الموجز
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
العمل الخيري هو الجهد الاجتماعي غير الربحي الذي يروم تحقيق مصلحة عامة وأغراض إنسانية، أو دينية، أو علمية، أو صناعية، أو اقتصادية، بوسيلة جمع التبرعات وصرفها في أوجه الأعمال الخيرية. ويأخذ العمل الخيري أشكال الإغاثة، والمؤسسات الأهلية، والمنظمات الخاصة والعامة، التي تهدف إلى تعزيز العدالة الاجتماعية، وتحقيق التنمية المستدامة، من خلال تقديم الدعم المالي، والمادي، والمعنوي، للفئات المجتمعية المعوزة. وهو يُعدّ بذلك أداةً رئيسة لتمكين الأفراد والمجتمعات، وتحفيز التغيير الاجتماعي، ودعم المشاريع التي تسهم في التنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، والازدهار الجماعي. وقد أسهم دمج التقنيات الرقمية في الممارسات الخيرية إلى إحداث تحولٍ عميق في العمل الخيري، من خلال توسيع إمكانيات التبرعات الخيرية، وإشراك المانحين، والاستراتيجيات الجديدة لجمع التبرعات من خلال الابتكار التكنولوجي.
تعريفه
يُعرّف العمل الخيري بأنه "عمل يشترك فيه جماعة من الناس لتحقيق مصلحة عامة وأغراض إنسانية، أو دينية، أو علمية، أو صناعية، أو اقتصادية، بوسيلة جمع التبرعات وصرفها في أوجه الأعمال الخيرية، بقصد نشاط اجتماعي، أو ثقافي، أو إغاثي بطرق الرعاية، أو المعاونة ماديًا، أو معنويًا داخل الدولة وخارجها، من غير قصد الربح لمؤسسيها، سواء سُمي إغاثة، أو جمعية، أو مؤسسة أهلية، أو هيئة، أو منظمة خاصة أو عامة"[1]. ويتمثّل بذلك العمل الخيري في "المجهود الذي يبذله فرد أو جماعة أو مؤسسة، لمساعدة الآخرين المحتاجين، من دون أن ينتظر مقابلًا ماديًا عمّا يقدمه أو يبذله. وقد يكون العمل الخيري أمرًا واجبًا، كما هي الحال في الزكاة المفروضة في المال، وقد يكون أمرًا تطوعيًا، كالصدقات المستحبة، والأوقاف، والمساعدات الأخرى المختلفة"[2]. ويجري أيضًا تعريف العمل الخيري بوصفه نشاطًا يهدف إلى تعزيز العدالة الاجتماعية، وتحقيق التنمية، من خلال تقديم الدعم المالي، والمادي، والمعنوي، للمجتمع[3]. وبتعبير آخر، لا يُنظر إلى العمل الخيري بوصفه مجرد عملية تقديم أموال، بل بوصفه وسيلة أساسية لدعم حياة الأفراد وتحسينها، من خلال معالجة قضايا اجتماعية وإنسانية كبرى، مثل الفقر، والتعليم، والصحة. وبذلك يُعدّ العمل الخيري أداة رئيسة لتمكين الأفراد والمجتمعات، وتحفيز التغيير الاجتماعي، ودعم المشاريع التي تسهم في التنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، والازدهار الجماعي[4].
جذوره
للعمل الخيري جذور تاريخية عميقة، بوصفه جانبًا أساسيًا للسلوك الاجتماعي البشري، ويستند إلى التقاليد الأخلاقية والدينية والثقافية. وبذلك يمثّل عنصرًا مركزيًا في جميع الأديان، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالممارسات الدينية. ففي اللاهوت المسيحي، يجري تعريفه بأنه محبة الإنسان لقريبه، وبأنها إحدى الفضائل اللاهوتية الثلاث، إلى جانب الإيمان، والأمل، بل إنّ توما الأكويني يعدُّها الشكل الأسمى لجميع الفضائل اللاهوتية[5]. وعلى نحوٍ مماثل، يُعدّ العمل الخيري ركيزة أساسية في الدين الإسلامي وفي أشكال تديّنه. فالقرآن الكريم يدعو إلى العمل الخيري وفعل الخيرات في العديد من المواضع، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج: 77). بل إنّ الإسلام جعل العمل الخيري، والعطاء بلا مقابل، وتحقيق السلم الأهلي، مقصدًا عامًا من مقاصد الشريعة[6]، وجعل له روافد عديدة، من زكاة، وصدقة، ووقف.
ومن منظور فلسفي، يُرى العمل الخيري بوصفه فضيلة متجذّرًا على نطاق واسع في الأعمال الفلسفية. ففي كتابه الأخلاق النيقوماخية، يدرس أرسطو الكرم باعتباره حلًا وسطًا بين الإسراف والجشع، ويؤسّس الأسس الفلسفية للصدقة ضمن أخلاق الفضيلة[7]. كذلك كان فلاسفة عصر التنوير، مثل إيمانويل كانط، ينظرون إلى الصدقة باعتبارها التزامًا أخلاقيًا متجذرًا في الواجب، وليس بوصفها إحسانًا عاطفيًا فحسب، مؤكّدين أنّ مساعدة الآخرين تنبع من المبادئ الأخلاقية للقانون الكوني والكرامة الإنسانية[8]. وفي كتابه نظرية المشاعر الأخلاقية، يؤكد آدم سميث أن البشر يمتلكون تعاطفًا طبيعيًا مع الآخرين، ما يحفّز العمل الخيري[9].
وفي العصر الحديث، أدى صعود العمل الخيري في القرنين التاسع عشر والعشرين إلى تحويل العمل الخيري إلى مؤسسة منهجية تهدف إلى حل المشاكل الاجتماعية واسعة النطاق، وأصبح بذلك يكتسي سمة مؤسسية من خلال المنظمات غير الربحية، والمؤسسات، والبرامج الحكومية. وتنامى العمل الخيري أيضًا في الخطاب المعاصر، وتزايدت دراسته في سياق العدالة الاجتماعية، وعدم المساواة الاقتصادية، والتنمية المستدامة[10].
أدواره
تؤدي المؤسسات الخيرية مجموعة من الأدوار الحيوية التي تدعم تحقيق الاندماج الاجتماعي، والعدالة الاجتماعية، وأهداف التنمية المستدامة، وتسهم في بناء مجتمع أكثر استدامة وشمولية. ويمكن تلخيص هذه الأدوار على النحو التالي[11]:
- تقديم الخدمات الاجتماعية: تسدّ المؤسسات الخيرية الفجوات في الخدمات التي قد لا يغطيها القطاعان الحكومي والخاص، خاصة في المجالات التي تخدم الفئات المهمّشة. ويتمثل هذا الدور في توفير خدمات اجتماعية وصحية وتعليمية ذات جودة، تعزّز من جودة حياة الأفراد، وتسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
- الريادة والابتكار: تعمل المؤسسات الخيرية على تطوير برامج وأساليب مبتكرة لمعالجة التحديات الاجتماعية. وتتميز هذه المؤسسات بقدرتها على تنفيذ تجارب جديدة في تقديم الخدمات والبرامج التنموية. وفي حال نجاح هذه المبادرات، يمكن تبنّيها على نطاق أوسع من القطاعين الحكومي والخاص.
- حماية القيم الاجتماعية: تعمل المؤسسات الخيرية بوصفها حارسًا للقيم الاجتماعية والثقافية التي قد لا تكون ذات اهتمام كبير للقطاعات الأخرى. وتسهم في تعزيز القيم المجتمعية، والدينية، والسياسية، ما يدعم التنوع والتعددية داخل المجتمع.
- الدفاع والمناصرة: تؤدي المؤسسات الخيرية دورًا مهمًا في تمثيل احتياجات الفئات الأقل تمثيلًا، إذ تساعد في إيصال أصواتهم إلى صناع القرار. كذلك تراجع السياسات العامة وتسهم في توجيهها نحو تلبية احتياجات الفئات المهمّشة، ما يعزّز التغيير الاجتماعي، ويضمن العدالة في صياغة السياسات.
[الجدول 1]
تصنيف الأنشطة التي تؤديها المنظمات غير الربحية وفقًا للتصنيف الدولي
القسم
| الرمز | الأنشطة |
|---|
A: الأنشطة الثقافية، الاتصالية والترفيهية | A10 | الثقافة والفنون |
A20 | الرياضة والترفيه |
A30 | خدمات المعلومات والاتصال |
A90 | خدمات الثقافة والفن الأخرى غير المصنفة |
B: خدمات التعليم | B10 | التعليم قبل المدرسة، الابتدائي والثانوي |
B20 | التعليم العالي |
B30 | التعليم الآخر |
B90 | خدمات التعليم الأخرى غير المصنفة |
C: خدمات الصحة الإنسانية | C10 | خدمات الصحة المتنقلة |
C20 | المستشفيات |
C30 | دور الرعاية ومرافق الرعاية السكنية |
D: الخدمات الاجتماعية | D10 | خدمات الأفراد والعائلات |
D20 | خدمات رعاية الأطفال |
D30 | خدمات الطوارئ والإغاثة |
D40 | خدمات إعادة التأهيل المهني |
D90 | خدمات اجتماعية أخرى غير المصنفة |
E: حماية البيئة ورفاه الحيوان | E10 | إدارة الموارد الطبيعية وحمايتها |
E20 | أنشطة الصحة ورفاه الحيوان |
E90 | أنشطة حماية البيئة ورفاه الحيوان الأخرى |
F: التنمية المجتمعية والاقتصادية والإسكان | F10 | بناء الإسكان والبنية التحتية |
F20 | أنشطة التنمية المجتمعية والاقتصادية |
F30 | إدارة الإسكان وصيانته |
F40 | خدمات المرافق وإدارة النفايات |
F50 | الحكم الذاتي للشعوب الأصلية |
F90 | أنشطة التنمية والإسكان الأخرى غير المصنفة |
G: الأنشطة المدنية، الدعوية، السياسية والدولية | G10 | أنشطة المشاركة المدنية والدعوة الاجتماعية |
G20 | الأنشطة السياسية |
G30 | الأنشطة الدولية |
G90 | الأنشطة الأخرى غير المصنفة |
H: الوساطة الخيرية وتعزيز العمل التطوعي | H10 | المؤسسات المانحة |
H90 | وسطاء العمل الخيري وتعزيز التطوع الأخرى |
I: التجمعات والجمعيات الدينية | I10 | التجمعات الدينية |
I90 | الجمعيات الدينية الأخرى غير المصنفة |
J: منظمات الأعمال والمهنية والعمالية | J10 | جمعيات الأعمال وأرباب العمل |
J20 | الجمعيات المهنية |
J30 | النقابات العمالية |
J90 | منظمات الأعمال الأخرى غير المصنفة |
K: الخدمات المهنية والعلمية والإدارية | K10 | خدمات البحث العلمي والاختبار |
K20 | الخدمات المهنية |
K30 | خدمات الإدارة |
K90 | الخدمات الأخرى غير المصنفة |
L: الأنشطة الأخرى | L10 | الزراعة، الحراجة وصيد الأسماك |
L20 | الصناعة |
L30 | الإقامة، التموين وخدمات الأغذية |
L40 | أنشطة التجارة |
L50 | النقل والتخزين |
L60 | الخدمات المالية والتأمينية |
L70 | الأنشطة العقارية |
L80 | الأنشطة غير المدفوعة للأسر |
L90 | الأنشطة الأخرى غير المصنفة |
المصدر:
UN/Department of Economic and Social Affairs, Satellite Account on Nonprofit and Related Institutions and Volunteer Work (New York: United Nations, 2018).
الآثار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية
التنمية المستدامة
يسهم العمل الخيري في تحقيق أثر اجتماعي واقتصادي ملموس، من خلال معالجة القضايا الاجتماعية التي تؤثر في المجتمع ككل، مثل الحدّ من الفقر، وتحسين التعليم، وتعزيز الرعاية الصحية. وقد أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ التوجه نحو أنشطة مستدامة، مثل المشاريع المدعومة من العمل الخيري، يُحدث تحسينات ملموسة في حياة الفئات الضعيفة، ويزيد من فرص تحقيق العدالة الاجتماعية. وقد أظهرت الإحصاءات أن نحو ألف طفل يموتون يوميًا بسبب نقص الوصول إلى المياه النظيفة والصرف الصحي[12]، ومن ثمّ تأتي أهمية مبادرات العمل الخيري التي تستهدف تعزيز البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، التي تسعى إلى سدّ هذه الاحتياجات الأساسية، وتحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالمياه النظيفة.
وبوصفه أحد المفاهيم الحديثة[13] التي تمثّل نهجًا متكاملًا يوازن بين التقدم الاقتصادي، والحماية البيئية، والرفاه الاجتماعي، لضمان حياة كريمة للأجيال الحالية والمستقبلية، يعتمد مفهوم التنمية المستدامة على إدارة الموارد بشكل يلبّي احتياجات الحاضر من دون الإضرار بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها. وتبرز أهمية التنمية المستدامة في العمل الخيري من خلال تركيزه على أبعاده الثلاثة، المتمثّلة في البعد البيئي، والبعد الاجتماعي، والبعد الاقتصادي. ومن ثمّ، يعتمد تحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs) التي وضعتها منظمة الأمم المتحدة بشكل كبير على إسهام القطاعات غير الربحية، التي تعمل في جميع أنحاء العالم على توفير الدعم لملايين الأفراد والفئات المهمشة. فمع تزايد التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، أصبحت المنظمات غير الربحية شريكًا حاسمًا في دفع عجلة التنمية نحو أهداف أكثر استدامة، من خلال توفير الموارد المالية والخبرات في مجالات مختلفة مثل القضاء على الفقر، وتحسين جودة التعليم، وتعزيز خدمات الرعاية الصحية، والتوعية البيئية. ووفقًا لدراسة حديثة، يُعد القطاع غير الربحي قوة اقتصادية واجتماعية ذات تأثير كبير، تُقدّر بنسبة تتراوح بين 5 و10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العديد من الدول، ما يعكس أهميته بوصفه عاملًا رئيسًا في النمو والتنمية المستدامة[14]. ويبيّن الجدول 2 ارتباطات المنظمات غير الربحية المباشرة بأهداف التنمية المستدامة لعام 2030.
[الجدول 2]
التصنيف الوظيفي للمنظمات غير الربحية والارتباطات المباشرة لكل تصنيف بأهداف التنمية المستدامة لعام 2030
التصنيف الوظيفي للمنظمات غير الربحية | أهداف التنمية المستدامة 2030 |
|---|
القسم A: الأنشطة الثقافية، الاتصالية والترفيهية | الهدف 10: الحد من أوجه عدم المساواة |
القسم B: خدمات التعليم | الهدف 4: التعليم الجيد |
الهدف 5: المساواة بين الجنسين |
الهدف 10: الحد من أوجه عدم المساواة |
القسم C: خدمات الصحة البشرية | الهدف 3: الصحة الجيدة والرفاه |
القسم D: الخدمات الاجتماعية | الهدف 10: الحد من أوجه عدم المساواة |
الهدف 5: المساواة بين الجنسين |
الهدف 1: القضاء على الفقر |
الهدف 2: القضاء على الجوع |
الهدف 8: العمل اللائق ونمو الاقتصاد |
القسم E: حماية البيئة ورفاه الحيوان | الهدف 6: المياه النظيفة والنظافة الصحية |
الهدف 7: طاقة نظيفة وبأسعار معقولة |
الهدف 12: الاستهلاك والإنتاج المسؤولان |
الهدف 15: الحياة على الأرض |
الهدف 14: الحياة تحت الماء |
القسم F: التنمية المجتمعية والاقتصادية وأنشطة الإسكان | الهدف 9: الصناعة والابتكار والبنية التحتية |
الهدف 10: الحد من أوجه عدم المساواة |
الهدف 11: المدن والمجتمعات المستدامة |
الهدف 17: عقد الشراكات لتحقيق الأهداف |
القسم G: الأنشطة المدنية، الدعوية، السياسية والدولية | الهدف 13: العمل المناخي |
الهدف 14: الحياة تحت الماء |
الهدف 15: الحياة على الأرض |
الهدف 10: الحد من أوجه عدم المساواة |
الهدف 16: السلام والعدل والمؤسسات القوية |
القسم H: وسطاء العمل الخيري وتعزيز العمل التطوعي | الهدف 10: الحد من أوجه عدم المساواة |
الهدف 16: السلام والعدل والمؤسسات القوية |
الهدف 17: عقد الشراكات لتحقيق الأهداف |
القسم I: التجمعات والجمعيات الدينية | الهدف 1: القضاء على الفقر |
الهدف 2: القضاء على الجوع |
الهدف 10: الحد من أوجه عدم المساواة |
الهدف 16: السلام والعدل والمؤسسات القوية |
القسم J: منظمات الأعمال والمهنية والعمالية | الهدف 10: الحد من أوجه عدم المساواة |
الهدف 17: عقد الشراكات لتحقيق الأهداف |
القسم K: الخدمات المهنية والعلمية والإدارية | الهدف 17: عقد الشراكات لتحقيق الأهداف |
القسم L: الأنشطة الأخرى (الزراعة، الغابات، الصيد، الصناعة، الضيافة، تجارة، نقل، تخزين، خدمات مالية وتأمينية، العقارات) | الهدف 1: القضاء على الفقر |
الهدف 2: القضاء على الجوع |
الهدف 3: الصحة الجيدة والرفاه |
الهدف 12: الاستهلاك والإنتاج المسؤولان |
الهدف 17: عقد الشراكات لتحقيق الأهداف |
المصدر:
Hakan Dulkadiroglu, “The Role of Nonprofit Organisations for 2030 Sustainable Development Goals,” in: İmam Bakır Kanlı (ed.), Strategic Perspectives on Sustainable Development and Migration Issues in Turkey and Abroad (Newcastle upon Tyne, UK: Cambridge Scholars Publishing, 2019), pp. 18-34.
كذلك تواجه أهداف التنمية المستدامة تحديات تمويلية ضخمة تتطلب مبالغ طائلة لتحقيقها، تسهم المنظمات الخيرية في سدّ جزء كبير منها من خلال توجيه الأموال نحو المبادرات التنموية. فالمؤسسات الخيرية لديها مرونة في توفير "رأس المال الصبور" (Patient Capital) الذي يُستخدم لتمويل المشاريع التي تتطلب وقتًا طويلًا لتحقيق الأثر، ما يسمح بتمويل البرامج والمبادرات التي لا تحصل عادةً على دعم من مصادر التمويل التقليدية.
الشراكات والتعاون بين القطاعات
إضافة إلى دورها في التمويل، تُعد المؤسسات الخيرية شريكًا استراتيجيًا في تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، إذ تعمل هذه المؤسسات على بناء شبكة من التعاونات الهادفة لتحقيق أهداف محددة من الأجندة العالمية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، يُشار إلى "منصة العمل الخيري لأهداف التنمية المستدامة" (SDG Philanthropy Platform)، التي تجمع بين المؤسسات الخيرية والحكومات والقطاع الخاص لتحقيق أهداف التنمية[15].
وقد أظهر عدد من الدراسات أن الشراكات الفعالة بين القطاعات المختلفة تسهم في تحسين تنفيذ المشروعات التنموية، وتزيد من قدرتها على إحداث أثر ملموس. فعلى سبيل المثال، تمكنت منظمة صندوق الحرية (Freedom Fund) من جمع ما يقارب 100 مليون دولار بهدف مكافحة العبودية الحديثة[16]، ما يبرز فاعلية هذه الشراكات في تحقيق نتائج إيجابية في قضايا اجتماعية معقّدة.
تعزيز الابتكار الاجتماعي
يُعدّ الابتكار الاجتماعي أحد الأدوار المحورية التي تضطلع بها المؤسسات الخيرية، إذ تمتلك هذه المؤسسات قدرة أكبر على تحمّل المخاطر مقارنة بالقطاعين الحكومي والخاص، ما يسمح لها بتجربة حلول جديدة وتقديم نماذج مبتكرة للتعامل مع التحديات التنموية. وقد أكدت دراسة حديثة أن المؤسسات غير الربحية قادرة على قيادة التغيير الاجتماعي من خلال تقديم مبادرات وبرامج تجريبية قد لا يكون من الممكن تنفيذها في القطاعات الأخرى، ما يفتح المجال أمام الحكومات والقطاع الخاص لتبنّي هذه الابتكارات في حال نجاحها، وتوسيع نطاقها للوصول إلى جمهور أوسع[17].
العمل الخيري في العصر الرقمي
أدى دمج التقنيات الرقمية في الممارسات الخيرية إلى إحداث تحول عميق في العمل الخيري، من خلال توسيع إمكانيات التبرعات الخيرية، وإشراك المانحين، والاستراتيجيات الجديدة لجمع التبرعات من خلال الابتكار التكنولوجي[18]. وهكذا ظهرت إلى الوجود العديد من منصات التبرّع عبر الإنترنت وحملات التمويل الجماعي، مثل منصات "غو فاوند مي" (GoFundMe)، و"كيكستارتر" (Kickstarter)، و"جاست غيفين" (JustGiving)، التي أسهمت في جعل العمل الخيري أكثر ديمقراطية، ومكّنت الأفراد في جميع أنحاء العالم من إطلاق حملات لجمع التبرعات بسرعة والاستجابة بسرعة للأزمات الإنسانية[19]. ولا تسهم هذه التقنيات في زيادة إمكانية الوصول إلى المانحين من خلفيات اجتماعية واقتصادية متنوعة فحسب، بل تستفيد أيضًا من وسائل التواصل الاجتماعي لزيادة وضوح الحملة والمشاركة العاطفية من خلال السرديات الرقمية[20].
وهكذا أدّى صعود وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة فيسبوك ويوتيوب، دورًا محوريًا في إعادة توجيه العمل الخيري، وتسهيل انتشار المبادرات الخيرية، وزيادة الاستجابة والمشاركة المجتمعية، والجمع بين الترفيه والإيثار لجذب الاهتمام الواسع والدعم المالي[21]. ومثال على ذلك، توجد مبادرات عدة للتضامن مع غزة وتخفيف آثار عملية الإبادة الجماعية التي أعقبت السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والتي استفادت من وسائط التواصل الاجتماعي، وتأثير الشبكات، لخلق تأثير خيري كبير باستثمار تنظيمي منخفض نسبيًا.
وأخيرًا، يُشار إلى تكنولوجيا العملات المشفّرة والبلوك تشين التي بدأت أيضًا في تحويل العمل الخيري، من خلال إدخال قدر أكبر من الشفافية، والمساءلة التنظيمية، وقدرة المانحين على تتبع تبرعاتهم، ومن ثمّ تعزيز الثقة وزيادة إسهامات المانحين المحتملة[22]. فقد أصبحت التبرعات بالعملات المشفرة، وخاصة البيتكوين، مقبولة على نحو متزايد من المؤسسات الخيرية الكبرى، ما يفتح مصادر دخل جديدة من المانحين المتمرسين في مجال التكنولوجيا، الذين يقدّرون عدم الكشف عن هويتهم، والتحويلات المباشرة من دون وسطاء ماليين. وهكذا توجد العديد من المنظمات، مثل "شبكة بيتكوين الخيرية" (Bitcoin Philanthropy Network)، و"كتلة العطاء" (The Giving Block)، التي أصبحت تعمل على تسهيل التبرعات بالعملات المشفرة، وشهدت تزايدًا كبيرًا خلال الأزمات الإنسانية الأخيرة.
المراجع
العربية
ابن عاشور، محمد الطاهر. مقاصد الشريعة الإسلامية. ط 2. تونس: الشركة التونسية للتوزيع، 1978.
الطريف، غادة بنت عبد الرحمن. "إسهام برامج العمل الخيري في تحقيق التنمية المستدامة". آفاق العلوم. مج 3، العدد 2 (2018). ص 1-20.
غانم، إبراهيم البيومي. مقاصد الشريعة الإسلامية في العمل الخيري: رؤية حضارية مقارنة. ط 2. لندن: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، 2016.
المعايطة، خليل عبد الرحمن [وآخرون]. مدخل إلى الخدمة الاجتماعية. عمان: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 2008.
مهدي، محمد صالح جواد. "العمل الخيري: دراسة تأصيلية تاريخية". سر من رأى للدراسات الإنسانية. مج 8، العدد 30 (2012). ص 211-229.
الأجنبية
“$100 Million Fund to fight Modern Slavery.” The Freedom Fund/Press release, 13/9/2013, at: https://acr.ps/1L9zR11
“High-level Political Forum on Sustainable Development.” United Nations, at: https://acr.ps/1L9zQEa
Aquinas, Thomas. Summa Theologica. Fathers of the English Dominican Province (trans.). 5 vols. Reprint. Westminster, MD: Christian Classics, 1981.
Aristotle. The Nicomachean Ethics. David Ross (trans.). Oxford: Oxford University Press. 2009.
Bakır Kanlı, İmam (ed.). Strategic Perspectives on Sustainable Development and Migration Issues in Turkey and Abroad. Newcastle upon Tyne, UK: Cambridge Scholars Publishing, 2019.
Beck, Roman et al. “Blockchain Technology in Business and Information Systems Research.” Business & Information Systems Engineering. vol. 59, no. 6 (2017). pp. 381-384.
Elvira-Lorilla, Teresa et al. “The Role of Social Media in Nonprofit Organizations’ Fundraising.” Nonprofit and Voluntary Sector Quarterly. vol. 53, no. 6 (December 2024). pp.1353-1380.
Guo, Chao & Gregory D. Saxton. The Quest for Attention: Nonprofit Advocacy in a Social Media Age. Stanford: Stanford University Press, 2020.
Kant, Immanuel. Groundwork of the Metaphysics of Morals. Mary Gregor (trans.). Cambridge: Cambridge University Press, 1998.
Lovejoy, Kristen & Gregory D. Saxton. “Information, Community, and Action: How Nonprofit Organizations Use Social Media.” Journal of Computer-Mediated Communication. vol. 17, no. 3 (2012). pp. 337-353.
Gerber, Elizabeth & Julie Hui. “Crowdfunding: Motivations and Deterrents for Participation.” ACM Transactions on Computer-Human Interaction. vol. 20, no. 6 (2013). pp. 1-32.
Payton, Robert L. & Michael P. Moody. Understanding philanthropy: Its meaning and mission. Bloomington, Indiana: Indiana University Press, 2008.
Pressgrove, Geah, Brooke W. McKeever & Sumin Jang. “Building Bridges to Connect with Millennials: A Study of Philanthropic Campaigns Using Social Media.” Public Relations Review. vol. 44, no. 1 (2018). pp. 102-111.
Smith, Adam. The Theory of Moral Sentiments. D.D. Raphael & A.L. Macfie (eds.). Oxford: Clarendon Press, 1976.
Tierney, Kathleen & Anthony Oliver-Smith (eds). Social Dimensions of Disaster. Los Angeles: Sage Publications, 2012.
“Triple threat,” Unicef, March 2023, accessed on 29/7/2026, at: https://acr.ps/hBy6EUV
UN/Department of Economic and Social Affairs. Satellite Account on Nonprofit and Related Institutions and Volunteer Work. New York: United Nations, 2018.
Zunz, Olivier. Philanthropy in America: A History. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2012.
[1] محمد صالح جواد مهدي، "العمل الخيري: دراسة تأصيلية تاريخية"، سر من رأى للدراسات الإنسانية، مج 8، العدد 30 (2012)، ص 211-229.
[2] خليل عبد الرحمن المعايطة [وآخرون]، مدخل إلى الخدمة الاجتماعية (عمان: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 2008).
[3] Robert L. Payton & Michael P. Moody, Understanding philanthropy: Its meaning and mission (Bloomington, Indiana: Indiana University Press, 2008).
[4] Ibid.
[5] Thomas Aquinas, Summa Theologica, Fathers of the English Dominican Province (trans.), 5 vols, Reprint (Westminster, MD: Christian Classics, 1981).
[6] محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ط 2 (تونس: الشركة التونسية للتوزيع، 1978)؛ إبراهيم البيومي غانم، مقاصد الشريعة الإسلامية في العمل الخيري: رؤية حضارية مقارنة، ط 2 (لندن: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، 2016).
[7] Aristotle, The Nicomachean Ethics, David Ross (trans.) (Oxford: Oxford University Press, 2009).
[8] Immanuel Kant, Groundwork of the Metaphysics of Morals, Mary Gregor (trans.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1998).
[9] Adam Smith, The Theory of Moral Sentiments, D.D. Raphael & A.L. Macfie (eds.) (Oxford: Clarendon Press, 1976).
[10] Kathleen Tierney & Anthony Oliver-Smith (eds.), Social Dimensions of Disaster (Los Angeles: Sage Publications, 2012).
[11] Hakan Dulkadiroglu, “The Role of Nonprofit Organisations for 2030 Sustainable Development Goals,” in: İmam Bakır Kanlı (ed.), Strategic Perspectives on Sustainable Development and Migration Issues in Turkey and Abroad (Newcastle upon Tyne, UK: Cambridge Scholars Publishing, 2019), pp. 18-34.
[12] “Triple threat,” Unicef, March 2023, accessed on 29/7/2026, at: https://acr.ps/hBy6EUV
[13] غادة بنت عبد الرحمن الطريف، "إسهام برامج العمل الخيري في تحقيق التنمية المستدامة"، آفاق العلوم، مج 3، العدد 2 (2018)، ص 1-20.
[14] Dulkadiroglu, op. cit.
[15] “High-level Political Forum on Sustainable Development,” United Nations, accessed on 31/5/2026, at: https://acr.ps/1L9zQEa
[16] “$100 Million Fund to fight Modern Slavery – The Freedom Fund,” The Freedom Fund/Press release, 13/9/2013, accessed on 31/5/2026, at: https://acr.ps/1L9zR11
[17] Dulkadiroglu, op. cit.
[18] Olivier Zunz, Philanthropy in America: A History (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2012); Chao Guo & Gregory D. Saxton, The Quest for Attention: Nonprofit Advocacy in a Social Media Age (Stanford: Stanford University Press, 2020); Teresa Elvira-Lorilla et al., “The Role of Social Media in Nonprofit Organizations’ Fundraising,” Nonprofit and Voluntary Sector Quarterly, vol. 53, no. 6 (December 2024), pp.1353-1380.
[19] Elizabeth M. Gerber & Julie Hui, “Crowdfunding: Motivations and Deterrents for Participation,” ACM Transactions on Computer-Human Interaction, vol. 20, no. 6 (2013), pp.1-32.
[20] Kristen Lovejoy & Gregory D. Saxton, “Information, Community, and Action: How Nonprofit Organizations Use Social Media,” Journal of Computer-Mediated Communication, vol. 17, no. 3 (2012), pp. 337-353.
[21] Geah Pressgrove, Brooke W. McKeever & Sumin Jang, “Building Bridges to Connect with Millennials: A Study of Philanthropic Campaigns Using Social Media,” Public Relations Review, vol. 44, no. 1 (2018), pp. 102-111.
[22] Roman Beck et al., “Blockchain Technology in Business and Information Systems Research,” Business & Information Systems Engineering, vol. 59, no. 6 (2017), pp. 381-384.