتعاليم مالك بن نبي حول ثقافة الشعوب المستعمَرة، مع بناء مخطط هرمي مفهومي وعملي قائم على ذلك. وكان الهدف من ذلك صياغة رسالة/ رؤية وتجنيد نُخبة مثقّفة، لتشييد "كومونولث إسلامي" متعدّد الحلقات (العربية والإندونيسية وغيرهما)، بروح أُممية إسلامية. استأنفت هذه المحاولة المقاربة الثقافوية لسابقاتها، وافتراض أن وعي المثقّفين وإرادتهم هُما أداة النهوض. ذلك كله من شروط مشروع نهوض شامل يُنبِّهُ صاحبُه إلى عدم الاستعجال فيه، إذ هو يُلمِّح في الجملة الأخيرة من نصّ مشروعه -بشيء من الخَفَر- إلى عِبر التاريخ، التي تشير إلى أن عمليات النهوض الشاملة لأي حضارة تتطلّب قرونًا من الجهد[152].

المراجع

العربية

إبراهيم، وميض محمد شاكر. "منهج ويل ديورانت في كتابة التاريخ الإسلامي: دراسة في كتاب (قصة الحضارة)"، رسالة دكتوراه. كلية التربية. جامعة الموصل. الموصل. 2013.

أبو زيد، نصر حامد. الحداثة والحداثة العربية: مؤتمر إشهار المؤسسة العربية للتحديث الفكري من 30 أبريل- 2 مايو 2004. دمشق: دار بترا، 2005.

الأتاسي، صونيا ميشار. "هانس بلتنغ عن ابن الهيثم: فن النهضة الأوروبية والعلوم العربية". مجلةبدايات. العدد 5 (1 نيسان/ أبريل 2013). ص 122-126.

أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي: وقائع ندوة الكويت ما بين 7-12 نيسان 1974. إعداد وإشراف شاكر مصطفى. الكويت: جمعية الخريجين، 1975.

الأعرجي، علاء الدين. أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي: العقل الفاعل والعقل المنفعل. بيروت: دار كتابات، 2004.

أفاية، محمد نور الدين. "إعادة التفكير في «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي»: تغطية ندوة الكويت- يناير 2014". التفاهم. العدد 12 (2014). ص 383-405.

إلياس، نوربرت. مجتمع الأفراد. ترجمة هاني صالح. اللاذقية: دار الحوار، 2014.

الأنصاري، محمد جابر. الفكر العربي وصراع الأضداد. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات، 1996.

بدوي، عبد الرحمن. إشبنغلر. الكويت: وكالة المطبوعات؛ بيروت: دار القلم، 1982.

بروديل، فرنان. المتوسط والعالم المتوسطي. تعريب مروان أبي سمرا. بيروت: دار المنتخب العربي، 1993.

________. تاريخ وقواعد الحضارات. ترجمة حسين شريف. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999.

________. هوية فرنسا. ترجمة بشير السباعي. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1999.

البستاني، بطرس بن بولس. محيط المحيط: قاموس مطول للغة العربية. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 1993.

بشارة، عزمي. الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. ط 2. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018.

بلقزيز، عبد الإله. نقد الثقافة الغربية في الاستشراق والمركزية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2018.

توينبي، أرنولد جوزف. بحث في التاريخ. ترجمة طه باقر. بغداد: وزارة المعارف، 1955.

________. بحث في التاريخ. ترجمة طه باقر. طبعة جديدة. لندن: الوراق، 2017.

________. مختصر دراسة التاريخ. ترجمة فؤاد محمد شبل. مراجعة محمد شفيق غربال. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2011.

تيمور، محمود. معجم الحضارة. القاهرة: مكتبة الآداب، 1961.

جدعان، فهمي. أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979.

جرار، شاكر. "هزيمة من؟ نقد المنهج الثقافوي في تحليل أسباب هزيمة 1967". حبر. 5/6/2017. في: https://acr.ps/hBy5Ogw

جلال، إيمان السعيد. ألفاظ الحضارةفي مصر بالقرن التاسع عشر: رُصدت من كتاب رفاعة الطهطاوي قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر، مع النص الكامل للكتاب. القاهرة: مكتبة الآداب، 2008.

الحافظ، ياسين. التجربة التاريخية الفيتنامية: تقييم نقدي مقارن مع التجربة التاريخية العربية. ط 2. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1979.

الحروب، خالد. "نقد المشروع النهضوي العربي". مركز الاتحاد للأخبار. 25/4/2010. في:

https://acr.ps/hBy5P1b

خليل، خليل أحمد. مفاتيح العلوم الإنسانية: معجم عربي- فرنسي- إنكليزي. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1989.

خليل، عماد الدين. مدخل إلى إسلامية المعرفة مع مخطط لإسلامية علم التاريخ. ط 2. هِرندن، فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1991.

داغر، شربل [وآخرون]. عصر النهضة: مقدمات ليبرالية للحداثة. بيروت: مؤسسة رينيه معوض؛ المركز الثقافي العربي، 2000.

ديورانت، وِل وايريل. قصة الحضارة. ترجمة زكي نجيب محمود [وآخرون]. بيروت/ تونس: دار الجيل بتكليف من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم والمجمع الثقافي بأبو ظبي، 1988-2002.

روا، أوليفييه. عولمة الإسلام. ترجمة لارا معلوف. بيروت: دار الساقي، 2003.

رودنسون، مكسيم. الإسلام والرأسمالية. ترجمة نزيه الحكيم. بيروت: دار الطليعة، 1968.

زريق، قسطنطين. الأعمال الفكرية العامة للدكتور قسطنطين زريق. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994.

________. الأعمال الفكرية العامة للدكتور قسطنطين، مج 2:هذا العصر المتفجر: نظرات في واقعنا وواقع الإنسانية. في معركة الحضارة: دراسة في ماهية الحضارة وأحوالها وفي الواقع الحضاري. معنى النكبة مجددًا. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994.

________. معنى النكبة مجددًا. بيروت: دار العلم للملايين، 1967.

________. معنى النكبة. بيروت: دار العلم للملايين، 1948.

________. نحن والتاريخ: مطالب وتساؤلات في صناعة التأريخ وصنع التاريخ. بيروت: دار العلم للملايين، 1959.

زيدان، جرجي. تاريخ التمدن الإسلامي. الفجالة، مصر: مطبعة دار الهلال، 1902.

شبنغلر، أوزفالد. تدهور الحضارة الغربية. ترجمة أحمد الشيباني. بيروت: دار مكتبة الحياة، 2005.

شرارة، وضاح. حول بعض مشكلات الدولة في الثقافة والمجتمع العربيين. بيروت: دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، 1980.

الشرتوني، سعيد الخوري. أقرب الموارد في فُصح العربية والشوارد. بيروت: مطبعة مرسلي اليسوعية، 1889.

شفيق، منير. الإسلام في معركة الحضارة. بيروت: دار الكلمة، 1981.

________. من جمر إلى جمر: صفحات من ذكريات منير شفيق. تدوين وتحرير نافذ أبو حسنة. ط 3. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2023.

شي، خوانغ بيي. "المجالات الدلالية لألفاظ الحضارة في معجم اللغة العربية المعاصرة لأحمد مختار عمر". مجلة كلية الآداب- جامعة الفيوم. مج 15، العدد 2 (2023). ص 346-380.

الشيخ، محمد. "مفهوم "العصر المحوري" عند كارل ياسبرز". التفاهم. العدد 69 (2020). ص 31-76.

طرابيشي، جورج. المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعُصاب جماعي. لندن: رياض الريس للكتب والنشر، 1991.

عامل، مهدي. أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية. ط 5. بيروت: دار الفارابي، 1987.

العظم، صادق جلال. النقد الذاتي بعد الهزيمة. بيروت: دار الطليعة، 1968.

العظمة، عزيز [وآخرون]. مفاهيم عالمية: الهوية. إشراف نادية التازي. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2005.

العظمة، عزيز. أزمنة التاريخ: مباحث في كتابة التاريخ الإسلامي. ترجمة علي الرضا خليل رزق. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020.

________. العلمانية من منظور مختلف. ط 3. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008.

________. دنيا الدين في حاضر العرب. ط 2. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2002.

________. قسطنطين زريق: عربي للقرن العشرين. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003.

غاسيت، خوسه أورتغا إي. تمرد الجماهير. ترجمة علي إبراهيم أشقر. دمشق: دار التكوين، 2011.

غودي، جاك. الشرق في الغرب. ترجمة محمد الخولي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008.

الفاروقي، إسماعيل راجي. أسلمة المعرفة: المبادئ العامة وخطة العمل. ترجمة عبد الوارث سعيد. الكويت: دار البحوث العلمية، 1984.

فرويد، سيجموند. قلق في الحضارة. ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1982.

فيبر، ماكس. الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية. ترجمة محمد علي مقلد. بيروت: مركز الإنماء القومي، 1988.

قرم، جورج. تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب. ترجمة رلى ذبيان. بيروت: دار الفارابي، 2011.

قطب، سيد. الإسلام ومشكلات الحضارة. ط 19. القاهرة: دار الشروق، 1992.

كاريل، ألكسيس. الإنسان ذلك المجهول. ترجمة أمين نخلة. صيدا: مطبعة الرهبانية المخلصية، 1940.

________. الإنسان ذلك المجهول. ترجمة نهى بهمن. القاهرة: عصير الكتب، 2019.

"الإنسان ذلك المجهول". ويكيبيديا. في:

https://acr.ps/hBy5OHM

لوبون، غوستاف. حضارة العرب. ترجمة عادل زعيتر. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1945.

________. سيكولوجيا الجماهير. ترجمة أحمد فتحي زغلول. طبعة جديدة. القاهرة: عصير الكتب، 2018.

________. سيكولوجيا الجماهير. ترجمة هاشم صالح. بيروت: دار الساقي، 1997.

مركز دراسات الوحدة العربية. نحو مشروع حضاري نهضوي عربي: بحوث ومناقشات. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001.

مطلوب، أحمد. "معجم الحضارة الحديثة". مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق. مج 78، ج 3 (2003). ص 597-616.

معلوف، لويس. المنجد في اللغة والأدب والعلوم. بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1908.

معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية. زياد حافظ. بحث في تأثير مركز دراسات الوحدة العربية. سلسلة أوراق عمل. رقم 6. الجامعة الأميركية- بيروت. شباط/ فبراير 2016.

الملاخ، ماهر. "الاحتباس الحضاري والقابلية للاستنهاض: أرضية للتفكير والعمل". موقع الديوان. 2/10/2020. في: https://acr.ps/hBy5Oon

المنجد، صلاح الدين. أعمدة النكبة: بحث علمي في أسباب هزيمة 5 حزيران. بيروت: دار الكتاب الجديد، 1968.

مؤنس، حسين. الحضارة: دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها. ط 2. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1998.

نيمو، فيليب. ما الغرب؟. ترجمة مراد دياني. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023.

الأجنبية

Ahmad, Aijaz. “Post-Colonial Theory and the Post-Condition.” The Socialist Register. vol. 33 (1997). pp. 353-381.

Al Faruqi, Ismail Raji. Toward Islamic English. 4th ed. Herndon, VA: International Institute of Islāmic Thought, 1995.

Al Tuwayjiri, Mohammad A. “The Encircled Kingdom: The Saudi Anti-Communist Stance, 1958-1967.” Review of Middle East Studies. vol. 55, no. 1 (2021). pp. 158-176.

AL-Arawi, Abdallah. Islamisme: modernisme, liberalisme. Casablanca: Centre Culturel Arabe, 1997.

Alatas, Syed Farid. Applying Ibn Khaldūn: The Recovery of a Lost Tradition in Sociology. London: Routledge, 2014.

Al-Azmeh, Aziz. "Jack Goody and the Location of Islam." Theory, Culture and Society. vol. 26, issue 7-8 (2009). pp. 71-84.

________. “Barbarians in Arab Eyes.” Past and Present. vol. 134, issue 1 (1992). pp. 3-18.

________. “Comments on Eisenstadt: The Romance of Muslim Exceptionalism.” Erwägen, Wissen, Ethik. vol. 17, issue 1 (2006). pp. 18-20.

________. Ibn Khaldūn in Modern Scholarship. London: Third World Centre for Research and Publishing, 1981.

________. Secularism and its Enemies. Working Paper Series of CASHSS Multiple Secularities– Beyond the West, Beyond Modernities. Leipzig: Leipzig University, 2020.

________. The Emergence of Islam in Late Antiquity:Allah and His People. Cambridge: Cambridge University Press, 2014.

Almond, Ian. “Terrible Turks, Bedouin Poets and Prussian Prophets: The Shifting Place of Islam in Herder’s Thought.” PMLA. vol. 123, no. 1 (2008). pp. 57-75.

________. History of Islam in German Thought from Leibniz to Nietzsche. London: Routledge, 2011.

Amin, Samir. L'eurocentrisme: critique d'une idéologie. Paris: Anthropos, 1988.

Aridan, Natan. "Abba Eban, The Toynbee Heresy.” Israel Studies. vol. 11, no. 1 (2006). pp. 91-107.

Arjomand, Said Amir & Edward A. Tiriyakian (eds.). Rethinking Civilizational Analysis. London: Sage Publications, 2004.

Arjomand, Said Amir & Stephen Kahlberg (eds.). From World Religions to Axial Civilisations and Beyond. Albany: State University of New York Press, 2021.

Arnason, Johann P. & Björn Wittrock (eds.). Eurasian Transformations, Tenth to Thirteenth Century: Crystallizations, Divergences, Renaissances. Leiden: Brill, 2004.

Arnason, Johann P. “The Cultural Turn and the Civilizational Approach.” European Journal of Social Theory. vol. 13, issue 1 (2010). pp. 67-82.

Arnason, Johann P., Shmuel N. Eisenstadt & Björn Wittrock (eds.). Axial Civilizations and World History. Leiden: Brill, 2005.

Arnason, Johann Pall. Civilizations in Dispute: Historical Questions and Theoretical Traditions. Leiden: Brill, 2003.

Bang, Peter F. & Walter Scheidel (eds.). Oxford Handbook of the State in the Ancient Middle East and the Mediterranean. New York: Oxford University Press, 2013.

Banton, Michael. Racial Theories. 2nd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1998.

Bardi, Ugo, Sara Falsini & Ilaria Parissi. “Toward a General Theory of Societal Collapse: A Biophysical Examination of Tainter’s Model of the Diminishing Returns of Complexity.” BioPhysical Economics and Resource Quality. vol. 4, article no. 3 (2019). doi: https://doi.org/10.1007/s41247-018-0049-0

Bellah, Robert N. & Hans Joas (eds.). The Axial Age and its Consequences. Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 2012.

Belting, Hans. Florence and Baghdad: Renaissance Art and Arab Science. Doborah Lucas Schneider (trans.). Cambridge, Mass.: Belknap Press of Harvard University Press, 2011.

Bénéton, Philippe. Histoire de mots: culture et civilisation. Paris: Fondation Nationale des Sciences Politiques, 1975.

Bernard, Bruno et al. (eds.). Œuvres complètes de Voltaire(Complete Works of Voltaire) 26B Essai sur les moeurs et l'esprit des nations (VII): Chapitres 163-176. Oxford: Voltaire Foundation, 2014.

Blaut, J. M. Eight Eurocentric Historians. New York\ London: Guildford Publications, 2000.

Bowden, Brett (ed.). Civilization: Critical Concepts in Political Science. Abingdon: Routledge, 2009.

Boyer, Pascal. Religion Explained: The Human Instincts That Fashion Gods, Spirits and Ancestors. London: Heinemann, 2001.

Braudel, Fernand (ed.). Éventail de l’histoire vivante Hommage à Lucien Febvre. Paris: A. Colin, 1953.

Braudel, Fernand. Écrits sur l’histoire. Paris: Flammarion, 1969.

________. Grammaire des civilisations. Paris: Flammarion, 1987.

________. The Mediterranean and the Mediterranean World in the Age of Philip II. London: Fontana/Collins, 1975.

Brozović, Danilo. “Societal Collapse: A Literature Review.” Science Direct. vol. 145, issue 3 (2023). 103075.

Bücher, Karl (ed.). Festgaben für Albert Schäffler zur ziebzigsten Wiederkehr seines Geburtstages. Tübingen: Verlag der Lapp’chen Buchhandlung, 1901.

Burkhardt, Jakob. Die Cultur der Renaissance in Italien: Ein Versuch. Basel: Schweighauser Verlagsbuchhandlung, 1860.

Burrow, John Wyon. Evolution and Society: A Study in Victorian Social Theory. Cambridge: Cambridge University Press, 1966.

Büttgen, Philippe et al. (eds.). Les Grecs, les Arabes et nous enquête sur l'islamophobie savante. Paris: Fayard, 2009.

Butzer, Karl W. & Georgina H. Enfield. “Critical Perspectives on Historical Collapse.” PNAS. vol. 109, issue 10 (2012). pp. 3628-3631. doi: https://doi.org/10.1073/pnas.1114772109

Carrel, Alexis. L'homme, cet inconnu / Docteur Alexis Carrel. Paris: Librairie Plon, 1935.

Casanova, José. “Religion, the New Millennium and Globalization.” Sociology of Religion. vol. 62, no. 4 (2001). pp. 415-441.

Centeno, Miguel et al. (eds.). How Worlds Collapse: What History, Systems, and Complexity Teach us about our Modern World and Fragile Future. London: Routledge, 2023.

Chaunu, Pierre. Histoire et decadence. Paris: Librairie Académique Perrin, 1981.

Cobain, Ian. “Religious Operations: How British Propagandists used Islam to wage the Cultural Cold War.” Middle East Eye. at:

https://acr.ps/hBy5OzV

Colliot-Thélène, Catherine. Max Weber et l’histoire. Paris: Presses Universitaires de France, 1990.

Conrad, Sebastian. "Enlightenment in Global History: A Historiographical Guide." American Historical Review. vol. 117, no. 4 (2012). pp. 998-1027.

Cooper, Fredrick & Rogers Brubaker. Colonialism in Question: Theory, Knowledge and History. Berkeley: University of California Press, 2005.

Corm, Georges. Pensée et politique dans le monde arabe: contextes historiques et problématiques, XIXe-XXIe siècle. Paris: La Découverte, 2015.

________. Pour une lecture profane des conflits: sur le “retour du religieux” dans les conflits contemporains du Moyen-Orient. Paris: Éditions la Découverte, 2012.

Danilevskii, Nikolai Iakovlevich. La doctrine panslavite d’après N. J. Danilevsky, par J[ózef] J[ulian] Skupiewski. Bucarest: Bureaux de la «Liberté Roumaine», 1890 [1871].

________. Russland und Europa. Eine Untersuchung über die kulturellen und politischen Beziehungen der Slawischen zur germanisch-romanischen Welt. Karl Nötzel (trans.). Stuttgart: Deutsche Verlags-Anstalt, 1920.

Darvill, Timothy. The Concise Oxford Dictionary of Archaeology. 2nd ed. New York: Oxford University Press, 2008.

de la Blache, P. Vidal. "Les conditions géographiques des faits sociaux." Annales de Géographie. vol. 55 (1902). pp. 13-23.

________. "Les genres de vie dans la géographie humaine." Annales de Géographie. vol. 112 (1911). pp. 289-304.

Deprest, Florence. "Fernand Braudel el la géographie «algérienne»: aux sources coloniales de l’histoire immobile de la Meditérannée?." Matériaux pour l’histoire de notre temps. vol. 99 (2010). pp. 28-35.

________. "Using the Concept of genres de vie: French Geographers and Colonial Algeria, 1880-1949." Journal of Historical Geography. vol. 37, issue 2 (2011). pp. 158-166.

Dilcher, Gerhard. Die Germanisten und die Historische Rechtsschule. Frankfurt: Klosterman, 2017.

Dirlik, Arif. The Post-Colonial Aura. Boulder: Westview Press, 1997.

Dowler, Wayne. "Herder in Russia: A. A. Grigor’ev and «Progressivist Traditionalism»." Canadian Slavonic Papers. vol. 19, no. 2 (1977). pp. 167-180.

Drews, Peter. Herder und die Slaven: Materialen zur Wirkungsgeschichte bis zur Mitte des 19. Jahrhundert. München: Verlag von Otto Sanger, 1990.

Duchesne, Ricardo. The Uniqueness of Western Civilization. Leiden: Brill, 2011.

Dudoignon, Stephane A., Hisao Komatsu & Yasushi Kosugi (eds.). Intellectuals in the Modern Islamic World: Transmission, Transformation and Communication. London: Routledge, 2006.

Duerr, Hans-Peter. Der Mythos vom Zivilisationsprozeß. 5 vols. Frankfurt: Suhrkamp, 1988-2002.

Durkheim, Emile & Marcel Mauss. “Note on the Notion of Civilization [1913].” Social Research. vol. 38, no. 4 (1971). pp. 808-813.

Eaks, Louis. “Arnold Toynbee on the Arab Israeli Conflict – Interview.” Journal of Palestine Studies. vol. 2, no. 3 (1973). pp. 3-13.

Eisenstadt, S. N. "Multiple Modernities." Daedalus. no. 129 (2000). pp. 1-29.

________. Comparative Civilizations and Multiple Modernities. Boston: Brill, 2003.

El Hamri, Jamel. La vocation civilisationnelle de l’Islam dans l'oeuvre de Malek Bennabi. Paris: Cerf Patrimoine, 2020.

Elias, Norbert & Michael Schröte. Studien über die Deutschen: Machtkämpfe und Habitusentwicklung in 19. Und 20. Jahrhundert. Frankfurt: Suhrkamp, 2009 [1989].

Elias, Norbert. Über den Prozeß der Zivilisation: soziogenetische und psychogenetische Untersuchungen. 1, Wandlungen des Verhaltens in den weltlichen Oberschichten des Abendlandes. Frankfurt: Suhrkamp, 2010 [1939].

Engerman, David et al. (eds.). The Cambridge History of America and the World. Cambridge: Cambridge University Press, 2022.

Epting, Karl (ed.). Cahiers de l’Institut Allemand, II : Regards sur l’histoire. Paris: Sorlot, 1941.

Fabian, Johannes. Time and the Other: How Anthropology Makes its Object. New York: Columbia University Press, 1984.

Febvre, Lucien et al. Civilisation: Le mot et l’idée. Centre Internationale de Synthèse, Première Semaine Internationale de Synthèse, Fascicule 2. Paris: La Renaissance du Livre, 1930.

Fowden, Garth. Empire to commonwealth: consequences of monotheism in late antiquity. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1993.

Freud, Sigmund. Das Unbehagen in der Kultur. Wien: Internationaler Psychoanalytischer Verlag, 1930.

Frye, Northrop. “The Decline of the West by Oswald Spengler.” Daedalus. vol. 103, no. 1 (1974). pp. 1-13.

Gadamer, Hans-Georg. Volk und Geschichte im Denken Herders. Frankfurt: V. Klostermann, 1942.

Gasset, Jose Ortega y. La rebellion de las masas. Santiago de Chile: Editorial Cultura, 1930.

Georgeon, François & Frédéric Hitzel (eds.). Les Ottomans et le temps. Leiden: Brill, 2012.

Gerasimov, Zaur & Carl Antonius Lemke Duque (eds.). Oswald Spengler als europäisches Phänomen Der Transfer der Kultur- und Geschichtsmorphologie im Europa der Zwischenkriegszeit 1919-1939. Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 2013.

Gibson, Mary. Born to Crime: Cesare Lambroso and the Origins of Biological Criminology. London: Bloomsbury, 2002.

Goody, Jack. The East in the West. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 1996.

Gordon, Peter E. & Warren Breckman (eds.). The Cambridge History of Modern European Thought. Cambridge: Cambridge University Press, 2019.

Green, Nile. Global Islam a Very Short Introduction. Oxford, UK: Oxford University Press, 2020.

Grinin, Leonid E. (ed.). The Early State, its Alternatives and Analogues. Volgograd: 'Uchitel' Publ. House, 2004.

Gunn, Geoffrey C. First Globalization: The Eurasian Exchange, 1500-1800. New York: Rowan and Littlefield, 2003.

Haldun, İbn. Mukaddime: osmanlı tercümesi. Yavuz Yıldırım (ed.). Pîrîzade Mehmed Sâhib (trans.). Istanbul: Klasik, 2008.

Hayes, Jeff. “Transnational Religious Actors and International Politics.” Third World Quarterly. vol. 22, no. 2 (2001). pp. 143-158.

Hinz, Michael (ed.). Der Zivilisationsprozess: Mythos oder Realität? Wissenschaftssoziologische Untersuchungen zur Elias-Duerr-Kontroverse. Wiesbaden: VS Verlag für Sozialwissenschaften, 2002.

Hobson, John M. The Eastern Origins of Western Civilization. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2004.

Hourani, Albert. Europe and the Middle East. London: The Macmillan Press, 1980.

Huff, Toby & Wolfgang Schluchter (eds.). Max Weber and Islam. Somerset: Routledge, 2019.

Hughes, Henry Stuart. Consciousness and Society: The Reorientation of European Social Thought, 1890-1930. London: Routledge, 2002 [1958].

________. Oswald Spengler: A Critical Estimate. New York: Charles Scribner’s Sons, 1953.

Irwin, Robert. “Toynbee and Ibn Khaldun.” Middle East Studies. vol. 33, no. 3 (1997). pp. 461-479.

Jacobs, Matthew F. “The Perils and Promise of Islam: The United States and the Muslim Middle East in the Early Cold War.” Diplomatic History. vol. 30, no. 4 (2006). pp. 705-739.

Jaffrelot, Christophe & Laurence Louer (eds.). Pan-Islamic Connections: Transnational Networks between South Asia and the Gulf. Oxford: Oxford University Press, 2018.

James, Jonathan D. Transnational Religious Movements: Faith’s Flows. New Delhi: Sage, 2017.

Jaspers, Karl. Vom Ursprung und Ziel der Geschichte. Zürich: Artemis Verlag, 1949.

Jones, Eric L. The European Miracle: Environments, Economies and Geopolitics in Europe and Asia. 3rd ed. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2003 [1983].

Kaiwar, Vasant. The Postcolonial Orient: The Politics of Difference and the Project of Provincializing Europe. Leiden: Brill, 2014.

Kalberg, Stephen. "Max Weber’s Sociology of Civilizations." Max Weber Studies. vol. 14, no. 2 (2014). pp. 205-232.

________.. Max Weber’s Sociology of Civilizations: A Reconstruction. London: Routledge, 2021.

Kant, Immanuel. Politische Schriften. O. H. von der Gablenz (ed.). Wiesbaden: VS Verlag für Sozialwissenschaften, 1965.

Kassab, Elizabeth Suzanne. Contemporary Arab Thought: Cultural Critique in Contemporary Perspective. New York: Columbia University Press, 2012.

Kavolis, Vytautas. “Civilizational Analysis as a Sociology of Culture.” Sociological Theory. vol. 3 (1995). pp. 29-38.

Kosellek, Reinhard et al. (eds.). Geschichtliche Grundbegriffe. Stuttgart: Klett-Cotta, 2004.

Kosellek, Reinhart. The Practice of Conceptual History: Timing History, Spacing Concepts. Todd Samuel Presner (trans.). Stanford: Stanford University Press, 2002.

Kradin, Nikolai N. “Nomadism, Evolution and World Systems: Pastoral Societies in Theories of Historical Development.” Journal of World-Systems Research. vol. 8 (2002). pp. 368-388.

Kroeber, A. L. & Clyde Kluckhohn. Culture: A Critical Review of Concepts and Definitions. Cambridge, Mass.: The Museum, 1952.

Kroeber, A. L. A Roster of Civilizations and Culture: An Essay on the Natural History of the World’s Cultures. Chicago: Aldine Publishing, 1962.

________. Style and Civilizations. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1957.

Kuper, Adam. The Reinvention of Primitive Society: Transformations of a Myth. Abingdon, Oxon: Routledge, 2017.

Le Bon, Gustave. La civilisation des arabes. Paris: Firmin-Didot, 1884.

________. Psychologie des Foules. 9eme éd. Paris: Presses Universitaires de France, 2013.

Le Bon, Gustave. Psychologie des Foules. Paris: Félix Alcan, 1895.

Lieberman, Victor. Strange Parallels, vol. 2: Mainland Mirrors: Europe, Japan, China, South Asia and the Islands. Cambridge: Cambridge University Press, 2009.

Lilti, Antoine & Céline Specto (eds.). Penser l’Europe au XVIIIe siècle: commerce, civilisation, empire. Oxford: Voltaire Foundation, 2014.

Lovejoy, Arthur O. & George Boas (eds.). Primitivism and Related Ideas in Antiquity. Baltimore: Johns Hopkjns University Press, 1997 [1935].

Lowie, Robert Harry. Primitive Society. London: Routledge, 1970 [1920].

Löwith, Karl. "Max Weber und Karl Marx." Archiv für Sozialwissenschaft und Sozialpolitik. vol. 67 (1932). pp. 53-99.

________. Max Weber and Karl Marx. Hans Fentel (trans.). London: Routledge, 2002.

Löwy, Michael. “Weber against Marx? The Polemic with Historical Materialism in the Protestant Ethic.” Science and Society. vol. 53, no. 1 (1989). pp. 71-83.

Lüthi, Lorenz. Cold Wars: Asia, the Middle East, Europe. Cambridge: Cambridge University Press, 2020.

MacMaster, Robert E. “Danilevsky and Spengler: A New Interpretation.” Journal of Modern History. vol. 26, no. 2 (1954). pp. 154-161.

Mann, Michael. The Sources of Social Power: A History of Power from the Beginning to A.D. 1760. New York: Cambridge University Press, 1984.

Mauss, Marcel. Oeuvres. Viktor Karady (ed.). Paris: Éditions de Minuit, 1969.

Mazlich, Bruce. Civilization and Its Contents. Stanford: Stanford University Press, 2005.

McNeill, William Hardy. Arnold J. Toynbee: A Life. New York: Oxford University Press, 1989.

________. The Rise of the West: A History of the Human Community. Chicago: Chicago University Press, 1963.

Mennell, Stephen & Johan Gouldblom. “Civilizing Process-Myth or Reality? A Comment on Duerr’s Critique of Elias.” Comparative Studies in Society and History. vol. 39, no. 4 (1997). pp. 729-733.

Mennell, Stephen. "Decivilising Process: Theoretical Significance and Some Lines of Research." International Sociology. vol. 5, issue 2 (1990). pp. 205-223.

Mercier, Guy. "La région et l’État selon Friedrich Ratzel et Paul Vidal de la Blache." Annales de Géographie. vol. 583 (1995). pp. 211-235.

Meskell, Lynn (ed.). Archaeology Under Fire: Nationalism, Politics and Heritage in the Eastern Mediterranean and Middle East. London: Routledge, 1998.

Montagne, Robert. La civilisation du désert Nomades de l’Orient et d’Afrique. Paris: Hachette, 1947.

Morel, Bénédict. Traité des dégénérescences physiques, intellectuelles et morales de l'espèce humaine et des causes qui produisent ces variétés maladives. Paris: J. B. Balliere, 1857.

Nordau, Max. Entartung. Berlin: Karl Duncker, 1892-1893.

Padoa-Schioppa, Antonio. A History of Law in Europe From the Early Middle Ages to the Twentieth Century. Caterina Fitzgerald (trans.). Cambridge: Cambridge University Press, 2017.

Pénnison, Pierre. "Kant et Herder: «le recul d’effroi de la raison»." Revue Germanique Internationale. vol. 6 (1996). pp. 63-74.

Pomerantz, Kenneth. The Great Divergence: China, Europe and the Making of the Modern World Economy. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2021.

Ratzel, Friedrich. Anthropogeographie, II: Die geographische Verbreitung der Menschen. Stuttgart: J. Engelhorn, 1891.

________. Anthropo-Geographie, oder Grundzüge der Anwendung der Erdkunde auf die Geschichte. Stuttgart: J. Engelhorn, 1882.

Recherson, Petter J. & Morten H. Christiansen (eds.). Cultural Evolution: Society, Technology, Language and Religion. Cambridge, Mass.: The MIT Press, 2013.

Reinhart, A. Kevin & Dennis C. Washburn (eds.). Converting Cultures: Religion, Ideology, and Transformations of Modernity. Leiden: Brill, 2007.

Ross, Jennifer Carol & Sharon R. Steadman. Ancient Complex Societies. London\ New York: Routledge, 2017.

Roy, Olivier. L’Islam mondialisé. Paris: Points, 2002.

Sariyannis, Marinos (ed.). Political Thought and Practice in the Ottoman Empire. Halcyon Days in Crete IX: A Symposium. Rethymno: Crete University Press, 2019.

________. A History of Ottoman Political Thought up to the Early Nineteenth Century. Leiden: Brill, 2019.

Sawyer, R. Keith. Social Emergence: Societies as Complex Systems. Cambridge: Cambridge University Press, 2005.

Schivelbusch, Wolfgang. The Culture of Defeat: On National Trauma, Mourning and Recovery. Jefferson Chase (trans.). London: Picador, 2001.

Schmidt, Volker H. "Multiple Modernities or Varieties of Modernity?." Current Sociology. vol. 54, issue 1 (2006). pp. 77-97.

Schulz, Hans-Dietrich. "Herder und Ratzel: Zwei Extreme, Eine Paradigma?." Erdkunde: Archive for Scientific Geography. vol. 52, no. 2 (1998). pp. 127-143.

Schwinn, Thomas. "Multiple Modernities: Konkurrierende Thesen und offene Fragen." Zeitschrift für Soziologie. vol. 38, no. 6 (2009). pp. 454-476.

Shariati, Ali. Marxism and other Western Fallacies: An Islamic Critique. R. Campbell (trans.). Berkeley: Mizan Press, 1980.

Singaravélou, Pierre. "Le moment «impérial» dans l’histoire des sciences sociales." Mil neuf cent: Revue d’Histoire Intellectuelle. vol. 27 (2009). pp. 87-102.

Six, Clemens. ˜Theœ Transnationality of the Secular Travelling Ideas and Shared Practices of Secularism in Decolonising South and Southeast Asia. Leiden: Brill, 2021.

Smelser, Neil J. & Paul B. Baltes (eds.). International Encyclopedia of the Social and Behavioral Sciences. Oxford: Elsevier, 2001.

Smith, Andrew. “Between Fact and Myth: Karl Jaspers and the Actuality of the Axial Age.” International Journal of Philosophy and Theology. vol. 76, issue 4 (2015). pp. 315-334.

Spengler, Oswald. Der Untergang des Abendlandes. Umrisse einer Morphologie der Weltgeschichte. München: Beck, 1923.

Starn, Randolph. "Meaning Levels in the Theme of Historical Decline." History and Theory. vol. 14, no. 1 (1975). pp. 1-31.

Starobinski, Jean. Le temps de la réflexion: 1983. Paris: Gallimard, 1983.

Sternhell, Zeev. The Anti-Enlightenment Tradition. David Maisel (trans.). New Haven: Yale University Press, 2010.

Suphan, Bernhard (ed.). Sämtliche Werke. Hildesheim: Olms, 1967.

Tainter, Joseph A. The Collapse of Complex Societies. Cambridge: Cambridge University Press, 1988.

Tekin, Kenan. “Islamic Philosophy and the Globalization of Science: Ahmed Cevdet’s Translation of the Sixth Chapter of Ibn Khaldun’s Muqaddima.” The British Journal of the History of Science. vol. 55. Special issue 4 (2022). pp. 459-475.

Torpey, John. “The ‘Axial Age’ vs. Weber’s Comparative Sociology of Religions.” Revue Internationale de Philosophie. vol. 70, no. 276 (2016). pp. 193-211.

Toynbee, Arnold J. “Jewish Rights in Palestine.” The Jewish Quarterly Review. vol. 52, no. 1 (1961). pp. 1-11.

________. A Study of History. 12 vols. Oxford: Oxford University Press, 1934-1961.

________. A Study of History. Abridgement by D. C. Somervell. 2 vols. Oxford: Oxford University Press, 1988.

Turner, Bryan S. Weber and Islama Critical Study. London: Routledge & Kegan Paul, 1974.

Turowski, Mariusz. "Islamization, Modernization, and Civilizational Analysis: Non-essentialist Comparative Perspectives." Postcolonial Text. vol. 17, no. 1 (2022). at: https://acr.ps/hBy5P92

Twelbeck, Kirsten et al. (eds.). Civilizing and Decivilizing Process: Figurational Approaches to American Culture. Cambridge: Scholars Publishing, 2011.

Tylor, Edward B. The Origins of Culture. New York: Harper & Row Publishers, 1958 [1871].

Weber, Eugene. Peasants into Frenchmen: The Modernization of Rural France, 1870-1914. Stanford: Stanford University press, 1976.

Weber, Max. Die protestantische Ethik und der Geist des Kapitalismus [1904-1905]. Dirk Kaesler (ed.). Munich: Beck, 2013.

________. Max Weber Gesamtausgabe. Tübingen: Mohr Siebeck, 1984-2021.

Wolf, Eric. “Understanding Civilizations: A Review Article.” Comparative Studies in Society and History. vol. 9, issue 4 (1967). pp. 446-465.

Wolin, Richard. The Seduction of Unreason: The Intellectual Romance with Fascism from Nietzsche to Potstmodernism. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2004.

Yaqub, Salim. Containing Arab Nationalism: The Eisenhower Doctrine and the Middle East. Chapel Hill, NC: University of North Carolina Press, 2004.

Yoffe, Norman & George L. Cowgill. The Collapse of Ancient States and Civilizations. Tucson: University of Arizona Press, 1988.

[1] يُنظر على وجه الخصوص:

Reinhart Kosellek, The Practice of Conceptual History: Timing History, Spacing Concepts, Todd Samuel Presner (trans.) (Stanford: Stanford University Press, 2002), pp. 227-228;

وللاطلاع على تاريخ الكلمة والمفهوم والمصطلح والاستعمالات، يُنظر: قسطنطين زريق، الأعمال الفكرية العامة للدكتور قسطنطين زريق (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994)، ص 717-722؛

Lucien Febvre et al., Civilisation: Le mot et l’idée, Centre Internationale de Synthèse, Première Semaine Internationale de Synthèse, Fascicule 2 (Paris: La Renaissance du Livre, 1930); Emile Benveniste, “Civilisation: Contribution à l’histoire du mot,” in: Fernand Braudel (ed.), Éventail de l’histoire vivante Hommage à Lucien Febvre, vol. 1 (Paris: A. Colin, 1953), pp. 47-54; A. L. Kroeber & Clyde Kluckhohn, Culture: A Critical Review of Concepts and Definitions (Cambridge, Mass.: The Museum, 1952); Philippe Bénéton, Histoire de mots: culture et civilisation (Paris: Fondation Nationale des Sciences Politiques, 1975); Jean Starobinski, Le temps de la réflexion: 1983 (Paris: Gallimard, 1983), pp. 13-15; Jörg Fisch, “Zivilisation, Kultur,” in: Reinhard Kosellek et al. (eds.), Geschichtliche Grundbegriffe, vol. 7 (Stuttgart: Klett-Cotta, 2004), pp. 679-774; Aziz Al-Azmeh, "Civilization, Concept of," in: Neil J. Smelser & Paul B. Baltes (eds.), International Encyclopedia of the Social and Behavioral Sciences (Oxford: Elsevier, 2001), pp. 1903-1909; Adam Kuper, "Civilisation, Culture and Race: Anthropology in the Nineteenth Century," in: Peter E. Gordon & Warren Breckman (eds.), The Cambridge History of Modern European Thought, vol. 1 (Cambridge: Cambridge University Press, 2019), pp. 398-421; Johann Pall Arnason, Civilizations in Dispute: Historical Questions and Theoretical Traditions (Leiden: Brill, 2003), pp. 66-194;

ويحتوي الكتاب التالي على مجموعة مختارة من النصوص التي تتناول الموضوع من شتى جوانبه، جامعًا أمّهات النصوص الأساسية والتحليلات للمفهوم واستعمالاته، يُنظر:

Brett Bowden (ed.), Civilization: Critical Concepts in Political Science (Abingdon: Routledge, 2009).

[2] Kosellek, p. 219; Hans Belting, Florence and Baghdad: Renaissance Art and Arab Science, Doborah Lucas Schneider (trans.) (Cambridge, Mass.: Belknap Press of Harvard University Press, 2011);

صونيا ميشار الأتاسي، "هانس بلتنغ عن ابن الهيثم: فن النهضة الأوروبية والعلوم العربية"، مجلةبدايات، العدد 5 (1 نيسان/ أبريل 2013)، ص 122-126.

[3] ذلك بناءً على تحليل مُتقَن للمعاني والاستعمال اللغوي والاصطلاحي بقلم الأنثروبولوجي ألفرد كروبر، يُنظر:

  1. L. Kroeber, ARoster of Civilizations and Culture: An Essay on the Natural History of the World’s Cultures (Chicago: Aldine Publishing, 1962), p. 9.

[4] يُحال على الآتي من العدد الكبير من الأعمال الثرية في هذا المجال، بأقلام مؤرخين وأنثروبولوجيين في المقام الأول، يُنظر:

Arthur O. Lovejoy & George Boas (eds.), Primitivism and Related Ideas in Antiquity (Baltimore: Johns Hopkjns University Press, 1997 [1935]); Adam Kuper, The Reinvention of Primitive Society: Transformations of a Myth (Abingdon, Oxon: Routledge, 2017); Aziz Al-Azmeh, “Barbarians in Arab Eyes,” Past and Present, vol. 134, issue 1 (1992), pp. 3-18.

[5] ما زال مُفيدًا الرجوع إلى:

John Wyon Burrow, Evolution and Society: A Study in Victorian Social Theory (Cambridge: Cambridge University Press, 1966).

[6] يُنظر خصوصًا الفصل الثاني من:

Bruce Mazlich, Civilization and Its Contents (Stanford: Stanford University Press, 2005).

[7] Eugene Weber, Peasants into Frenchmen: The Modernization of Rural France, 1870-1914 (Stanford: Stanford University press, 1976), ch. 29; Edward B. Tylor, The Origins of Culture, vol. 1 (New York: Harper & Row Publishers, 1958 [1871]), pp. 42-45.

[8] يُنظر:

Bruno Bernard et al. (eds.), Œuvres complètes de Voltaire (Complete Works of Voltaire) 26B Essai sur les moeurs et l'esprit des nations (VII): Chapitres 163-176 (Oxford: Voltaire Foundation, 2014).

[9] Antoine Lilti, "la civilisation est-elle européenne?," in: Antoine Lilti & Céline Specto (eds.), Penser l’Europe au XVIIIe siècle: commerce, civilisation, empire (Oxford: Voltaire Foundation, 2014), pp. 139-166.

[10] Johan Gottfried Herder, "Ideen zur Philosophie der Geschichte der Menschheit," in: Bernhard Suphan (ed.), Sämtliche Werke, vol. 14 (Hildesheim: Olms, 1967), pp. 147, 175.

[11] Immanuel Kant, Politische Schriften, O. H. von der Gablenz (ed.) (Wiesbaden: VS Verlag für Sozialwissenschaften, 1965), pp. 25-47; Pierre Pénnison, "Kant et Herder: «le recul d’effroi de la raison»," Revue Germanique Internationale, vol. 6 (1996), pp. 63-74.

[12] يُستحسن الرجوع إلى الفصليْن الثاني والثالث المتعلقيْن بالعرب في أعمال كانط وهردر، يُنظر:

Ian Almond, History of Islam in German Thought from Leibniz to Nietzsche (London: Routledge, 2011);

ويمكن الاستفادة من الدراسة الآتية:

Ian Almond, “Terrible Turks, Bedouin Poets and Prussian Prophets: The Shifting Place of Islam in Herder’s Thought,” PMLA, vol. 123, no. 1 (2008), pp. 57-75.

[13] للاطلاع على المحاضرة التي أُلقيت في باريس المحتلة خلال الحرب العالمية الثانية يُنظر:

Hans Georg Gadamer, "Herder et ses théories de l’histoire," in: Karl Epting (ed.), Cahiers de l’Institut Allemand, II : Regards sur l’histoire (Paris: Sorlot, 1941), pp. 9-36;

أما كتابه الأساسي في هذا الموضوع فقد نُشر خلال الحرب ثم عُدِّل بعد ذلك بعد أن استُثني في البداية من أعمال المؤلف الكاملة، يُنظر:

Hans-Georg Gadamer, Volk und Geschichte im Denken Herders (Frankfurt: V. Klostermann, 1942); Richard Wolin, The Seduction of Unreason: The Intellectual Romance with Fascism from Nietzsche to Potstmodernism (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2004), pp. 113-118.

[14] Bénéton, op. cit.; Fisch, §§ VI,2.a, VI,3, VIII,1-3.

[15] تناولت هذه المدرسة نظريًا وعمليًا شأن استصلاح ما أُخذ على أنه نُظمٌ جرمانية كامنة في نفوس الألمان وفائضة عنهم تلقائيًا وبالغريزة، وراسخة في لغتهم وحكاياتهم وأعرافهم، وآيلة عن بداياتهم، ومعبّرة عن شخصيتهم وأصالتهم. من ذلك نُظم الحكم المحلي، وقوانين المنافسة وضوابطها، والتعاضد المهني، وخلاف ذلك. وبُدّيةٌ هنا القواسم المشتركة مع المسلَّمات التاريخية والمفهومية لكثير من الدعوات إلى تطبيق الشريعة في ديار إسلامية، على افتراض جريانها من البداية واستمرارها في النفوس من دون انقطاع، وانبثاقها الغرزي من المجتمع. يُنظر:

Gerhard Dilcher, Die Germanisten und die Historische Rechtsschule (Frankfurt: Klosterman, 2017), pp. 23-30, 45-56; Antonio Padoa-Schioppa, A History of Law in Europe From the Early Middle Ages to the Twentieth Century, Caterina Fitzgerald (trans.) (Cambridge: Cambridge University Press, 2017), pp. 521-536.

[16] يُنظر على سبيل المثال:

Zainab Bahrani, “Conjuring Mesopotamia: Imaginative Geography and a World Past,” in: Lynn Meskell (ed.), Archaeology Under Fire: Nationalism, Politics and Heritage in the Eastern Mediterranean and Middle East (London: Routledge, 1998), pp. 159-174.

[17]https://artflsrv04.uchicago.edu/philologic4.7/frantext0822/

[18] يُنظر: غوستاف لوبون، حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1945)، وأيضًا: Gustave Le Bon, La civilisation des arabes (Paris: Firmin-Didot, 1884);

[19] ينظر: Jakob Burkhardt, Die Cultur der Renaissance in Italien: Ein Versuch (Basel: Schweighauser Verlagsbuchhandlung, 1860).

[20] Nikolai Iakovlevich Danilevskii, La doctrine panslavite d’après N. J. Danilevsky, par J[ózef] J[ulian] Skupiewski (Bucarest: Bureaux de la «Liberté Roumaine», 1890 [1871]); Nikolai Iakovlevich Danilevskii, Russland und Europa. Eine Untersuchung über die kulturellen und politischen Beziehungen der Slawischen zur germanisch-romanischen Welt, Karl Nötzel (trans.) (Stuttgart: Deutsche Verlags-Anstalt, 1920).

[21] حيث يتناول المؤلف أيضًا معاملة الأوروبيين للسود وحروب الأفيون ضد الصين، يُنظر:

Danilevskii, Russland und Europa, ch. 5.

[22] ويتناول الكتاب الحضارة السلافية بحد ذاتها وبالتفصيل في الفصل العاشر والأخير، يُنظر:

Ibid., ch. 2.

[23] Ibid., pp. 61-62.

[24] Peter Drews, Herder und die Slaven: Materialen zur Wirkungsgeschichte bis zur Mitte des 19. Jahrhundert (München: Verlag von Otto Sanger, 1990), pp. 88-91; Wayne Dowler, "Herder in Russia: A. A. Grigor’ev and «Progressivist Traditionalism»," Canadian Slavonic Papers, vol. 19, no. 2 (1977), pp. 167-180.

[25] Oswald Spengler, Der Untergang des Abendlandes. Umrisse einer Morphologie der Weltgeschichte (München: Beck, 1923);

أوزفالد شبنغلر، تدهور الحضارة الغربية، ترجمة أحمد الشيباني (بيروت: دار مكتبة الحياة، 2005)؛ عبد الرحمن بدوي، إشبنغلر (الكويت: وكالة المطبوعات؛ بيروت: دار القلم، 1982).

[26] Spengler, Untergang, pp. 35, 140, 152-158, 183-187, 199-206, ch. 2/II, passim.

[27] Ibid, pp. 1192-1195.

[28] بشأن هذا الموضوع خصوصًا يُنظر:

Zeev Sternhell, The Anti-Enlightenment Tradition, David Maisel (trans.) (New Haven: Yale University Press, 2010), ch. 3, 4; Henry Stuart Hughes, Consciousness and Society: The Reorientation of European Social Thought, 1890-1930 (London: Routledge, 2002 [1958]), ch. 2-7.

[29] Mary Gluck, "Decadence and the "Second Modernity," in: Peter E. Gordon & Warren Breckman (eds.), The Cambridge History of Modern European Thought (Cambridge: Cambridge University Press, 2019), pp. 262-271, 353-371.

[30] Bénédict Morel, Traité des dégénérescences physiques, intellectuelles et morales de l'espèce humaine et des causes qui produisent ces variétés maladives (Paris: J. B. Balliere, 1857).

[31] للسياق الأوسع يُنظر:

Mary Gibson, Born to Crime: Cesare Lambroso and the Origins of Biological Criminology (London: Bloomsbury, 2002); Michael Banton, Racial Theories, 2nd ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 1998).

[32] Gustave Le Bon, Psychologie des Foules (Paris: Félix Alcan, 1895); Gustave Le Bon, Psychologie des Foules, 9eme éd. (Paris: Presses Universitaires de France, 2013);

وللطبعتَيْن العربيتَيْن يُنظر: غوستاف لوبون، سيكولوجيا الجماهير، ترجمة أحمد فتحي زغلول، طبعة جديدة (القاهرة: عصير الكتب، 2018)؛ غوستاف لوبون، سيكولوجيا الجماهير، ترجمة هاشم صالح (بيروت: دار الساقي، 1997).

[33] Alexis Carrel, L'homme, cet inconnu / Docteur Alexis Carrel (Paris: Librairie Plon, 1935);

حول هذا المؤلّف مادة مُستفيضة على موقع ويكيبيديا العربي، يُنظر: "الإنسان ذلك المجهول"، ويكيبيديا، شوهد في 14/5/2026، في:

https://acr.ps/hBy5OTk

ويبدو أن الترجمة الأولى كانت لأمين نخلة، يُنظر: ألكسيس كاريل، الإنسان ذلك المجهول، ترجمة أمين نخلة (صيدا: مطبعة الرهبانية المخلصية، 1940)؛ والأخيرة كانت لنهى بهمن، يُنظر: ألكسيس كاريل، الإنسان ذلك المجهول، ترجمة نهى بهمن (القاهرة: عصير الكتب، 2019)؛ يُنظر كذلك الفصل الثاني في: سيد قطب، الإسلام ومشكلات الحضارة، ط 19 (القاهرة: دار الشروق، 1992)؛

Ali Shariati, Marxism and other Western Fallacies: An Islamic Critique, R. Campbell (trans.) (Berkeley: Mizan Press, 1980), pp. 15-16.

[34] Max Nordau, Entartung, 2 vols. (Berlin: Karl Duncker, 1892-1893).

[35] Jose Ortega y Gasset, La rebellion de las masas (Santiago de Chile: Editorial Cultura, 1930);

وللكتاب طبعات لاحقة كثيرة وترجمات إلى طيف واسع من اللغات. للترجمة العربية يُنظر: خوسه أورتغا إي غاسيت، تمرد الجماهير، ترجمة علي إبراهيم أشقر (دمشق: دار التكوين، 2011). وثمّة ترجمات عربية لأعمال أخرى للمؤلّف.

[36] Sigmund Freud, Das Unbehagen in der Kultur (Wien: Internationaler Psychoanalytischer Verlag, 1930);

وللكتاب أعداد لا تُحصى من الطبعات والترجمات. للترجمة العربية عن الترجمة الفرنسية يُنظر: سيجموند فرويد، قلق في الحضارة، ترجمة جورج طرابيشي (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1982).

[37] يُنظر التحليل المتضافر في: جورج قرم، تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب، ترجمة رلى ذبيان (بيروت: دار الفارابي، 2011)، ص 242-293.

[38] Hasan Aksakal, "A Useful Fellow: Oswald Spengler in Turkish Conservative Thought," in: Zaur Gerasimov & Carl Antonius Lemke Duque (eds.), Oswald Spengler als europäisches Phänomen Der Transfer der Kultur- und Geschichtsmorphologie im Europa der Zwischenkriegszeit 1919-1939 (Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 2013), pp. 283-298.

[39] Spengler, Untergang, vol. 1, ch. 1, ch. 3,II, ch. 6; pp. 234-277; vol. 2, ch. 1,II.

[40] Ibid., pp. 784-839, 878, 951-2015;

بدوي، ص 145-149.

[41] Henry Stuart Hughes, Oswald Spengler: A Critical Estimate (New York: Charles Scribner’s Sons, 1953), p. 53; Robert E. MacMaster, “Danilevsky and Spengler: A New Interpretation,” Journal of Modern History, vol. 26, no. 2 (1954), pp. 154-161; Spengler, Untergang, p. 26.

[42] Northrop Frye, “The Decline of the West by Oswald Spengler,” Daedalus, vol. 103, no. 1 (1974), p. 11.

[43] Arnold J. Toynbee, A Study of History, 12 vols. (Oxford: Oxford University Press, 1934-1961); Arnold J. Toynbee, A Study of History, Abridgement by D. C. Somervell, 2 vols. (Oxford: Oxford University Press, 1988);

وللترجمة العربية الأولى للمجلد الأول من المختصر الذي حوى المجلدات الستة الأولى من الأصل يُنظر: أرنولد جوزف توينبي، بحث في التاريخ، ترجمة طه باقر (بغداد: وزارة المعارف، 1955)؛ أرنولد جوزف توينبي، بحث في التاريخ، ترجمة طه باقر، طبعة جديدة (لندن: الوراق، 2017)؛ وللترجمة الثانية والكاملة للمختصر بجزأيه يُنظر: أرنولد توينبي، مختصر دراسة التاريخ، ترجمة فؤاد محمد شبل، مراجعة محمد شفيق غربال، 4 أجزاء (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2011)؛ ويُشار إلى خلاصة تحليلية مفيدة جدًا لهذا الكتاب الضخم والمعقّد، يُنظر:

Albert Hourani, Europe and the Middle East (London: The Macmillan Press, 1980), pp. 135-160;

أما بالنسبة للعلاقة والمقارنة بين توينبي وشبنغلر، فيُنظر:

Hughes, Oswald Spengler, pp. 138-141; William Hardy McNeill, Arnold J. Toynbee: A Life (New York: Oxford University Press, 1989), pp. 98-102;

كذلك كان لتوينبي مواقف مناهضة للصهيونية، وبخصوص ذلك يُنظر:

Arnold J. Toynbee, “Jewish Rights in Palestine,” The Jewish Quarterly Review, vol. 52, no. 1 (1961), pp. 1-11; Louis Eaks, “Arnold Toynbee on the Arab Israeli Conflict – Interview,” Journal of Palestine Studies, vol. 2, no. 3 (1973), pp. 3-13; Natan Aridan, "Abba Eban, The Toynbee Heresy,” Israel Studies, vol. 11, no. 1 (2006), pp. 91-107.

[44] Toynbee, A Study of History, vol. 1, p. 176.

[45] Ibid., p. 151.

[46] Ibid., vol. 8, pp. 82-84.

[47] Ibid., vol. 3, pp. 321-322;

يُنظر أيضًا:

Robert Irwin, “Toynbee and Ibn Khaldun,” Middle East Studies, vol. 33, no. 3 (1997), pp. 461-479;

يُذكر أن المُماهاة بين البروليتاريا الخارجية والبداوة قد ظَلَّلت جملةً من التحليلات الأنثروبولوجية للمغرب، في عملية كان إرنست غِلنر أداة التوصيل فيها، يُنظر:

Aziz Al-Azmeh, Ibn Khaldūn in Modern Scholarship (London: Third World Centre for Research and Publishing, 1981), pp. 117, 212, 225.

[48] Toynbee, A Study of History, vol. 4, p. 22, vol. 6, p. 278, vol. 7, pp. 423-425; Hourani, pp. 144-147; McNeill, Arnold J. Toynbee, pp. 267-268.

[49] بالنسبة إلى هذه الجملة من التحوّلات في الأجزاء الأخيرة من الكتاب، ومواقف توينبي من الدّين، يُنظر على وجه الخصوص التحليل الدقيق والمرهف لألبرت حوراني:

Hourani, pp. 147-160.

[50] Toynbee, A Study of History, vol. 6, pp. 137-138.

[51] للاطلاع على مقارنة الأنثروبولوجي ألفرِد كروبر، يُنظر:

  1. L. Kroeber, Style and Civilizations (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1957), pp. 163-166;

أما فيما يخصّ البحوث التاريخية المعاصرة، فيُنظر:

Garth Fowden, Empire to commonwealth: consequences of monotheism in late antiquity (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1993), ch. 6; Aziz Al-Azmeh, The Emergence of Islam in Late Antiquity:Allah and His People (Cambridge: Cambridge University Press, 2014), pp. 31-41.

[52] Eric L. Jones, The European Miracle: Environments, Economies and Geopolitics in Europe and Asia, 3rd ed. (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2003 [1983]);

يُنظر أيضًا: فيليب نيمو، ما الغرب؟، ترجمة مراد دياني، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023).

[53] J. M. Blaut, Eight Eurocentric Historians (New York\ London: Guildford Publications, 2000);

بالنسبة إلى التطور التفصيلي اللاحق لبعض هذه الحجج والتحليلات التاريخية، وهي لمؤلّف يقترب في مواقفه من المقالات التاريخية لليمين العنصري في الولايات المتحدة وأوروبا، يُنظر:

Ricardo Duchesne, The Uniqueness of Western Civilization (Leiden: Brill, 2011);

أما عبارة "المركزية الأوروبية" في الاستخدام الواسع لها، فيبدو أنها تعود إلى سمير أمين (1931-2018)، يُنظر:

Samir Amin, L'eurocentrisme: critique d'une idéologie (Paris: Anthropos, 1988);

يُنظر أيضًا: عبد الإله بلقزيز، نقد الثقافة الغربية في الاستشراق والمركزية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2018)، ص 207-271.

[54] يُحال القارئ بالخصوص إلى النقاشات الثرية الآتية:

Aijaz Ahmad, “Post-Colonial Theory and the Post-Condition,” The Socialist Register, vol. 33 (1997), pp. 353-381; Arif Dirlik, The Post-Colonial Aura (Boulder: Westview Press, 1997); Fredrick Cooper & Rogers Brubaker, Colonialism in Question: Theory, Knowledge and History (Berkeley: University of California Press, 2005); Vasant Kaiwar, The Postcolonial Orient: The Politics of Difference and the Project of Provincializing Europe (Leiden: Brill, 2014).

[55] Jack Goody, The East in the West (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 1996);Geoffrey C. Gunn, First Globalization: The Eurasian Exchange, 1500-1800 (New York: Rowan and Littlefield, 2003); John M. Hobson, The Eastern Origins of Western Civilization (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2004); Victor Lieberman, Strange Parallels, vol. 2: Mainland Mirrors: Europe, Japan, China, South Asia and the Islands (Cambridge: Cambridge University Press, 2009); Kenneth Pomerantz, The Great Divergence: China, Europe and the Making of the Modern World Economy (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2021);

جاك غودي، الشرق في الغرب، ترجمة محمد الخولي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008).

[56] William Hardy McNeill, The Rise of the West: A History of the Human Community (Chicago: Chicago University Press, 1963).

لا توجد لهذا الكتاب ولا لغيره من كتب المؤلِّف المهمّة ترجمة إلى العربية، بل توجد تلخيصات متفاوتة القيمة له بالعربية على الشبكة.

[57] Ibid., p. 169.

[58] Ibid., pp. 693-705; Wolfgang Schivelbusch, The Culture of Defeat: On National Trauma, Mourning and Recovery, Jefferson Chase (trans.) (London: Picador, 2001);

في الثقافة العربية المعاصرة كثيرٌ من الاهتمام بهذه الجملة من الموضوعات، وضمن ذلك استخدام مفاهيم التحليل النفساني الجماعي، مثلًا يُنظر: جورج طرابيشي، المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعُصاب جماعي (لندن: رياض الريس للكتب والنشر، 1991).

[59] Johannes Fabian, Time and the Other: How Anthropology Makes its Object (New York: Columbia University Press, 1984);

ربما كان ما يأتي البيان الأكثر اكتمالًا للمفهوم التقليدي للحالة البدائية، وهو كتاب واسع الأثر نُشر للمرة الأولى عام 1920، يُنظر:

Robert Harry Lowie, Primitive Society (London: Routledge, 1970 [1920]).

[60] R. Keith Sawyer, Social Emergence: Societies as Complex Systems (Cambridge: Cambridge University Press, 2005); Timothy Darvill, The Concise Oxford Dictionary of Archaeology, 2nd ed. (New York: Oxford University Press, 2008), “Complex Society.”

[61] على سبيل المثال يُنظر:

Michael Mann, The Sources of Social Power: A History of Power from the Beginning to A.D. 1760 (New York: Cambridge University Press, 1984), ch. 1-6; Nikolai N. Kradin, “Nomadism, Evolution and World Systems: Pastoral Societies in Theories of Historical Development,” Journal of World-Systems Research, vol. 8 (2002), pp. 368-388;

ويمكن الرجوع إلى الفصول الآتية: Alternatives to Social Evolution""، و"Was the State Inevitable?"، وThe Early State and its Analogues""، في:

Leonid E. Grinin (ed.), The Early State, its Alternatives and Analogues (Volgograd: 'Uchitel' Publ. House, 2004); Pascal Boyer, Religion Explained: The Human Instincts That Fashion Gods, Spirits and Ancestors (London: Heinemann, 2001); Joseph A. Bublulia et al., “The Cultural Evolution of Religion,” in: Petter J. Recherson & Morten H. Christiansen (eds.), Cultural Evolution: Society, Technology, Language and Religion (Cambridge, Mass.: The MIT Press, 2013); Peter F. Bang & Walter Scheidel (eds.), Oxford Handbook of the State in the Ancient Middle East and the Mediterranean (New York: Oxford University Press, 2013), “Introduction”; Jennifer Carol Ross & Sharon R. Steadman, Ancient Complex Societies (London\ New York: Routledge, 2017).

[62] مثلًا بالتواتر في:

Ross & Steadman, passim.

[63] يُنظر خصوصًا الآتي:

Eric Wolf, “Understanding Civilizations: A Review Article,” Comparative Studies in Society and History, vol. 9, issue 4 (1967), pp. 446-465.

[64] Kroeber, A Roster of Civilizations, pp. 9, 59; Wolf, pp. 449-451; Emile Durkheim & Marcel Mauss, “Note on the Notion of Civilization [1913],” Social Research, vol. 38, no. 4 (1971), pp. 810-811; Marcel Mauss, “Les civilisations: Éléments et formes [[1930],” in: Marcel Mauss, Oeuvres, Viktor Karady (ed.), vol. 2 (Paris: Éditions de Minuit, 1969), pp. 456-479.

[65] Norbert Elias, Über den Prozeß der Zivilisation: soziogenetische und psychogenetische Untersuchungen. 1, Wandlungen des Verhaltens in den weltlichen Oberschichten des Abendlandes (Frankfurt: Suhrkamp, 2010 [1939]);

ليس للكتاب ترجمة عربية، بيد أن ثلاث مقالات له حول الفرد في عصور الحداثة -كُتبت في أزمنة متباعدة ونُشرت بالإنكليزية- قد وجدت طريقها إلى العربية، يُنظر: نوربرت إلياس، مجتمع الأفراد، ترجمة هاني صالح (اللاذقية: دار الحوار، 2014).

[66] Hans-Peter Duerr, Der Mythos vom Zivilisationsprozeß, 5 vols. (Frankfurt: Suhrkamp, 1988-2002); Michael Hinz (ed.), Der Zivilisationsprozess: Mythos oder Realität? Wissenschaftssoziologische Untersuchungen zur Elias-Duerr-Kontroverse (Wiesbaden: VS Verlag für Sozialwissenschaften, 2002).

[67] Stephen Mennell & Johan Gouldblom, “Civilizing Process-Myth or Reality? A Comment on Duerr’s Critique of Elias,” Comparative Studies in Society and History, vol. 39, no. 4 (1997), pp. 729-733.

[68] Norbert Elias & Michael Schröte, Studien über die Deutschen: Machtkämpfe und Habitusentwicklung in 19. Und 20. Jahrhundert (Frankfurt: Suhrkamp, 2009 [1989]); Stephen Mennell, "Decivilising Process: Theoretical Significance and Some Lines of Research," International Sociology, vol. 5, issue 2 (1990), pp. 205-223; Kirsten Twelbeck et al. (eds.), Civilizing and Decivilizing Process: Figurational Approaches to American Culture (Cambridge: Scholars Publishing, 2011).

[69] Hans-Dietrich Schulz, "Herder und Ratzel: Zwei Extreme, Eine Paradigma?," Erdkunde: Archive for Scientific Geography, vol. 52, no. 2 (1998), pp. 127-143.

[70] Friedrich Ratzel, Anthropo-Geographie, oder Grundzüge der Anwendung der Erdkunde auf die Geschichte (Stuttgart: J. Engelhorn, 1882); Friedrich Ratzel, Anthropogeographie, II: Die geographische Verbreitung der Menschen (Stuttgart: J. Engelhorn, 1891); Friedrich Ratzel, "Der Lebensraum: Eine biogeographische Studie," in: Karl Bücher (ed.), Festgaben für Albert Schäffler zur ziebzigsten Wiederkehr seines Geburtstages (Tübingen: Verlag der Lapp’chen Buchhandlung, 1901), pp. 101-189.

[71] Guy Mercier, "La région et l’État selon Friedrich Ratzel et Paul Vidal de la Blache," Annales de Géographie, vol. 583 (1995), pp. 211-235; P. Vidal de la Blache, "Les genres de vie dans la géographie humaine," Annales de Géographie, vol. 112 (1911), pp. 289-304; P. Vidal de la Blache, "Les conditions géographiques des faits sociaux," Annales de Géographie, vol. 55 (1902), p. 22.

[72] Fernand Braudel, Grammaire des civilisations (Paris: Flammarion, 1987), pp. 47-53, 67;

وللترجمة العربية يُنظر: فرنان بروديل، تاريخ وقواعد الحضارات، ترجمة حسين شريف (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999).

[73] Fernand Braudel, "Histoire des civilisations: le passé explique le présent," in: Fernand Braudel, Écrits sur l’histoire (Paris: Flammarion, 1969), pp. 255-314; Fernand Braudel, The Mediterranean and the Mediterranean World in the Age of Philip II, vol. 2 (London: Fontana/Collins, 1975), pp. 757, 775;

وللكتاب الأخير ترجمة عربية مُوجَزة ومُيسّرة، يُنظر: فرنان بروديل، المتوسط والعالم المتوسطي، تعريب مروان أبي سمرا (بيروت: دار المنتخب العربي، 1993).

[74] فرنان بروديل، هوية فرنسا، ترجمة بشير السباعي (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1999).

[75] Blaise Dufal, "Faire et défaire l’histoire des civilisations," in: Philippe Büttgen et al. (eds.), Les Grecs, les Arabes et nous enquête sur l'islamophobie savante (Paris: Fayard, 2009), pp. 318-358; Florence Deprest, "Fernand Braudel el la géographie «algérienne»: aux sources coloniales de l’histoire immobile de la Meditérannée?," Matériaux pour l’histoire de notre temps, vol. 99 (2010), pp. 28-35; Florence Deprest, "Using the Concept of genres de vie: French Geographers and Colonial Algeria, 1880-1949," Journal of Historical Geography, vol. 37, issue 2 (2011), pp. 158-166; Pierre Singaravélou, "Le moment «impérial» dans l’histoire des sciences sociales," Mil neuf cent: Revue d’Histoire Intellectuelle, vol. 27 (2009), pp. 87-102.

[76] Robert Montagne, La civilisation du désert Nomades de l’Orient et d’Afrique (Paris: Hachette, 1947); Al-Azmeh, Ibn Khaldūn in Modern Scholarship, pp. 181-196, 209-228.

[77] جاءت انطلاقة هذا النقاش بوصفه قضية عامّة عام 2000 مع عدد خاص لمجلة تصدر عن منظمة اليونسكو، تحت إشراف عميد هذا التوجّه وصائغ عبارة "تعدّد الحداثات"، عالم الاجتماع آيزنشتات، يُنظر:

  1. N. Eisenstadt, "Multiple Modernities," Daedalus, no. 129 (2000), pp. 1-29; S. N. Eisenstadt (ed.), Comparative Civilizations and Multiple Modernities (Boston: Brill, 2003); Volker H. Schmidt, "Multiple Modernities or Varieties of Modernity?," Current Sociology, vol. 54, issue 1 (2006), pp. 77-97; Thomas Schwinn, "Multiple Modernities: Konkurrierende Thesen und offene Fragen," Zeitschrift für Soziologie, vol. 38, no. 6 (2009), pp. 454-476; Clemens Six, ˜Theœ Transnationality of the Secular Travelling Ideas and Shared Practices of Secularism in Decolonising South and Southeast Asia (Leiden: Brill, 2021); Aziz Al-Azmeh, Secularism and its Enemies, Working Paper Series of CASHSS Multiple Secularities– Beyond the West, Beyond Modernities, no. 15 (Leipzig: Leipzig University, 2020).

[78] Max Weber, Die protestantische Ethik und der Geist des Kapitalismus[1904-1905], Dirk Kaesler (ed.) (Munich: Beck, 2013);

وللترجمة العربية يُنظر: ماكس فيبر، الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ترجمة محمد علي مقلد (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1988). للأسف لم يُترجم إلى العربية من أعمال هذا المؤسّس لعلم الاجتماع إلا النزر اليسير.

[79] يمكن الإشارة هنا إلى المجلدات الآتية من الأعمال الكاملة للمؤلف، يُنظر:

Max Weber, Max Weber Gesamtausgabe (Tübingen: Mohr Siebeck, 1984-2021), vol. I/19, I/20, I/21, I/21, 1, I/22, 2; Bryan S. Turner, Weber and Islama Critical Study (London: Routledge & Kegan Paul, 1974); Toby Huff & Wolfgang Schluchter (eds.), Max Weber and Islam (Somerset: Routledge, 2019).

[80] Weber, Max Weber Gesamtausgabe, vol. I/22, pp. 1-5; Stephen Kalberg, "Max Weber’s Sociology of Civilizations," Max Weber Studies, vol. 14, no. 2 (2014), pp. 205-232; Stephen Kalberg, Max Weber’s Sociology of Civilizations: A Reconstruction (London: Routledge, 2021).

[81] كان هذا ما بعث على تأليف الكتاب المهمّ لمكسيم رودنسون الإسلام والرأسمالية، يُنظر: مكسيم رودنسون، الإسلام والرأسمالية، ترجمة نزيه الحكيم (بيروت: دار الطليعة، 1968).

[82] Catherine Colliot-Thélène, Max Weber et l’histoire (Paris: Presses Universitaires de France, 1990), pp. 26-51; Karl Löwith, "Max Weber und Karl Marx," Archiv für Sozialwissenschaft und Sozialpolitik, vol. 67 (1932), pp. 53-99; Karl Löwith, Max Weber and Karl Marx, Hans Fentel (trans.) (London: Routledge, 2002); Michael Löwy, “Weber against Marx? The Polemic with Historical Materialism in the Protestant Ethic,” Science and Society, vol. 53, no. 1 (1989), pp. 71-83.

[83] Johann P. Arnason, “The Cultural Turn and the Civilizational Approach,” European Journal of Social Theory, vol. 13, issue 1 (2010), pp. 67-82.

[84] Arnason, Civilizations in Dispute, op. cit.; Said Amir Arjomand & Edward A. Tiriyakian (eds.), Rethinking Civilizational Analysis (London: Sage Publications, 2004)= special issue of International Sociology, 16/3, 2001); Johann P. Arnason, Shmuel N. Eisenstadt & Björn Wittrock (eds.), Axial Civilizations and World History (Leiden: Brill, 2005); Said Amir Arjomand & Stephen Kahlberg (eds.), From World Religions to Axial Civilisations and Beyond (Albany: State University of New York Press, 2021).

[85] Arnason, Civilizations in Dispute, pp. 96-97.

[86] Ibid., p. 108.

في الكتاب نفسه (ص 1-123) نقاش مستفيض لمفهوم الحضارة ونظرياتها في الفكر الاجتماعي الأوروبي في القرنَيْن التاسع عشر والعشرين.

[87]يُنظر خصوصًا:

Ibid., pp. 304-314, 317-318, 332-334.

[88] Said A. Arjomand, “Transformations of the Islamicate Civilization: A Turning-Point in the Thirteenth Century?,” in: Johann P. Arnason & Björn Wittrock (eds.), Eurasian Transformations, Tenth to Thirteenth Century: Crystallizations, Divergences, Renaissances (Leiden: Brill, 2004), pp. 213-245.

[89] عزيز العظمة، "الإسلام وتاريخ الحضارات"، في: عزيز العظمة، أزمنة التاريخ: مباحث في كتابة التاريخ الإسلامي، ترجمة علي الرضا خليل رزق، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص 75-110؛

Aziz Al-Azmeh, “Comments on Eisenstadt: The Romance of Muslim Exceptionalism,” Erwägen, Wissen, Ethik, vol. 17, issue 1 (2006), pp. 18-20; Aziz Al-Azmeh, "Jack Goody and the Location of Islam," Theory, Culture and Society, vol. 26, issue 7-8 (2009), pp. 71-84.

[90] Karl Jaspers, Vom Ursprung und Ziel der Geschichte (Zürich: Artemis Verlag, 1949);

محمد الشيخ، "مفهوم "العصر المحوري" عند كارل ياسبرز"، التفاهم، العدد 69 (2020)، ص 31-76.

[91] Shmuel N. Eisenstadt, “Axial Civilizations and the Axial Age Reconsidered,” in: Johann P. Arnason, Shmuel N. Eisenstadt & Björn Wittrock (eds.), Axial Civilizations and World History (Leiden: Brill, 2005), pp. 559-560.

[92] Vytautas Kavolis, “Civilizational Analysis as a Sociology of Culture,” Sociological Theory, vol. 3 (1995), pp. 29, 31;

للانتقاد على مفهوم العصر المحوري، يُنظر:

Hans Joas, “The Axial Age Debate as Religious Discourse,” in: Robert N. Bellah & Hans Joas (eds.), The Axial Age and its Consequences (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 2012), pp. 9-29; Johann Arnason, “Rehistoricizing the Axial Age,” in: Robert N. Bellah & Hans Joas (eds.), The Axial Age and its Consequences (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 2012), pp. 337-365; Jan Assmann, “Cultural Memory and the Myth of the Axial Age,” in Robert N. Bellah & Hans Joas (eds.), The Axial Age and its Consequences (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 2012), pp. 366-408; Andrew Smith, “Between Fact and Myth: Karl Jaspers and the Actuality of the Axial Age,” International Journal of Philosophy and Theology, vol. 76, issue 4 (2015), pp. 315-334; John Torpey, “The ‘Axial Age’ vs. Weber’s Comparative Sociology of Religions,” Revue Internationale de Philosophie, vol. 70, no. 276 (2016), pp. 193-211.

[93] يُنظر خصوصًا الملحوظات النقدية الملموسة لعزمي بشارة، في: عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، ط 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص 285-291.

[94] مثلًا يُنظر الفصل الثالث في: حسين مؤنس، الحضارة: دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها، ط 2 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1998)؛ يُنظر كذلك: زريق، الأعمال الفكرية العامة، ص 714؛ ولا يقتصر هذا الاختلاط وغياب الاهتمام بالفواصل المفهومية على الدراسات العربية، يُنظر:

Syed Farid Alatas, Applying Ibn Khaldūn: The Recovery of a Lost Tradition in Sociology (London: Routledge, 2014); Mariusz Turowski, "Islamization, Modernization, and Civilizational Analysis: Non-essentialist Comparative Perspectives," Postcolonial Text, vol. 17, no. 1 (2022), accessed on 15/5/2026, at: https://www.postcolonial.org/index.php/pct/article/view/2709

[95] يُنظر: بطرس بن بولس البستاني، محيط المحيط: قاموس مطول للغة العربية (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 1993).

[96] سعيد الخوري الشرتوني، أقرب الموارد في فُصح العربية والشوارد (بيروت: مطبعة مرسلي اليسوعية، 1889).

[97] لويس معلوف، المنجد في اللغة والأدب والعلوم (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1908)؛ والطبعات اللاحقة.

[98] جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي (الفجالة، مصر: مطبعة دار الهلال، 1902).

[99] غوستاف لوبون، حضارة العرب، مرجع سابق.

[100] للاطلاع على نشوء المفهوم وعلى تاريخه ونظائره ومجالات انتشاره يُنظر: زريق، الأعمال الفكرية العامة، ص 717-722.

[101]محمود تيمور، معجم الحضارة (القاهرة: مكتبة الآداب، 1961)؛ وقد كانت لهذا توابع، يُنظر: أحمد مطلوب، "معجم الحضارة الحديثة"، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، مج 78، ج 3 (2003)، ص 597-616؛ وكان له بعض الأثر في أبحاث تاريخية مُتّصلة، يُنظر مثلًا: إيمان السعيد جلال، ألفاظ الحضارةفي مصر بالقرن التاسع عشر: رُصدت من كتاب رفاعة الطهطاوي قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر، مع النص الكامل للكتاب (القاهرة: مكتبة الآداب، 2008).

[102] المقصود هو المعجم الوسيط تحت إشراف عبد السلام هارون وبمشاركة محمد أحمد خلف الله وإبراهيم أنيس وآخرين، وقد صدر عن مجمع اللغة العربية في القاهرة عام 1960، وصدرت الطبعة الأخيرة المحدّثة منه عام 2021.

[103] المقصود هو معجم اللغة العربية المعاصرة لأحمد مختار عُمر بمساعدة فريق عمل، الذي يتكوّن من 4 أجزاء، وقد صدر في القاهرة عن عالم الكتب عام 2008. يُنظر بهذا الخصوص: خوانغ بيي شي، "المجالات الدلالية لألفاظ الحضارة في معجم اللغة العربية المعاصرة لأحمد مختار عمر"، مجلة كلية الآداب- جامعة الفيوم، مج 15، العدد 2 (2023)، ص 346-380.

[104] خليل أحمد خليل، مفاتيح العلوم الإنسانية: معجم عربي- فرنسي- إنكليزي (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1989)، رقم 491، 573.

[105]يُنظر: قسطنطين زريق، الأعمال الفكرية العامة للدكتور قسطنطين، مج 2: هذا العصر المتفجر: نظرات في واقعنا وواقع الإنسانية. في معركة الحضارة: دراسة في ماهية الحضارة وأحوالها وفي الواقع الحضاري. معنى النكبة مجددًا (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994)؛ والمؤلَّف جاء تكملةً لكتاب المؤلِّف المنشور عام 1959، يُنظر: قسطنطين زريق، نحن والتاريخ: مطالب وتساؤلات في صناعة التأريخ وصنع التاريخ (بيروت: دار العلم للملايين، 1959)؛ مؤنس، مرجع سابق. وقد بدا مؤنس واثقًا (ص 7) من أن كتابه هذا "جديدٌ في نحوه"، لا في العربية فقط، بل في سائر اللغات.

[106]وِل وايريل ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة زكي نجيب محمود [وآخرون]، 47 مجلد (بيروت/ تونس: دار الجيل بتكليف من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم والمجمع الثقافي بأبو ظبي، 1988-2002). والكتاب متوفّر أيضًا على شكل تطبيق على غوغل.

[107] المرجع نفسه، ج 1، ص هـ.

[108] كُتبت رسالة جامعية في هذا المجال، يُنظر: وميض محمد شاكر إبراهيم، "منهج ويل ديورانت في كتابة التاريخ الإسلامي: دراسة في كتاب (قصة الحضارة)"، رسالة دكتوراه، كلية التربية، جامعة الموصل، الموصل، 2013.

[109] مؤنس، ص 276؛ ويُنظر أيضًا ص 96 وتواتر هذا الزعم وما يناظره في الكتاب الذي غلب عليه طابع الانتصار الحماسي.

[110] Kosellek, pp. 221-227, 230; Pierre Chaunu, Histoire et décadence (Paris: Librairie Académique Perrin, 1981), Livre II; Randolph Starn, "Meaning Levels in the Theme of Historical Decline," History and Theory, vol. 14, no. 1 (1975), pp. 1-31;

أما بالنسبة للدراسة التاريخية للتدهور والدمار الحضاريَّيْن، فيُنظر:

Danilo Brozović, “Societal Collapse: A Literature Review,” Science Direct, vol. 145, issue 3 (2023), 103075; Karl W. Butzer & Georgina H. Enfield, “Critical Perspectives on Historical Collapse,” PNAS, vol. 109, issue 10 (2012), pp. 3628-3631. doi: https://doi.org/10.1073/pnas.1114772109; Joseph A. Tainter, The Collapse of Complex Societies (Cambridge: Cambridge University Press, 1988); Norman Yoffe & George L. Cowgill, The Collapse of Ancient States and Civilizations (Tucson: University of Arizona Press, 1988); Ugo Bardi, Sara Falsini & Ilaria Parissi, “Toward a General Theory of Societal Collapse: A Biophysical Examination of Tainter’s Model of the Diminishing Returns of Complexity,” BioPhysical Economics and Resource Quality, vol. 4, article no. 3 (2019), doi: https://doi.org/10.1007/s41247-018-0049-0; Miguel Centeno et al. (eds.), How Worlds Collapse: What History, Systems, and Complexity Teach us about our Modern World and Fragile Future (London: Routledge, 2023).

[111] Marinos Sariyannis, “Ottoman Ibn Khaldunism Revisited: The Pre-Tanzimat Reception of the Muqaddima, from Kιnalιzade to Șanizade,” in: Marinos Sariyannis (ed.), Political Thought and Practice in the Ottoman Empire. Halcyon Days in Crete IX: A Symposium (Rethymno: Crete University Press, 2019), pp. 251-286.

[112] Marinos Sariyannis, A History of Ottoman Political Thought up to the Early Nineteenth Century (Leiden: Brill, 2019), pp. 287-294.

[113] İbn Haldun, Mukaddime: osmanlı tercümesi, Yavuz Yıldırım (ed.), Pîrîzade Mehmed Sâhib (trans.) (Istanbul: Klasik, 2008).

[114] Kenan Tekin, “Islamic Philosophy and the Globalization of Science: Ahmed Cevdet’s Translation of the Sixth Chapter of Ibn Khaldun’s Muqaddima,” The British Journal of the History of Science, vol. 55, Special issue 4 (2022), pp. 459-475.

[115] Johann Strauss, "Kurûn-i vusta: la découverte du «Moyen Âge» par les Ottomans," in: François Georgeon & Frédéric Hitzel (eds.), Les Ottomans et le temps (Leiden: Brill, 2012), p. 209.

[116] للاطّلاع على الدراسة النموذجية للحالة التركية التي تكثَّفت فيها هذه الجملة من القضايا يُنظر:

  1. Kevin Reinhart, "Civilization and its Discussants: Medeniyet and the Turkish Conversion to Modernism," in: A. Kevin Reinhart & Dennis C. Washburn (eds.), Converting Cultures: Religion, Ideology, and Transformations of Modernity (Leiden: Brill, 2007), pp. 268-289;

كانت وما زالت إشكالية التخلف والفوات التاريخي والحضاري موضوع دراسات لا تُحصى، وقد دُرست عمومًا في سياق قضية التقدم، يُنظر مثلًا: فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979)؛ وللقضية تاريخ طويل من المُجادلة بين الحداثيين والمحافظين، يُنظر: محمد جابر الأنصاري، الفكر العربي وصراع الأضداد (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات، 1996).

[117] Sebastian Conrad, "Enlightenment in Global History: A Historiographical Guide," American Historical Review, vol. 117, no. 4 (2012), pp. 1020-1023.

[118]بالنسبة لمفهوم التاريخ والزمانية الثاوي في هذه الاتجاهات التي ناقش صعودها كثيرون، ولو أن قِلة تنبّهوا إلى الانقطاع الذي وسم الفكر العربي في ثمانينيات القرن الماضي، يُنظر: وضاح شرارة، "من فكر النهضة إلى فكر الوحدة: الواحد والمنقسم"، في: وضاح شرارة، حول بعض مشكلات الدولة في الثقافة والمجتمع العربيين (بيروت: دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، 1980)، ص 61-96؛ نصر حامد أبو زيد، الحداثة والحداثة العربية: مؤتمر إشهار المؤسسة العربية للتحديث الفكري من 30 أبريل- 2 مايو 2004 (دمشق: دار بترا، 2005)؛ عزيز العظمة، "مجازات الرومانسية التأريخية وزمنياتها"، في: عزيز العظمة، أزمنة التاريخ: مباحث في كتابة التاريخ الإسلامي، ترجمة علي الرضا خليل رزق، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص 27-74؛ عزيز العظمة، "توترات السياسة وانتكاس فكر الحداثة"، في: شربل داغر [وآخرون]، عصر النهضة: مقدمات ليبرالية للحداثة (بيروت: مؤسسة رينيه معوض؛ المركز الثقافي العربي، 2000)، ص 75-95؛

Abdallah AL-Arawi, Islamisme: modernisme, liberalisme (Casablanca: Centre Culturel Arabe, 1997), pp. 35-54; Georges Corm, Pensée et politique dans le monde arabe: contextes historiques et problématiques, XIXe-XXIe siècle (Paris: La Découverte, 2015), ch. 2, 3, 11.

[119] بدوي، ص 9-10.

[120] المرجع نفسه، ص 13-89، 127-144، 257-261.

[121]مؤنس، ص 93-105، 277.

[122]المرجع نفسه، ص 105-109، 292-315.

[123] المرجع نفسه، ص 55-57، 317-337. المؤسف أن توخّي الشمول في المعالجة لدى المؤلّف قد انطوى على مقاطع لا يُستهان بها قائمة على المعالجات الانطباعية (مثلًا الكلام ص 197-199 عن الهند، المُوحي أيضًا بشيء من الازدراء)، وعلى كثيرٍ من الأخطاء التي لا عذر لبعضها (كالقول ص 52 إن ما يُعرف بالصراع الثقافي الألماني كان مع النازيين، أو القول في ص 55 إن الأناجيل كُتبت أولًا بالسريانية، أو القول في ص 199 إن النورمان الذين استقرّوا في إنكلترا "تحوّلوا مع الزمن إلى أنجلو-سكسون"، وغير ذلك).

[124] زريق، الأعمال الفكرية العامة، ص 143-145، 227-228، 505-507، 527-534، 998-999.

[125] زريق، في معركة الحضارة، ص 703-722، 732-744؛ عزيز العظمة، قسطنطين زريق: عربي للقرن العشرين (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003)، ص 155-156.

[126] زريق، في معركة الحضارة، ص 738-748، 773-790؛ زريق، الأعمال الفكرية العامة، ص 1057.

[127] العظمة، قسطنطين زريق، ص 22-23؛ زريق، الأعمال الفكرية العامة، ص 157-158.

[128] نال هذا الموضوع الواسع المتشعّب كثيرًا من الاهتمام البحثي، وتكفي الإشارة إلى ما يأتي: عزيز العظمة، "التراث والعولمة"، في: عزيز العظمة، دنيا الدين في حاضر العرب، ط 2 (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2002)، ص 33-48؛ أوليفييه روا، عولمة الإسلام، ترجمة لارا معلوف (بيروت: دار الساقي، 2003)؛

José Casanova, “Religion, the New Millennium and Globalization,” Sociology of Religion, vol. 62, no. 4 (2001), pp. 415-441; Jeff Hayes, “Transnational Religious Actors and International Politics,” Third World Quarterly, vol. 22, no. 2 (2001), pp. 143-158; Olivier Roy, L’Islam mondialisé (Paris: Points, 2002); Stephane A. Dudoignon, Hisao Komatsu & Yasushi Kosugi (eds.), Intellectuals in the Modern Islamic World: Transmission, Transformation and Communication (London: Routledge, 2006); Jonathan D. James, Transnational Religious Movements: Faith’s Flows (New Delhi: Sage, 2017); Christophe Jaffrelot & Laurence Louer (eds.), Pan-Islamic Connections: Transnational Networks between South Asia and the Gulf (Oxford: Oxford University Press, 2018); Nile Green, Global Islam a Very Short Introduction (Oxford, UK: Oxford University Press, 2020); Jamel El Hamri, La vocation civilisationnelle de l’Islam dans l'oeuvre de Malek Bennabi (Paris: Cerf Patrimoine, 2020).

[129] لتحليل هذه النقلة وتعليلها، يُنظر: عزيز العظمة، العلمانية من منظور مختلف، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)، ص 286-339؛ وثمة تحليل ياسين الحافظ في: ياسين الحافظ، "الوعي التاريخي والوعي التاريخي العربي"، في: ياسين الحافظ، التجربة التاريخية الفيتنامية: تقييم نقدي مقارن مع التجربة التاريخية العربية، ط 2 (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1979)، ص 159-185؛ وبالنسبة لعلاقة الحرب الباردة بالتنازع بين المعسكرَيْن العربيَّيْن (القومي/ الاشتراكي القريب من الاتحاد السوفياتي والمحافظ المتحالف مع الغرب)، وبصعود الإسلام السياسي ومؤسساته الثقافية، مع الأخذ بالعلم أن الجانب الثقافي للحرب الباردة قد أضحى ينال مساحات متوسّعة من البحث العلمي، يُنظر:

Salim Yaqub, Containing Arab Nationalism: The Eisenhower Doctrine and the Middle East (Chapel Hill, NC: University of North Carolina Press, 2004); Matthew F. Jacobs, “The Perils and Promise of Islam: The United States and the Muslim Middle East in the Early Cold War,” Diplomatic History, vol. 30, no. 4 (2006), pp. 705-739; Lorenz Lüthi, Cold Wars: Asia, the Middle East, Europe (Cambridge: Cambridge University Press, 2020), pp. 307-328; Mohammad A. Al Tuwayjiri, “The Encircled Kingdom: The Saudi Anti-Communist Stance, 1958-1967,” Review of Middle East Studies, vol. 55, no. 1 (2021), pp. 158-176; Deepa Kumar, “The US Construction of Islam as an Ally and Enemy on the Global Stage,” in: David Engerman et al. (eds.), The Cambridge History of America and the World (Cambridge: Cambridge University Press, 2022), pp. 586-607; Ian Cobain, “Religious Operations: How British Propagandists used Islam to wage the Cultural Cold War,” Middle East Eye, accessed on 15/5/2026, at: https://acr.ps/hBy5OzV

[130] عزيز العظمة، "الإسلام وتاريخ الحضارات"، مرجع سابق؛ عزيز العظمة، "الدين، الثقافة، الثقافة الشعبية: مساءلة في المفاهيم والعبارات"، في: عزيز العظمة، دنيا الدين في حاضر العرب، ط 2 (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2002)، ص 81-94؛ عزيز العظمة [وآخرون]، مفاهيم عالمية: الهوية، إشراف نادية التازي (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2005)؛ عماد الدين خليل، مدخل إلى إسلامية المعرفة مع مخطط لإسلامية علم التاريخ، ط 2 (هِرندن، فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1991)؛ إسماعيل راجي الفاروقي، أسلمة المعرفة: المبادئ العامة وخطة العمل، ترجمة عبد الوارث سعيد (الكويت: دار البحوث العلمية، 1984)؛

Georges Corm, Pour une lecture profane des conflits: sur le “retour du religieux” dans les conflits contemporains du Moyen-Orient (Paris: Éditions la Découverte, 2012), ch. 4, 5; Ismail Raji Al Faruqi, Toward Islamic English, 4th ed. (Herndon, VA: International Institute of Islāmic Thought, 1995).

[131] لعرضِ ثلاث ندوات لها هذا الطابع يُنظر:

Elizabeth Suzanne Kassab, Contemporary Arab Thought: Cultural Critique in Contemporary Perspective (New York: Columbia University Press, 2012), pp. 121-172;

ويُنظر: منير شفيق، الإسلام في معركة الحضارة (بيروت: دار الكلمة، 1981)؛ منير شفيق، من جمر إلى جمر: صفحات من ذكريات منير شفيق، تدوين وتحرير نافذ أبو حسنة، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2023)، خصوصًا الفصل 15 مع النظر في ص 428-431؛ وبالنسبة للشعبوية وخطاب الديمقراطية يُنظر: عزيز العظمة، "المجتمع العربي وخطاب الديمقراطية [1994]"، في: عزيز العظمة، دنيا الدين في حاضر العرب، ط 2 (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2002) ص 78-92.

[132] يُنظر نقد مهدي عامل في: مهدي عامل، أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية، ط 5 (بيروت: دار الفارابي، 1987)، ص 15-18. يحتوي هذا الكتاب على نقد مفهومي بارع ودقيق، رغم صياغة أجزاء كبيرة منه بلغة اصطلاحية ماركسية تقليدية ما عادت مألوفة وأليفة.

[133] يُنظر على الخصوص: صادق جلال العظم، النقد الذاتي بعد الهزيمة (بيروت: دار الطليعة، 1968)؛ قسطنطين زريق، معنى النكبة مجددًا (بيروت: دار العلم للملايين، 1967)؛ وقد جاء الكتاب الثاني استئنافًا للأول: قسطنطين زريق، معنى النكبة (بيروت: دار العلم للملايين، 1948)، الذي أسّس لتثبيت مفردة "النكبة" بوصفها مصطلحًا ثابتًا في الثقافة السياسية العربية.

[134] أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي: وقائع ندوة الكويت ما بين 7-12 نيسان 1974، إعداد وإشراف شاكر مصطفى (الكويت: جمعية الخريجين، 1975). وقد كان سبق وأن نُشرت المداخلات والمناقشات في الآداب البيروتية والمعرفة الدمشقية. ويُشار إلى نص البيان الختامي في الآداب 22/5 (1974). وكان بين المشاركين: سهيل إدريس، وقسطنطين زريق، وزكي نجيب محمود، والطيب تيزيني، وفؤاد زكريا، وأدونيس، وأنور عبد الملك، ومحمود أمين العالم، وشاكر مصطفى، وبهاء أبو لبن، وإبراهيم أبو لغد، وعبد العزيز الدوري، وغيرهم.

[135] من أبرز الإسهامات: صلاح الدين المنجد، أعمدة النكبة: بحث علمي في أسباب هزيمة 5 حزيران (بيروت: دار الكتاب الجديد، 1968).

[136] تعليق محمود أمين العالم وقسطنطين زريق على مداخلة فؤاد زكريا، في: الآداب، 22/5 (1974)، ص 41-43، 38-40؛ ويُنظر: عامل، ص 209-220.

[137] عامل، ص 18-19، 139-145، 187-191.

[138] شاكر جرار، "هزيمة من؟ نقد المنهج الثقافوي في تحليل أسباب هزيمة 1967"، حبر، 5/6/2017، شوهد في 15/5/2026، في:

https://acr.ps/hBy5Ogw

[139] يُنظر: محمد نور الدين أفاية، "إعادة التفكير في «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي»: تغطية ندوة الكويت- يناير 2014"، التفاهم، العدد 12 (2014)، ص 383-405. كان بين المشاركين: منى فياض، ومحمد نور الدين أفاية، وإسماعيل الشطي، ورضوان السيد، وعلي الزميع، و محمد الحداد، وغيرهم.

[140] المرجع نفسه، ص 386-387، 392-395، 398.

[141] يُشار إلى وعي فردي بتخلخل مفهوم الحضارة، مع محاولة لِلمّ الشمل المفهومي باستدعاء ابن خلدون وتوينبي، في كتاب لم يعرف انتشارًا خارج بعض الأوساط في الولايات المتحدة: علاء الدين الأعرجي، أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي: العقل الفاعل والعقل المنفعل (بيروت: دار كتابات، 2004).

[142] معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية، زياد حافظ، بحث في تأثير مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة أوراق عمل، رقم 6، الجامعة الأميركية- بيروت، شباط/ فبراير 2016، ص 20-21.

[143] خالد الحروب، "نقد المشروع النهضوي العربي"، مركز الاتحاد للأخبار، 25/4/2010، شوهد في 15/5/2026، في:

https://acr.ps/hBy5P1b

[144] على سبيل المثال: العظمة، "المجتمع العربي وخطاب الديمقراطية"، مرجع سابق.

[145] نُشرت أوراق هذه الندوة وتعقيباتها ومناقشاتها تحت عنوان التراث وتحديات العصر في الوطن العربي (الأصالة والمعاصرة) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985). وكان بين الحضور: ناصيف نصار، ومطاع صفدي، وأحمد ماضي، والسيد يسين، ورياض نجيب الريس، ومحمد أركون، وصبحي الصالح، ومصطفى الفقي، ومحمد عابد الجابري، وعبد الكبير الخطيبي، وعبد الله عبد الدائم، وقسطنطين زريق، وغسان سلامة، وعزيز العظمة، وأحمد ماضي، وعلي الدين هلال، وسعد الدين إبراهيم، والطاهر لبيب، وعادل حسين، وأحمد كمال أبو المجد، ومحمد برادة، وطارق البشري، وسعاد الصباح، وعبد الله النفيسي، وجلال أمين، وأحمد بهاء الدين.

[146]مركز دراسات الوحدة العربية، نحو مشروع حضاري نهضوي عربي: بحوث ومناقشات (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001). وقد قدّم كلٌّ من عبد الإله بلقزيز (ص 9-45 من هذا الكتاب) وأحمد صدقي الدجاني (ص 95-126) شرحًا وافيًا للعمل الفكري والسياسي والتنظيمي الممهّد لهذا المشروع، وقُدّمت كذلك جملة أفكار واقتراحات للتنفيذ (ص 907-1099). وقد شدّد بلقزيز على "التواشج" بين الإسلام والعروبة كأحد البواعث على صياغة مشروع النهضة الحضارية هذا (ص 36). وكان ضمن المشاركين: خير الدين حسيب مدير المركز، وعبد الرحمن اليوسفي رئيس مجلس الوزراء المغربي آنذاك، وجلال أمين، وبرهان غليون، وفهمي هويدي، وعبد العزيز الدوري، وكمال عبد اللطيف، وعزيز العظمة، وسعدون حمادي، ويوسف صايغ، ومحمد عابد الجابري، وطارق البشري، وعبد الإله بلقزيز، وفواز طرابلسي، وعصام العريان، وأنور عبد الملك، وهشام شرابي، ومعن بشور.

[147] راجع تعليقَيْ كمال عبد اللطيف وعزيز العظمة على المشروع ككلّ، وعلى مداخلة عبد العزيز الدوري في: نحو مشروع حضاري نهضوي عربي، ص 127-136، 145-146، وهي تتّفق مع ملاحظات كثير من المتدخّلين في المناقشات.

[148] طارق البشري، "التجدّد الحضاري من المنظور الحضاري"، في: مركز دراسات الوحدة العربية، نحو مشروع حضاري نهضوي عربي: بحوث ومناقشات (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص 847-873.

[149]عادل حسين، "الاستقلال القومي والوطني من منظور المشروع الحضاري"، في: مركز دراسات الوحدة العربية، نحو مشروع حضاري نهضوي عربي: بحوث ومناقشات (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص 759-797،

[150] محمد عابد الجابري، "التجدد الحضاري من منظور المشروع الحضاري"، في: مركز دراسات الوحدة العربية، نحو مشروع حضاري نهضوي عربي: بحوث ومناقشات (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص 825-846.

[151] فهمي هويدي، "الديمقراطية من منظور المشروع الحضاري"، في: مركز دراسات الوحدة العربية، نحو مشروع حضاري نهضوي عربي: بحوث ومناقشات (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص 449-468.

[152] ماهر الملاخ، "الاحتباس الحضاري والقابلية للاستنهاض: أرضية للتفكير والعمل"، موقع الديوان، 2/10/2020، شوهد في 15/5/2026، في:

https://diwanps.com/archives/2934


المحتويات

الهوامش