بطرس البستاني (1819-1883) مُفكر ومُرَبٍّ وصحافي موسوعي لبناني من قضاء الشوف، لُقِّب بالمُعلّم في عصره، وكان أحد رُوّاد النهضة الثقافية والعلمية في الوطن العربي. كتب عن أمور متنوّعة سابقة لعصره، منها حقوق المرأة. وبهدف بثِّ روح المواطنة بين أبناء سورية عمومًا وجبل لبنان خصوصًا، أصدر جريدة نفير سورية في 29 أيلول/ سبتمبر 1860، التي جاءت ردًّا على فتنة عام 1860 التي بدأت في جبل لبنان وامتدّت إلى مدينة دمشق، وظلَّ يصدرها حتى 22 نيسان/ أبريل 1861. تبعها بمجلة الجنان الأدبية وجريدة الجنة التجارية عام 1870، وجريدة الجنينة التي صدر عددها الأول في 1 شباط/ فبراير 1871، واستمرّت حتى 1 حزيران/ يونيو 1875. وفي ستينيات القرن التاسع عشر، وضع معجم محيط المحيط، الذي صدر الجزء الأول منه عام 1867، والثاني عام 1870. وقد أسهم كذلك في ترجمة التوراة إلى اللغة العربية، وفي تأسيس مدرسة عيبة في جبل لبنان، والمدرسة الوطنية في بيروت. وأسهم في إصدار ستة أجزاء من موسوعة دائرة المعارف قبل وفاته عام 1883.
نشأته وتعليمه
وُلد بطرس البستاني في قرية الدبية من قضاء الشوف، وتَعلَّم في مدرستها قبل أن ينتقل إلى مدرسة عين ورقة في كسروان[1]. وقد بدأ حياته المهنية أستاذًا في مدرسة عين ورقة، وعَمِل مُترجِمًا للقوات البريطانية، خلال حملتها لطرد جيش إبراهيم باشا (1789-1848) من سورية عام 1840[2]. ثم التحق بالإرسالية الإنجيلية الأميركية، وعَمِل مُترجِمًا لدى القنصلية الأميركية في بيروت، حيث كانت له علاقة متينة مع المُبشِّرين الأميركيّين، واعتنق المذهب البروتستانتي بدلًا من الماروني[3]. وفي عام 1846، كلّفه أحد المُبشِّرين، وهو كورنيليوس ڨان دايك (Cornelieus Van Dyke، 1818-1895)، بتأسيس مدرسة حديثة في عيبة بكسروان، حيث وضع كتابًا مرجعيًا في الرياضيات باسم كشف الحساب في علم الحساب، وظلّ يُدرّس هناك سنوات طويلة[4]. وعندما شرع ڨان دايك في استكمال ترجمة التوراة التي بدأها زميله إيلي سميث (Eli Smith، 1801-1857) قبل وفاته، عاوَنهُ البستاني، مُستغِلًّا طلاقة لسانه في اللغة العبرانية التي تعلَّمَها في شبابه، فضلًا عن اليونانية واللاتينية والسريانية[5].
نفير سورية
بعد الأحداث الدامية التي وقعت في جبل لبنان بين الموارنة والدروز عام 1860، ووصلت إلى زحلة ثم دمشق في تموز/ يوليو من العام نفسه، أصدر البستاني جريدة نفير سورية في 29 أيلول/ سبتمبر 1860، للتعريف بمفهومَي الوطن والوطنية[6]. هدفت الجريدة إلى توعية أبناء جبل لبنان بمخاطر الانقسام الطائفي، وكانت صغيرةً ومباشرةً لا تتجاوز ورقة واحدة في الأسبوع، وتتضمَّن افتتاحية بقلم البستاني يتراوح عدد أسطرها بين 25-75 سطرًا. صدر من الجريدة 11 عددًا، كان آخرها في 22 نيسان/ أبريل 1861، وقد وقَّعَها كلها بعبارة "مِن مُحبٍّ للوطن"[7]. وكانت افتتاحياته تبدأ بعبارة "يا أبناء الوطن". وبدءًا من العدد الرابع، بدأ بتسمية كل عدد من أعداد الجريدة، وأطلق على العدد الرابع اسم "الوطنية الرابعة"[8]. وقد كتب فيه: "يا أبناء الوطن، لقد أكثرنا ذكر الوطن في نشراتنا، وما ذلك إلا لأنه أحبُّ شيء إلى سمع من كان مُحِبًّا لوطنه، وألذّ ما زُيّن به جِيد العربية من الكلمات المُولَّدة[9]". وأضاف أن المقصود بالوطن هو سورية: "فسورية المشهورة ببرِّ الشّام وعربستان هي وطنُنا، على اختلاف سهولها ووعورها وسواحلها وجبالها. وسكان سورية، على اختلاف مذاهبهم وهيئاتهم وأجناسهم وتشعُّباتهم، هم أبناء وطننا[10]".
محيط المحيط
في عام 1863، أسَّس البستاني المدرسة الوطنية في بيروت، التي استقطبت طُلّابًا من كل الولايات العربية في الدولة العثمانية، وشرع في تأليف معجم محيط المحيط، الذي نُشر الجزء الأول منه عام 1867[11]، وكان الأول من نوعه باللغة العربية، ورُتِّب وفق الأحرف الهجائية الألفبائية[12]. خلال هذه المرحلة، تَرْجَم البستاني رواية روبنسون كروزو (Robinson Crusoe) التي صدرت عام 1719 إلى اللغة العربية، علاوة على كتاب عن حياة نابليون بونابارت (Napoleon Bonaparte، 1769-1821) صادر باللغة الفرنسية. وقد كرَّمته الدولة العثمانية على أعماله بِمَنحِه 250 ليرة عثمانية، ومَنَحَتْه الوسام المجيدي[13].
عمله الصحفي بعد "نفير سورية"
بعد إنجاز محيط المحيط، أطلق البستاني مجلة أدبية علمية باسم الجنان، صدر عددها الأول في 1 كانون الثاني/ يناير 1870. وقد ألحقها بعد ستة أشهر بجريدة الجنّة التجارية، ثم جريدة الجنينة التي صدر عددها الأول في 2 شباط/ فبراير 1871، وتوقَّفت عام 1875 بسبب تفشّي وباء الكوليرا[14]. وقد تعاون في هذه المشروعات الصحفية مع نجله سليمان البستاني (1848-1884). وفي عام 1875، بدأ العمل على موسوعة دائرة المعارف للتعريف بمشاهير السياسة والأدب، لكنه لم يُصدر منها إلا ستة أجزاء، وتُوفّي في أثناء كتابة الجزء السابع الذي بدأ بحرف "العين"[15].
مؤلفاته وترجماته وكتبٌ عنه
الكتب المؤلَّفة
- بلوغ الأرب في نحو العرب (مخطوط، 1846-1848).
- في تعليم النساء (1849).
- روضة التاجر في مبادئ مسك الدفاتر (1851).
- أعمال الجمعية السورية (1852).
- مصباح الطالب في بحث المطالب (تحقيق) (1854).
- في آداب العرب (1859).
- أخبار الأعيان في جبل لبنان (تحرير) (1859).
- شرح ديوان المتنبي (1860).
- مفتاح المصباح في الصرف والنحو للمبتدئين (1862).
- مصباح الحساب ودليل الكاسب (1864).
- محيط المحيط، ج 1، 2 (1866، 1869).
- قطر المحيط (1869).
- خطاب في الهيئة الاجتماعية والمقابلة بين العوائد العربية والإفرنجية (1869).
- دائرة المعارف: قاموس عام لكل فن ومطلب (1876-1885).
- قصة أسعد شدياق (1878).
- كشف الحجاب في علم الحساب (1887).
- الرسائل العصرية (1910).
- جواهر الأدب (1926).
- أدباء العرب في الأعصر العباسية (1934).
- معارك العرب في الشرق والغرب (1944).
- معارك العرب في الأندلس (1950).
- رسالة التوابع والزوابع (تحقيق) (1950).
الكتب المترجمة
- الباب المفتوح في أعمال الروح، تأليف أيلي سميث، 1843.
- سياحة المسيحي، تأليف جون بنيان، 1844.
- التحفة البستانية في الأسفار الكروزية، أو رحلة روبنسون كروزو، تأليف دانيال ديفو، 1861.
- الكتاب المقدس، 1865.
- تاريخ نابليون الأول (3 أجزاء)، 1868.
كتب صدرت عنه
- عبد اللطيف الطيباوي. المعلم بطرس البستاني. دمشق: مجمع اللغة العربية، 1970.
- جان دايه. المعلم بطرس البستاني: دراسة ووثائق. بيروت: منشورات مجلة فكر، 1981.
- خليل أبو رجيلي. من أعلام التربية: المعلم بطرس البستاني. بيروت: اليونسكو، 1986.
- عبد الكريم اليافي. المعلم بطرس البستاني وقاموسه محيط المحيط. دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1992.
- يوسف قزما الخوري. رجل سابق لعصره: المعلم بطرس البستاني. بيروت: مكتبة بيسان، 1995.
- فايز علم الدين القيس. أثر المعلم بطرس البستاني في النهضة الوطنية في لبنان. بيروت: دار الفارابي، 2005.
- غسان خلف. أضواء على ترجمة البستاني ڨاندايك العهد القديم. بيروت: جمعية الكتاب المقدس، 2009.
- هاشم بن خاطر البكري. الدور التغريبي لبطرس البستاني في دائرة معارف العربية. الدار البيضاء: مكتبة المكرمة، 2012.
- عبد الله الفضيخ. الصناعة المعجمية عند البستاني في محيط المحيط. الرياض: جامعة الملك سعود، 2016.
الوفاة والتكريم
تُوفّي البستاني في بيروت في 1 أيار/ مايو 1883، عن عمرٍ ناهز 64 عامًا. وقد أُطلِق اسمه على المدرسة الوطنية التي أسَّسها في حي زقاق البلاط، وعلى شارع في الحي نفسه. كذلك سُمّي شارع باسمه في تونس وفي حي القصاع بدمشق. وفي عام 2008، أُشهِرت مؤسسة بطرس البستاني في دير القمر، المَعنيّة بالحفاظ على إرثه الفكري والثقافي. تَبِعَها إنشاء الهيئة الوطنية لإحياء ذكرى وفاته، التي تضطلع بعدة أنشطة سنويًا، مع يوم مُخصَّصٍ لأعماله في المكتبة الوطنية اللبنانية في منطقة الصنائع بوسط بيروت.
المراجع
الجندي، أدهم. أعلام الأدب والفن. دمشق: مطبعة الاتحاد، 1958.
داية، جان. المعلم بطرس البستاني. بيروت: منشورات مجلة فكر، 1981.
الزركلي، خير الدين. الأعلام. بيروت: دار العلم للملايين، 1997.
زيدان، جرجي. تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر. وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2017.
سيف، أنطوان. ثلاثة حكماء من جبل لبنان. بيروت: مؤسسة أنطوان الجلخ وإخوانه، 1999.
فنديك، إدوارد. اكتفاء القنوع بما هو مطبوع من أشهر التآليف العربية في المطابع الشرقية والغربية. صححه محمد علي الببلاوي. القاهرة: دار الهلال، 1897.
[1] جرجي زيدان، تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، ج 2 (وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2017)، ص 33.
[2] المرجع نفسه.
[3] المرجع نفسه.
[4] أدهم الجندي، أعلام الأدب والفن، ج 2 (دمشق: مطبعة الاتحاد، 1958)، ص 248.
[5] المرجع نفسه.
[6] المرجع نفسه، ص 37-39.
[7] جان داية، المعلم بطرس البستاني (بيروت: منشورات مجلة فكر، 1981)، ص 52.
[8] المرجع نفسه.
[9] أنطوان سيف، ثلاثة حكماء من جبل لبنان (بيروت: مؤسسة أنطوان الجلخ وإخوانه، 1999)، ص 26.
[10] داية، ص 32.
[11] خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 2 (بيروت: دار العلم للملايين، 1997)، ص 58.
[12] زيدان، ص 39.
[13] المرجع نفسه؛ إدوارد فنديك، اكتفاء القنوع بما هو مطبوع من أشهر التآليف العربية في المطابع الشرقية والغربية، صححه محمد علي الببلاوي (القاهرة: دار الهلال، 1897)، ص 411.
[14] الزركلي، ص 58.
[15] الجندي، ص 248.