الموجز
حملة الأطفال الصليبية (608هـ/ 1212م) هي واحدة من أكثر الحملات الصليبية غرابةً وإثارةً للجدل. نشأت عام 608هـ/ 1212م في فرنسا وألمانيا بين صفوف الأطفال والشُّبّان الفُقراء وكبار السنّ، مع مشاركة محدودة من الفرسان وأبناء النبلاء، مدفوعين بحماسةٍ دينيةٍ جارفةٍ وإيمانٍ بأنهم قادرون على تحقيق ما عجزت عنه الجيوش النظامية، وأن البحر سينشقّ أمامهم ليعبروا منه إلى الأراضي المقدّسة لتحريرها من السيطرة الإسلامية. وقد تزعّم الحركة صبيّان، هما: الفرنسي ستيفن الكلويزي (Stephen of Cloyes) في فرنسا، ونيقولا الكولوني (Nicholas of Cologne) في ألمانيا. سارت الجموع في مواكب عفوية من دون تخطيطٍ عسكريٍّ أو دعمٍ من البابوية أو الملوك، غير أن معظم المشاركين فُقدوا أو هلكوا في الطريق بسبب الجوع والعطش والتعب، في حين بِيع آخرون في أسواق الرقيق.
تُعاني دراسة حملة الأطفال الصليبية من ضعف كبير في مصادرها، إذ لا يوجد أي تقريرٍ عَيانيٍّ لمُشارِكٍ فيها، وتعتمد معرفتها على نحو 50 مصدرًا مُعاصِرًا، معظمها حوليّات رهبانية موجَزة، لا يُعَدّ موثوقًا منها إلّا ما كُتب قبل عام 1220. أما الروايات اللاحقة فغالبًا ما تقوم على نقلٍ غير مباشر من الدرجة الثانية أو الثالثة، ما يُضعِف قيمتها التاريخية. وقد رُبطت الحملة بحركات وأساطير دينية أخرى، لكنَّ هذه الصلات تُعَدّ غير مرجّحة تاريخيًا. مع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذه الحملة لا تكمن في وقائعها المحدودة بقدر ما تتجسّد في الطاقة الرمزية والمعنوية التي حملتها عبر العصور الأوروبية اللاحقة.
السياق التاريخي
أيقن الغرب الأوروبي، بعد أن استردَّ صلاح الدين الأيوبي (ت. 589هـ/ 1193م) مدينة بيت المقدس عام 583هـ/ 1187م، ومعظمَ القلاعِ والمدنِ الصليبيةِ في الشام، أن الحاجة باتت مُلحّة إلى حملة صليبية جديدة من أجل استرداد ما فُقِد والحفاظ على ما تبقّى، فضلًا عن محاولة تحجيم قوة المسلمين المُتنامية[1]. في العقود التالية، خرجت حملتان صليبيتان هما الثالثة والرابعة، غير أن نتائجهما لم تكن مُرضية بأي حالٍ من الأحوال؛ إذ أفضت الحملة الصليبية الثالثة (585-588هـ/ 1189-1192م) إلى الاستيلاء على عدد من المواقع المهمة على الساحل الشامي مثل عكا ويافا، لكنها أخفقت في السيطرة على بيت المقدس[2]؛ في حين انحرفت الحملة الصليبية الرابعة (598-601هـ/ 1202-1204م) عن مسارها وتحوّلت إلى إسقاط مدينة مسيحية كُبرى هي القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، من دون أن تُحقِّق الهدفَ الأساسيَّ لخروجها، وهو الاستيلاء على بيت المقدس بعد السيطرة على مصر أولًا[3].
مع انحراف الحملة الصليبية الرابعة عن مسارها، تلقَّت الحركة الصليبية ضربة قاصمة؛ إذ بدا أن البابوية والملوك وفرسان الفرنجة قد عجزوا عن نُصرة الأرض المقدّسة وتحرير قبر المسيح. وهكذا، ترسّخت القناعة بأن بلوغ الهدف لم يعد ممكنًا باستخدام القوة، بل يحتاج إلى معجزة إلهية[4]، الأمر الذي مهَّدَ لظهور ما عُرِف بحملة الأطفال الصليبية (باللاتينية: (peregrinatio puerorum عام 608هـ/ 1212م، التي جاءت في ذروة النشاط الصليبي في عهد البابا إنوسنت الثالث (Pope Innocent III، 1161-1216)، حين غدت الحملة الصليبية أداةً مركزية في السياسة البابوية، تُستخدَم على حدود العالَم المسيحي وداخله معًا. ففي مناخٍ تشكّل فيه مفهوم "الأمة المسيحية" (Christianitas) بوصفها جماعةً روحيةً تتجاوز الانتماءات المحلّية، لم تعُد الدعوة إلى حمل الصليب مقتصرةً على الفرسان والنبلاء، بل تسرّبت إلى الأوساط الشعبية. وقد عبّرَ المشاركون الذين وصفتهم المصادر اللاتينية بـ"pueri" (الصبيان أو الأطفال) عن انخراطهم الرمزي في مشروع تحرير الأرض المقدّسة، بارتداء الصليب والهتاف لنُصرة العالم المسيحي[5].
هكذا مثّلَت تلك الحملة، سواء أعُدَّت مبادرةً شعبيةً مستقلّةً أم ثمرةً غير مباشرة لخطاب إنوسنت الثالث، انعكاسًا لاتّساع فكرة الحرب المسيحية المقدّسة، وانتقالها من كونها مهمة عسكرية نخبوية إلى حركة دينية ذات طابع تعبوي شعبي، حتى وإن لم تُحقّق أهدافًا عسكرية فعلية. كان لحملة الأطفال قائدان رمزيّان، هما: الفرنسي ستيفن الكلويزي في فرنسا، والألماني نيقولا الكولوني في ألمانيا، وكلاهما من طبقة الفلّاحين[6]، وقد انتشرت الشائعات بأن البحر سينشقّ أمام "أطفال الربّ" الصليبيّين ليعبروا إلى بيت المقدس من دون سلاح، فتكون معجزة إلهية، غير أن الحملة انتهت بكارثة إنسانية، إذ مات كثيرون جوعًا أو بِيعوا في أسواق العبيد في مرسيليا وشمال أفريقيا[7].
الجدل حول الحملة
دارَ جدلٌ واسعٌ بين المؤرّخين بشأن ما عُرِف بحملة الأطفال الصليبية، وما إذا كانت حدثًا تاريخيًا حقيقيًا أم أسطورة نسجها الخيال الأوروبي الصليبي في العصور الوسطى. غير أن ورود أخبارها في عددٍ كبير من المصادر التاريخية والأدبية، بما يُناهز 50 نصًّا متنوّعًا بين المعاصِر والمتأخّر، رغم ما شابها من إيجاز وتجزئة، يُرجِّح أن الحملة كانت واقعة حقيقية لا مجرد خرافة. إلا أن الجدل الأعمق انصبَّ على طبيعة المشاركين فيها؛ فبينما ساد الاعتقاد القديم بأنهم أطفال صغار كما يوحي اسمها، تشير الدراسات الحديثة إلى أنهم كانوا خليطًا من الشباب والنساء والأطفال الفقراء، مع قِلّة من النبلاء. يستند هذا الرأي إلى أسانيد لغوية واجتماعية لمعنى الكلمة اللاتينية "Pueri"، وهي جمع "puer"، وتعني "الصبيان" أو "الأطفال"، وقد استخدمتها المصادر اللاتينية لوصف الحملة، إذ لا يقتصر معناها في سياق العصور الوسطى على الأطفال، بل يشمل أيضًا الشُّبّان والخدم والعامّة، ما يعكس تنوّع التركيبة الاجتماعية لتلك الحركة الدينية الفريدة[8].
يرى المؤرّخ غاري ديكسون أنَّ ما يُعرف بحملة الأطفال الصليبية لم يكن حملةً عسكريةً مُنظَّمةً بقدر ما كان حركة دينية شعبية عفوية، ناتجة من خيبة الأمل بعد إخفاق الحملة الصليبية الرابعة، إذ ساد الاعتقاد في أوروبا بأن نقاء الأطفال وبراءتهم قد يُحقّقان ما عجزت عنه جيوش الفرسان. ويضيف أن هذا الحدث تكوَّنَ في سياقٍ دعائيٍّ ديني، بالتزامن مع حالة من الاضطراب السياسي والاجتماعي في أوروبا بدايات القرن الثالث عشر، حيث اختلطت الرؤى الدينية باليأس السياسي، فتحوّلت الرغبة في الخلاص إلى أسطورة جماعية عن الفداء أكثر منها واقعًا تاريخيًا دقيقًا[9].
تُعاني دراسة حملة الأطفال أيضًا ضعفًا بَيِّنًا في مصادرها، إذ لا يوجد أي تقريرٍ عَيانيٍّ لمُشارِكٍ فيها، وتعتمد معرفتها على نحو 50 مصدرًا مُعاصِرًا، معظمها حوليّات رهبانية موجَزة، لا يُعَدّ موثوقًا منها إلّا ما كُتب قبل عام 1220. أما الروايات اللاحقة فغالبًا ما تقوم على نقلٍ غير مباشر من الدرجة الثانية أو الثالثة، ما يُضعِف قيمتها التاريخية. وقد رُبطت الحملة بحركات وأساطير دينية أخرى، لكنَّ هذه الصلات تُعَدّ غير مرجّحة تاريخيًا.
وقد أسهم بعض مؤرّخي القرن الثالث عشر في إضفاء طابع أسطوري مبكّر على الحدث، ما أثّرَ في تلقّيه اللاحق[10]. يُعَدّ ثلاثة من مؤرّخي القرن الثالث عشر ذوي أثرٍ خاصٍّ في هذا السياق، وهُم: ألبيريك تروا-فونتين (توفي بعد عام 1252)[11]؛ وماثيو باريس (ت. 1259)[12]؛ وڤنسنت بوڤيه (ت. 1264)[13]. فقد قدّم هؤلاء روايات عن الحملة مُشبَعةً بعناصر عجائبية وسرديات رمزية، ما أسهم في ترسيخ صورة أسطورية للحدث في الذاكرة التاريخية الأوروبية. وبحُكْمِ قُربِهم الزمنيِّ من الوقائع، عُدَّت شهاداتهم زمنًا طويلًا رواياتٍ معاصرة ذات مصداقية، فاستمرّ تداولها ونشرها حتى القرن التاسع عشر، وغالبًا ما نُقلت واعتُمدت من دون تمحيصٍ نقديٍّ كافٍ[14].
الدعوة إلى الحملة
قامت الدعوة إلى حملة الأطفال الصليبية في كلٍّ من فرنسا وألمانيا بصورة شِبه متزامنة، بوصفها ردَّ فعلٍ شعبيًا على عجز البابوية وحُكّام أوروبا عن استعادة مدينة بيت المقدس من أيدي المسلمين[15]، ففي عام 608هـ/ 1212م برز في فرنسا صبيٌّ في الثانية عشرة من عمره يُدعى ستيفن من مدينة كلوا (Cloyes) الصغيرة في إقليم أوريليانز (Orléans)، وكان يرعى غنمَه حين زعم أن المسيح ظهر له وأمره بأن يُبشِّر بحملة صليبية جديدة. انطلق ستيفن مدفوعًا بما عَدَّه وحيًا إلهيًا، حتى مَثُلَ بين يدَي الملك الفرنسي فيليب الثاني أوغسطس (Philip II Augustus، 1165-1223، حكم بين عامَي 1180 و1223) في سانت دينيس (Saint-Denis)، ليقصَّ عليه ما جرى، غير أن الملك لم يُعِره اهتمامًا، وأمره بالانصراف[16].
[الشكل 1]
رسم توضيحي لحملة الأطفال الصليبية التي جرت عام 1212، من كتاب "تاريخ الحروب الصليبية" للمؤلف جيه إف ميشو.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
مع ذلك، واصل ستيفن دعوته في أنحاء فرنسا، مُعتمِدًا على ما أُوتِي من فصاحة مؤثّرة وقدرة على الإقناع، ومؤمنًا بأن البحر سينشقّ أمامه كما انشقَّ للنبي موسى عليه السلام، ليعبُرَ هو وأتباعه إلى الأرض المقدّسة. وقد استجابت لدعوته جموعٌ كبيرة من الأطفال والفقراء، واجتمعوا في مدينة ڤاندوم (Vendôme) استعدادًا للمسير نحو المواني الجنوبية[17]. تشير روايات المعاصرين إلى أن عددهم بلغ نحو 30 ألفًا[18]، غير أن بعض المؤرّخين المحدثين يُقدّرون العدد بنحو نصف ذلك أو أقلّ[19]، وآخرون يقدرونه بنحو 50 ألفًا.[20] كان هذا الحشد مزيجًا متنوّعًا من فتيان الريف البسطاء، وفتيانٍ من أصولٍ نبيلة، وضمَّ كذلك عددًا من الفتيات، وقليلًا من القساوسة الشُّبّان، وثُلة من الشيوخ[21].
أما في ألمانيا، فقد بلغ صدى دعوة ستيفن منطقة الراين (Rhineland)[22]، حيث لم يشأ فتيانها أن تفوتهم المشاركة في هذا الحدث، فبعد أسابيع قليلة من انطلاق الحملة الفرنسية، ظهر صبيٌّ يُدعى نيقولا من إحدى القرى المحيطة بمدينة كولونيا في إقليم الراين، يُعلِن الرسالة نفسها، مؤكدًا -على غرار ستيفن- أن الأطفال قادرون على إنجاز ما عجز عنه الكبار، وأن البحر سينشقّ أمامهم ليعبروا إلى الأرض المقدّسة. غير أن الاختلاف بين الحركتَيْن كان في الغايةِ المُعلَنة؛ فبينما قصد الفرنسيون تحرير الأراضي المقدّسة بالقوة، رأى الألمان أن هدفهم هو هداية المسلمين، استنادًا إلى رؤية مثالية مفادها أنهم إذا بلغوا مدينة بيت المقدس فسيتمكّنون بالإقناع والعون الإلهي من حمل المسلمين على اعتناق المسيحية[23]. خلال أسابيع قليلة، احتشدت جموع كبيرة من الأتباع في مدينة كولونيا استعدادًا للانطلاق نحو إيطاليا حيث البحر، وقد ضمَّت الحشود عددًا كبيرًا من الفتيات وأبناء النبلاء، إلى جانب بعض المتشرّدين وذوي السمعة السيئة والبغايا[24].
مسار الحملة وتطوّر أحداثها
احتشدت جموع حملة ستيفن مع نهاية يونيو/ حزيران 1212 في مدينة ڤاندوم، ثم تحرَّكَ الجمعُ جنوبًا نحو مدينة مرسيليا، وكان معظم المشاركين يسيرون على الأقدام، في حين أن ستيفن جلسَ في عربةٍ مُغطّاة بمظلّة تحميه من حرّ الشمس، وإلى جواره عدد من أبناء النبلاء يمتطون الخيول. لم يُثِر هذا التفاوُت استياء أتباعه، بل على العكس، نظروا إليه بعَيْن التقديس، حتى إنهم كانوا يتباركون بخُصلٍ من شَعْرِه وقطعٍ من ملابسه التي لديهم[25].
وقد كانت رحلة ستيفن وأتباعه شاقّة وقاسية، إذ صادفوا صيفًا شديد الحرارة على نحوٍ غير معتاد، واعتمدوا في طعامهم على الصدقات والهبات في وقتٍ عَمَّ فيه الجدب، وشحَّت المُؤن وقلَّت المياه، فمات كثيرون منهم على الطريق من الجوع والعطش والإرهاق، في حين عَدَل آخرون عن متابعة المسير، وتفرّقوا في القرى والبلدات، أو حاولوا العودة إلى ديارهم.
ومع ما لاقته الحملة من متاعب وأهوال، فقد بلغت أخيرًا مدينة مرسيليا، حيث استقبلهم الأهالي بترحاب وتعاطف بالغَيْن[26]. في صباح اليوم التالي، اندفعت جموع الحملة إلى مرفأ مرسيليا تترقّب المعجزة الموعودة، إذ كانوا يعتقدون أن البحر سينشقّ أمامهم كما انشقَّ للنبي موسى، ليعبروا منه إلى الأرض المقدّسة، غير أن المعجزة لم تقع، فخَيَّمَ عليهم إحساسٌ مريرٌ بخيبة الأمل، وتعالت أصوات بعض الأطفال في وجه ستيفن مُتّهمينه بالخداع والتضليل. ثم انصرف عددٌ منهم عائدين إلى ديارهم، في حين ظلت الأغلبية على الشاطئ تُمضي الأيام في ترقُّبٍ يائس، مُؤمِّلَةً في كل صباح أن يتحقّق الوعد الإلهي المنتظَر[27].
أما حملة نيقولا، فقد احتشدت في كولونيا استعدادًا للمسير نحو المواني الإيطالية، وانقسمت إلى فريقَيْن، ضمَّ الأوّل نحو 20 ألفًا تقريبًا -وإن كان العدد مبالغًا فيه- يتقدّمهم نيقولا بنفسه، وسلكوا طريقهم عبر سويسرا نحو شمال إيطاليا، مرورًا بممرّ جبل سينييس (Mont Cenis)[28]. وقد كانت الرحلة بالغة المشقّة، إذ تكبّدوا خسائرَ فادحة، حتى إن أقلّ من ثُلثهم بلغوا مدينة جنوة (Genoa) الإيطالية في أواخر آب/ أغسطس 1212، حيث سمحت لهم السلطات الجنوية بالمَبيت داخل أسوارها، ورَحَّبَت بمن يرغب منهم في الإقامة فيها. في الصباح التالي، ترقَّب أتباع نيقولا أن ينشقّ البحر أمامهم، غير أن شيئًا من ذلك لم يحدث[29].
أما المجموعة الثانية، فقد عبَرَ أفرادُها جبال الألب عبر ممرّ القديس غوتارد (St. Gotthard). وبعد أن تكبّدوا مشاقَّ جسيمةً، انتهى بهم المسير إلى مدينة أنكونا (Ancona)، غير أن البحر لم ينشقَّ أمام صلواتهم كما تمنّوا، فتحرّكوا ببطء على امتداد الساحل حتى بلغوا برنديزي (Brindisi)، لكنَّ البحر لم ينشقّ هناك أيضًا[30].
النتائج والتداعيات
بعد أيامٍ قليلة من انتظار ستيفن ورفاقه انشقاقَ البحر بلا جدوى، تقدّمَ تاجران من مرسيليا يُدعَيان هيو الحديدي (Hugh the Iron) ووليام الخنزير (William the Pig)، فأعلنا -تمجيدًا للربّ كما زعما- استعدادهما لتوفير سُفُنٍ تُقِلُّهُم مجّانًا إلى الشرق، فاستجاب ستيفن للعرض، واستأجر التاجران 7 سفن أبحرت بمَن تبقّى من أفراد الحملة نحو المجهول[31].
بعد 18 عامًا، وصل إلى فرنسا عام 1230 أحد القساوسة العائدين من الشرق، حاملًا رواية مأساوية عن مصير أفراد الحملة، فقد كان -بحسب قوله- من بين الذين ركبوا السُّفُن السبع التي وفّرَها التاجران، وقد تحطّمت سفينتان قرب جزيرة سان بيترو (San Pietro Island) قبالة سردينيا (Sardinia)، فغرق جميع من كانوا عليهما، في حين واصلت السفن الخمس الأخرى الإبحار حتى وقعت في قبضة أسطول عربيّ، بعد أن أبرم التاجران اتّفاقًا مُسبقًا مع قادته لبيعهم في أسواق الرقيق، فبِيعوا في بجاية في الجزائر، ومصر، وبغداد. أما القسّ الراوي، فقد أُفرِج عنه بعد أعوامٍ وعاد إلى فرنسا، حيث أخبر الأهالي بما يعرفه، ثم اختفى في ظروف غامضة. تشير روايات لاحقة إلى أن التاجرَيْن تورّطا في محاولةٍ لاختطاف الإمبراطور فريدريك الثاني (Frederick II، 1194-1250، ملك صقلية بين عامَي 1198 و1250، وإمبرطور بين عامَي 1220 و1250) لصالح العرب، فقُبِض عليهما وشُنِقا[32]. مع ذلك، يبدو هنا أن قصة محاولة اختطاف فريدريك الثاني غير حقيقة، فمن المعروف أنه كانت تربطه بالمسلمين في صقلية، وكذلك في الدولة الأيوبية، علاقة صداقة قوية[33].
أما حملة نيقولا، فقد انتهت بمصيرٍ مأساويٍّ أيضًا، فحين خاب أمل الأطفال أمام بحر جنوة الذي لم ينشقّ كما تمنّوا، قَبِلَ بعضهم عرض سلطات المدينة فأقاموا فيها[34]، في حين واصل نيقولا وأتباعه المسير إلى بيزا (Pisa)، حيث وجدوا سفينتَيْن مُتجهتَيْن إلى فلسطين، فركب عددٌ منهم البحر إلى مصير مجهول، وأبحر آخرون من ميناء برنديزي إلى النهاية نفسها. ثم تابع نيقولا وأتباعه المسير إلى روما، فاستقبلهم البابا إنوسنت الثالث رافضًا الاعتراف بحملتهم، لكنه أشاد بتقواهم ودعاهم إلى العودة إلى ديارهم في الوقت الحالي، ثم الوفاء بنذرهم لاحقًا. وفي رحلة العودة، هلك كثيرون من شدّة الحرّ والجوع، في حين تفرّق آخرون بين المدن والقرى الإيطالية، ولم يَعُد منهم إلى موطنه إلا قلّة قليلة، ويُرجَّح أن نيقولا لم يكن بينهم. وقد أُعدِم والد نيقولا على يد الأهالي المفجوعين، بعد اتّهامه بتشجيع ابنه على القيام بالحملة[35].
رأى مؤرّخو العصور الوسطى في تلك الحملة مغامرة طائشة قادها فتيان خُدِعوا بأوهام باطلة؛ تمرّدوا على والديهم، واستخفّوا بنصائح رجال الدين، وانطلقوا في حملة لم تحظَ بتفويضٍ من أي بابا. ومع ذلك، فقد غدت في الذاكرة الأوروبية من أكثر الحوادث الصليبية رسوخًا في الذاكرة، ولا سيما في الوعي الشعبي الحديث الذي رأى فيها رمزًا للبراءة المُضلَّلة والإيمان الساذج. وعلى الرغم من مآسيها، فقد استخلص البابا إنوسنت الثالث منها درسًا مهمًّا، إذ أدرك أن جذوة الحماسة الدينية لدى العامّة لم تنطفئ بعد، ما شجّعه على المضيّ في مساعيه لإطلاق الحملة الصليبية الخامسة (614-618هـ/ 1217-1221م)[36].
علاوة على ذلك، فإن القيمة الحقيقية لحملة الأطفال الصليبية لا تكمن في وقائعها المحدودة بقدر ما تتجسّد في الطاقة الرمزية والمعنوية التي حملتها عبر العصور الأوروبية اللاحقة، فهي، كما يصفها ديكسون، "مرآةٌ رأت فيها أوروبا ذاتها: تارةً طفلة مؤمنة، وتارةً ضحيةً لاندفاعها وسذاجتها". كذلك فإن تاريخ الحملة أصبح يُصنَّف ضمن ما يُعرف بالتاريخ المُتخيَّل (Imagined History)، أي ذلك النمط من التاريخ الذي يُعاد بناؤه من خلال الخيال الجمعي والذاكرة الثقافية أكثر مِمَّا يُستمَدّ من الوقائع والوثائق. ومن ثَمَّ، لا يمكن كتابة تاريخٍ موضوعيٍّ خالصٍ لتلك الحملة، لأن رواياتها الأصلية نفسها كُتبت في ظل تأثيرات الإيمان والأسطورة، ما يجعل كل محاولةٍ لتأريخها إعادةَ تأويلٍ جديد لمعناها ورمزيتها في الوعي الأوروبي[37].
المراجع
العربية
بالار، ميشيل. الحملات الصليبية والشرق اللاتيني من القرن الحادي عشر إلى القرن الرابع عشر. ترجمة بشير السباعي. القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2003.
بردج، أنتوني. تاريخ الحروب الصليبية. ترجمة أحمد غسان سبانو ونبيل الجيرودي. مراجعة سهيل زكار. دمشق: دار قتيبة للطباعة والنشر والتوزيع، 1985.
رانسيمان، ستيفن. تاريخ الحملات الصليبية. ترجمة نور الدين خليل. ط 2. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994.
طقوش، محمد سهيل. تاريخ الحروب الصليبية: حروب الفرنجة في المشرق (489-690هـ/ 1096-1291م). بيروت: دار النفائس، 2011.
عاشور، سعيد عبد الفتاح. الحركة الصليبية: صفحة مشرفة في تاريخ الجهاد الإسلامي في العصور الوسطى. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2019.
عبد القوي، زينب. الإنجليز والحروب الصليبية. القاهرة: عين للدرسات والبحوث، 1996.
العريان، إيمان عبد السلام علي. العلاقات الدبلوماسية بين الشرق والغرب في العصور الوسطى: دبلوماسية العلاقات بين فريدريك الثاني والأيوبيين: 1215-1250م/ 612-648هـ. دمشق: نور حوران للدراسات والنشر والتراث، 2020.
قاسم، قاسم عبده. ماهية الحروب الصليبية: الأيديولوجية، الدوافع، النتائج. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1990.
الأجنبية
Angold, Michael. The Fourth Crusade: Event and Context. Abingdon: Routledge, 2014.
Bird, Jessalynn Lea, Edward Peters & James M. Powell (eds.). Crusade and Christendom: Annotated Documents in Translation from Innocent III to the Fall of Acre, 1187–1291. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2014.
De Clari, Robert. The Conquest of Constantinople. Edgar Holmes McNeal (trans.). New York: Columbia University Press, 1996.
De Beauvais, VIncent. Vincentii Burgundi Bellovacensis Speculum quadruplex: naturale, doctrinale, morale, historiale. Graz: Akademische Druck- u. Verlagsanstalt, 1964.
De Trois-Fontaines, Alberic. Albrici monachi Triumfontium Chronicon. Paulus Scheffer-Boichorst (ed.). Monumenta Germaniae Historica 23 (MGH SS). Leipzig: Verlag Karl W. Hiersemann, 1925.
Dickson, Gary. The Children's Crusade: Medieval History, Modern Mythistory. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2007.
Gray, George Z. The Children's Crusade: an Episode of the 13th Century. New York: Hurd and Houghton, 1872.
Hosler, John D. The Siege of Acre, 1189–1191: Saladin, Richard the Lionheart, and the Battle That Decided the Third Crusade. New Haven: Yale University Press, 2018.
Murray, Alan V. (ed.). The Crusades: An Encyclopedia. Santa Barbara, CA: ABC-CLIO, 2006.
Nicolle, David. The Third Crusade 1191: Richard the Lionheart, Saladin and the Struggle for Jerusalem. Oxford: Osprey, 2006.
Paris, Matthew. monachi Sancti Albani, Chronica majora. Henry Richards Luard (ed.). London: Longman & Co., 1872-1880.
Raedts, Peter. "The Children's Crusade of 1212." Journal of Medieval History. vol. 3, issue 4 (1977). pp. 279-323.
Scheck, Raffael. “Did the Children’s Crusade of 1212 Really Consist of Children? Problems of Writing Childhood History.” The Journal of Psychohistory. vol. 16, issue 2 (1988). pp. 176-182.
Slack, Corliss Konwiser. Historical Dictionary of the Crusades. Lanham: The Scarecrow Press, 2003.
Strayer, Joseph R. (ed.). Dictionary of the Middle Ages: interim index. New York: Charles Scribner's Sons, 1984.
[1] للاطلاع على نماذج من المراسيم البابوية الصادرة بخصوص ذلك، يُنظر:
Jessalynn Lea Bird, Edward Peters & James M. Powell (eds.), Crusade and Christendom: Annotated Documents in Translation from Innocent III to the Fall of Acre, 1187–1291 (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2014), pp. 5-9, 31-37.
[2] سعيد عبد الفتاح عاشور، الحركة الصليبية: صفحة مشرفة في تاريخ الجهاد الإسلامي في العصور الوسطى، ج 2 (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2019)، ص 111-159؛ زينب عبد القوي، الإنجليز والحروب الصليبية (القاهرة: عين للدرسات والبحوث، 1996)، ص 89-144؛ للمزيد عن الحملة الصليبية الثالثة، يُنظر:
David Nicolle, The Third Crusade 1191: Richard the Lionheart, Saladin and the Struggle for Jerusalem (Oxford: Osprey, 2006); John D. Hosler, The Siege of Acre, 1189–1191: Saladin, Richard the Lionheart, and the Battle That Decided the Third Crusade (New Haven: Yale University Press, 2018).
[3] عاشور، ص 183-191؛ للمزيد عن الحملة الصليبية الرابعة، يُنظر:
Robert de Clari, The Conquest of Constantinople, Edgar Holmes McNeal (trans.) (New York: Columbia University Press, 1996), 30-128; Michael Angold, The Fourth Crusade: Event and Context (Abingdon: Routledge, 2014), 1-109.
[4] ميشيل بالار، الحملات الصليبية والشرق اللاتيني من القرن الحادي عشر إلى القرن الرابع عشر، ترجمة بشير السباعي (القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2003)، ص 219.
[5] Gary Dickson, The Children's Crusade: Medieval History, Modern Mythistory (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2007), pp. 31-33.
[6] Ibid., pp. 14, 20-21.
[7] Ibid., pp. 123-127, 146-147.
[8] للمزيد بشأن ذلك، يُنظر:
Frederick H. Russell, "Crusade, Children's," in: Joseph R. Strayer (ed.), Dictionary of the Middle Ages: interim index, vol. 4 (New York: Charles Scribner's Sons, 1984), p. 15; Peter Raedts, "The Children's Crusade of 1212," Journal of Medieval History, vol. 3, issue 4 (1977), pp. 279-323; Dickson, pp. 17, 33-35.
[9] Dickson, pp. 127-130.
[10] Raedts, pp. 279-323.
[11] Alberic de Trois-Fontaines, Albrici monachi Triumfontium Chronicon, Paulus Scheffer-Boichorst (ed.), Monumenta Germaniae Historica 23 (MGH SS) (Leipzig: Verlag Karl W. Hiersemann, 1925), pp. 631-950.
[12] يُنظر:
Matthew Paris, monachi Sancti Albani, Chronica majora, Henry Richards Luard (ed.) (London: Longman & Co., 1872-1880).
[13] يُنظر:
VIncent de Beauvais, Vincentii Burgundi Bellovacensis Speculum quadruplex: naturale, doctrinale, morale, historiale (Graz: Akademische Druck- u. Verlagsanstalt, 1964).
[14] Dickson, pp. 131-157.
[15] Corliss Konwiser Slack, Historical Dictionary of the Crusades (Lanham: The Scarecrow Press, 2003), p. 64.
[16] أنتوني بردج، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة أحمد غسان سبانو ونبيل الجيرودي، مراجعة سهيل زكار (دمشق: دار قتيبة للطباعة والنشر والتوزيع، 1985)، ص 268؛ قاسم عبده قاسم، ماهية الحروب الصليبية: الأيديولوجية، الدوافع، النتائج (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1990)، ص 123.
[17] ستيفن رانسيمان، تاريخ الحملات الصليبية، ترجمة نور الدين خليل، ج 3، ط 2 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994)، ص 186؛ عاشور، ص 203.
[18] رانسيمان، ص 186.
[19] بردج، ص 269؛
Dickson, p. 71.
[20] عاشور، ص 203.
[21] رانسيمان، ص 186.
[22] George Z. Gray, The Children's Crusade: an Episode of the 13th Century (New York: Hurd and Houghton, 1872), p. 56.
[23] محمد سهيل طقوش، تاريخ الحروب الصليبية: حروب الفرنجة في المشرق (489-690هـ/ 1096-1291م) (بيروت: دار النفائس، 2011)، ص 565؛ عاشور، ص 204.
[24] رانسيمان، ص 188؛
Gray, pp. 65-66.
[25] رانسيمان، ص 187.
[26] المرجع نفسه.
[27] طقوش، ص 564؛
Raffael Scheck, “Did the Children’s Crusade of 1212 Really Consist of Children? Problems of Writing Childhood History,” The Journal of Psychohistory, vol. 16, issue 2 (1988), pp. 176-182.
[28] بردج، ص 270.
[29] رانسيمان، ص 188؛
Gray, pp. 107-111.
[30] بردج، ص 271؛ رانسيمان، ص 189.
[31] رانسيمان، ص 187.
[32] بردج، ص 271-272؛ رانسيمان، ص 189-190.
[33] يُنظر: إيمان عبد السلام علي العريان، العلاقات الدبلوماسية بين الشرق والغرب في العصور الوسطى: دبلوماسية العلاقات بين فريدريك الثاني والأيوبيين: 1215-1250م/ 612-648هـ (دمشق: نور حوران للدراسات والنشر والتراث، 2020).
[34] Dickson, p. 100.
[35] بردج، ص 270-271؛ رانسيمان، ص 188-189؛
Russell, p. 14.
[36] Alan V. Murray (ed.), The Crusades: An Encyclopedia, vol. 2 (Santa Barbara, CA: ABC-CLIO, 2006), pp. 243-244; Dickson, p. 114.
[37] Dickson, pp. 204-205.