"بيكباشي" (بالتركية: Binbaşı) هي إحدى الرتب العسكرية في الدولة العثمانية {{الدولة العثمانية: نشأت (ق. 13–1924) شمال غرب الأناضول، لتضم لاحقًا البلقان والأراضي العربية. توسعت بفضل غزو الحدود وضعف البيزنطيين، وبلغت ذروتها بالفتح والسيطرة على مناطق واسعة، قبل أن تضعف وتنتهي بقيام الجمهورية التركية عام 1924.}}. وهي مفردة تركية ذات أصل فارسي، مُركَّبة من مقطعين، هما: "بيك" ويعني ألف؛ و"باشي" ويعني الرأس أو الرئيس. وتُستخدم اصطلاحًا للدلالة على رتبة يرأس صاحبها وحدة عسكرية قوامها ألف جندي تُعرف باسم "الطابور" (Tabur)، أي الكتيبة[1]. أما عند الإشارة إليها، فكان يُستخدم مصطلح "البيكباشية" (بالتركية: بيكباشي لق/ Binbaşılık)[2]. وتقابلها اليوم في المصطلحات العسكرية الحديثة رتبة "مقدم" أو "كومندان"[3] (الصورة 1).
لم تكن رتبة "البيكباشي" من مستحدثات الدولة العثمانية، بل هي أقدم عهدًا من ذلك؛ إذ عرفتها الدول التركية القديمة مثل "التابغاج" (Tabgaç)، و"الـﮔوك تُرك" (Göktürk)، و"الأويغور" (Uygur)، إذ وردت بصيغ مختلفة مثل "بين بَگي" (Binbegi) و"مين بَگي" (Minbegi). واستُخدمت أيضًا في التشكيلات العسكرية عند المغول والصفويين[4].
أما في الدولة العثمانية، فقد شهدت الهيكلية العسكرية تطورًا ملحوظًا، ولا سيما في عهد السلطان أورخان غازي {{السلطان أورخان غازي: (1288-1360، وحكم بين عامَي 1326 و1360)، المؤسس الثاني للسلالة العثمانية، لُقب بـ"الغازي". نجح في تحويل الإمارة الفتية إلى إمبراطورية مترامية الأطراف عبر تنظيم إداري ومالي محكم، وقاد غزوات داخل الأراضي المسيحية، مؤسسًا بذلك معالم الدولة الناشئة.}}؛ إذ أُدخلت رتبة "بيكباشي" (Binbaşı) للمرة الأولى ضمن الهرم القيادي في الجيش. وكانت هذه الرتبة تُمنح للقادة المسؤولين عن وحدات قتالية تضم ألف مقاتل، تزامنًا مع إدخال رتبتَي "يوزباشي" (Yüzbaşı)، التي تعني قائد المئة، و"أونباشي" (Onbaşı)، التي تعني قائد العشرة، ما أسس لهيكل قيادي متكامل ومنظم. وما لبث أن تراجع استخدام هذه الرتبة مدة طويلة، ولم تُعاود الظهور إلا في أواخر القرن الثامن عشر ضمن إطار ما يُعرف باسم "النظام الجديد {{النظام الجديد: (Nizam-ı Cedid) الجيش النظامي الذي أسسه السلطان سليم الثالث بوصفه فرقة عسكرية حديثة على النمط الأوروبي. عارضته الإنكشارية، ما أدى إلى إلغائه بعد ثورة عزلته. أعاد تشكيله لاحقًا السلطان محمود الثاني.}}" في إشارة إلى الإصلاحات العسكرية التي أدخلها السلطان سليم الثالث (1761–1808، حكم بين عامي 1789 و1807)، والرامِية إلى تحديث الجيش العثماني من طريق إعادة تنظيم الوحدات العسكرية العثمانية وتطويرها على غرار الجيوش الأوروبية. وقد تعزز دورها واستقر على نحو أرسَخ عقب تأسيس السلطان محمود الثاني {{السلطان محمود الثاني: (1785–1839، حكم بين عامي 1808 و1839) أحد أبرز السلاطين العثمانيين المصلحين. تركزت إصلاحاته الجذرية على تحديث الإدارة، والجيش، والقضاء على نفوذ الإنكشارية عام 1826.}} لـ"العساكر المنصورة المحمدية {{العساكر المنصورة المحمدية: (Asâkir-i Mansûre-i Muhammediyye) الاسم الذي أطلقه السلطان محمود الثاني على التشكيلات العسكرية المنظمة والحديثة التي أسسها على النمط الأوروبي عام 1826 عقب إلغائه الإنكشارية.}}"؛ وذلك في مرحلة ما بعد الإطاحة بالإنكشارية في "الواقعة الخيرية {{الواقعة الخيرية: (Vaka-i Hayriye) مذبحة وقعت في إسطنبول عام 1826 عقب اعتراض الإنكشارية على نية السلطان محمود الثاني إنشاء جيش نظامي حديث، انتهت بقمع الإنكشارية، وتدمير ثكناتهم، وإعدام الناجين، وإلغاء هذا الفيلق.}}" عام 1826[5].
ارتكز هذا التنظيم العسكري الجديد في طوره التأسيسي الأول على تقسيمات تُعرف بـ"الترتيب"، و"الجناح"، و"الصف"؛ إذ تكون من ثمانية "ترتيبات" قُسّمت إلى "جناحين"، انقسم كل منهما بدوره إلى ستة "صفوف"، وتولى قيادة كل ترتيب ضابط برتبة "بيكباشي" (Binbaşı)[6].
بيد أن هذا التنظيم لم يتماشَ مع المعايير المعتمدة في الجيوش الأوروبية، ما دفع إلى إعادة هيكلته في عام 1827، فاستعيض عن "الترتيب" بـ"الطابور"، وهي وحدة يقابلها اليوم في المصطلحات العسكرية الحديثة "الكتيبة"، عُهد بقيادتها إلى ضابط يحمل رتبة "بيكباشي" وفي عام 1832 استقر ترتيب هذه الرتبة بصورة نهائية في هرمية الرتب العسكرية، إذ حلّت وفقًا للتسلسل القيادي الذي اعتمده الجيش أعلى من رتبة "آلاي أميني"، وأدنى من رتبة "قائمقام"[7]. وكان صاحب هذه الرتبة المصنف ضمن فئة "أمراء الجيش" يُلقَّب بـلقب "بك" دومًا[8].
ووَفقًا للتسلسل الهرمي للأنساق التسعة لمراتب تشريفات الرتب المدنية والدينية والعسكرية في الدولة العثمانية بالصورة التي استقر عليها إبّان حقبة السلطان عبد الحميد الثاني (حكم بين عامي 1876 و1909)، كانت رتبة "البيكباشي" تقع في النسق السادس، وتقابلها من الرتب المدنية الرتبة "الثالثة" (Sâlise) القلمية-المدنية، ورتبة "ركاب همايون قبوجي باشي" (Rikab-ı Hümayun Kapucıbaş) المُلكية-المدنية، ويُخاطَب أصحابها رسميًّا بالنعت "رفعتلو بك" (Rif'atlı Bey)، وهو ما يعني "رفعة البك"[9].
استُخدم مصطلح "بيكباشي" (Binbaşı) في الجيش النظامي الذي أسسه محمد علي باشا (1769-1849، حكم مصر بين عامي 1805 و1848) في مصر، أسوةً بالعديد من المصطلحات العسكرية العثمانية الأخرى التي استوعِبَتْ في هيكلية الجيش المصري الحديث، قبل أن تُستبدل بها رتبة "المقدم"[10].
اكتسبت هذه الرتبة شهرة استثنائية في التاريخ المصري الحديث، ولا سيما في سياق "حركة الضباط الأحرار" التي نفذت في الثالث والعشرين من يوليو/ تموز عام 1952، وأطاحت بالنظام الملكي. وعلى الرغم من أنها كانت تقابل في المصطلحات العسكرية الحديثة رتبة "مقدم"، إلا أنها ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بمُنفِّذي الحركة ومُؤسِّسيها، ما منحها رمزية خاصة؛ إذ كان عدد من أبرز الضباط الذين قادوا هذه الحركة، وعلى رأسهم قائدها الفعلي جمال عبد الناصر (1918-1970)، يحملون رتبة "بيكباشي" عند تنفيذها. وإلى جانب عبد الناصر، كان كل من عبد الحكيم عامر (1919-1967)، وكمال الدين حسين (1921-1999) من بين الضباط المؤثرين في مجلس قيادة الثورة ممن حملوا الرتبة ذاتها. فقد أضحت هذه الرتبة، التي كانت في قلب قيادة الحركة، تمثل روح التغيير والثورة التي قادها هؤلاء الضباط الشبان، ما جعلها محفورة في الذاكرة الجمعية بوصفها رمزًا من رموز حركة تموز/ يوليو.
أما في الجمهورية التركية، فقد تواصل وجود هذه الرتبة ضمن التسلسل الهرمي في الجيش؛ إذ تأتي رتبة "بيكباشي" حاليًّا بين رتبتَي "يوزباشي" و"يارباي" (Yarbay)، ويُناط بالضابط الذي يحملها عادةً قيادة كتيبة أو ما يعادلها من الوحدات العسكرية[11].
المراجع
العربية
الحكيم، يوسف. سورية والعهد العثماني. ذكريات 1. ط 4. بيروت: دار النهار، 1980.
دهمان، محمد أحمد. معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي. بيروت: دار الفكر المعاصر؛ دمشق: دار الفكر، 1990.
سالنامه دولت عليه عثمانيه: سنة 1326 هجرية [1908-1909م]. درسعادت: مطبعه أحمد إحسان، 1323 مالية [1907م].
سامي، شمس الدين. قاموس ترکی. درسعادت: اقدام مطبعه سي، 1317هـ [1889م].
صابان، سهيل. المعجم الموسوعي للمصطلحات العثمانية التاريخية. الرياض: مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية، 2000.
صباغ، عباس وحسان حلاق. المعجم الجامع في المصطلحات الأيوبية والمملوكية والعثمانية ذات الأصول العربية والفارسية والتركية. بيروت: دار العلم للملايين، 1999.
الأجنبية
Özcan, Abdülkadir. “ASÂKİR-i MANSÛRE-i MUHAMMEDİYYE.” TDV İslâm Ansiklopedisi. 1991. at: https://acr.ps/1L9BP1r
________. “Binbaşı.” TDV İslâm Ansiklopedisi. 1992. at: https://acr.ps/1L9BPm1
Pakalın, Mehmet Zeki. Osmanlı Tarih Deyimleri ve Terimleri Sözlüğü. vol. 1. Istanbul: Milli Eğitim Bakanlığı Yayınları, 1971.
[1] شمس الدين سامي، قاموس ترکی (درسعادت: اقدام مطبعه سي، 1317هـ [1889م]) ص 332؛ محمد أحمد دهمان، معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي (بيروت: دار الفكر المعاصر؛ دمشق: دار الفكر، 1990)، ص 37؛ عباس صباغ وحسان حلاق، المعجم الجامع في المصطلحات الأيوبية والمملوكية والعثمانية ذات الأصول العربية والفارسية والتركية (بيروت: دار العلم للملايين، 1999)، ص 48.
[2] سامي، ص 332.
[3] يوسف الحكيم، سورية والعهد العثماني، ذكريات 1، ط 4 (بيروت: دار النهار، 1991)، ص 45.
[4] Abdülkadir Özcan, “Binbaşı,” TDV İslâm Ansiklopedisi, 1992, accessed on 7/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BPm1
[5] Ibid.
[6] Mehmet Zeki Pakalın, Osmanlı Tarih Deyimleri ve Terimleri Sözlüğü, vol. 1 (Istanbul: Milli Eğitim Bakanlığı Yayınları, 1971), p. 92.
[7] Ibid., vol. 1, p. 92; Abdülkadir Özcan, “ASÂKİR-i MANSÛRE-i MUHAMMEDİYYE,” TDV İslâm Ansiklopedisi, 1991, accessed on: 6/10/2025, at :https://acr.ps/1L9BP1r ;
سالنامه دولت عليه عثمانيه: سنة 1326 هجرية [1908-1909م] (درسعادت: مطبعه أحمد إحسان، 1323 مالية [1907م])، ص 38.
[8] الحكيم، ص 45.
[9]سالنامه دولت عليه عثمانيهسنة 1326 هجرية، ص 38، 40.
[10] Özcan, “Binbaşı”.
[11] Ibid.