قصص الأطفال عبارة تجمع بين مكوّنين هما – في حال الإفراد - القصة والطفل، فأمّا القصة، فهي سرد لحدث أو مجموعة أحداث خيالية أو مخيّلة، ينتظمها منطقٌ سَببيٌّ ما، إما على نحو خطّي، وإما على نحو فيه تداخل وتقديم وتأخير وسوابق ولواحق، وتؤديها شخصية أو شخصيات بشرية أو حيوانية، تتفاوت أدوارها في الحجم والأهمية، وينتظمها خطاب قصصي فيه سرد ووصف وحوار، يخضع لرؤية ومنطق ويهدف إلى المتعة والإفادة. وأما الطفل، فهو صغير الإنسان أو الإنسان الصّغير، الذي يمتد عمره بين الولادة والبلوغ، وهي سن يكون فيها محتاجًا إلى معرفة تواكب أحواله النفسية وتدارس تطورها، وإلى تربية توجهه الوجهة السليمة بوساطة التعليم والتأهيل، فقصص الأطفال هي حينئذ، القصص التي تخضع لهذا المعيار وتتجه هذه الوجهة وتحقق هذه الغاية.
القصة جنس أدبي
قصص الأطفال فرع من فن القص بشكل عام، غير أنها تختص بالأطفال حصرًا. وتشير عبارة "الأطفال" الواردة في العنوان، إلى الشريحة العمرية التي تمتد من سن الولادة حتى سن الثامنة عشرة، وأحيانًا وفي بعض المجتمعات إلى سن السادسة عشرة.
القصة هي ابتكار إنساني فريد ووظيفي في الآن نفسه. وتشير عبارة "القصة" إلى فن القص، وهو كلام ينقل خبرًا ما، يتداول ويتناقل، في قالب حكائي جذاب، ويتوفر بالضرورة على جمالية فنية، تتيحها طريقة بناء أحداث الموضوع، وأسلوب إخراجه اللغوي، ولذلك، فإن القصة هي إبداع إنساني يختلف عن باقي الإبداعات الأدبية. ومن ناحية أخرى، فإن القصة تؤدي كثيرًا من الوظائف، أشهرها الإمتاع والمؤانسة أو التسلية والترفيه، ولكنها كذلك قد تكون أداة للوعظ والتربية وتهذيب النفس، ونقل الخبرة والحكمة في الحياة. وقد ذكر القرآن الكريم ذلك صراحة في قوله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (يوسف: 111).
والقصة هي كلام مكتوب، بأسلوب نثري، في حين أنه عندما يكون شفويًا يصير حكاية {{الحكاية: مصطلح يُستخدم غالبًا بمعنى القصّة البسيطة التي تُروى شفويًّا، وذلك ما نجده في حكايات الجدّات للأطفال مثلًا. كما استُخدم المصطلح نفسه في ما سُمّي "الحكاية المَثَليّة"، وهي قصّة بسيطة في مستوى الخطاب القصصي، يكون أبطالها عادة من عالم الحيوان ويكون لها ظاهر وباطن.}}. وتغلب على نص القصة الصفة الخيالية، ولذلك يقول محمد يوسف نجم (1925-2009) "والقصة حوادث يخترعها الخيال، وهي بهذا لا تعرض لنا الواقع، كما تعرضه كتب التاريخ والسير، وإنما تبسط أمامنا صورة مموهة منه. ولا يُفرض في الكاتب، الذي يتجه اتجاهًا واقعيًا في قصته، أن يعرض علينا من الحوادث ما سبق وقوعه فعلًا، أو ما ثبتت صحته بالوثائق والمستندات، ولا من الشخصيات ما له ذكر في سجل المواليد والوفيات، ولكن عليه أن يقنعنا بإمكان حدوث مثل هذه الحوادث، ووجود مثل هذه الشخصيات، في الحياة التي نحياها ونعرفها"[1].
وُلدت القصة في تاريخ البشرية مع الحاجة إليها، والحاجة إلى القصة تتراوح بين الترفيه والإخبار. هذه الولادة لم تكن بعيدة عن ولادة أجناس أدبية أخرى قريبة من القصة، مثل الخرافة، والحكاية، والمسامرة، والسيرة، والشعر، والرواية، والمسرحية، وغيرها. ولذلك، فمن الصعوبة تحديد مكان وزمان مُحددَيْن لظهور القصة، لكن، إذا رُبِطت ظاهرة القصة بالكتابة، كان ذلك مؤشرًا مهمًا للقول بأن تاريخ بداية القصة هو زمن حديث نسبيًا في تاريخ البشرية، إذ حملت النقوش المكتوبة كثيرًا من القصص البابلية، والفرعونية، والصينية، وغيرها.
وتتميز القصة بعناصر أساسية ثلاثة، هي: طريقة روايتها، وثبات موضوعها النسبي، وطابعها الخيالي[2].
وتتكون القصة من مجموعة من العناصر، تتعلق بشكل بنائها الهندسي أو بنيتها، ومن عناصر أخرى تتعلق بمواد البناء نفسها، أي المضمون والمحتوى. ففي العنصر الأول، تقوم القصة على الأسلوب القصصي الروائي، وهو القائم على اللغة السردية وفن الحكي والتشويق، وتقنيات الوصف والمبالغة والإثراء، والتزيين والتطريز، والحوار والمفاجأة وإثارة العواطف وتهييجها والتحكم بها والتخييل، حتى قيل إن "خطاب القصة يسكن اللاواقعي، حيث يتقاسم الفضاء الرمزي نفسه مع الأسطورة والملحمة والخرافة"[3].
وفي العنصر الثاني، تقوم القصة وجوبًا على موضوع عام، هو فكرتها الأساسية، وإطارها الموحد لجميع عناصرها، وهو ما نسميه عادة المضمون. كذلك تتكون من الأحداث، بعدِّها التسلسل الذي يتخذه تطور ذلك الموضوع العام من البداية إلى النهاية، ثم الشخصيات، وهي العناصر- البشرية أو الحيوانية -، المتحركة والفاعلة في الأحداث أو المنفعلة بها، ومنها الشخصيات الرئيسة والشخصيات الثانوية.
[الشكل 1]
القصة في البنية والمضمون
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ويوجد في النقد الأدبي فرع يتجه إلى دراسة القصة، وفيه نظريات قديمة وحديثة[4]، وهي متعددة تعالج في معظمها فنيات البناء، وأشكال تطوير القصة، والعلاقة الإشكالية بين القصة والمتلقي، وظاهرة القصة الرقمية، والقصة والأجناس الأدبية الأخرى، وغيرها من المسائل التي يشتغل عليها المتخصصون والباحثون الأكاديميون في الغالب.
قصة الأطفال: الوظيفة الفنية
تنسحب مجموع هذه الملاحظات العامة عن القصة، على قصص الأطفال، ورغم غلبة الطابع الخيالي كما أشير بشكل عام على فن القصة، فإن الخيال يكون أبرز في كثير من قصص الأطفال تحديدًا، غير أن القول بأن قصص الأطفال كلها خيالية، أو ذات بناء خيالي كليًا، هو ضرب من المبالغة وسوء التقدير، إذ تقترب قصص الأطفال أحيانًا من الواقع الاجتماعي والأسري للطفل، وتقترب في أحيان أخرى من الواقع العلمي والتقني الذي يحدثه العلماء، أو الواقع التاريخي والحضاري للشعوب، فيكون نصيب الخيال في هذا النوع من القصص محدودًا. وفي المقابل، قد تجنح قصص الأطفال في أحيان كثيرة، وتطير عاليًا في سماء الخيال، وتصير من عالم العجيب والغريب، أو عالم الخيال العلمي والمغامرات الخيالية الخالصة. وفي هذه الأحوال جميعها، فإن القصة الناجحة للأطفال، يمكن أن تغير أي متلق، نتيجة قدرتها السحرية على التأثير في فكره وفي وجدانه واتجاهات شخصيته. ولقد قال الأستاذ والأديب الإنكليزي فرانسيس سيبيفوردر (Francis spufford، 1964-)، في كتابه: "الطفل الذي بنته الكتب؛ حياة في القراءة"، جملة رائعة يقول فيها: "نستطيع أن نتذكر القراءات التي أحدثت فينا تحولات، لقد كانت هناك أوقات، وقع فيها كتاب معين داخل عقولنا، وهي على استعداد تام له، شأنه شأن محلول شديد الإشباع، وفجأة تغيرنا"[5].
وهكذا، فإنه يُعثَر في مكتبة قصص الأطفال على تصنيفات كثيرة لهذه القصص، إما بحسب غرضها الأدبي، وإما بحسب طبيعتها الفنية. ففي التصنيف الأول، يُعثَر على القصص ذات الموضوع التاريخي، فهي قصص تاريخية، والقصص ذات الموضوع العلمي، فهي قصص علمية، وذات الموضوع الديني، فهي قصص دينية، وذات الموضوع الفلسفي فهي قصص فلسفية، وذات الموضوع العاطفي، فهي قصص عاطفية (رغم أن مصطلح العاطفي هنا قد يبدو مثيرًا للجدل)، وذات الموضوع الاجتماعي، وذات الموضوع التعليمي، وذات الموضوع البيئي، وذات الموضوع المستقبلي، وذات الموضوع الأسري، وغيرها.
وفي التصنيف الثاني الخاص بالطبيعة الفنية، يعثر على قصص تصنف إلى قصص المغامرات، وأخرى تصنف إلى قصص البطولة، وأخرى تصنف إلى قصص الجن والعفاريت، وأخرى إلى قصص الحب والعاطفة، وأخرى إلى قصص الرحلة، وغيرها[6].
الشروط العامة لها
حينما بدأ توفيق الحكيم (1898-1987) يكتب في آخر أيامه للأطفال، صرح بأن الكتابة للأطفال شأن أصعب من الكتابة للكبار، وذلك بسبب أن من يريد الكتابة للأطفال، عليه أن يجالسهم بخياله، ويتصور في ذهنه حاجاتهم النفسية بدقة، ويرتقي إلى منزلتهم الخاصة تلك، حتى ينجح في مخاطبتهم سرديًا، وهي مهمة غير ممكنة دائمًا، في حين أنّ الكتابة للكبار ليست بتلك الصعوبة، لأنك تخاطب جمهورًا هو في سنك نفسه ، ومن تفكيرك ذاته، ومزاجك النفسي، ولذلك، فليس من الصعوبة تخيل شخصيات قصص الكبار، وتخيل أدوارها، وطبيعة نسيجها النفسي، والفكري، والاجتماعي، في حين يكون ذلك مختلفًا حينما يراد الكتابة للأطفال[7]. و"تتميز قصة الأطفال عن قصة الكبار في عناصرها التكوينية الثلاثة: الفكرة والبناء والأسلوب. ورغم الأهمية المتساوية لهذه العناصر الثلاثة من الزاوية النقدية، فإننا نجد بعض النقاد يشددون على مسألة الأسلوب قبل غيره، باعتباره المدخل إلى الفكرة والبناء. بمعنى أن القارئ إذا لم يستسغ الأسلوب أولًا، فإنه سوف يطوي الكتاب، ولن يبحث بعد ذلك عن الفكرة وعن البناء، في حين في الحال المعاكسة، سوف يتعلق بالكتاب ويغوص فيه مستمتعًا بفكرته وبنائه"[8].
لكتابة قصة للأطفال، يضع الكتاب جملة من الضوابط الأساسية، يُخضعون كتابتهم لها وليس العكس، وهي شروط تكاد تكون كونية، ومشتركة بين كُتّاب الأطفال في العالم جميعهم، إذ توجد عند لويس كارول (Lewis Carroll، 1832-1892) في قصة أليس في بلاد العجائب، وروبرت لويس ستيڤنسون (Robert Louis Stevenson، 1850-1894) في جزيرة الكنز، وكارلو كولودي (Carlo Collodi، 1826-1890) في مغامرات بينوكيو (1883)، وفرانك بوم (Frank Baum، 1856-1919) في ساحر أوز العجيب (1900)، وأستريد ليندجرن (Astrid Lindggren، 1907-2002) في رونيا ابنة قاطع الطريق (1981)، وأنطوان دو سانت - إكزوبيري (Antoine de Saint-Exupéry، 1900-1944) في الأمير الصغير (1943)، وفيليب بولمان (Philip Pullman، 1946-) في أضواء الشمال (1995)، وجي. كي. رولينغ (J. K. Rowling، 1965-) في هاري بوتر وحجر الفيلسوف (1997)، وديانا وين جونز (Diana Wynne Jones، 1934-2011) في قلعة هاول المتحركة (1986)، سي. إس. لويس (Lewis C. S.، 1898-1963) في الأسد والساحرة وخزانة الملابس (1995)، وجيسكا لوڤ (Jessica Love، 1978-) في جوليان حورية البحر (2018)، و مايك نيكول (Mike Nicol، 1951-) في نوع من البرق (2020)، وسوزي لي (Suzy Lee، 1974-) في موجة (2008)، وغيرها. وهذه الشروط تنقسم إلى نوعين: شروط خارجية وشروط داخلية.
الشروط الداخلية
من ناحية البناء، تقتضي قصة الطفل التدرج في عرض الحكاية، إذ لا بد لها من وضع تمهيدي في البداية، ثم وضع تتأزم فيه الأحداث وتبلغ أشدها، ووضع تنفرج فيه الأمور ويتضح الحل. ومن ناحية اللغة، ينبغي أن تكون لغة القصة في الآن نفسه ثرية وواضحة، تحتوي على معجم متنوع وجديد، وبه نعوت وأدوات وصف تزيد في معجم القارئ، وفي الآن نفسه يمكن فهمها في إطار سياقاتها. ومن ناحية التنشيط الداخلي، فمعظم قصص الأطفال الناجحة تقوم على الحوار النشط التقابلي، وأحيانًا الحوارات الذاتية بين الشخصية وباطنها النفسي، أو ضميرها أو وجدانها، ما يضفي على إيقاع الأحداث كثيرًا من الجمالية الفنية. ومن ناحية الشخصيات، تفترض قصص الأطفال أن تكون شخصيات محببة وذكية، وذات تسميات خاصة وقابلة للحفظ والتذكر، حتى وإن كانت شخصيات خيالية تمامًا، أو حيوانات أو من كواكب خارجية، لأن القارئ الصغير في كثير من الأحيان، يتخيل الشخصيات كما لو أنها في قلب مسرحية تعرض أمامه، قريبة منه تحدثه، أو هو على الأقل يسمع حديثها من قريب، ويتفاعل معها، ولا سيما شخصيات الأبطال والمنقذين والضحايا، ورعاة العالم وحماة الحيوانات. وفي الشروط الداخلية كذلك، ينبغي أن تراعي القصة المستوى النمائي للطفل الذي تخاطبه، سواء النمو النفسي أم الذهني أم العاطفي أم الاجتماعي أم اللغوي، فعدم التناسب بين مستوى القصة ومستوى النمو لدى الطفل، يخلق كثيرًا من عسر الهضم، وقد يؤدي إلى نفور سريع ورفض يتطور مع الأيام.
الشروط الخارجية
إذا استوى النص وبقيت مسألة إخراجه {{إخراج النص: أسلوب تجسيم المتن الكتابي لقصّة الطّفل وإخراجه في شكل جذّاب من شأنه أولًا أن يُشخّص الحكاية على نحو بليغ وثانيًا أن يُرغّب الأطفال في اقتنائها وقراءتها انطلاقًا من جاذبيّة الإخراج.}}، فمعظم كتاب الأطفال يفكرون في الأمور التالية: رسام ماهر يعطي مشهدًا بصريًا جيدًا للنص المصاحب، وتنسيقًا جيدًا للنص، حتى يتوزع على عدد مناسب من الصفحات، ثم بعد ذلك غلاف خارجي جذاب وملون، ومتناسب مع الميول والموضات الفنية للشريحة الطفولية المقصودة بالكتاب، وأخيرًا طباعة فاخرة على ورق مناسب.
قصص اليافعين
اليافعون هم الشريحة العمرية التي تبدأ في الغالب من سن الخامسة عشرة حتى سن الشباب، وهي فئة تختلف نمائيًا عن مراحل الطفولة السابقة لها. وحتى اليافعون أنفسهم يختلفون كلما زادوا تقدمًا في السن، فما يروق لطفل في الخامسة عشرة قد لا يروق لطفل في الثامنة عشرة. وبالعموم، فإن معظم نصوص اليافعين تقوم على فن المغامرة والألغاز، والحكايات الغرامية ذات الانفعالية الحساسة، الشبيهة بمشاعر هذه الفئة المتحسسة لفهم ذاتها.
ويختلف طول قصة اليافعين عن طول قصة الأطفال كثيرًا، كذلك تختلف بعض الشروط الفنية، مثل أن قصص اليافعين لا تحتاج ضرورة إلى الرسومات المصاحبة، لأنها في أقصى الحالات تحتاج إلى بعض "الاسكتشات" التقريبية لا أكثر. كذلك فإن شخصيات قصص اليافعين لم تعد تلك التي تشبه شخصيات الرسوم المتحركة، لأنها صارت أكثر واقعية وأكثر نضجًا.
وقد اشتهر في العالم بعض الكتاب بتفوقهم في قصص اليافعين، مثل الأديب الفرنسي الذائع الصيت جول ڤيرن (Jules Verne، 1828-1905) صاحب التحف الفنية حول العالم في ثمانين يومًا، والجزيرة الغامضة، ومن الأرض إلى القمر، أو الكاتب دانيال ديفو (Daniel Defoe، 1660-1731) صاحب القصة الرائعة روبنسون كروزو، أو النرويجي جوستاين غاردر (Jostein Gaarder، 1952-) ، صاحب الروايات الشهيرة عالم صوفي وسر الصبر، وغيرهم في العالم كثير.
قصص الأطفال ومجلاتهم
لمجلات الأطفال دور كبير في نشر قصص الأطفال، وغالبًا ما تكون قصص الأطفال التي تنشرها تلك المجلات هي القصص المسلسلة والمصورة، كذلك فإنها تنشر قصص الأطفال الكاملة في أعدادها المختلفة.
ولمجلات الأطفال ولا سيما في الوطن العربي فضل كبير في ظهور كثير من القصاصين العباقرة للأطفال، إذ بدأ بعضهم هاويًا متدربًا في بداياته، فصار بعد مدة محترفًا وخبيرًا في مجال الكتابة القصصية للأطفال، بعد أن تُشهره المجلة، وتصنع له جمهورًا من المتابعين الشغوفين من الأطفال.
ولأن عدد مجلات الطفولة العربية كبير، فسوف يُكتفى بذكر عينة عشوائية اشتهرت، وذاع صيت بعضها وصيت كُتابها: هي مجلة الأولاد المصرية، التي يعود ظهور أول أعدادها إلى عام 1922، ومجلة الأطفال المصرية، التي تعود إلى عام 1926، ومجلة جنة الأطفال العراقية التي تعود إلى عام 1952، ومجلة الجيل السودانية التي تعود إلى عام 1975، والجيل الجديد السعودية التي تعود إلى عام 1991، ومجلة افتح يا سمسم الكويتية التي تعود إلى عام 1980، ومجلة حاتم الأردنية التي تعود إلى عام 1998، ومجلة الحياة للأطفال الفلسطينية التي تعود إلى عام 1990، ومجلة الرياض التونسية التي تعود إلى عام 1988، ومجلة سنابل الأطفال المصرية التي تعود إلى عام 1998، ومجلة سناء الليبية التي تعود إلى عام 1980، ومجلة شهلول التونسية التي تعود إلى عام 1968، ومجلة صوت العصافير الإماراتية التي تعود إلى عام 1998، ومجلتا طارق وطرزان اللبنانيتان اللتان تعودان إلى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ومجلة طفولة اليمنية التي تعود إلى عام 1993، ومجلة العربي الصغير الكويتية ذائعة الصيت، التي بدأت أول إصداراتها عام 1986، ومجلة عرفان التونسية التي بدأت عام 1966، وقوس قزح التونسية في عام 1984، ولعل أشهر هذه المجلات اليوم هي مجلة ماجد الإماراتية، التي ظهرت أول مرة عام 1979، بفضل ما لها من قدرات عظيمة في التوزيع.
القصة الرقمية للأطفال
ظاهرة القصة الرقمية هي عملاق أدبي يزحف نحونا ببطء، إذ قبل زمن قصير، لم يكن أحد يتحدث عن القصص الرقمية، ولم يدر بالخيال الواسع أن يبدأ نفوذ القصة الورقية يتراجع بسرعة كبيرة، لصالح هذا النوع الجديد من القصص الإلكترونية أو الشبكية، أو كما استقر الرأي على تسميتها بـالقصة الرقمية.
والقصة الرقمية للأطفال، هي في الأصل نص مكتوب مثله مثل نص القصة الورقية تمامًا، لكن الفرق الأساسي هو أنه منشور في الفضاء الإلكتروني، ومتاح على شبكة الإنترنت، سواء بشكل مجاني أم بشكل مدفوع المقابل.
وشروط القصة الرقمية هي تقريبًا شروط القصة الورقية نفسها، غير أن طريقة إخراجها للقارئ تختلف، كذلك فإن طريقة تنشيطها بالصور والرسومات المصاحبة تختلف أيضًا عن الورقي. والآن، وبفضل الذكاء الاصطناعي، لم يعد من الصعوبة على بعض البرامج أن تأخذ محل الكاتب، والرسام والمنسق، وتقدم قصصًا عجيبة وغريبة، بل هي قادرة على تنشيطها بالموسيقى والفيديو والواقع المعزز، وثلاثي الأبعاد، حتى إنها قد تختلط عليك، فلا تعرف سبيل التمييز بينها وبين لعبة رقمية.
مستقبل قصص الأطفال
يبدو العالم في تغير سريع، ولا سيّما في صناعة قصص الأطفال، فالطباعة، حاليًا، بلغت في بعض الدول المتقدمة من الدقة والاحترافية ما يذهل العقول حقًا، والرسومات الرقمية فاقت الحدود كلها، وجودة الغلاف باتت جذابة جدًا لاهتمامات الصغار والكبار. هذا هو عالم قصص الأطفال اليوم، فلقد صار صناعة مربحة تستثمر فيه الشركات الكبرى أموالًا ضخمة، ذلك لأن "كتب الأطفال تمثل الآن أكثر مجالات الطباعة ربحًا، ووسائل الإعلام التقليدية والحديثة تجعل من القراء الصغار السوق الأولى للكتابة التخييلية"[9].
غير أن مستقبل هذه الصناعة يظل مجهولًا، ولا يمكن التنبؤ به على وجه الدقة، وذلك لأن عالمَي الرقمي والذكاء الاصطناعي، لم يكشفا عن إمكانيتهما جميعها بعد. هل سيظل ما يمكن تسميته بـكاتب الأطفال موجودًا في ظل هذه التطبيقات الذكية، القادرة على الإتيان بالعجب العجاب من النصوص والأفكار؟ وهل سيظل ما يمكن تسميته بالناشر لقصص الأطفال موجودًا، في ظل هذا الانفتاح العجيب في العالم الشبكي الواسع، الذي يتيح كل شيء للجميع في أركان الأرض الأربعة؟
يبدو التأمُّل في مستقبل صناعة قصص الأطفال صعبًا وغير يقيني، ولكن الأكيد أنّ ثمّة شيئين على الأقل سوف يظلان دائمًا وأبدًا: الأطفال الشغوفين بقراءة القصص الجميلة، والخيال المبدع الذي لن يكف عن إنتاج تلك القصص الرائعة العظيمة.
المراجع
العربية
حجلاوي، لطفي. نصوص بلا حراسة؛ تشريح لسقطات النصوص غير اليقظة في سرديات الطفل. تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2022.
ليرر، سيث. أدب الأطفال: من إيسوب إلى هاري بوتر. ترجمة ملكة أبيض. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2010.
نجم، محمد يوسف. فن القصة. ط 7. بيروت: دار الثقافة، 1979.
الأجنبية
Bricout, Bernadette. Conte. In : Encyclopaedia UNIVERSALIS. vol. 6. Paris, 2008.
Spufford, Francis. The Child That Books Built: A Life In Reading. London: Faber & Faber, 2002.
Valette, Bernard. Le Roman. 2nde. Paris: Armand Colin, 2011.
[1] محمد يوسف نجم، فن القصة، ط 7 (بيروت: دار الثقافة، 1979)، ص 10-11.
[2] Bernadette Bricout, Conte, Encyclopaedia UNIVERSALIS, Tome 6 (Paris: 2008), p. 709.
[3] Bernard Valette, Le roman, 2nde éd. (Paris: Armand Colin, 2011), p. 7.
[4] Ibid., p. 22.
[5] Francis Spufford, The Child That Books Built: A life in Reading (London: Faber & Faber, 2002), p. 9.
[6] لطفي حجلاوي، نصوص بلا حراسة؛ تشريح لسقطات النصوص غير اليقظة في سرديات الطفل (تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2022)، ص 77-84.
[7] داليا عاصم، "توفيق الحكيم كاتبًا للأطفال، حكايات سجلها بصوته على شرائط كاسيت في السبعينات"، الشرق الأوسط، 2/1/2017، شوهد في6/9/2025، في: https://acr.ps/1L9F2Ls
[8] حجلاوي، ص 76.
[9] سيث ليرر، أدب الأطفال: من إيسوب إلى هاري بوتر، ترجمة ملكة أبيض (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2010)، ص 15.