كريستيان فولف (بالألمانية:
Christian Wolff، 1679-1754) فيلسوف ألماني أدى دورًا مركزيًا في إعادة تشكيل النَّسَق الفلسفي الحديث للفلسفة الألمانية. وتَمثَّل إسهامه الرئيس في سعيه نحو عقلنة
الميتافيزيقا {{الميتافيزيقا: هي فرع من فروع الفلسفة يُعنى بدراسة طبيعة الوجود وأُصوله الأولى.}} واللاهوت الطبيعي {{اللاهوت الطبيعي: فرع من فروع الفلسفة يعمد إلى البرهنة على إثبات وُجود الإله وصفاته، بالاستعانة بالاستدلال العقلي المنطقي وحده.}}، من خلال بناء نَسَق فلسفي مَتين يقوم على مفاهيم الرياضيات "الديكارتية"، ومبدَأَي
الفيلسوف لايبنتس حول "العلّة الكافية" و"عدم التناقض". كذلك أسَّس لمشروع فَلسفي ينهض على العقل، بوصفه المبدأ الأول الذي تنتظم من خلاله المعرفة، مُلِحقًا إيّاه بمباحث الميتافيزيقا والمنطق وعلم النفس
واللاهوت {{اللاهوت: علم يُعنى بدراسة العقائد الدينية بطريقة منهجية، والعمل على تحليلها وفق العقل والنصّ المُقدَّس.}}، وذلك في سياق ما أصبح يُعرَف بـ"المدرسة اللايبنتسية الفولفية"، راسمًا بذلك معالمَ علمِ نفس مزدوج (عقلاني وتجريبي)، ينظر في "الإدراك المُتميّز" و"التمييز التمثيلي"، بوصفهما أدوات إبستيمولوجية أساسية لفهم البنية السيكولوجية للإنسان. وبذلك، تمكَّن من إنشاء علم نفس عَقلاني، مُقترِحًا وضع تمايُز إبستيمولوجي بين ما هو قَبْلي وبَعْدي، بالاستناد إلى طريقة تحصيل المعرفة وبيان مصدرها. كذلك برز فولف بوصفه واحدًا من أهمّ الفلاسفة المُمهِّدين لقيام بنية معرفية مُركّبة، تجلّت معالمها عند الفيلسوف الألماني
إيمانويل كانط. أما في مشروعه اللاهوتي، فقد عمل على صياغة براهين عقلانية تُثبت وجود الإله في سياق لاهوت طبيعي مُستقلٍّ عَمّا يُدلي به الوحي، وهي الأطروحة التي أصبحت فيما بعد من أَهمّ مرتكزات النقد الكانطي للميتافيزيقا. وأثَّر فولف في فلسفة تلميذه مؤسّس علم الجمالية
ألكسندر باومغارتن، الذي طوَّر هو الآخر مفاهيمه النفسية في سياق مُناقشته لقضيّتَي الخلود والسعادة، مُستندًا في ذلك إلى "قانون التخيُّل" الفولفي، بغية تفسير مسألة بقاء هُوية النفس بعد الموت في عالم الآخرة. وبناءً عليه، يظهر فولف بوصفه واضعَ اللّبنات الأولى لعقلانية نسقية سبقت الفلسفة الكانطية، وأسهمت في تهيئة شروطها المفهومية.
حياته الشخصية والمهنية
إيمانويل كانط
غوتفريد لايبنتس
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
كريستيان فولف هو فيلسوف مِثالي وعالم رياضيات ألماني، يُعَدّ مِن أهمّ الفلاسفة الألمان في المرحلة التي تفصل بين
إيمانويل كانط {{
إيمانويل كانط (بالألمانية:
Immanuel Kant، 1724-1804): مِن أشهر الفلاسفة الألمان، ويُعَدّ مؤسِّس ما يُعرف بالفلسفة النقدية. من أهم أعماله الفلسفية:
نقد العقل الخالص.}} وغوتفريد لايبنتس {{غوتفريد لايبنتس (بالألمانية:
Gottfried Leibniz، 1646-1716): عالم رياضيات وفيلسوف ألماني معروف، اشتُهر بنزعته العقلانية التي تقوم على مبدأَي العلة الكافية وعدم التناقض، ويعود إليه الفضل في ابتكار نظرية المونادولوجيا.}}، ويُعَدّ "المُمثِّلَ الأكبر للفلسفة الألمانية في عصر التنوير في ألمانيا"[1]. وُلِد في مدينة بريسلاو الواقعة في إقليم سيليزيا (بالألمانية: Schlesien)، التي كانت في ذلك الوقت جزءًا لا يتجزَّأ من الإمبراطورية الهابسبورغية النمساوية، التي ينتمي جُلُّ قاطنيها إلى
المذهب البروتستانتي {{
المذهب البروتستانتي (Protestantism): هو مذهب مسيحيّ تعود نشأته إلى القرن السادس عشر، يمنح الأولوية للكتاب المُقدَّس، ويرى أن إيمان الشخص هو سبيله إلى الخلاص، ويرفض تدخُّل رجال الدين والكنيسة في تحديد إيمان الفرد.}}، والتي كانت في ذلك الوقت خاضعة لحكم آل هابسبورغ (The House of Habsburg)[2]. اضطلع فولف بدور مركزي في إعادة هيكلة الفلسفة الألمانية وتنظيمها وفق نهج عقلاني صارم، تحت تأثير مذهب لايبنتس[3].
وقد ترعرع فولف في كنف عائلة مُتواضِعة، وهو الابن الثاني من سِتّة أبناء في العائلة التي تشبَّعت بروح اللوثرية التقليدية المُعترِفة بالعقائد التاريخية
للكنيسة اللوثرية {{الكنيسة اللوثرية (Confessional Lutheranism): هي كنيسة أُسِّست في القرن السادس عشر في ظل الإصلاحات التي أجراها مارتن لوثر. تقوم على مبدأ الإيمان والخلاص عن طريق النعمة، وتُعَدّ حاليًا من أهمّ الطوائف المسيحية في أميركا الشمالية وأوروبا.}}، وهي الخلفية الدينية اللاهوتية التي كان لها دور حاسم في توجيه اهتمام فولف نحو التعليم الديني المُنضبط. وعكف والده كريستوف فولف (بالألمانية: Christoph Wolff) الذي كان يعمل دبَّاغًا للجلود على تعليمه اللغة اللاتينية، مُمهّدًا له الطريق نحو تلقّي تعليم أكاديمي رصين في ميدان اللّاهوت، فقد كان هذا المسار أمرًا دارجًا في أوساط البرجوازية البروتستانتية الطامحة إلى بلوغ الارتقاء الاجتماعي عبر التعليم اللاهوتي الكنسِيّ[4].
وبين عامَي 1687-1699، التحق فولف بواحدة من أعرق المدارس اللوثرية التقليدية، وهي ثانوية ماغدالين (Magdalenen-Gymnasium) في مدينة بريسلاو، حيث تلقَّى تعليمًا مُكثَّفًا في الفلسفة، تناول خلاله أهمّ فلاسفة العصرَيْن الوسيط والمتأخّر، ومِن أبرزهم:
ابن رشد {{ابن رشد (Averroes، 1126-1198م): طبيبٌ وقاضٍ وفيلسوف من الأندلس، عُرف باسم المُعلّم الثاني بفضل شروحاته لأعمال أرسطوطاليس، واشتُهر بدفاعه عن مسألة التوفيق بين الشريعة والفلسفة.}}،
وبيدرو هورتادو دي مندوزا {{بيدرو هورتادو دي مندوزا (بالإسبانية:
Pedro Hurtado de Mendoza، 1578-1641): مُفكّر إسباني مِن أبرز مُمثّلي تيار الأسكولائية المتأخّرة.}}،
وفرانثيسكو سواريث {{فرانثيسكو سواريث (بالإسبانية:
Francisco Suárez، 1548-1617): عالم لاهوت ومُفكّر إسباني، يُعَدّ مِن مُمثِّلي تيار الأسكولائية المتأخّرة. عُرف بأبحاثه في مجال الفلسفة السياسية والميتافيزيقا والقانون الطبيعي.}}،
ويوهان شارف {{يوهان شارف (بالألمانية: Johannes Scharf، 1595–1660): عالم لاهوتي وفيلسوف إسكولائي ألماني من المتأخّرين، عُرف بأبحاثه في مجال المنطق والميتافيزيقا، التي واصل من خلالها التقاليد الأرسطية في القرن السابع عشر.}}، ما مكَّنه من التعرّف إلى رؤًى متعددة من التفكير الميتافيزيقي واللاهوتي. إلّا أن فولف مال في المرحلة المُبكّرة من حياته نحو الرياضيات والجبر، وأيضًا الفلسفة الحديثة التي بدأ يتشكّل وعيه الفلسفي المثاليّ بها من خلال اطِّلاعه على فلسفة الفيلسوف الفرنسي
رينيه ديكارت {{رينيه ديكارت (بالفرنسية:
René Descartes، 1596-1650): عالم رياضيات وفيلسوف فرنسي. يُعَدّ مؤسّس الفلسفة الحديثة، وعُرف باعتماده على المنهج العقلاني المبنيِّ على الشكّ المنهجي (doute méthodique).}} وتأمُّلاته[5].
وفي عام 1699، التحق فولف بجامعة فريدريش شيلر (يينا)، حيث تمكَّن من تحصيل تكوين معرفي راسخٍ تشكَّلت معه الفلسفة العقلانية لديه. ومن أهمِّ التخصُّصات التي درسها في يينا: اللاهوت، والفيزياء، والرياضيات. لكن انتقاله إلى مدينة لايبزيغ عام 1702، عُدَّ بمنزلة اللحظة المفصلية في مساره البحثي الأكاديمي، فقد تمكَّن من اجتياز اختبار الماجستير، وأنجز في العام الموالي أطروحته التأهيلية التي حملت عنوانAllgemeine praktische Philosophie, nach der mathematischen Methode abgefasst (الفلسفة العملية الكونية وفقًا للمنهج الرياضي) (1703)، والتي كانت إرهاصًا لبداية نضوج مذهبه النَّسقي المتوافق مع فلسفة الرياضيات، التي بدأت العقلية الحداثية الألمانية والأوروبية في تبنّيها والتأكيد عليها. وقد أشرفَ عالِمُ الرياضيات واللاهوتي الألماني
أوتو مينكه {{أوتو مينكه (بالألمانية:
Otto Mencke، 1644-1707): رياضياتيٌّ وفيلسوفٌ ألماني، اشتُهر بأبحاثه ودراساته في مجال الفلسفة الأخلاقية.}} على أطروحته التأهيلية، وهو الشخص المؤسّس لمجلة
Acta Eruditorum (أعمال العلماء)، التي كانت بمنزلة بوابة النشر الأساسية للفلاسفة والعُلماء الألمان آنذاك. ولمَّا أدرك مينكه الأهمية الفلسفية الكبيرة التي تحملها أطروحة فولف، أرسلها إلى الفيلسوف لايبنتس، ما وطَّد العلاقة الفلسفية القوية بينهما. كذلك فإنها جعلت فولف يندرج فيما أصبح يُنعَت بالمدرسة اللايبنتسية-الفولفية {{المدرسة اللايبنتسية الفولفية (Die Leibniz-Wolffsche Schule): تيار فلسفي ترجع نشأته إلى القرن الثامن عشر في ألمانيا، وقد جمع بين مبادئ عقلانية الفيلسوف لايبنتز والمنهجية الرياضية الاستنتاجية التي اشتُهر بها الفيلسوف كريستيان فولف.}}، وعن طريقها تشكَّل صرحُ أحد أهمّ الأنساق الفلسفية وأشدّها تأثيرًا في الفلسفة الألمانية خلال القرن الثامن عشر[6].
وفي عام 1707، عُيِّن فولف بتزكية من لايبنتس للالتحاق بجامعة هاله أُستاذًا للرياضيات، إلا أنه طُرد من هناك عام 1723، بسبب خوضه سجالات لاهوتية مع أنصار
النزعة التّقوية {{النزعة التَّقوية (Pietism): نزعة مسيحية بروتستانتية تُركِّز على الإيمان القَلْبي والتديُّن الفردي والفعل الأخلاقي، وقد ظهرت في القرن السابع عشر.}} الذين هاجموه بِقُوّة. وقد تركَّزت انتقاداتهم على طريقة فهمه لطبيعة الروح البشرية، وعابوا عليه أيضًا طريقة برهنته العقلية على قضية "خلود الروح"، ودفاعه عن مبدأ الانسجام المسبق (pre-established harmony). عَدَّ التّقويّون تصوّرات فولف مُتعارضةً مع الممارسة الأخلاقية، ومع تمثُّلاتهم الدينية عن الإله والآخرة، وصَنّفوه بوصفه قَدَرِيًا جبريًا (Fatalism). إلا أن فولف تعامل مع هذه الانتقادات بنوعٍ من الاستخفاف والاستهزاء، وذلك لقناعته الراسخة بأنها تفتقر إلى النضج المعرفي، ولا تستند إلى قراءة مُنصِفة لمشروعه الفلسفي اللاهوتي. ورأى فيها تعبيرًا عن أحوال انفعالية بعيدة البعد كله عن العقلانية[7].
تعرَّض الفيلسوف فولف للطرد من جامعة هاله، ونُفِي على يد الملك فريدريش فيلهلم الأول (بالألمانية: Friedrich Wilhelm I، 1688-1740)، تحت طائلة الإعدام إن لم يرحل، قبل أن يعدل عن قراره ويُحاول في عام 1733 إقناعه بالعودة إلى هاله من دون جدوى، على أن يرفع الحظر الذي فرضه على تدريس نصوصه عام 1736. انتقل بعد ذلك إلى جامعة ماربورغ، حيث بَقِي ما يربو على سبعة عشر عامًا (منذ 1723-1740)، مواصلًا بذلك مشروعه الفلسفي، إلى أن أعاده
فريدريك الثاني {{فريدريك الثاني (بالألمانية:
Friedrich II، 1712-1786): عُرِف أيضًا باسم فريدريك الكبير، وهو ملك بروسيا، ويُعَدّ مِن أهمّ ملوك أوروبا وأشهرهم في القرن الثامن عشر. جمع في سياسته بين الحُكم المُستنير المُطلَق والإصلاحات العسكرية والإدارية، وكان مُهتمًّا بالفلسفة والفنون بدرجة كبيرة.}} إلى جامعة هاله عام 1740، وعَيّنهُ مستشارًا للجامعة عام 1743. وقد ظلَّ في هذه الجامعة حتى وافته المنية عام 1754، في تعبير من فريدريك عن إعجابه الكبير بالعقل الفولفي المُنتصِر للحرية الدينية والعقلانية التنويرية[8]. كذلك فإن فولف خلال المُدّة التي قضاها في جامعة هاله، تلقَّى عروضًا مُغرية من طرف حاكم روسيا
القيصر بطرس الأكبر {{القيصر بطرس الأكبر (Peter the Great، 1672-1725): إمبراطور روسيا، ومِن أهمّ الحُكّام الإصلاحيّين الذين مَرّوا عليها عبر التاريخ. ويُعَدّ من أبرز مُشَيِّدي النهضة الروسية في بداية القرن الثامن عشر.}}، إذ إنه وفي عام 1720، وفي سياق مشروع القيصر الذي كان يطمح إلى إعادة تحديث الدولة الروسية وتشييد صرحها العلمي الفلسفي، استَهَلَّ خطواته الإصلاحية والتحديثية هاته بمحاولة استقطاب عقول فلسفية ألمعية من أوروبا آنذاك، وكان مِن بين الذين وقَعَ عليهم الاختيار الفيلسوف فولف، الذي كان يرى فيه القيصر امتدادًا للعقلية الفلسفية للايبنتس، والخليفة الحقيقية له، فوجَّه إليه دعوة رسمية للإسهام في وضع حجر الأساس لمشروع تأسيس أكاديمية للعلوم في روسيا، وعرض عليه منصبَ نائب رئيس هذه الأكاديمية براتب مُغرٍ، في محاولة منه لإقناعه بالالتحاق. ليس هذا فقط، بل جعل القيصر من سانت بطرسبرغ (Saint Petersburg) مدينة واعدة وعامرة بالعلم والفلسفة[9]. إلا أنَّ هذه الدعوة وهذه الإغراءات قُوبلت بالرفض من طرف فولف، مع اقتصاره على تقديم دعمه القويّ للقيصر، ومُساعدته في اختيار نُخبة من العُلماء والمُفكّرين الأوروبيّين، الذين كان مِن بينهم عُلماء الرياضيات والفيزياء السويسريّون، أمثال
جاكوب هيرمان {{جاكوب هيرمان (Jacob Hermann، 1678-1733): عالم فيزياء ورياضياتيٌّ سويسري، اشتُهر بعمله
"فورونوميا"، الذي عمل فيه على بحث ميكانيكا الأجسام وحركيّة الكواكب في سياق منظومة الفلسفة الطبيعية.}}
ودانيال برنولي {{دانيال برنولي (Daniel Bernoulli، 1700-1782): رياضياتيٌّ وفيزيائيٌّ سويسري، عُرِف بقانونه الشهير عن ديناميكا الموائع، وقَدَّم إسهامات قوية في مجال الطب والإحصاء والاحتمالات.}}
وليونارد أويلر {{ليونارد أويلر (Leonhard Euler، 1707-1783): عالم فيزياء ورياضيات سويسري، قَدَّم إسهامات كبيرة في مجال تطوير نظرية الأعداد والهندسة وعلم الميكانيكا وعلم الفلك.}}، الذين أصبحوا فيما بعدُ من أعمدة الأكاديمية الروسية[10].
أبرز أعماله الفلسفية
الفلسفة الأولى أو الأنطولوجيا
المبادئ الأولى لجميع العلوم الرياضية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
رغم أن فولف كَتَبَ جُلَّ أعماله الفلسفية باللغة اللاتينية، ونُشِرت , كُتبه التدريسية بالألمانية قبل أن تُنشَر باللاتينية، فقد كان مِن بين الأوائل الذين ألَّفوا في الفلسفة باللّغة الألمانية عوضًا عن اللاتينية، وكان له بذلك دور في ترسيخ اللغة الألمانية نفسِها بوصفها لُغة فلسفية، واجترح كثيرًا من المصطلحات التي ستُرسَّخ لاحقًا في اللُّغة والفلسفة الألمانيّتَيْن. وقد حقَّقت محاضراته ودروسه التي ألقاها في جامعة ماربورغ نجاحًا كبيرًا، مكَّنه من مواصلة كتاباته بلُغة لاتينية مشحونةٍ بقوّة عقلانية بُرهانية صارمة[11]. وتميَّزت أعماله الفلسفية بالنَّسقية (systematicity) التي شيَّدها على أُسُسٍ عقلانية مَتينة، مُسترشدًا في ذلك بالبردايم الرياضياتيّ والمنطقي والأخلاقي، وأيضًا باللاهوت الطبيعي، ومُستهِلًّا مسيرته العلمية بعملٍ حملَ عنوان
Der Anfangs-Gründe aller mathematischen Wissenschafften (المبادئ الأولى لجميع العلوم الرياضية) (1710)، ليليه بعد عام واحد صدور كتاب
Logica, sive Ars Ratiocinandi (المنطق أو فنّ الاستدلال) (1712)، الذي نُقِل بعد سنة من صدوره إلى اللسان الألماني، تحت عنوانVernünftige Gedanken von den Kräften des menschlichen Verstandes und ihrem richtigen Gebrauch in der Erkenntnis der Wahrheit (تأملات عقلانية في قوى الفاهمة البشرية واستخدامها الصحيح في إدراك الحقيقة) (1713)، حيث بسط فيه القواعدَ الحجاجية والبرهانية التي سينتظم من خلالها مشروعه الفلسفي والمنطقي. كذلك ابتغى من وراء هذا الكتاب صياغةَ علم المنطق كوسيلة ناجعة لبلوغ اليقين، وتشييد متين لمبادئ الميتافيزيقا العامة[12].
ثم انطلق بعد ذلك في سبر آرائه وتأمُّلاته عن الإله والعالَم والنفس الإنسانية، من خلال كتابه
Vernünftige Gedanken von Gott, der Welt und der Seele des Menschen, auch allen Dingen überhaupt (تأملات عقلانية حول الإله والعالم والنفس البشرية، وجميع الأشياء بصورة عامة) (1719). ثُمّ نَشَرَ بعده بعامٍ عملًا آخر بعنوان
Vernünftige Gedanken von der Menschen Thun und Lassen zur Beförderung ihrer Glückseligkeit (تأملات عقلانية حول أفعال الإنسان وتركها من أجل تعزيز سعادته) (1720). ثم ألَّفَ عام 1721 عملًا يتناول أفكاره عن الحياة الاجتماعية للإنسان، وأفكاره عن الدولة والسياسة، حمل عنوان
Vernünftige Gedanken von dem gesellschaftlichen Leben der Menschen, und insonderheit dem gemeinen Wesen (تأملات عقلانية حول الحياة الاجتماعية للإنسان، وخصوصًا الدولة)؛ وكتاب
Vernünftige Gedanken von den Wirkungen der Natur (تأملات عقلانية حول تأثيرات الطبيعة) (1723). وفي عام 1724، صدر مُؤَلَّفه
Vernünftige Gedanken von den Absichten der natürlichen Dingen (تأملات عقلانية حول مقاصد الأشياء الطبيعية).
وفي عام 1729، صدر له كتاب مُهمّ حمل عنوان
Philosophia prima sive Ontologia (الفلسفة الأولى أو الأنطولوجيا)، نافَحَ فيه عن ضرورة بناء أنطولوجيا تكون بمنزلة الإرهاص النظري المُمهِّد لقيام أيِّ نَسَق فلسفي، ورَهَن الكائن من حيث هو كائن بضرورة فهْمٍ ينطلق من المنطق العقلي المحض المؤسَّس على مبادئ يقينية ومُتّسقة. وعمد فولف إلى تقديمه بوصفه مبدأً قَبْليًا (principium a priori) عن أي محاولة مُمكنة تسعى لتناوُل مفاهيم الإله أو النفس أو العالم[13]. ثم أصدر عام 1734 مؤلَّفه
Psychologia rationalis (علم النفس العقلي)، الذي تناول فيه مفهوم النفس من زاوية عَقلانية[14].
وبين عامَي 1736-1737، نشر فولف مؤلَّفًا بعنوان
Theologia naturalis, methodo scientifica pertractata (اللاهوت الطبيعي وفقًا للمنهج العلمي)، الذي يُعَدّ بمنزلة تكملة المشروع الفلسفي العقلاني الفولفي الذي استهلَّه بعلم المنطق، مرورًا بالأنطولوجيا ووصولًا إلى الميتافيزيقا الخاصة. عمل فولف في هذا الكتاب على بسط البراهين المُثبِتة لوجود الإله وبيان صفاته، مُستعينًا في ذلك بالعقل، من دون العودة إلى ما يُدلي به الوحي أو تُثبته الأديان[15]. ثم عاد بين عامَي 1738-1739 إلى وضع الأساسات التي تنبني عليها فلسفته في مجال الأخلاق، وذلك في عَمَلٍ ضخم نشره في ثلاثة أجزاء، هو
Philosophia practica universalis (الفلسفة العملية الشاملة)، الذي كُتب بلغة رياضياتية مُتوافقة مع النزعة العقلانية التي سلكها فولف على طول مسيرته الفلسفية. وقد تمكَّن من خلال هذا العمل من إعادة الاعتبار إلى فكرة الكمال البشري، الذي يُنظَر إليه بوصفه مبدأً يقوم على أساسه الفعل، بعيدًا كل البعد عن أي مرجعية دينية أو لاهوتية، وضمن رؤية أخلاقية ذات منحًى نَسَقي أنطولوجي متماسك يَعْبر بالإنسان نحو الفضيلة[16].
فلسفة النفس (السيكولوجيا)
يُعَدّ فولف من الفلاسفة الألمان السبَّاقين نحو عقلنة علم النفس، والنظر إليه ودراسته بمنأًى عن اعتماد تأويلات أو تفسيرات غيْبية لاهوتية. وهذا ما وضع فولف أمام تحدٍّ كبير، ولا سيّما مع تنامي ظاهرة الاهتمام بالنزعة التجريبية/ الإمبريقية (Empiricism)، التي وجدت كثيرًا من أنصارها في الأوساط الأكاديمية. ومع أنّ مصطلح سيكولوجيا (Psychology) لم يكن من ابتداع فولف[17]، فإن اعتماده المزدوج على
علم النفس التجريبي {{علم النفس التجريبي (Psychologia empirica): فرع من فروع علم النفس، يعتمد أساسًا على المنهج التجريبي في سبيل بحث الظواهر السيكولوجية.}} وعلم النفس العقلي {{علم النفس العقلي (Psychologia rationalis): فرع من فروع الفلسفة، يُعنى بدراسة النفس البشرية وخصائصها وفق برهنة قَبْلية تنطلق من أُسُس ومفاهيم عقلية، من دون الاستعانة بالتجربة.}}، تمخَّضت عنه آلية إبستيمولوجية جديدة لم يسبق لها مثيل في الفلسفة المُمَيِّزة للقرن الثامن عشر في أوروبا. ويُمكن نعت المسلك الفلسفي الذي انتهجه فولف بالنموذج التأمُّلي التجريبي، الذي يُؤالف بين عملية الاستبطان (Introspectio) بالنظر إليه بوصفه وسيلة معرفية أساسية، والمنهج الاستنتاجي العقلاني (Methodus rationalis deductiva) الذي يحتكم إلى مفاهيم واضحة وبراهين صورية مضبوطة بصرامة. ويُمكن تَقصِّي تصوير فولف النفسَ البشريّة ككينونة من خلال ما ينجرّ عنها من تبعات وآثار ظاهرة في أفعالها، سواء على مستوى الجسد أم البيئة التي ينتمي إليها هذا الإنسان، وأيضًا من خلال التغيُّرات التي تحصل على أحوالها الباطنية والخارجية. وبناءً عليه، فإن الخيريّة أو الشرّيّة في الأفعال البشريّة تتعلقان بمدى اقتراب تلك الحالات من ماهية الكائن البشري كما ينبغي أن تكون[18].
توصَّل فولف إلى اعتقاد مفادُه أنَّ علم النفس التجريبي ينبغي النظر إليه بوصفه دراسةً للذِّهْن البشريّ المُعتمِد على ملاحظة التجربة الذاتية، مؤكّدًا في الآن عينه على قيمة الانتباه العقلي لِما يحصل في الإدراك، وهو ما نعته بالإدراك الباطني (Perceptio interna)، الذي أخذه من الفيلسوف ليبنتس، إلا أنّه حوَّلَه إلى ضرورة منهجية تتقوَّم بها المعرفة السيكولوجية. وكل تجربة لا تنفذ إلى هذا الإدراك المنظَّم ستبقى مُعلَّقة، ولا يُمكن التنظير لها بطريقة عقلانية. أمّا علم النفس العقلي عند فولف، فهو عِلْمٌ شكليٌّ مستقِلٌّ عن كل تجربة إنسانية، ويبدأ من مبادئ أولية لينتهي إلى نتائج يقينية يدعمها التحليل والاستنتاج. وبذلك، يُفهَم أن علْمَ النفس العقلي مُكوِّنٌ بنيويٌّ جوهريٌّ في إطار نَسَق عقلانيٍّ أشمل يتلاحم فيه علم المنطق والميتافيزيقا والأخلاق، بغية بناء صورة شاملة للإنسان بوصفه كائنًا عاقلًا وأخلاقيًا. ولعلَّ أبرز إسهام لفولف، يكمُن في محاولته جعل السيكولوجيا تلتزم بلُغة رياضية دقيقة وقابلة للقياس، كميًّا وكيفيًّا. وهذا ما جعل كثيرًا من الدارسين يعُدّونه من أوائل الساعين إلى عقلنة السيكولوجيا، لأن هذه العقلنة تجعل من الكمال البشري مبدأً مركزيًا مُوجِّهًا لسلوك الإنسان[19].
يُعَدّ مشروع فولف السيكولوجي مِن أهمّ المشروعات التي أسَّست لعلم النفس الحديث، وذلك عن طريق وضع حدود للتفاسير اللاهوتية الميتافيزيقية، للسَّيْر به نحو النهج العقلاني، وتنظيم ما ساد في ذلك الوقت من تأثير
للأسكولائية {{الأسكولائية (Scholasticism): تيار لاهوتيٌّ فلسفيٌّ ظهرت معالمه في الأزمنة الوُسطى في أوروبا، وينبني أساسًا على مسألة التوفيق بين الفلسفة الأرسطية والإيمان المسيحي.}}، عن طريق اعتماد المذهب العقلاني لليبنتس. كذلك ميَّز فولف بين ضربَيْن من المعرفة: "السيكولوجية التجريبية" التي تقوم على التجربة المباشرة والملاحظة الباطنية؛ و"العقلية" التي تقوم على مبادئ ومقولات قَبْلية تنتظم داخل نَسَقية استنباطية. وتعود أهمية هذه التفرقة بين هذيْن الضربَيْن من المعرفة، إلى طموحه في إقامة علم نفس مبنيٍّ على أُسُس علمية، تتمخَّض عنه قوانينُ ومبادئُ مفسِّرةٌ لسيرورة النفس البشرية، ومتواشجةٌ مع مجالات الفلسفة والأخلاق واللاهوت الطبيعي. وبهذا، تمكَّن فولف من إعادة تعريف مفهومَي الخير والشرّ، بمنأًى عن الثُّنائيات الميتافزيقية الكلاسيكية الدارجة كالجوهر والعرض، والعقل والجسد، والضروريّ والمُمْكن، والمُطلَق والنسبيّ، وغيرها. ومن ثم، جَعَلَ الخير والشرّ محكومَيْن بمنطق الكمالية، الذي يُصبِح مقياسًا لتتبُّع تطابُقية أفعال الإنسان مع جوهره. فالخير هو ما يجعل الطبيعة الإنسانية تصل إلى مرتبة الكمال، في مقابل الشرِّ الذي يعمل على إضعاف هذه الطبيعة، فيكون الكمال بذلك بمنزلة المبدأ الإبستيمي والسيكولوجي في الوقت نفسه. بذلك، أرسى فولف معالمَ نظرية في الإدراك تقوم على أساس "التمييز التمثيلي" (Apperception)، بوصفه عملية إدراك الذات لنفسها، وهو الأمر الذي دفعه لتأسيس "علم نفس تجريبي" مُجاوِزٍ لحدود الملاحظة العيانيّة، ويَتّجه صوب بناء صرح معرفي مُنظَّم. أما في المنحى العقلاني، فإن فولف يُوجِّه السيكولوجيا إلى مجال الاستنباط الرياضي، على النحو الذي تُحلَّل فيه مفاهيم الروح والحرية والإرادة الإنسانية، في سياق نَسَقٍ يُماثِل ما تضطلع به الرياضيات في البرهنة على نظريّاتها. كان مشروع فولف نقطة ارتكاز مهمّة، تمكَّنت من تقديم تصوُّرات نَسقية نظرت إلى النفس بوصفها ميدانًا يجتمع فيه فَهْم الإنسان والقانون والإله والعالَم، بعيدًا عن أيّ تنظيرات تتناول موضوعاته بطريقة مجزَّأة، وتُعيد إلى الطموح الفلسفي مكانته في إقامة نسق كَوْنيّ للعقل.[20]
نظرية المعرفة
تُقرَأ فلسفة فولف غالبًا من طرف معظم الدارسين بوصفها فلسفة مُستغلِقة في سياق ضربٍ من العقلانية المتينة الغارقة في التجريد. إلا أن بعض الدراسات التي حاولت إنصاف فِكْر الفيلسوف، نظرت إلى فلسفته بوصفها انفتاحًا تفرَّع في كثير من المرجعيات، على النحو الذي جعل فيه فولف نظريّته في المعرفة مُتعدّدةَ التأثيرات والتبايُنات، مع حرصها الدائم على نسقية متماسِكة تجعل العقل الوثوقيّ بمنزلة المرشد الأكبر لتأسيس أي يقين مُمكِن في المعرفة. ومن اللافت أيضًا أن فولف، حاله في ذلك حال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، طالَهُ تأثيرُ "النزعة التجريبية" في تمظهُرِها الحداثيّ، فعمد إلى استرجاع الأهمية الإبستيمولوجية التي تُمثِّلها التجربة الحسّية داخل نَسَق العقلانية في حدِّ ذاتها. وقد عمل على إحقاق نوعٍ من التوازُن بين العقلانية والتجريبية، نائِيًا بنفسه عن النمطية التي تُصوِّره بوصفه مُروِّجًا لعقلانية رياضية مؤمنة قطعيًا بأسبقيتها عن كل تجربة محسوسة. وبناءً عليه، يُمكن قراءة فلسفته العقلانية بطريقة تبتعد عن المسلك الذي انتهجه أستاذه ليبنتس[21]. وقد كان حضور لايبنتس في فلسفته العقلانية واضحًا من خلال كتاباته، ككتاب
Nouveaux essais sur l'entendement humain (مقالات جديدة حول العقل الإنساني) (1704)، الذي تتجلّى فيه النزعة العقلانية القطعية التي يُلحِقها الدارسون بفلسفة فولف وليبنتس، ومزاعمهما نحو الطموح الكبير للعقل في معرفة الوجود كما هو في حدِّ ذاته، علاوة على الاهتداء بالمناهج الرياضياتية والعلمية لتشييد المناهج الفلسفية والميتافيزيقية. وربما يرجع هذا الاتّهام لفولف بالغلوّ في أخذه بفلسفة ليبنتس، إلى دوره الكبير في نشر فلسفة ليبنتس والترويج لها بين جمهور القُرّاء والمُثقَّفين[22].
وعند إعادة النظر في مفهوم العقلانية عند فولف، يتَّضح الاختلاف بينها وبين مثيلتِها لدى ليبنتس، لأنّ فولف ابتغى من وراء نظريّته المُتَّجهة نحو انتظام التفكير العلمي أن يجعلَ العقلَ والتجربةَ متكاملَيْن، وهو ما ينعته بالتزاوج المنهجي (combinatio methodica) بين البرهان العقلي القَبْلي (A priori) الذي يحتكم إلى العقل وحده، والبرهان البَعْدي (A posteriori) الذي يقوم على ما تُدلي به التجربة المحسوسة. لهذا، لا يُمكن أن تُمنَح أفضلية السَّبْق في بلورة مفهومَي القَبْلي والبَعْدي وربطهما بالتجربة المحسوسة إلى كانط وحده، فقد سبق وأن عبَّر عنهما فولف. ولكن مع ذلك، ينبغي التأكيد على أن مفهوم القَبْلي عند فولف مختلفٌ عن ذلك الذي سيُشتهر به كانط في فلسفته النقدية، فالقَبْلي الفولفي ينبني بالحجّة وينطلق من مُقدِّمات معلومة، حتى وإن استعان في جزء منه بالتجربة الحسّية؛ أما البَعْدي فهو ما ينبني على الإحساس وحده. وبناءً عليه، تكون المعرفة التي تُزاوج بين المحسوس والمعقول معرفةً قَبْلية، وهذا مُغاير للتصوُّر الذي درج فهمه في الفلسفة المعاصرة. وبهذا، يظهر التبايُن في البنية المعرفية عند فولف، التي يغلب عليها منطوق الاستدلال العقلي، حتى وإن استند إلى مُعطيات تجريبية؛ وبين القَبْلي عند كانط، الذي يُرادف كل ما هو مستقلّ عن أي تجربة محسوسة[23].
وبحسب هذا المنطق الفلسفي الذي طرحه فولف، تُصبح المعرفة أكثر يقينًا حين تتناوب فيها هاتان الطريقتان من الاستدلال؛ فمِن خلال المعرفة القَبْلية تتأمَّنُ أُسُسٌ عقلانيّةٌ متينة، إلا أنها تظلّ غير كافية ما لم تُعرَض على التجربة المحسوسة. وهذا ما يُثْبتُ رؤيةً فلسفيةً قويةً داخل التقاليد الفلسفية العقلانية، تُوحي بضرورة مراجعة الطروحات التصنيفية المدرسية، التي تضع جميعُها النزعةَ العقلانيةَ والنزعةَ التجريبيةَ دائمًا في وضعية تعارُض. وفي هذا السياق، تبرُز أهمية الوقوف بدقة على موقع التجربة ودورها في فَهْم نسق فولف المعرفي الفلسفي على نحو شامل، وكيفية تفعيل هذه العلاقة الجدلية بين البرهان القَبْلي والبَعْدي. لقد توصَّل إلى معرفةٍ مُستخلَصةٍ من التجربة الحسّية داخل نظام يتبنّى "المنهج الرياضي الاستنتاجي"، ويفرض تحدّيات على مستوى التماسُك الداخلي للنَّسق. تكشف فلسفة المعرفة عند فولف الكيفية التي تكون عليها العلاقة بين العقل والتجربة في مشروعه، لتُشكِّل محاوَلةً جادّةً لتحقيق تكامُل منهجيٍّ بين المقولات العقلية والمُعطيات الحسّية. إلا أنّ هذه المحاولات الواعدة عَرَفت نُكوصًا بعد وفاة فولف، ولم يُكتَب لها الصمود أمام نقد كانط، ما جعل هذه التجربة تُقيَّم فيما بعدُ بوصفها حلقة مأزومة في مسار تأسيس المعرفة[24].
علاوة على ما سبق، فلا بُدّ من الإشارة إلى طبيعة المفاهيم التي تقوم عليها نظرية المعرفة عند فولف، إذ يعمد هذا الأخير إلى تشييدها بناءً على شبكة مفاهيمية غاية في الدقّة، ومسعاه من وراء وضعها هو تقديم تعريفات دقيقة للمعرفة والعلم والحقيقة. فالعلم عنده معرفةٌ مُحاجَجٌ عنها وفقًا لأصول ومبادئ غاية في الوضوح، والحقيقة عنده تتناسب -والحُكم- مع مبادئ الهُوية وأُسُسِها، ومبدأ عدم التناقض. ويضبط فولف مراتبَ الوضوح المعرفي وفقًا للتراتُبيّة الآتية: المعرفة الغامضة، والمعرفة الواضحة، والمعرفة المتميّزة، والمعرفة الكافية. ولا يدان للحكم أن يبلغ مرتبة الكفاية إلّا في الحالة التي يتمكَّن فيها من رَدِّ مفاهيمه إلى مواصفات بسيطة مضبوطة وتعريفات مُحدَّدة ودقيقة. كذلك يُفرِّق فولف بين المعرفة التاريخية التي تعمد إلى الإخبار بأن الشيء موجود كما يُدرَك عن طريق التجربة، وبين المعرفة الفلسفية التي تطرح سؤال "لماذا"، بغية استنباط الأسباب والعِلَل الكافية. وبناءً عليه، يُحدَّد مقياسُ الفلسفة من الناحية الإبستيمية، بناءً على الانتقالية المنهجية من الوصف إلى منحى التفسير. ويتلاحم ذلك كله مع هندسة حجاجية تُحاكي في طريقتها النظام الرياضياتي، ولكن من دون أن تنصهر في منحى التعريفات الدقيقة[25].
أمّا فيما يتعلّق بجانب منزلة التجربة في نظرية المعرفة عند فولف، فإن هذا الفيلسوف لا يُرجعُها إلى منزلة ثانوية تكون تابعة في ذلك إلى العقل، بل يُواشجُها ويجعلُها بمنزلة الشريكة البنيوية له في عملية إنتاج القضايا ذات الملمَح الواقعي، التي تضطلع بتغذية البراهين. ففي الفيزياء الأمبريقية، وأيضًا في علم النفس الأمبريقي، يُمنَح النسق وقائعَ منظّمة، بينما يُوضِّح العقلُ وفقَ آليّتِه الصوريّةِ الكيفيّةَ التي تجعل تلك الوقائع على ما هي عليه في الواقع. وبهذا، يتبلور التلاحُم المنهجي بين القَبْلي من منطلق أنه الاستنباط المأخوذ من مبادئ وأسباب كافية وتعريفات، وبين البَعْدي بوصفه ما يتأسَّس على المُعطيات الحسّية، فيكونان بذلك مساقَيْن متواشجَيْن داخل نسقية واحدة، بحيث تُعطي التجربة إلهامَها للفرضيات العلمية، وتعمل على اختبار النتائج المُتوَصَّل إليها، في مقابل العقل الذي يضمن عملية تأمينِ اتّساقية الصورة الشاملة. ويتجلّى الجانب الإبستيمي لهذه المساندة كذلك في علم النفس عند فولف، على النحو الذي تكُون فيه أفعال الذِّهْن في حدِّ ذاتها في إطارِ مِقياسَيِ العِلّةِ والدقّة، فتصبح الإبستيمولوجيا مشروعًا يجمع أنطولوجيا المبادئ مع اقتصاد التجربة ومنهجيّة البرهنة. وبذلك، يتّضح أن التبايُن بين فلسفة فولف وليبنتز لم يكن مجرد مدرج في العقلانية، إنما هو اختلاف يتجلّى في هندسة إبستيمية تعمل على إعادة توزيع المهمات بين التجربة المنتظمة المضبوطة، وبين المفاهيم الصورية، وتُقدِّم أيضًا توضيحات وتفسيرات بشأن الإمكانية التي أتاحت للفيلسوف ألكسندر باومغارتن {{ألكسندر باومغارتن (بالألمانية:
Alexander Gottlieb Baumgarten، 1714-1762): فيلسوف ألماني ذو نزعة عقلانية، يُنسَب إليه الفضل في بلورة الإستطيقا بوصفها مبحثًا فلسفيًا مستقلًّا يُعنى بالمعرفة الحسّية.}} صياغةَ تعالُقٍ منهجيٍّ نحو نقد فلسفة كانط، حتى وإن كان هذا الفيلسوف قد قلب تعريف القَبْلي، من دون أن يسمح بحصر مشروع فولف في عقلانية صورية صَرْفة[26].
البرهنة على وجود الإله
تُعَدّ قضية البرهنة على وجود الإله في فلسفة الأزمنة الحداثية من القضايا الحاسمة التي تقاطع فيها اللاهوت الطبيعي (Theologia naturalis) مع النظر العقلي الصّرف . وتُجسِّد فلسفة فولف أقوى تمثيل لهذا الإطار النظري، في محاولة لتشييد ميتافيزيقا عقلانية مؤسَّسة على مبادئ يقينية، وتُشابِه في انتظامها نماذجَ العلوم الصّورية، اعتمادًا على منهج استنباطيّ رياضيّ مُحكَم، ومنها قضية البرهنة على "وجود الإله". لقد عمل فولف على رسم منزلة اللاهوت الطبيعي بوصفه فرعًا من فروع الميتافيزيقا، يفحص ما هو ممكن من حيث تعلّقه بالإله، أي علم الممكنات المرتبطة بالإله، وذلك من خلال تصوّره العامّ للفلسفة على أنها "علمُ الممكن من حيث هو ممكن" (Possibile in quantum possibile). وبناءً عليه، فإن اللاهوت الطبيعي عند فولف يقوم على "نور العقل" (lumen rationis) وحده، وليس على "نور الوحي" (lumen fidei)، ويستند في بُرهانه إلى المَسْلك الاستدلالي الرياضي[27].
يُشيِّد فولف مذهبه في اللاهوت الطبيعي على ثلاثة أقسام أساسية من الميتافيزيقا خاصته: القسم الأول هو
الأنطولوجيا {{الأنطولوجيا: فرع من فروع الفلسفة يُعنى بدراسة الوجود بما هو موجود، ويدرس علاقة الإنسان بماهيته وهُويته.}}، من حيث إنها بحث في المبادئ الأولى للكينونة، كمبدأ عدم التناقض {{مبدأ عدم التناقض (Principium contradictionis): مبدأ فلسفي منطقي مفادُه أنَّ الشيء لا يُمكن له أن يكون ولا يكون في الآن معًا ومن الجهة عينها.}} ومبدأ
العلّة الكافية {{مبدأ العلّة الكافية (Principium rationis sufficientis): مبدأ فلسفي صاغه الفيلسوف الألماني لايبنتز، ومعناه أن كلَّ حادثةٍ ينبغي أن تكون لها عِلّة كافية تعمد إلى تفسير وجودها على هذا المنحى دون غيره.}}؛ والثاني علم الكونيات، الذي يعمد إلى دراسة عِلل الوجود في العالم المادي المُمكن؛ والثالث علم النفس، الذي يعمل على استنباط الروح بوصفها العِلّة الكافية لوجود الأفعال الذِّهنية[28]. وفقًا لذلك، عمد فولف إلى صياغة براهينه على وجود الإله في عملَيْن مُنفصلَيْن صَدَرا باللغة اللاتينية: الأول حمل عنوان
Theologia naturalis, methodo scientifica pertractata Pars I (اللاهوت الطبيعي وفقًا للمنهج العلمي، الجزء الأول) (1736)، وتناول فيه "البرهان البَعْدي" المُنطلِق من مُعطيات الواقع التي تتجلّى في وجود النفس والإنسان، ليرتقي بعد ذلك إلى علّة أولى (Causa prima) ضرورية؛ والآخر حمل عنوان
Theologia naturalis, methodo scientifica pertractata Pars II (اللاهوت الطبيعي وفقًا للمنهج العلمي، الجزء الثاني) (1737)، حيث بسط البرهان القَبْلي مُستهلًّا إياه بتحليل مفهوم الكائن الكامل ليصل إلى ضرورة وجوده، داحضًا في الآن عينه براهين الإلحاد. أما في البرهان البَعْدي، فيبدأ فولف من حقيقة وجود النفس، ويفترض معها مبدأ العلّة الكافية (Principium Rationis Sufficientis)، الذي يلتزم بالبحث عن إيجاد علّة لهذا الوجود؛ فإذا كانت النفس هي علّة ذاتها، فإن ذلك سيقع في الدور أو التسلسُل اللانهائي؛ وإذا كانت النفس علّتها في غيرها، فإنه لا يمكن إدراك حقيقة هذا الغير إلّا من خلال الرجوع إلى كائن ضروري لا يتوقَّف وجوده على غيره. بذلك، ينتهي الاستدلال إلى "الإله" بوصفه "الضروري بالذات" (per se necessarium). بهذا الترسيخ المنهجي المتماسك، يبني فولف معرفةً لاهوتيةً عقليةً بمنزلة الذروة العُليا التي تقف عندها كل معرفة إنسانية. وتأتي قيمة هذه الفلسفة من أنها تُمثِّل ذروة المشروع
الدوغماطيقي {{الدوغماطيقية (Dogmaticus): موقف فلسفي يعتقد بمبادئ وأفكار مُعيّنة بطريقة يقينية لا مجال لنقدها أو التشكيك فيها.}}، الذي ستواجهُه فلسفة كانط بمُحاكمة نقدية صارمة[29].
بناءً على ما سبق، يُستنتَج أنّ مبدأَي "العلّة الكافية" و"عدم التناقض"، بقدر ما هُما من الدعائم الأساسية التي تقوم عليها الأنطولوجيا، يُعَدّان أيضًا من مقاييس الحجاج والحقيقة، فالحُكم الموصوف بالصدقية هو الحكم الذي لا يُناقِض تعريفه. كذلك فإن البرهان الفلسفي هو ما يُرجِع الواقعة إلى عِلّتها الكافية. وبذلك، يُفهَم تمييز فولف بين المعرفة التاريخية من منطلق أنها إِخبارٌ بِما هو كائن، والمعرفة الفلسفية التي تسأل عن الأسباب القُصوى والأسباب الدُّنيا. كذلك يتبيَّن أن فولف يُنسِّق عملية الانتقال من الإمكانية نحو الضرورة، عن طريق تحليله مفاهيم الإمكان/ الإمكانية، التي تعني عندَه عدم وجود أي ملمَحٍ للتناقُض يخصّ المفهوم؛ والضرورة التي هي لا إمكانية العدم وفقًا للتعريف (استحالته)، وهو ما يُقدِّم تفسيرًا لجوهرِ منحاه "القَبْلي" الذي ينتقل من مفهوم الموجود/ الكائن التامّ إلى ضرورة وجوبه. أمّا في شقِّ البَعْدي/ البَعْدية، فلا يرهن الفيلسوف فولف نفسَه بالمسلك النفساني (المأخوذ من وقائع سيكولوجية)، إنما يعمد إلى تنسيق ثلاثة مساقات مُتآزِرة، هي: الكوسمولوجي الذي ينبني على الانتقال من وجود/ كينونة العالم المُمكِن وتراتُبيَّتِه العِلِّيَّة نحو العِلّة الأولى (القُصوى)؛ والفيزيو-لاهوتي الذي ينتقل من النظام والغاية في الواقع الطبيعي نحو الحكمة اللاهوتية (حكمة الإله)؛ والنفساني/ السيكولوجي الذي ينتقل من الوقائع السيكولوجية نحو كائنِ ضرورةٍ واجبِ الوجود، بوصفه العِلّة القُصوى الكافية. وهذه المساقات جميعها تعمل وفقًا لشرط دحض التسلسُلية اللامُتناهية، وتُجنِّب الوقوع في الدَّوْر[30].
تأثيره في الفلسفة الغربية الحديثة
مَثَّلَ الفيلسوف فولف نُقطة تحوّل مهمّة في إعادة صقل الفلسفة العقلانية في الأزمنة الحداثية، وفق نسق منهجي تغلبه الصرامة. وبلَغَ هذا التأثير أوجَه مع الفلسفة الألمانية، مستندًا في ذلك إلى منهج رياضيٍّ متين، وتصوُّرٍ معرفيٍّ يرى هذا المنهج بمنزلة البرادايم الضابط للمفاهيم والمُنظِّم لها. لقد عمل فولف على ممارسة ما يُمكن نعته بـ"عقلنة الفضاء العمومي"، من خلال ابتكار فلسفة عملية كونية واشجت بين تخصُّصات مُتباينة (الأخلاق، والسياسة، والاقتصاد)، وبلورتها في نسق مُتآلف ينحو إلى الكُلّية كتعبير منه عن إيمان راسخ بإمكانية بناءٍ عقليٍّ شموليٍّ متماسكٍ داخليًا، ويُرتِّب نظرته إلى العالم من حيث الفعل العمومي. كذلك شَيَّد فولف فلسفةً مكتوبةً بلُغة قومية ألمانية، مُبتعِدًا في ذلك عن هيمنة اللغة اللاتينية التي فرضت نفسها لأمد طويل على المؤسسات الأكاديمية واللُّغة البحثية. وهذا ما جعل مشروعه يُعيد صياغة المُعجم الفلسفي الألماني، من ذلك تثبيته مفهوم "الإدراك/ الفهم" (Begriff) بوصفه أداةً أساسية في عملية التفكير[31].
ومِن بَيْن أهمِّ الفلاسفة الذين تأثروا بصورة كبيرة بالعقلانية الفولفية الفيلسوف كانط، وذلك من خلال إقامته علاقة نقدية قوية مع النهج الرياضياتيّ، الذي يُعتمَد أساسًا في فلسفة فولف العقلانية. وبالرغم من أن كانط يُعلن في بعض أعماله الفلسفية معارضته للمَسْلك الفولفي، فإن المُتأمّل لأعماله في سياقها العامّ يتجلى له وجود مَلْمَح استمراريّةٍ وثيقة لكنها مُتوارية للمنهج الفولفي، خصوصًا فيما يتعلّق بتعريفه لـ"المفاهيم" و"طريقة الاستدلال". كذلك فإن الاتجاه نحو تعميم العقل، والإيمان بقدرته المُطلَقة على تفسير الوجود، كانا بمنزلة الخطوة الحاسمة في تطوُّر النَّسق الفلسفي الكانطي، لَمَّا اطَّلع هو الآخر على تُراث ليبنتس. غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن عقلانية فولف، ورغم طابعها المُمنهَج والوثوقيّ في بعض الأحيان، فإنها لا تبدو متعارضةً مع البُعد اللاهوتي، لأن فولف سعى إلى بناء مذهب عقلاني شامل، يصوغ الميتافيزيقا واللاهوت الطبيعي في إطار نسق مُوحَّد. ومن ثمّ، لم يرَ ضرورة إلى فصل الإيمان عن العقل، ولم يعمل كذلك على إقصاء الميتافيزيقا، بل ضَمَّها إلى مشروع فلسفي يتوسّل بالعقل من دون أن يُقصي البُعْد الديني[32].
وفي سياق تبلور المشروع الفلسفي عند كانط، لم يكن فولف غائبًا عن الأُفق المرجعي للعقل النقدي عنده، إذ كان حاضرًا بوصفه الأنموذج الذي اصطدم به كانط وحاوره بأسلوب مُعمَّق، ولا سيّما في مبحث الميتافيزيقا وبسْط الأدلة الميتافيزيقية على إثبات وجود الإله. لقد عكف كانط في مرحلة شبابه على قراءة فكر فولف، قبل أن يعمد إلى انتقاده ويُعيد تأويلَه في فلسفته اللاحقة. ويتجلّى هذا الحضور الفولفي أساسًا في أعمال كانط المبكّرة، التي على رأسها مُؤَلَّفُه
Neue Erhellung der ersten Grundsätze metaphysischer Erkenntnis (إيضاح جديد للمبادئ الأولى للمعرفة الميتافيزيقية) (1755)، حيث يظهر بجلاء تأثّره بمنهج فولف الاستنباطي العقلاني. علاوة على ذلك، فإن فولف، ووفقًا لعقلانيّته الصارمة المَبنيّة على النهج الرياضي، يستهدي بمبدأ "عدم التناقض" كأساس لليقين، ومنه ينفتح على "مبدأ العلّة الكافية"، الذي هو حجر الأساس الأنطولوجي لعملية فَهْم العالم، مِن مُنطلَق أن كل موجود هو بحاجة إلى علة تُفسِّره، وأن العالم لا يُمكن أن يكون هو علّة نفسه، بل علّته تكمُن في موجودٍ مُفارق (الإله). وبهذا، تظهر عقلانية فولف بوصفها خلفية نظرية غاية في الأهمية، أسهمت في تشكيل السؤال الكانطي عن حدود العقل وقدرته، وأثَّرَت أيضًا في إعادة بناء كانط لميتافيزيقاه ضمن إطار نقدي جديد[33].
ويُشار إلى أنّ كانط لم يرفض المنهج الرياضيّ في حدِّ ذاته، إنما وجَّه انتقاده إلى طريقة فولف في ترتيب البرهان الفلسفي الذي يبدؤه بالتعريفات. فضلًا عن ذلك، فقد عارض أسلوبَ معالجة فولف للقضايا الفلسفية وكأنها تحليلية، بينما يرى هو أن كثيرًا منها يتمّ وفق "توليفة قَبْلية"، ويحتاج إلى تأسيس نقدي يضع شرائطَ استعمال المفاهيم. ولكن، رغم هذه الانتقادات والاختلافات بينه وبين كانط، فثمة خيوط ناظمة تجمعهما؛ إذ تبنّى كانط في مرحلتَيْه "النقدية" (Kritische Phase) و"ما قبل النقدية" (Vorkritische Phase) المنهج النَّسقي مُعتمِدًا على التعريفات الدقيقة، لكنه أعاد صياغتَه ضمن إطار تركيبي نقدي. وبهذا، يُمكن عَدّ فلسفة فولف إرهاصًا تأسيسيًا تجاوَزَه كانط من دون أن يقطع معه كُلّيًا، منتقلًا في ذلك من يقين ميتافيزيقي إلى مُساءلة شروط إمكانية قيامه[34].
كذلك تجلَّى تأثير فولف بوضوح أيضًا في فلسفة ألكسندر غوتليب باومغارتن، وذلك في إطار معالجته قضية خلود النفس، فقد استلهم بعض مفاهيم فولف، ولا سيما تلك المُتعلّقة بإمكانية حصول الإدراك المتميّز للنفس، واستمرار شخصيّتها في العالم الآخر بعد الموت. يرى باومغارتن أنَّ النفس تحتفظ بروحانيّتها وحُرّيتها وشخصيّتها في الحياة الآخرة، وهي خصيصة تُفضي إلى استمرار الفعل العقلاني والإرادة الحُرّة لها بعد الموت. ويستند هذا الموقف إلى ما يُسمّيه بعض الباحثين "قانون التخيُّل" (Gesetz der Einbildungskraft) لدى فولف، حيث تتمكَّن النفس كجوهرٍ مُفكِّر من استرجاع هُويّتها وتذكُّرها لمَّا تصير إلى عالم الآخرة. كذلك، يعتقد باومغارتن، حاله في ذلك حال فولف، أنّ سعادة النّفس البشرية بعد الموت مرهونة بدرجة كمالها في الحياة، خصوصًا كمالها من الناحية الأخلاقية. ويُميِّز بين نوعَيْن من السعادة: الأولى "مادية" تعتمد على الخيرات الحسّية؛ والأخرى "روحيّة" تستند إلى القِيَم الأخلاقية. وبهذا، يواصل باومغارتن طروحات فولف، ويُوسِّعها لتشمل أيضًا قضايا الأخلاق وفَهْم طبيعة الإنسان.[35]
كذلك كان لفلسفة فولف حضور لافت في القرن التاسع عشر، رغم أنه لم يكن حضورًا مباشرًا، فقد ظلَّت التقاليد الفولفية راسخةً في مناهج علم المنطق والميتافيزيقا ومُقرّراتهما في الجامعات الألمانية، وحضرت كذلك في الشروحات والكُتب المدرسية، ما خلق جيلًا من الباحثين الذين يحملون خلفية فلسفية
ما بعد الكانطية {{ما بعد الكانطية (Post-Kantianism): هي الفلسفات التي جاءت بعد الفلسفة الكانطية مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. وقد سَعَت إلى النقد الكانطي أو العمل على تجاوزه، بدايةً من الفيلسوفَيْن راينهولد ومايمون، ووصولًا إلى الفلسفة المثالية الألمانية وما جاء بعدها.}}، وهو ما يتجلّى في النزعات الهربارتية (Herbartianism)، مع الفيلسوف والعالِم التربوي الألماني
يوهان فريدريش هيربارت {{يوهان فريدريش هيربارت (بالألمانية:
Johann Friedrich Herbart، 1776-1841): عالم تربوي وفيلسوف ألماني، يُعَدّ المؤسِّس الحقيقي لعلم التربية الحديث.}}، التي سعت لترسيخ المَلْمَح التحليلي الواقعي والمحافظة عليه في علم المنطق وعلم النفس آنذاك. كذلك كان لفلسفة فولف حضور في الفلسفة الأسكولائية الجديدة (Neo-Scholasticism)، التي استرجعت جانب الصرامة في البرهنة والتعريف. وقد ظلَّت النزعة الفولفية بمنزلة المرجعية السلبية عند تيارات فلسفية أخرى، بحكم أنها السياق الفلسفي الذي تمايزت عنه التفسيرات والتأويلات الكانطية المبكّرة، خصوصًا مع
كارل ليونارد راينهولد {{كارل ليونارد راينهولد (Karl Leonhard Reinhold، 1757-1823): فيلسوف نمساوي، يُعَدّ مِن أهمّ مُمثّلي تيار ما بعد الكانطية، وقد كانت له إسهامات قوية في شرح فلسفة كانط ونشرها.}}،
وسَلومون مايمون {{سلومون مايمون (بالألمانية:
Salomon Maimon، 1753-1800): فيلسوف ألماني، اشتُهر بقراءته النقدية للفلسفة الكانطية، وسعيه نحو تجاوزها عبر صهر العقلانية في التجريبية.}}،
وغوتلوب إرنست شولتسه {{غوتلوب إرنست شولتسه (بالألمانية: Gottlob
Ernst Schulze، 1761-1833): فيلسوف ألماني، عُرف بانتقاداته الحادّة لفلسفة كانط ومُناصريها، ويُعَدّ من مؤسّسي تيار الشكلية في الفلسفة ما بعد الكانطية.}}، قبل أن تتبلور المثالية الألمانية. فضلًا عن ذلك، استمرَّت مفاهيم فولف، كمبدأ العلة الكافية ومدارج المعرفة الفلسفية والمعرفة التاريخية، في الحوارات والنقاشات المعرفية التي كانت سائدة آنذاك[36].
المراجع
العربية
بدوي، عبد الرحمن.
موسوعة الفلسفة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1984.
كرم، يوسف.
تاريخ الفلسفة الحديثة من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر. تعليق وتحقيق مصطفى النشار. القاهرة: مكتبة الدار العربية للكتاب، 2021.
كوبلستون، فريديريك.
تاريخ الفلسفة: الفلسفة الحديثة من عصر التنوير في فرنسا حتى كانط. ترجمة حبيب الشاروني ومحمود سيد أحمد. مراجعة إمام عبد الفتاح إمام. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010.
كولينز، جيمس.
الله في الفلسفة الحديثة. ترجمة فؤاد كامل. القاهرة: دار غريب، 1973.
ليبنتز.
المونادولوجيا والمبادئ العقلية للطبيعة والفضل الإلهي. جمع وترجمة عبد الغفار مكاوي. وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2022.
الأجنبية
Beiser, Frederick.
The Fate of Reason German Philosophy from Kant to Fichte. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1987.
Corr, Charles. "The Existence of God, Natural Theology and Christian Wolff."
International Journal for Philosophy of Religion. vol. 4, no. 2 (1973). pp. 105-118.
Drechsler, Wolfgang. “Christian Wolff (1679–1754): A Biographical Essay.” European Journal of Law and Economics. vol. 4, no. 2 (1997). pp. 111-128.
Dyck, C. W. “Between Wolffianism and Pietism: Baumgarten’s Rational Psychology.”
PhilArchive. at:
https://acr.ps/1L9F2WI
________. “Between Wolffianism and Pietism: Baumgarten’s Rational Psychology.” in: Courtney Fugate & John Hymers (eds.).
Baumgarten and Kant on Metaphysics. Oxford: Oxford University Press, 2018. pp. 78-93.
Esteve, Massa & María Rosa. “Leibniz, Peter the Great, and the Saint Petersburg Academy of Sciences and Arts.”
Quaderns d’Història de l’Enginyeria. vol. 20 (2022). pp. 31-50.
“Faculty Psychology.”
Oxford Reference. at:
https://10.1093/oi/authority.20110803095807861
Gava, Gabriele. “Kant, Wolff, and the Method of Philosophy.” in: Daniel Garber & Donald Rutherford.
Oxford Studies in Early Modern Philosophy. Oxford: Oxford University Press, 2018. pp. 271-303.
Gurr, John Edwin.
The Principle of Sufficient Reason in Some Scholastic Systems, 1750–1900. Milwaukee: Marquette University Press, 1959.
Henkel, Christian. "Grounding the World: The Dissemination of Occasionalism in Early Modern Germany," PhD. Dissertation. University of Groningen. Groningen. 2022.
Klempe, Sven Hroar. "The Origin of Psychology in the Humanitieslocked."
Oxford University Press. 31/3/2020. at:https://acr.ps/1L9F3a8
Leopold, David. "Wolffianism." in: A. C. Kors (ed.).
Encyclopedia of the Enlightenment. Boston, MA: Springer, 2007.
Lipski, Alexander. "The Foundation of the Russian Academy of Sciences."
Isis. vol. 44, no. 4 (1953). pp. 349-354.
Neveu, Sébastien.
L’a priori, l’a posteriori, le pur et le non pur chez Christian Wolff et ses maîtres. Hildesheim: Georg Olms Verlag, 2017.
Reich, Klaus. "Christian Wolff."
Stanford Encyclopedia of Philosophy. 1/6/2024. at:
https://acr.ps/1L9F2bX
Richards, Robert. "Christian Wolff’s Prolegomena to Empirical and Rational Psychology."
the American Philosophical Society. vol. 124, no. 3 (1980). pp. 227-239.
Rydberg, Andreas. "Epistemics of the Soul: Epistemic Logics in German 18th‑Century Empirical Psychology."
Journal the History of the Behavioral Sciences. vol. 58, issue 4 (2022). pp. 383-403.
Schechter, Joshua. “The Theoretical Significance of the A Priori/A Posteriori Distinction.”
PhilArchive. at:
https://acr.ps/1L9F2nR
Walschots, Michael. "Why We Should Recover the Philosophy of Christian Wolff."
Aeon. 12/10/2023. at:
https://acr.ps/1L9F2gk
________. “The Principle of Morality in Eighteenth Century German Philosophy.” in: C. Dyck, F. Beiser & B. Look (eds.).
The Oxford Handbook of German Philosophy in the Eighteenth Century. Oxford: Oxford University Press, forthcoming. at:
https://acr.ps/1L9F2jF
Wolff, Christian. “Rational Thoughts on God, the World and the Soul of Human Beings; Also, All Things in General (1720).” in: Eric Watkins (ed.).
Kant’s Critique of Pure Reason: Background Source Materials. New York: Cambridge University Press, 2009. pp. 5-53.
________.
Logic, or Rational Thoughts on the Powers of the Human Understanding: with their Use and Application in the Knowledge and Search of Truth. The German of Baron Wolfius (trans.). London: L. Hawes, W. Clarke, and R. Collins, 1770.
________.
Preliminary Discourse on Philosophy in General. R. J. Blackwell (trans.). Indianapolis: Bobbs-Merrill, 1963.
[1]عبد الرحمن بدوي،
موسوعة الفلسفة، ج 2 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1984)، ص 207.
[2] Wolfgang Drechsler, “Christian Wolff (1679–1754): A Biographical Essay,” European Journal of Law and Economics, vol. 4, no. 2 (1997), p. 111.
[3]يوسف كرم،
تاريخ الفلسفة الحديثة من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر، تعليق وتحقيق مصطفى النشار (القاهرة: مكتبة الدار العربية للكتاب، 2021)، ص 220.
[4] Christian Henkel, "Grounding the World: The Dissemination of Occasionalism in Early Modern Germany," PhD. Dissertation, University of Groningen, Groningen, 2022, p. 252.
[5] Drechsler.
[6] Klaus Reich, "Christian Wolff,"
Stanford Encyclopedia of Philosophy, 1/6/2024, accessed on 31/1/2026, at:
https://acr.ps/1L9F2bX
[7] Corey Dyck, “Between Wolffianism and Pietism: Baumgarten’s Rational Psychology,” in: Courtney Fugate & John Hymers (eds.),
Baumgarten and Kant on Metaphysics (Oxford: Oxford University Press, 2018), pp. 78-79.
[8] David Leopold, "Wolffianism," in: A. C. Kors (ed.),
Encyclopedia of the Enlightenment (Boston, MA: Springer, 2007).
[9] Alexander Lipski, "The Foundation of the Russian Academy of Sciences,"
Isis, vol. 44, no. 4 (1953), pp. 350-351.
[10] Massa Esteve & María Rosa, “Leibniz, Peter the Great, and the Saint Petersburg Academy of Sciences and Arts,”
Quaderns d’Història de l’Enginyeria, vol. 20 (2022), p. 44.
[11] بدوي، ص 208.
[12] Andreas Rydberg, "Epistemics of the Soul: Epistemic Logics in German 18th‑Century Empirical Psychology,"
Journal the History of the Behavioral Sciences, vol. 58, issue 4 (2022), p. 385.
[13] Reich.
[14] “Faculty Psychology,”
Oxford Reference, accessed on 31/1/2026, at:
https://10.1093/oi/authority.20110803095807861
[15] Drechsler; Christian Wolff,
Preliminary Discourse on Philosophy in General, R. J. Blackwell (trans.) (Indianapolis: Bobbs-Merrill, 1963), pp. 57-58.
[16] Michael Walschots, “The Principle of Morality in Eighteenth Century German Philosophy,” in: C. Dyck, F. Beiser & B. Look (eds.),
The Oxford Handbook of German Philosophy in the Eighteenth Century (Oxford: Oxford University Press, forthcoming), accessed on 31/1/2026, at:
https://acr.ps/1L9F2jF
[17] يرجع الفضل في نحت مصطلح سيكولوجيا (Psychologia) إلى الفيلسوف الألماني رودولف غوكيلوس (بالألمانية: Rudolph Goclenius، 1547-1628)، وذلك في عام 1590، في كتابه
علم النفس: أي دراسة كمال الإنسان ونفسه، ولا سيّما أصل هذه النفس. يُنظر:
Sven Hroar Klempe, "The Origin of Psychology in the Humanitieslocked,"
Oxford University Press, 31/3/2020, accessed on 02/07/2025, at:
https://acr.ps/1L9F3a8
[18] Robert Richards, "Christian Wolff’s Prolegomena to Empirical and Rational Psychology,"
the American Philosophical Society, vol. 124, no. 3 (1980), pp. 227-229.
[19] Ibid., pp. 229-230.
[20] Ibid., pp. 231-235.
[21] Sébastien Neveu,
L’a priori, l’a posteriori, le pur et le non pur chez Christian Wolff et ses maîtres (Hildesheim: Georg Olms Verlag, 2017), p. 5.
[22] ليبنتز،
المونادولوجيا والمبادئ العقلية للطبيعة والفضل الإلهي، جمع وترجمة عبد الغفار مكاوي (وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2022)، ص 50.
[23] Joshua Schechter, “The Theoretical Significance of the A Priori/A Posteriori Distinction,”
PhilArchive, accessed on 31/1/2026, at:
https://acr.ps/1L9F2nR
[24] Neveu, p. 6; Wolff,
Preliminary Discourse on Philosophy, p. 57.
[25] Christian Wolff,
Logic, or Rational Thoughts on the Powers of the Human Understanding: with their Use and Application in the Knowledge and Search of Truth, The German of Baron Wolfius (trans.) (London: L. Hawes, W. Clarke, and R. Collins, 1770), p. 2.
[26] Richards, pp. 231-232.
[27] Charles Corr, "The Existence of God, Natural Theology and Christian Wolff,"
International Journal for Philosophy of Religion, vol. 4, no. 2 (1973), pp. 105-106.
[28]جيمس كولينز،
الله في الفلسفة الحديثة، ترجمة فؤاد كامل (القاهرة: دار غريب، 1973)، ص 192.
[29] Christian Wolff, “Rational Thoughts on God, the World and the Soul of Human Beings; Also, All Things in General (1720),” in: Eric Watkins (ed.),
Kant’s Critique of Pure Reason: Background Source Materials (New York: Cambridge University Press, 2009), p. 5; Corr, pp. 107-111.
[30] Wolff,
Logic, or Rational Thoughts.
[31] Michael Walschots, "Why We Should Recover the Philosophy of Christian Wolff,"
Aeon, 12/10/2023, accessed on 31/1/2026, at:
https://acr.ps/1L9F2gk
[32]فريديريك كوبلستون،
تاريخ الفلسفة: الفلسفة الحديثة من عصر التنوير في فرنسا حتى كانط، ترجمة حبيب الشاروني ومحمود سيد أحمد، مراجعة إمام عبد الفتاح إمام، مج 6 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص 159.
[33] المرجع نفسه، ص 160.
[34] Gabriele Gava, “Kant, Wolff, and the Method of Philosophy,” in: Daniel Garber & Donald Rutherford,
Oxford Studies in Early Modern Philosophy, vol. 8 (Oxford: Oxford University Press, 2018), pp. 301-303.
[35] C. W. Dyck, “Between Wolffianism and Pietism: Baumgarten’s Rational Psychology,”
PhilArchive, accessed on 13/1/2026, at:
https://acr.ps/1L9F2WI
[36] Frederick Beiser,
The Fate of Reason German Philosophy from Kant to Fichte (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1987), pp. 193, 226; John Edwin Gurr,
The Principle of Sufficient Reason in Some Scholastic Systems, 1750–1900 (Milwaukee: Marquette University Press, 1959), p. 11.