الموجز
العقلانية المحدودة (Bounded Rationality) مفهوم في نظرية القرار يُؤكّد على محدودية العقلانية البشرية، من حيث محدودية القدرات الإدراكية للأفراد، وقيود الزمن، ونقص المعلومات. وقد تطوَّر المفهوم على يد هربرت سيمون في أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته، الذي حصل عام 1978 على جائزة نوبل في الاقتصاد. وقد كانت للمفهوم آثار عميقة في كثير من الاختصاصات، ولا سيّما الاقتصاد، وعلم النفس، والعلوم السياسية، والسلوك التنظيمي، والذكاء الاصطناعي.
التعريف
هربرت سيمون
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
العقلانية المحدودة مفهوم في نظرية القرار يؤكّد على محدودية العقلانية البشرية، بما في ذلك محدودية القدرات الإدراكية والقدرة الحسابية، وقيود الزمن والمعلومات، التي تمنع الأفراد من اتخاذ قرارات عقلانية على نحوٍ مثالي. وتتحدّى العقلانية المحدودة بذلك الافتراض الكلاسيكي للعقلانية الكاملة (Perfect Rationality)، الذي ينصّ على أن الأفراد يتخذون دائمًا قرارات مثالية بناءً على معلومات كاملة وقدرات إدراكية غير محدودة.
ظهر المفهوم على يد هربرت سيمون (Herbert Simon، 1916-2001)، في كتابه السلوك الإداري عام 1947، قبل أن يُطوّره لاحقًا[1]. أكّد سيمون أن الأفراد يرضون بما فيه الكفاية {{مُرضٍ بما فيه الكفاية: (Satisficing) مصطلح صاغه هربرت سيمون من خلال دمج كلمتَي إرضاء (Satisfy) وبما يكفي (Suffice)، لوصف عملية صنع القرار التي تسعى إلى إيجاد حلول مناسبة بدلًا من الحلول المثالية، مع الاعتراف بالقيود المعرفية والقيود الزمنية التي تجعل التحسين المثالي غير عملي في المواقف المعقدة في العالم الحقيقي.}} بدلًا من التعظيم {{التعظيم: (Optimizing) يُشير في الاقتصاد النيوكلاسيكي إلى أنّ الفاعلين الاقتصاديين يتّخذون خيارات تُعظّم منفعتهم أو أرباحهم، وتُحقق أفضل نتيجة ممكنة بالنظر إلى تفضيلاتهم وقيودهم والمعلومات المتاحة.}}، أي أنهم يسعون إلى حلولٍ مُرضية بما فيه الكفاية لتلبية احتياجاتهم، بدلًا من السعي إلى الحصول على أفضل نتيجةٍ ممكنة. وقد طوَّر سيمون نظريته في مقابل الافتراضات غير الواقعية للاقتصاد النيوكلاسيكي، التي تفترض أن الفرد إنسان اقتصادي (Homo Economicus) يتمتع بموارد إدراكية غير محدودة، وقدرة حسابية غير محدودة، ومعلومات كاملة، واتساقٍ كامل وثابت في التفضيلات[2].
في المقابل، تؤكد العقلانية المحدودة على الحقائق العملية لصنع القرار، إذ يعمل الأفراد في ظل حالةٍ من عدم اليقين، ويعتمدون على الاستدلالات (Heuristics)، وهي اختصارات ذهنية أو قواعد بسيطة تسمح بتبسيط المشكلات المعقدة، والتعامل مع بيئات صنع القرار المعقدة بجهد إدراكي محدود[3]. وقد سلّط دانييل كانيمان (Daniel Kahneman، 1934-2024) وأموس تفيرسكي (1937-1996) في أعمالهما عن نظرية الاحتمالات، الضوء على كيفية تقييم الأفراد المكاسب والخسائر بشكل غير متماثل، ما يؤدي إلى سلوكات غير عقلانية يمكن التنبؤ بها[4]. كذلك بيَّنت أعمال أخرى فاعلية الاستدلالات، وأكَّدت أنها غالبًا ما تؤدي إلى قرارات دقيقة وعقلانية، لا سيما في بيئاتٍ يكون فيها التعظيم غير ممكن[5].
التأثير في الاختصاصات الأخرى
كانت لمفهوم العقلانية المحدودة آثار عميقة في كثير من الاختصاصات، ولا سيّما الاقتصاد، وعلم النفس، والعلوم السياسية، والسلوك التنظيمي. ففي مجال الاقتصاد، كان للمفهوم تأثيرٌ كبير في تطوير الاقتصاد السلوكي، الذي يدمج الرؤى النفسية في النماذج الاقتصادية لتفسير عملية اتخاذ القرار في العالم الحقيقي على نحوٍ أفضل. على سبيل المثال، تساعد العقلانية المحدودة في تصميم السياسات العامة من خلال هيكلة الخيارات، بطرق تُوجِّه الأفراد نحو نتائج أفضل، من دون تقييد حريتهم[6].
وفي نظرية التنظيم، تشرح العقلانية المحدودة سبب اعتماد الشركات والمؤسسات في كثير من الأحيان على الممارسات الاعتيادية (Routines)، وإجراءات التشغيل القياسية، والبنيات الهرمية لإدارة التعقيد. وكما أشار إلى ذلك سيمون، تُعوّض المنظمات القيود المعرفية الفردية من خلال خلق بيئات تعمل على تبسيط عمليات صنع القرار. وقد استُكشفت هذه الفكرة وطُوّرت على نحوٍ أوسع على يد جيمس مارش (James March، 1928-2018) وريتشارد سايرت (Richard Cyert، 1921-1998)، اللذين استكشفا كيفية تكيُّف المنظمات مع حالة عدم اليقين والمعلومات غير الكاملة[7].
كذلك دمج أوليڨر ويليامسون (Oliver Williamson، 1932-2020) مفهوم العقلانية المحدودة في نظريته حول اقتصاد تكاليف المعاملات (Transaction Cost Economics)، لتفسير سبب وجود الشركات وكيفية هيكلة آليات حكامتها[8]. وأكّد ويليامسون أنه بسبب العقلانية المحدودة، فإنّ الشركات والمؤسسات مقيّدة بالقيود الإدراكية المحدودة وتعقيد الترتيبات التعاقدية، ما يجعل من الصعب توقُّع الطوارئ جميعها وإنفاذ العقود الكاملة. وتؤدي هذه القيود إلى عقودٍ غير كاملة، وتخلق فرصًا للسلوك الانتهازي الذي ينتقص من الفاعلية الاقتصادية، ما يزيد من تكاليف المعاملات. نتيجةً لذلك، تعمل الشركات والمؤسسات على تطوير بنيات حكامة هرمية للتخفيف من أوجه القصور هذه، واستبدال التنسيق الداخلي بالتبادلات السوقية عندما تصبح تكاليف المعاملات باهظة. فمن خلال التأكيد على العقلانية المحدودة، وسَّع ويليامسون رؤى رونالد كوز بشأن طبيعة الشركة[9]، موضحًا لماذا تظهر الشركات بوصفها بنيات حكامة بديلة لتقليل المخاطر التعاقدية في الأسواق غير الكاملة[10].
أيضًا، دمجَ كلٌّ من ريتشارد نيلسون (Richard Nelson، 1930-2025) وسيدني وينتر (Sidney Winter، 1935-) مفهومَ العقلانية المحدودة في نهجهما الاقتصادي التطوري النيو-شومبيتري (Neo-Schumpeterian Evolutionary Economics)، من خلال القول إن الشركات لا تعمل على التعظيم بالمعنى النيوكلاسيكي، ولكنها تعتمد بدلًا من ذلك على الممارسة الاعتيادية، بوصفها نمطًا سلوكيًا ثابتًا يُشكَّل من خلال تجارب الماضي والقدرات الإدراكية المحدودة[11]. وبذلك، يدعم منظور العقلانية المحدودة انتقاد الاقتصاد التطوري النيو-شومبيتيري للنظريات القائمة على التوازن، من خلال تأكيده أن التغيير الاقتصادي مدفوع بالأنشطة الإبداعية للشركات، والأداء التفاضلي، والتراكم الدينامي للقدرات؛ ومن ثمّ تعزيز وجهة نظر جوزيف شومبيتر (Joseph Schumpeter، 1883-1950) بشأن التدمير الخلّاق (Creative Destruction)، بوصفه مُحرّك التقدم الاقتصادي[12].
أثَّرت العقلانية المحدودة أيضًا في تطورات الذكاء الاصطناعي والنماذج الحسابية لاتخاذ القرار. فعلى النقيض من النماذج الكلاسيكية للذكاء الاصطناعي، التي افترضت قدرات معالجة المعلومات الكاملة، فإن الأساليب المعاصرة تتضمن العقلانية المحدودة في تصميم أنظمةٍ لصنع القرار، أقرب إلى تلك التي يمتلكها البشر[13].
الانتقادات
تؤكّد انتقادات العقلانية المحدودة أن هذا المفهوم شديد الغموض، أو أنه ينطوي على مخاطر التقليل من شأن القدرات الإدراكية البشرية. ومع ذلك، تكمن أهميته في القدرة على سدّ الفجوة بين النماذج المثالية للعقلانية والحقائق المعقدة لاتخاذ القرار البشري؛ فمن خلال التعرُّف إلى القيود التي يعمل الأفراد في ظلها، تُوفّر العقلانية المحدودة إطارًا أكثر دقةً وواقعيةً لفهم السلوك في البيئات المعقدة.
المراجع
Becker, Gary S. The Economic Approach to Human Behavior. Chicago, IL: University of Chicago Press, 1976.
Coase, Ronald H. “The Nature of the Firm.” Economica. vol. 4, no. 16 (1937). pp. 386-405.
Gigerenzer, Gerd & Daniel G. Goldstein. “Reasoning the Fast and Frugal Way: Models of Bounded Rationality.” Psychological Review. vol. 103, no. 4 (1996). pp. 650-669.
Kahneman, Daniel & Amos Tversky. “Prospect Theory: An Analysis of Decision under Risk.” Econometrica. vol. 47, no. 2. (1979). pp. 263-292.
March, James G. & Herbert A. Simon. Organizations. New York: Wiley, 1958.
Cyert, Richard M. & James G. March. A Behavioral Theory of the Firm. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1963.
Nelson, Richard R. & Sidney G. Winter. An Evolutionary Theory of Economic Change. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 1982.
Russell, Stuart & Peter Norvig. Artificial Intelligence: A Modern Approach. 4th ed. Upper Saddle River, NJ: Pearson, 2021 [1995].
Schumpeter, Joseph A. Capitalism, Socialism, and Democracy. New York: Harper & Brothers, 1942.
Simon, Herbert A. Administrative Behavior: A Study of Decision-Making Processes in Administrative Organizations. New York: Macmillan, 1947.
__________. Models of Man: Social and Rational. New York: Wiley, 1957.
__________. “Theories of Bounded Rationality.” in: C.B. McGuire & Roy Radner (eds.). Decision and Organization. Amsterdam: North-Holland, 1972. pp. 161-176.
Thaler, Richard H. & Cass R. Sunstein. Nudge: Improving Decisions About Health, Wealth, and Happiness. New Haven, CT: Yale University Press, 2008.
Williamson, Oliver E. Markets and Hierarchies: Analysis and Antitrust Implications. New York: Free Press, 1975.
[1] Herbert A. Simon, Administrative Behavior: A Study of Decision-Making Processes in Administrative Organizations (New York: Macmillan, 1947); Herbert A. Simon, Models of Man: Social and Rational (New York: Wiley, 1957).
[2] Gary S. Becker, The Economic Approach to Human Behavior (Chicago, IL: University of Chicago Press, 1976).
[3] Herbert A. Simon, “Theories of Bounded Rationality,” in: C. B. McGuire & Roy Radner (eds.), Decision and Organization (Amsterdam: North-Holland, 1972), pp. 161-176.
[4] Daniel Kahneman & Amos Tversky, “Prospect Theory: An Analysis of Decision under Risk,” Econometrica, vol. 47, no. 2 (1979), pp. 263-292.
بيَّنا كذلك أنّ هذه الأساليب الاستدلالية، على الرغم من فاعليتها في كثير من الأحيان، يمكن أن تؤدي إلى تحيُّزات إدراكية وأخطاء منهجية.
[5] Gerd Gigerenzer & Daniel G. Goldstein, “Reasoning the Fast and Frugal Way: Models of Bounded Rationality,” Psychological Review, vol. 103, no. 4 (1996), pp. 650-669.
[6] Richard H. Thaler & Cass R. Sunstein, Nudge: Improving Decisions About Health, Wealth, and Happiness (New Haven, CT: Yale University Press, 2008).
[7] James G. March & Herbert A. Simon, Organizations (New York: Wiley, 1958); Richard M. Cyert & James G. March, A Behavioral Theory of the Firm (Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1963).
[8] Oliver E. Williamson, Markets and Hierarchies: Analysis and Antitrust Implications (New York: Free Press, 1975).
[9] Ronald H. Coase, “The Nature of the Firm,” Economica, vol. 4, no. 16 (1937), pp. 386-405.
[10] Williamson.
[11] Richard R. Nelson & Sidney G. Winter, An Evolutionary Theory of Economic Change (Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 1982).
[12] Joseph A. Schumpeter, Capitalism, Socialism, and Democracy (New York: Harper & Brothers, 1942).
[13] Stuart Russell & Peter Norvig, Artificial Intelligence: A Modern Approach, 4th ed. (Upper Saddle River, NJ: Pearson, 2021 [1995]).