الموجز
اضطرابات نَظْم القلب (Cardiac arrhythmias) هي اختلالات تؤثر في النشاط الكهربائي الطبيعي للقلب، إذ يمتلك القلب نظامًا كهربائيًا ذاتي التنظيم يتحكّم في معدَل ضرباته، ويمكنه العمل بصورة مستقلة عن
الجهاز العصبي المركزي. ويؤدي حدوث خلل في هذا النظام إلى نبض القلب بسرعة مفرطة، أو ببطء شديد، أو بنسق غير منتظم.
تتراوح هذه الاضطرابات في شدّتها بين حالات بسيطة لا تتطلب علاجًا وأخرى مهدِّدة للحياة تستوجب تدخلًا فوريًا، ويساعد الفهم الجيّد لهذه الحالات على تحسين جودة حياة المرضى وتقليل خطر المضاعفات الخطيرة.
تشمل هذه الاضطرابات الانقباض الأذيني المُبكِّر الناتج من خروج سيال كهربائي سابق لأوانه؛ والرجفان الأذيني والرفرفة الأذينية، وقد يسببان مضاعفات، مثل:
السكتة الدماغية، وتسارُع نبض القلب أو تباطُئه عن المعدّل الطبيعي؛ إضافة إلى إحصار الأذين البطيني الذي يعطل انتقال الإشارة الكهربائية بين الأذينين والبطينين، وكذلك تسرّع القلب البطيني والرجفان البطيني، وهما من الحالات الخطيرة التي تتطلب علاجًا طارئًا، مثل: الصدمة الكهربائية.
تتراوح أعراض اضطرابات نظم القلب بين خفقان بسيط، وفقدان للوعي أو الوفاة المفاجئة، وذلك تبعًا لنوع الاضطراب وشدّته. ويهدف علاج اضطرابات نظم القلب إلى تخفيف الأعراض والوقاية من المضاعفات الخطيرة، ويعتمد اختيار الاستراتيجية العلاجية على نوع الاضطراب وأسبابه والأعراض المصاحبة، وتشمل واحدًا أو أكثر مما يأتي: العقاقير مثل
حاصرات بيتا أو غيرها من مضادات اضطراب النظم، والصدمة الكهربائية، والقسطرة الاستئصالية، وزرع
ناظم ضربات القلب. ويُحدد الخيار الأنسب لكل مريض على حدة. وللحدّ من تفاقم المشكلة، يُوصى باتباع نمط حياة صحي يتضمّن ممارسة الرياضة بانتظام، والامتناع عن التدخين والمنبّهات المحتوية على الكافيين، والسيطرة على القلق والضغوط النفسية، وتجنّب العوامل المحفزة لاضطرابات نظم القلب والأطعمة الغنية بالصوديوم.
تعريفها
النظام الكهربائي لعضلة القلب
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تُعرّف اضطرابات نَظْم القلب بأنها الاختلالات التي تطرأ على المسار الطبيعي للشحنات الكهربائية في القلب، إذ يمتلك القلب نظامًا كهربائيًا ذاتيًا، ينظم ضرباته بمعزل عن الجهاز العصبي المركزي. وتؤدي هذه الاضطرابات إلى خلل يجعل إيقاع القلب سريعًا، أو بطيئًا، أو غير منتظم. تبدأ نبضة القلب عادةً بسيال كهربائي مصدره
العُقدة الجيبية الأذينية (Sinoatrial (SA) node) الواقعة في أعلى الأذين الأيمن، وينتقل هذا السيال عبر الأذينين الأيمن والأيسر، ليصل إلى
العقدة الأذينية البطينية (Atrioventricular (AV) node)، إذ يتباطأ برهةً وجيزة قبل مروره إلى البطينين الأيمن والأيسر. ويؤدي أيّ خللٍ يصيب هذا السيال أو المسار الذي يمرّ به إلى إضعاف قدرة القلب على الانقباض بكفاءةٍ تضمن ضخّ الدم إلى أنحاء الجسم كافة، وقد ينجم عن ذلك مضاعفات خطرة مثل الجلطات القلبية أو الدماغية، ونقص تروية بعض الأنسجة[1].
أنواعها
الانقباضات الأذينية المُبكِّرة
تنشأ الانقباضات الأذينية المبكّرة (Premature atrial contractions) نتيجة صدور سيّال كهربائي من عضلة الأذين بدلًا من العقدة الجيبية الأُذَينية، مما يؤدي إلى توليد نبضة سابقة لأوانها. وتظهر هذه الحالة في تخطيط القلب الكهربائي بنبضة تشبه النبضة الطبيعية، لكنّها تأتي في غير توقيتها المنتظم. ولا يُعرف المُسبِّب المباشر لهذه النبضات بدقة، غير أن هناك عوامل تزيد من احتمالية حدوثها، منها: التدخين، وتعاطي الكحول، والسمنة، وقلّة النشاط البدني، والتقدم في العمر. ويرتبط حدوث هذا النوع من الاضطرابات باحتشاء عضلة القلب الحاد (الجلطة القلبية)، وأمراض الشرايين التاجية، وأمراض صمّامات القلب. وتزداد فرص حدوثه لدى المرضى المصابين بالداء النشواني، أو أي مرض يرفع ضغط الأذينين، أو
مرض الانسداد الرئوي المزمن Chronic Obstructive pulmonary disease, COPD)[2]).
لا تسبب هذه الحالة عادةً أعراضًا ظاهرة؛ إلا أن بعض المرضى قد يشعرون بدوار أو بضيق نفس طفيف أو بخفقان، ومن النادر حدوث مضاعفات خطيرة، ولا يحتاج المرضى الذين لا تظهر عليهم الأعراض عادة إلى تدخل علاجي، إلا في حال تكرار النوبات مع ظهور أعراض، حينها يشمل العلاج السيطرة على عوامل الخطر، واستخدام منظِّمات النظم أو حاصرات بيتا للحد من النبضات المُبكرة. ويُلجأ في الحالات المتقدمة أو المقاومة للعلاج الدوائي إلى الاستئصال بالقسطرة وكَيّ البؤرة المُسبِّبة للسيال[3].
الانقباضات البطينية المُبكرة
A: تخطيط قلبي طبيعي، B: انقباضات أذينية مبكرة، C: انقباضات بطينية مبكرة.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تنشأ الانقباضات البطينية المبكرة (Premature ventricular contractions, PVCs) نتيجة صدور سيال كهربائي من عضلة البطين وانتشاره في أنحاء القلب من دون أن يكون مصدره العقدة الجيبية الأذينية[4]. وتُعد هذه الظاهرة شائعة لدى الأفراد الأصحّاء والمصابين بأمراض قلبية على حد سواء، وغالبًا ما تُكتَشَف صدفةً عند إجراء تخطيط كهربائي للقلب[5].
لا يُعرف المُسبب المباشر لهذه النبضات بدقة، غير أن احتمالية حدوثها ترتبط بعدة عوامل، منها: تعاطي الكحول، والإفراط في تناول الكافيين، واستخدام العقاقير المنبِّهة أو المحظورة، واضطرابات
الشوارد (الأيونات) في الجسم، والإصابة بمرض الانسداد الرئوي المزمن. ويرتبط حدوثها كذلك بارتفاع ضغط الدم غير المُسيطَر عليه، واضطرابات الغدة الدرقية، وفقر الدم، والضغوط النفسية والتوتر. لا تسبب هذه الانقباضات عادةً أعراضًا واضحة ولا تحتاج إلى علاج، غير أن بعض المرضى قد يشعرون بدوار، أو ضيق نفَس خفيف، أو خفقان قلبي. علمًا بأن المضاعفات الخطيرة نادرة للغاية[6].
الرجفان الأُذينيّ والرَفرَفة الأُذينيّة
يُعَدُّ الرجفان الأذيني (Atrial fibrillation) من أكثر اضطرابات نظم القلب شيوعًا في الممارسة السريرية، إذ ينشأ عن سيالات كهربائية عشوائية من عضلة الأذين، تؤدي إلى تقلصات سريعة وغير منتظمة تُخفض كفاءة القلب في ضخ الدم. ويؤدّي ركود الدم داخل حجرات القلب إلى تَكون خثرات قد تنتقل إلى أنحاء الجسم، ولا سيما الدماغ مُسبِّبة سكتة دماغية. أما في حالة الرفرفة الأذينية (Atrial flutter)، فينقبض الأذينان بسرعة كبيرة وبشكل منتظم، وعلى الرغم من اختلاف منشئها عن الرجفان الأُذيني، فإن الحالتان تتلازمان كثيرًا، وتتشابهان في الأعراض وطرائق العلاج عند أغلب المرضى[7].
تتمثل الأعراض الشائعة في الشعور بخفقان (Palpitations)، أو رجفة في الصدر، وضيق في النفس، أو دوار، أو إغماء، في حين قد تمر بعض الحالات من دون أعراض ظاهرة. يُشخَّص الرجفان الأُذيني والرفرفة الأذينية بتخطيط القلب الكهربائيّ (Electrocardiogram (ECG))، وقد يتطلب التقييم إجراء
تخطيط صدى القلب (Echocardiogram) للتحري عن البنية القلبية، واختبارات دم لقياس مستويات الشوارد والهرمونات. يشمل تقييم المريض فحصًا إكلينيكيًا مفصَّلًا وسيرةً مرضية دقيقة لتحديد الخطة العلاجية، وتشمل: المراقبة التحفظيّة لدى بعض المرضى، إذ قد يعود القلب إلى نظمه الطبيعي بمرور الوقت، ثم استخدام منظّمات النّظْم، مثل: حاصرات بيتا لضبط سرعة النبض. وفي مرحلة لاحقة، تُستخدم مضادات التخثر للحدّ من خطر الجلطات. بعد ذلك، يلجأ الأطباء إلى تقويم النّظْم بالدواء أو بالصدمة الكهربائية عند الحاجة العاجلة، أو إلى الاستئصال (الكيّ) بالقسطرة في الحالات المتكررة أو المقاومة للعلاج الدوائي[8].
تسرُّع القلب فوق البُطينيّ
يُعَرّف تسرُّع القلب فوق البُطيني (Supraventricular tachycardia) بأنه تسارع غير منتظم في النبض ينشأ في المناطق الواقعة فوق البطينين، أي داخل الأذينين أو في الوصل الأذيني البطيني. يُصنَّف هذا الاضطراب ضمن الحالات الشائعة، وغالبًا لا يهدد حياة المريض. ويرجع عادةً إلى تحفيزٍ متكرّر للبُؤرة نفسها داخل القلب[9]. تشمل عواملُ الخطر التاريخَ المرضي لاحتشاء عضلة القلب، واستخدام بعض أدوية الرَّبْو والذُهان، فضلًا عن المُحفّزات والمنبهات، مثل الأمفيتامين والكافيين[10]. وتشمل الأنواع الأكثر شيوعًا لهذا الاضطراب ما يأتي:
- تسرُّع القلب بعودة الدخول في العقدة الأذينية البطينية (Atrioventricular nodal reentrant tachycardia, AVNRT).
- تسرُّع القلب الأذيني البطيني بعودة الدخول (Atrioventricular reciprocating tachycardia, AVRT).
- تسرُّع القلب الأذيني (Atrial tachycardia, AT)[11].
بطء نظم القلب
يُعرَّف بطء نَظْم القلب (Bradyarrhythmia) بأنه انخفاض معدَّل ضربات القلب إلى أقلّ من 50 نبضة في الدقيقة. وتتنوع أسباب هذا الانخفاض بين ما هو طبيعي (فيزيولوجي) يحصل في أثناء النوم أو لدى الرياضيّين، خصوصًا العدائين، وما هو مرضيّ ناجم عن حالات مثل احتشاء عضلة القلب الحاد، واستخدام بعض الأدوية، مثل: أدوية ارتفاع ضغط الدم، ومضادّات اضطراب النظم، ومضادّات الذهان. يتطلب التمييز بين البطء الفيزيولوجي والمرضي تقييمًا سريريًا دقيقًا، مع مراجعة التاريخ الدوائي والأمراض المرافقة لتحديد الحاجة إلى التدخّل العلاجي[12].
إحصار الأذين البطيني
الدرجات الإكلينيكية المختلفة من الإحصار الأذين-بطيني
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يتمثل إحصار الأذين البطيني (Atrioventricular (AV) block) في تأخر انتقال السيالات الكهربائية المحفّزة لانقباض عضلة القلب أو انقطاعها أثناء مرورها من الأذينين إلى البطينين. ويحدث هذا الاضطراب نتيجة إشكالات خَلقية تظهر غالبًا في سنّ صغيرة، أو أسباب مكتسَبة تُلاحَظ في الأعمار المتقدمة. وتشمل عوامل الخطورة: التقدم في العمر، واحتشاء عضلة القلب، والإصابة بالأمراض المناعية، وأمراض الغدد الصمّاء، إضافة إلى استخدام بعض الأدوية، مثل: حاصرات قنوات الكالسيوم، وحاصرات بيتا[13]. ويُصنّف إحصار الأذين البطيني إلى الدرجات الإكلينيكية وفق ما يأتي:
- الدرجة الأولى: تأخر أو بطء في توصيل السيال الكهربائي من دون انقطاع.
- الدرجة الثانية: تأخر مع تخطٍّ لبعض النبضات، وتنقسم إلى:
أ. إحصار موبيتز1 (Mobitz I) أو إحصار وينكيباخ (Wenckebach).
ب. إحصار موبيتز2 (Mobitz II).
- الدرجة الثالثة (إحصار القلب التامّ): انقطاع كامل في التوصيل الأذيني البطيني.
تسرّع القلب البطينيّ
يعدّ تسرّع القلب البطينيّ (Ventricular tachycardia (VT)) حالة طبيّة حرجة، تتميز بنبضات سريعة تنشأ في البطينين بدلًا من العقدة الجيبية الأُذَينية، إذ يجاوز معدل النبض مئةَ نبضة في الدقيقة، ويؤدي هذا التسارع إلى تقليص زمن امتلاء حجرات القلب بالدم، مما يضعف قدرة القلب على ضخّ كميّة كافية إلى أعضاء الجسم، وهذا قد يلحق بها أضرارًا بالغة. يُصَنّف تسرّع القلب البطيني وفق معيارين رئيسَين:
- من حيث المدة: إذ يُقسَم إلى تسرّع متواصل يستمر أكثر من 30 ثانية على تخطيط القلب، وتسرّع غير متواصل يستمر أقل من 30 ثانية.
- من حيث الشكل (مُركّب QRS): يُقسَم إلى أحادي الشكل (Monomorphic VT)، إذ لا يتغيّر فيه شكل الموجة بين نبضة وأخرى، ومتعدّد الأشكال (Polymorphic VT)، يتبدّل فيه شكل الموجة من نبضة إلى أخرى[14].
تتمثل الآليّة الأساسيّة لحدوث هذا الاضطراب في اختلال النظام الكهربائي، إذ يطلق البطينان إشارات متسارعة لا تتزامن مع امتلاء القلب، وتتعدد أسباب نشوء هذه الحالة لتشمل عدة فئات رئيسة (الجدول 1)[15].
[الجدول1]
الفئة | أمثلة |
|---|
إقفارية
| نوبات قلبية سابقة، احتشاء عضلة القلب الناتج من انسداد الشريان التاجي |
أمراض عضلة القلب | فشل القلب، التهاب عضلة القلب، عيوب خَلقيّة، جراحات قلب سابقة |
اضطرابات أيضيّة/ كهربائيّة | حماض الاستقلابي، اضطرابات مستويات البوتاسيوم أو الكالسيوم أو المغنيسيوم (نقص أو زيادة) |
الأدوية | بعض مضادات اضطراب النظم، مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات، دواء ديجوكسين |
حالات وراثيّة نادرة | اعتلالات قنوات الأيونات (أشيع في صغار السن) |
تؤدي هذه العوامل إلى إطلاق نبضات بطينية سريعة غير متزامنة، وهو ما قد يفضي إلى هبوط حاد في ضغط الدم أو تحوّل إلى رجفان بطيني يهدّد الحياة.
الرجفان البُطيني
يُعَدّ الرجَفان البُطيني (Ventricular fibrillation) اضطرابًا خطيرًا في نظْم القلب، والمسبب الأكثر شيوعًا لحالات الموت القلبي المفاجئ، إذ يتطلّب تدخّلًا طبيًّا فوريًّا. ينبع النبض في هذه الحالة من البطينين، بإشارات كهربائية شديدة الاضطراب، مما يُحدِث انقباضات رجفية غير مكتملة تجعل القلب عاجزًا عن ضخّ كمية كافية من الدم، فيتعرّض المريض لخطر السكتة القلبية المفاجئة عند توقّف عضلة القلب عن الانقباض.
يختلف تسرّع القلب البُطيني عن الرَّجَفان البُطيني، ففي تسرّع القلب البُطيني ينقبض البطينان بسرعة كبيرة، فلا يتاح لهما زمن كافٍ لملء حُجرات القلب بالدم، فيُضَخّ الدم بكمية غير كافية. وفي الرجفان البُطيني لا يحدث انقباض بطيني حقيقي، بل رجفان غير فعّال، فيتوقّف القلب فعليًا عن الضخّ[16].
تُعد النوبة القلبية أكثر أسباب الرجَفان البُطيني شيوعًا، وقد ينشأ عن أسباب أخرى كالحماض الاستقلابي، وانخفاض حرارة الجسم، ونقص الأكسجين الشديد، واضطراب مستويات الشوارد (البوتاسيوم، والكالسيوم، والمغنيسيوم)، وتحوّل تسرّع القلب البُطيني المستمر إلى رجفان بُطيني[17].
وبسبب خطورة الرجفان البطيني وارتفاع احتمال الوفاة في حال تأخّر التدخل الطبي، فإن التعامل معه يتطلب البدء الفوري في تطبيق بروتوكول دعم الحياة القلبية المتقدم. وبما أنّ الرجفان البُطيني قابل للصعق، يستوجب الأمر توجيه الصدمة الكهربائيّة العاجلة بمجرد اكتشافه، إذ تشير الدراسات إلى زيادة معدّل النجاة لدى المرضى الذين تلقَّوا الصدمة على الفور مقارنة بمن تأخّر حصولهم عليها، كما يشمل البروتوكول العلاجي استخدام أدوية طبية، ومعالجة السبب الأساسي للرجفان البُطيني مع تصحيح اختلالات الشوارد، وإعطاء السوائل عند اللزوم. وبعد استقرار نظم القلب وتحسُّن الحالة، يُنصح بتقييم الشرايين التاجية - غالبًا عبر القسطرة التشخيصية – للكشف عن أي انسداد إقفاري محتمل، وبزرع جهاز تقويم النظم ومزيل الرجفان القابل للغرس (Implantable cardioverter-defibrillator, ICD) للوقاية من تكرار نوبات الرجفان أو التسرع البُطيني المستقبلية[18].
تشخيص اضطرابات نظم القلب
يعتمد تشخيص اضطرابات نظم القلب بصفة أساسية على التاريخ المرضي المُفصَّل الذي يشمل الأعراض والدواء والأمراض المرافقة، إضافة إلى الفحص السريري الدقيق. وقد يُستعان بالفحوص الآتية تبعًا لاشتباه الطبيب:
- تخطيط كهربائية القلب: يسجّل هذا الفحص النشاط الكهربائي الفوري للقلب، ويكشف أيّ اضطرابات في الإيقاع أو التوصيل.
- تخطيط صدى القلب: يصور البنية القلبية وصماماتها بالموجات فوق الصوتية، ويُظهر أي خلل بنيوي.
- الدراسة الكهروفيزيولوجية ((Electrophysiological study–EPS: تُجرَى عبر القسطرة لتحديد البؤر الكهربائية الشاذة ومساراتها داخل القلب.
- اختبار الجهد ((Stress test: يُستخدم حين يُشتبه في اضطرابات تنجم عن المجهود البدني، إذ يُراقَب النظم في أثناء التمرين.
- جهاز هولتر (Holter monitor): جهاز يُرتدى 24 ساعة أو أكثر لتسجيل إيقاع القلب على مدار اليوم.
- مُسجِّل الأحداث القلبية (Cardiac event recorder): يُلبَس أسابيع أو شهورًا لرصد الاضطرابات النادرة قليلة الحدوث.
- اختبار الطاولة المائلة (Tilt-table test): يُطبَّق في حالات الإغماء لقياس استجابة النظم وضغط الدم عند الانتقال من الاستلقاء إلى الوقوف.
تُمكن هذه الأدوات مجتمعة من تشخيص معظم اضطرابات النظم وتوجيه الخطة العلاجية الملائمة لكل مريض[19].
العلاج
يهدف علاج اضطرابات نظم القلب إلى تخفيف الأعراض، ومنع حدوث المضاعفات الخطيرة أو الوفاة القلبية المفاجئة. وتُحدَّد الخطة العلاجية بحسب نوع الاضطراب وسببه، والأعراض المصاحبة، والحالة العامة للمريض. وتشمل خيارات التدبير العلاجي ما يأتي:
- العلاجات الدوائية: وتشمل الأدويةَ المنظمة لإيقاع القلب التي تضبط السرعة والإيقاع.
- الإجراءات التداخلية: وتتمثل في القسطرة التي تستأصل بؤر النشاط الكهربائي الشاذ في عضلة القلب.
- الأجهزة المزروعة: وتشمل ناظم القلب (Pacemaker) أو جهاز تقويم النظم ومزيل الرجفان القابِل للغرس (ICD)، لمراقبة النبضات غير الطبيعية وتصحيحها.
يُختار التدخل الأنسب وفق شدة الأعراض وتكرارها، مع الموازنة بين الفوائد المرجوّة والمخاطر المحتملة لكل إجراء. كما يركز الأطباء على معالجة الأسباب الكامنة وتصحيحها، مثل: اختلال الشوارد، أو ارتفاع ضغط الدم، أو
اضطرابات الغدة الدرقية[20].
العلاج الدوائي
تتعدد الأصناف الدوائية المستخدمة لتنظيم إيقاع القلب، ويُختار الصنف المناسب بناءً على نوع الاضطراب والحالة الوظيفية للقلب؛ ومن أبرز هذه الأدوية: الأدينوسين (Adenosine)، وحاصرات بيتا (Beta-blockers)، وحاصرات قنوات الكالسيوم (Calcium channel blockers)، وحاصرات قنوات البوتاسيوم (Potassium channel blockers)، وحاصرات قنوات الصوديوم (Sodium channel blockers)، والديجوكسين (Digoxin). ويفضّل في بعض الحالات، بدء الدواء في المستشفى لمراقبة المريض، ويعتمد ذلك على شدة الاعتلال البنيوي للقلب، والسبب الكامن، ونوع الدواء المستخدم. وتستلزم الخطة العلاجية متابعة دورية للمريض عبر تخطيط القلب بعد بدء العلاج، وإجراء فحوص مخبريّة متتابعة مع مراقبة مستويات الشوارد (البوتاسيوم، الكالسيوم، المغنيسيوم)، إضافة إلى تقييم وظائف الكلى والكبد[21].
الإجراءات التدخلية
في الحالات التي لا تستجيب فيها اضطرابات نظم القلب للعلاج الدوائي، يُلجَأ إلى مجموعة من الإجراءات التدخلية، لاستعادة النظم الطبيعي أو تعطيل البؤر المسببة للاضطراب، ومن أبرزها:
- تقويم النظم بالصدمة الكهربائيّة (Cardioversion/ Defibrillation)، ويهدف إلى استعادة الإيقاع الطبيعي للقلب بصدمات كهربائية خارجية. ويُسمى هذا الإجراء في الحالات الطارئة بـإزالة الرجفان (Defibrillation).
يتم هذا الإجراء على يد مختصّ بأمراض القلب، ويستغرق بضع دقائق فقط بعد إجراء تخدير قصير للمريض لتجنّب ألم الصدمة. تُوصل أقطاب كهربائية على الصدر أو الظهر، فيسجِّل الجهاز النظْم أولًا، ثم يرسل صدمات منخفضة الطاقة تُعيد القلب إلى إيقاعه الطبيعي.
- الكي بالقسطرة (Catheter ablation): يُستخدم لإيقاف البؤر الكهربائية غير الطبيعية داخل القلب، إذ يُدخِل الطبيب قسطرة (أنبوبًا مرنًا) في أحد الشرايين الطرفية وصولًا إلى حجرات القلب. تحتوي بعض القساطر على أقطاب تسجل النشاط الكهربائي وتُحدد مصدر اضطراب النظْم، ثم تُستهدف المناطق المطلوبة إمّا بموجات راديوية (Radiofrequency ablation)، وإما بالتبريد (Cryoablation)، أو بالليزر. ويحمل هذا الإجراء أخطارًا محتملة كالنزيف، أو تكوّن خثرات، أو حدوث التهاب أو عدوى أو اضطرابات إضافية في النظْم. وتُنصَح النساء الحوامل، أو اللاتي يُحتمل حملُهن، إبلاغ الطبيب لتجنّب التعرض للإشعاع في أثناء الإجراء[22].
الأجهزة المزروعة
تُستخدم بعض الأجهزة المزروعة في جسد المريض للسيطرة على اضطرابات النظم خارج المؤسسات الصحية، ومنها[23]:
- جهاز تقويم النظم ومزيل الرجفان القابل للغرس (Implantable cardioverter-defibrillator, ICD): هو جهاز يُزرع تحت الجلد، ويتصل بالقلب ليرصد اضطرابات النظم، ويُرسل صدمات تلقائية عند الضرورة، فيحمي المريض من الموت القلبي المفاجئ، ولا سيما في حالات التسرع أو الرجفان البطيني المتكرر.
- ناظم ضربات القلب (Pacemaker): هو جهاز صغير يُزرع تحت الجلد، ويطلق نبضات كهربائية تُبقي معدّل القلب ضمن الحدود الطبيعية، وتُزامن انقباضات الحجرات لتحسين كفاءة الضخ.
إجراءات أخرى
صورة توضيحية لمناورة العصب المبهم
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يُنصح المرضى باتباع نمط حياة صحي للمحافظة على صحة القلب، وعند التشخيص بأحد اضطرابات نظم القلب، يصبح الالتزام بنمط حياة صحي ضرورة لتجنب تفاقم المشكلة. يُوصى المرضى بنظام غذائي ملائم للقلب؛ يشمل الإكثار من الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة، وتقليل الملح والدهون المشبّعة، وممارسة رياضة منتظمة وفق توصيات الطبيب، والإقلاع عن التدخين، وتجنّب المنبهات: الكافيين بجرعات عالية، والكحول، وإدارة القلق والضغوط النفسية، وتجنّب المحفّزات كالحرارة أو البرودة الشديدتين والأطعمة الغنيّة بالصوديوم، ومتابعة الأعراض غير المعتادة وإبلاغ الطبيب فورًا، مع الالتزام بالمراجعات الدوريّة وتعليماته العلاجية. في الحالات الطارئة، تُستخدم مناورات العصب المُبهَم (Vagal manoeuvres) بدَعْكِ اليدين فوق الودج على العنق لتحفيز العصب المبهم، وإبطاء سرعة ضربات القلب، وتُعدّ تدخلًا أوليًا مفيدًا لبعض حالات تسرّع القلب فوق البطيني. وتُستخدم أيضًا مناورات، مثل: السعال القسري، ومناورة ڤالسالڤا (Valsalva maneuver)، بحبس النفس، ثم محاولة الزفير مع إغلاق الفم والأنف، واستخدام كمّادة باردة على الوجه لثوانٍ معدودة للغرض نفسه. يُجرَّب تنفيذ هذه المناورات عادةً تحت إشراف طبي، أو بعد تعليمات واضحة من الطبيب المعالِج[24].
المراجع
Adgey, A. A, et al. “Incidence, Significance, and Management of Early Bradyarrhythmia Complicating Acute Myocardial Infarction.”
The Lancet. vol. 292, no. 7578 (23/11/1968). pp. 1097-1101.
Al-Khatib, Sana M. et al. “2017 AHA/ACC/HRS Guideline for Management of Patients with Ventricular Arrhythmias and the Prevention of Sudden Cardiac Death: A Report of the American College of Cardiology/American Heart Association Task Force on Clinical Practice Guidelines and the Heart Rhythm Society.”
Journal of the American College of Cardiology. vol. 72, no. 14 (2/10/2018). pp. 91–220.
Barra, Sérgio Nuno Craveiro, et al. “A Review on Advanced Atrioventricular Block in Young or Middle-Aged Adults.”
Pacing and Clinical Electrophysiology. vol. 35, no. 11 (2012). pp. 1395–1405.
Blomström-Lundqvist, Carina, et al. “ACC/AHA/ESC Guidelines for the Management of Patients with Supraventricular Arrhythmias—Executive Summary: A Report of the American College of Cardiology/American Heart Association Task Force on Practice Guidelines and the European Society of Cardiology Committee for Practice Guidelines (Writing Committee to Develop Guidelines for the Management of Patients With Supraventricular Arrhythmias).”
the American College of Cardiology Foundation, the American Heart Association, Inc., and the European Society of Cardiology. vol. 108, no. 15 (2003). pp. 1871–1909.
Buxton, Alfred E et al. “ACC/AHA/HRS 2006 Key Data Elements and Definitions for Electrophysiology Studies and Procedures: A Report of the American College of Cardiology/American Heart Association Task Force on Clinical Data Standards (ACC/AHA/HRS Writing Committee to Develop Data Standards on Electrophysiology).”
Journal of the American College of Cardiology. vol. 48, no. 11 (2006). pp. 2360–2396.
Cantillon, Daniel J. “Evaluation and Management of Premature Ventricular Complexes.”
Cleveland Clinic Journal of Medicine. vol. 80, no. 6 (JUNE2013). pp. 377–387.
Ganz, Leonard I. & PeterL. Friedman. “Supraventricular Tachycardia.”
The New England Journal of Medicine. vol. 332, no. 3 (19/1/1995). pp. 162–173.
Hall, John E.
Guyton and Hall Textbook of Medical Physiology. 13th ed. USA: Elsevier, 2016.
Honarmand, Kimia et al. “Adherence to Advanced Cardiovascular Life Support (ACLS) Guidelines during in-Hospital Cardiac Arrest Is Associated with Improved Outcomes.” Resuscitation. vol. 129 (6/6/2018). pp. 76-81.
Laina, Ageliki et al. “Amiodarone and Cardiac Arrest: Systematic Review and Meta-Analysis.”
International Journal of Cardiology. vol. 221 (2016). pp. 780-788.
Padala, Santosh K., José-Angel Cabrera & Kenneth A. Ellenbogen. “Anatomy of the Cardiac Conduction System.”
Pacing and Clinical Electrophysiology. vol. 44, no. 1 (2021). pp. 15–25.
Spodick, David H. “Normal Sinus Heart Rate: Sinus Tachycardia and Sinus Bradycardia Redefined.”
American Heart Journal. vol. 124, no. 4 (October 1992). pp. 1119–1121.
Zeltser, Daniel, et al. “Drug-Induced Atrioventricular Block: Prognosis after Discontinuation of the Culprit Drug.”
Journal of the American College of Cardiology. vol. 44, no. 1 (7/7/2004). pp. 105–108.
[1] John E. Hall,
Guyton and Hall Textbook of Medical Physiology, 13th ed. (USA: Elsevier, 2016); Santosh K. Padala, José-Angel Cabrera & Kenneth A. Ellenbogen, “Anatomy of the Cardiac Conduction System,”
Pacing and Clinical Electrophysiology, vol. 44, no. 1 (January 2021), pp.15–25; “Overview of Heart Arrhythmias: The Basics,” UpToDate, 2025, at:
https://acr.ps/hBy0MAy
[2] Antonis S Manolis, “Premature atrial contractions and junctional premature beats in adults,” UpToDate, 27/10/2025, accessed on 15/4/2026, at:
https://acr.ps/hBy0MvX
[3] Ibid.
[4] Khashayar Farzam & John R Richards, “Premature Ventricular Contraction,” NCBI Bookshelf, 8/8/2023, accessed on 13/04/2026, at:
https://acr.ps/hBy0MsT
[5] Daniel J. Cantillon, “Evaluation and Management of Premature Ventricular Complexes,” Cleveland Clinic Journal of Medicine, vol. 80, no. 6 (2013), pp. 377–387.
[6] Antonis S Manolis, “Premature Ventricular Complexes: Clinical Presentation and Evaluation,” UpToDate, 27/10/2025, accessed on 15/4/2026, at:
https://acr.ps/hBy0Muq
[7] Robert Phang & Jordan M Prutkin, “Atrial Flutter: Overview of Diagnosis and Management,” UpToDate, 3/2/2025, accessed on 13/04/2026 at:
https://acr.ps/hBy0MxuKapil Kumar, “Atrial Fibrillation: Overview and Management of New-Onset Atrial Fibrillation,” UpToDate, 25/11/2025, accessed on 13/4/2026, at:
https://acr.ps/hBy0Mrm
[8] Ibid.
[9] Leonard I. Ganz & PeterL. Friedman, “Supraventricular Tachycardia,”
The New England Journal of Medicine, vol. 332, no. 3 (19/1/1995), pp. 162–173.
[10] Carina Blomström-Lundqvist et al., “ACC/AHA/ESC Guidelines for the Management of Patients with Supraventricular Arrhythmias—Executive Summary: A Report of the American College of Cardiology/American Heart Association Task Force on Practice Guidelines and the European Society of Cardiology Committee for Practice Guidelines (Writing Committee to Develop Guidelines for the Management of Patients With Supraventricular Arrhythmias),”
the American College of Cardiology Foundation, the American Heart Association, Inc., and the European Society of Cardiology, vol. 108, no. 15 (2003), pp. 1871–1909.
[11] Ibid.
[12] A. A. Adgey et al., “Incidence, Significance, and Management of Early Bradyarrhythmia Complicating Acute Myocardial Infarction,”
The Lancet, vol. 292, no. 7578 (23/11/1968), pp. 1097–1101; David H Spodick, “Normal Sinus Heart Rate: Sinus Tachycardia and Sinus Bradycardia Redefined,”
American Heart Journal, vol. 124, no. 4 (October 1992), pp. 1119–1121.
[13] Daniel Zeltser et al., “Drug-Induced Atrioventricular Block: Prognosis after Discontinuation of the Culprit Drug,”
Journal of the American College of Cardiology, vol. 44, no. 1 (2004), pp. 105-108; Sérgio Nuno Craveiro Barra et al., “A Review on Advanced Atrioventricular Block in Young or Middle-Aged Adults,”
Pacing and Clinical Electrophysiology, vol. 35, no. 11 (2012), pp. 1395–1405, doi:
10.1111/j.1540-8159.2012.03489.x
[14] “Overview of Heart Arrhythmias: The Basics.”.
[15] Ibid.
[16] Alfred E. Buxton et al., “ACC/AHA/HRS 2006 Key Data Elements and Definitions for Electrophysiology Studies and Procedures: A Report of the American College of Cardiology/American Heart Association Task Force on Clinical Data Standards (ACC/AHA/HRS Writing Committee to Develop Data Standards on Electrophysiology),”
Journal of the American College of Cardiology, vol. 48, no. 11 (2006), pp. 2360–2396.
[17] “Overview of Heart Arrhythmias: The Basics.”.
[18] Sana M Al-Khatib et al., “2017 AHA/ACC/HRS Guideline for Management of Patients with Ventricular Arrhythmias and the Prevention of Sudden Cardiac Death: A Report of the American College of Cardiology/American Heart Association Task Force on Clinical Practice Guidelines and the Heart Rhythm Society,” Journal of the American College of Cardiology, vol. 72, no. 14 (2/10/2018), pp. 91–220; Ageliki Laina et al., “Amiodarone and Cardiac Arrest: Systematic Review and Meta-Analysis,” International Journal of Cardiology, vol. 221, (15/10/2016), pp. 780–88; Kimia Honarmand et al., “Adherence to Advanced Cardiovascular Life Support (ACLS) Guidelines during in-Hospital Cardiac Arrest Is Associated with Improved Outcomes,” Resuscitation, vol. 129 (6/6/2018), pp. 76–81.
[19] Buxton,
op. cit.
[20] Zeltser,
op. cit.
[21] Ibid.
[22] Al-Khatib,
op. cit.
[23] Ibid.
[24] Blomström-Lundqvist,
op. cit.