الموجز
جمعية لَفّافي السجائر هي تنظيم نقابي مصري تأسَّس عام 1899، ويُمثّل النواة الأولى للحركة النقابية في مصر. نشَأت الجمعية على خلفية البنية الاقتصادية التي فرضها الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، بسياسة مانعة للتصنيع جعلت البلاد سوقًا لتصريف المنتَجات الأجنبية ومصدرًا للقطن الخام.
وقد شكّلت صناعة السجائر، التي نشأت بسبب هجرات يونانية وأرمنيّة منذ سبعينيات القرن التاسع عشر، إحدى أهمّ الصناعات الحديثة التي استوعبت عَمالة متعدّدة القوميات من يونانيين وأرمن وسوريين ومصريين ويهود. منذ إضراب عام 1889، وحتى تأسيس "الجمعية الخيرية والمساعدة لعمّال مصانع السجائر" عام 1894، تبلورت تقاليد الإضراب والتنظيم النقابي، ثم تكرّست لاحقًا مع إضراب عام 1899-1900، الذي أفضى إلى تأسيس جمعية لفّافي السجائر بالقاهرة. وعلى الرغم من النكسات التي واجهتها الحركة في مطلع القرن العشرين، مثل إضراب عام 1902 بالإسكندرية، وإخفاق إضراب عام 1903 بالقاهرة، فإن تراكُم الخبرة النضالية أدى إلى بروز نقابة قوية عام 1908، بصندوق للمساعدة المُتبادَلة، ما جعل لفّافي السجائر رُوّاد الحركة العمّالية الحديثة في مصر، ومصدرًا لخبرة تنظيمية انتقلت إلى قطاعات أخرى، وأسَّست لوعي طبقي متعدّد القوميات تجاوزَ الانقسامات، ومهّد لانخراط العمّال في صراعات أوسع خلال الحرب العالمية الأولى وما تلاها.
السياق التاريخي
بعد الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، فرضت سلطات الاستعمار سياسة لاجمة للتصنيع، بهدف تحويل البلاد إلى مصدر للقطن الخام وسوق لتصريف المنتجات الأوروبية. وقد أدت هذه السياسة إلى إعاقة نشوء قاعدة صناعية وطنية وإضعاف نموّ الطبقة العاملة[1].
ميناء الإسكندرية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ومنذ سبعينيات القرن التاسع عشر، أسهمَت هجرات يونانية من إسطنبول وأزمير إلى القاهرة والإسكندرية، بعد احتكار الدولة العثمانية لصناعة التبغ، في نشأة صناعة السجائر المصرية. وقد ارتبطت هذه الصناعة بأسماء مثل نستور جانكليس (Nestor Gianaclis) وكريازي (Kyriazi Freres)، وكان معظم العمّال يونانيين وأرمنًا، مع قلّة من المصريين. وفي عام 1881، أُنشئت شركة "أنوُنيم" لصناعة ورق السجائر، ثم ظهرت في عام 1890 شركة "كوستنتين أليسيبياديس آند ديمتري كوتَاريلي"، ما رسّخ سيطرة الرأسمال الأجنبي على القطاع[2].
نظّم عمّال السجائر عام 1889 أوّل احتجاج جماعي ردًّا على التسريح وتخفيض الأجور. وقد قادَهُ العمّال الأجانب، وحقّق نجاحًا في منع خفض الأجور، وأسّس أول تنظيم نقابي عُرف باسم جمعية دفاع عمّال السجائر[3].
وفي حزيران/ يونيو 1892، أضرب عمّال السجائر بالإسكندرية احتجاجًا على تدنّي الأجور إلى عشرين قرشًا لكل ألف سيجارة مقارنة بالأجور في القاهرة، ما كشف عن تصاعد الصراع بين العمّال وأصحاب المعامل المدعومين من القنصليات الأجنبية. وفي صيف عام 1894، تأسّست أول نقابة عمّالية فعلية باسم "الجمعية الخيرية والمساعِدة لعمّال مصانع السجائر بالقاهرة"، وضمَّت نحو سبعمئة عامل (منهم مئتان يونانيون، والباقون سوريون ومصريون)، وقد كان لها هيكل تنظيمي يتكوّن من رئيس وسكرتير وأمين صندوق، ورافقت تأسيسَها إضرابات طويلة أبرزها إضراب أيلول/ سبتمبر 1894 في معمل "بروجونيا" رفضًا لسياسة الأجور. وانتهى الصراع بتسوية في تموز/ يوليو من العام نفسه، نصّت على تحديد الأجر بأربعة وعشرين قرشًا لكل ألف سيجارة، وهو ما عُدّ مكسبًا للعمّال، ورسّخ أوّل تقليد نقابي حقيقي في مصر[4].
تراجعت فاعلية الجمعية بعد عام 1894، ولم يسجلّ عنها إلا محاولة إحياء محدودة عام 1896. وفي شباط/ فبراير 1899، تأسّس "اتحاد عمّال النوع الآلي" كمحاولة جديدة لتنظيم القوى العاملة[5].
إضراب لَفّافي السجائر الكبير وتأسيس الجمعية
في كانون الأول/ ديسمبر 1899، اندلع إضراب كبير لعمّال السجائر في عدد من المصانع بالقاهرة والإسكندرية، واستمرّ إلى 21 شباط/ فبراير 1900، وقد شارك فيه نحو تسعمئة عامل بقيادة عمّال يونانيّين. استخدم المُضربون من العمّال المصريين والأجانب أسلوبَيْن رئيسَيْن: إطالة أمد الإضراب حتى ينتهي مخزون السجائر لدى التجار فيضطر أصحاب العمل إلى التفاوض معهم وتحقيق مطالبهم؛ ومنع دخول العمّال الجُدد الذين جلبهم أرباب العمل لتحطيم الإضراب والعمل بدلًا من المُضربين بالقوّة[6]. وانتهى الإضراب بزيادة الأجور وتخفيض ساعات العمل، وأفضى إلى تأسيس جمعية لفّافي السجائر بالقاهرة، برئاسة اليوناني كريازي[7].
علبة سجائر كريازي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وظلّت الجمعية قائمة حتى نهاية عام 1901، وتزامن نشاطها مع جمعية اتحاد الخيّاطين بالقاهرة، التي اجتمعت في تشرين الثاني/ نوفمبر 1901 بمشاركة لفّافي السجائر. ورفع الخيّاطون راية الجمعية البيضاء المُوشّاة بلُغات متعددة، في مشهدٍ عكسَ الطابع المتعدد القوميات للحركة العمّالية الوليدة. وفي عام 1902، أضرب لفّافو السجائر في معامل سلّوم بالإسكندرية، وعددهم نحو ألف ومئتي عامل، احتجاجًا على عسف الإدارة وخفض الأجور. قاد الإضراب بودينوس رئيس الجمعية، غير أنّه انتهى بخسارة فادحة للعمّال بعد تدخّل البوليس ونفي القادة. وفي كانون الأول/ ديسمبر 1903، اندلع إضراب آخر في القاهرة، شارك فيه نحو ألف ومئتي عامل في ستة معامل، احتجاجًا على تخفيض الأجور، وللمطالبة بعزل الرؤساء المُتعسّفين، ما أسفر عن تأسيس جمعية عمّال الدخان المختلطة في شركة ماتوسيان[8].
وعلى الرغم من إخفاق إضراب عام 1903، فإن تراكم التجارب النضالية أدّى إلى إضراب ناجح في تشرين الأول/ أكتوبر 1908، أفضى إلى تأسيس نقابة قوية متعددة الجنسيات، تضمّ صندوقًا للمساعدة المتبادلة، لتصبح بذلك أول نواة راسخة للحركة العمّالية الحديثة في مصر. وقد نقلت هذه النقابة خبرة التنظيم إلى قطاعات أخرى، مثل الترام والمطابع والسكك الحديدية، وأسّست لوعي طبقي عملي تجاوزَ الانقسامات القومية[9].
وفي ظلّ شروط الاحتلال البريطاني التي عمّقت البنية التابعة للاقتصاد المصري، إذ استمرّت السياسات المناهضة للتصنيع، وحُوّلت مصر إلى سوق لتصريف المنتجات ومصدرٍ للمواد الخام، تعطّل تكوين قاعدة صناعية وطنية قوية، واقتصر الوجود الصناعي الحديث على قطاعات محدودة مثل صناعة السجائر، التي خضعت لسيطرة رؤوس أموال أجنبية (يونانية وأرمنية وإيطالية). وانتهت النتيجة إلى نشوء طبقة عاملة صناعية ضعيفة نسبيًا، وغير متجانسة، ومُقسَّمة قوميًا ومهنيًا، تعمل بأجور منخفضة وساعات طويلة في ظروف سيئة. غير أنّ تراكم الخبرات النضالية، ولا سيّما بين عمّال السجائر، أتاح نشوء نقابات وجمعيات مهنية قادرة على تنظيم إضرابات مركّزة في مواجهة استفزازات أرباب العمل[10].
الآثار اللاحقة
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، شدّدت السلطات البريطانية سيطرتها على العمّال في المرافق العسكرية مثل السكك الحديدية والمياه والكهرباء، ما جعل العمل الجماعي الفعّال محصورًا في قطاع السجائر غير الحيوي عسكريًا. في الوقت ذاته، استغلّ أرباب المعامل الظرف لتسريح العمّال والتملّص من التزاماتهم بحجة نقص المواد الخام، فتفاقمت مُعاناة الطبقة العاملة نتيجة انخفاض الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، وتولّدت مطالبُ محدّدة برفع الأجور، وإلغاء نظام (Truck System)، ووقف الاقتطاعات القسرية لصالح الجمعيات. وبين عامَي 1918 و 1919، تمثّل السبب المباشر في تعنُّت أصحاب المصانع الذين رفضوا رفع الأجر اليومي من 41 قرشًا إلى 52 قرشًا، وأصرّوا على الإبقاء على الشراء الإجباري واقتطاع 2 في المئة للأعمال الخيرية، بل واستقدام عمّال ريفيّين لكسر الإضرابات، فانطلقت منذ شباط/ فبراير 1918 موجة من الإضرابات في القاهرة والإسكندرية، بلغت ذروتها في 27 شباط/ فبراير 1919، بإضراب عمّال السجائر في الإسكندرية، بعد أن رفض صاحب مصنع كاسيموس الاستجابة للمطالب وفصلَ ثلاثةً من قادتهم. وإزاء إدراك القيادات العمّالية محدودية الإضرابات الجزئية، فقد تحرّكت لتوحيد الصفوف وتنظيم الصناعة في إطار إضراب عامّ، فأجرى النقابيون الأجانب محاولات لتأسيس جمعية عمومية وصندوق للتوفير في القاهرة، وأعاد العمّال إحياء نقابة الصنائع اليدوية بعد قمعها ونفي قادتها ومصادرة سجلّاتها، بينما شكّل قُدامى النقابيين في الإسكندرية لجنة لإحياء فرعها، بالتوازي مع تصاعد إضرابات السجائر والمطابع وسكك حديد الدلتا والمتاجر خلال شباط/ فبراير وآذار/ مارس 1919. وكان الحدث المحوري انعقاد الاجتماع العامّ في 2 آذار/ مارس 1919 في كازينو بلافير، حيث أُعلن عن رفض النقابات المنفردة، مع الدعوة إلى إنشاء نقابة عامّة تشمل العمّال والحرفيين كافة لمواجهة النفوذ الأجنبي، وهو ما أدى إلى توحيد الممارسات النضالية، وأسهم مباشرةً في تفجير ثورة عام 1919، التي أثّرت بعمق في مسار الثورة[11].
إجمالًا، منذ احتلال إنكلترا لمصر عام 1882، وما ترتّب عليه من سياسات مانعة للتصنيع وهيمنة لرأس المال الأجنبي، خصوصًا اليوناني، تركّزت العمالة المصرية في صناعة السجائر ضمن تقسيمٍ طبقيّ- طائفي واضح: الأجانب في المواقع الأفضل، والمصريون في الأدنى. وقد غذّت الامتيازات القنصلية والجمركية منذ تسعينيات القرن التاسع عشر سوقًا موازية للتهريب، ولا سيّما تهريب الدخان الأوروبي عبر الجاليات الأجنبية -اليونانية أساسًا- رغم أوامر المنع، إذ عجزت السلطات المصرية عن اقتحام مخابئ التهريب بسبب تلك الامتيازات، واندلعت أحيانًا صدامات عنيفة في أثناء محاولات الضبط[12].
أدّى هذا الوضع إلى ممارسة أصحاب العمل ضغوطًا على العمّال المحليين، عبر تخفيض الأجور أو استقدام عمالة أرخص، الأمر الذي فاقم التوتر الاجتماعي وزاد حساسية الحركة العمّالية تجاه الدولة والقوى الأجنبية. في هذا السياق، نشأت دورات متكرّرة من الإضرابات (في أعوام 1889، و1894، و1899، و1903، و1908، و1918-1919)، شكّلت مختبرًا عمليًا لتجربة نضالية متقدّمة لدى لَفّافي السجائر الذين أصبحوا رُوّادًا في أساليب الإضراب والتنظيم. وقد عمّقت الحرب العالمية الأولى الأزمة إذ عطّلت بعض قنوات التنظيم، لكنها رفعت تكاليف المعيشة، فدفعت إلى محاولات توحيدية أوسع تجلّت في انتفاضات عام 1919، ومهّدت لصعود الاتحاد العامّ واشتباك العمّال مع الدولة ورأس المال الأجنبي في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته. إلى أن جاءت تجربة الشركة التعاوُنية عام 1936، فكانت محاولة لبناء قاعدة اقتصادية للعمّال، غير أنها أخفقت بسبب مقاومة الدولة والشركات الأجنبية وغياب التمويل الكافي، فتعزّزت الانقسامات السياسية وضعفت أدوات التلاحم النقابي. ومع ذلك، ظلّت تجربة لَفّافي السجائر النواة المرجعية التي كوّنت الخبرة التنظيمية للنقابات المصرية، وأمدّتها بذاكرة نضالية انعكست في الأحداث الكبرى، مثل ثورة 1919 والموجات اللاحقة من الاحتجاجات، حتى غدت مرجعًا ثابتًا في تاريخ الحركة العمّالية المصرية[13].
المراجع
جارياتشكين، جينادي ڤاسيليڤيتش. صفحات من الحوار الروسي المصري. الإسكندرية: تحديات ثقافية للنشر، 2004.
الصيرفي، عطية. لمحات من تاريخنا العمالي والنقابي: ظهور الطبقة العاملة المصرية الحديثةمن بين السخرة ورأس المال الأجنبي. القاهرة: مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، 1997.
عباس، محمود. النقابات العمالية المصرية رؤية ثورية. القاهرة: مركز الدراسات الاشتراكية، 1996.
عدلي، هويدا. العمال والسياسة: الدور السياسي للحركة العمالية في مصر من 1952-1981. القاهرة: جريدة الأهالي، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، 1993.
عز الدين، أمين. تاريخ الطبقة العاملة المصرية منذ نشأتها حتى 1919. القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1967.
محمد، رؤوف عباس حامد. الحركة العمالية في مصر 1899-1952. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2016.
هريدي، صلاح أحمد. الجاليات اليونانية في مصر: من الاحتلال البريطاني إلى الحرب العالمية الأولى 1882-1914. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1993.
[1] هويدا عدلي، العمال والسياسة: الدور السياسي للحركة العمالية في مصر من 1952-1981 (القاهرة: جريدة الأهالي، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، 1993)، ص 102-104.
[2] صلاح أحمد هريدي، الجاليات اليونانية في مصر: من الاحتلال البريطاني إلى الحرب العالمية الأولى 1882-1914 (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1993)، ص 47، 65-69.
[3] عدلي، ص102-104.
[4] جينادي ڤاسيليڤيتش جارياتشكين، صفحات من الحوار الروسي المصري (الإسكندرية: تحديات ثقافية للنشر، 2004)، ص 77-87.
[5] المرجع نفسه، ص 150-151.
[6] عطية الصيرفي، لمحات من تاريخنا العمالي والنقابي: ظهور الطبقة العاملة المصرية الحديثةمن بين السخرة ورأس المال الأجنبي (القاهرة: مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، 1997)، ص 138.
[7] هريدي، ص 65-69.
[8] أمين عز الدين، تاريخ الطبقة العاملة المصرية منذ نشأتها حتى 1919 (القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1967)، ص 56-71.
[9] رؤوف عباس حامد محمد، الحركة العمالية في مصر 1899-1952 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2016)، ص 13-18.
[10] هريدي، ص 47.
[11] عز الدين، ص 161-183.
[12] هريدي، ص 30.
[13] محمود عباس، النقابات العمالية المصرية رؤية ثورية (القاهرة: مركز الدراسات الاشتراكية، 1996)، ص 13-18.