تسجيل الدخول

معركة البابين

​اسم المعركة

معركة البابين

التصنيف

معركة عسكرية ضمن حلقات الصراع الصليبي النوري على مصر

الزمان

25 جمادى الأولى 562هـ، 18 آذار/ مارس 1167م

المكان

منطقة البابين (التابعة حاليًا لمحافظة المنيا، مصر)

الأطراف

الجيش الصليبي-الفاطمي، ضد الجيش النوري

أبرز القادة

· الجيش الصليبي-الفاطمي: الملك عموري الأول، والوزير شاور السعدي

· الجيش النوري: أسد الدين شيركوه، وصلاح الدين الأيوبي، شرف الدين برغش

أبرز النتائج

انتصار الجيش النوري


الموجز

معركة البابين (562هـ/ 1167م) معركة وقعت في 25 جمادى الأولى 562هـ، الموافق 18 آذار/ مارس 1167م، في منطقة البابين (التابعة حاليًا لمحافظة المنيا في مصر) عندما تحرّك جيش صليبي-فاطمي مشترك بقياده ملك بيت المقدس عموري الأول (Amalric I، حكم بين عامَي 1163 و1174)، والوزير الفاطمي شاور بن مجير السعدي، لاعتراضِ الجيش الشامي، الذي قاده القائد الكردي أسد الدين شيركوه (ت. 564هـ/ 1169م)، ومَنْعِه من التقدّم داخل البلاد. اعتمد شيركوه، ومعه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي (ت. 589هـ/ 1193م) الذي تولّى قيادة أحد الأجنحة، على المناورة وحرب الحركة، بتقسيم قوّاته إلى فِرَقٍ صغيرةٍ واستدراج فرسان الصليبيّين إلى مطاردة مُرهِقة في الصحراء، ما أفشل خطة التطويق المشتركة وأوقع خسائرَ معتبرةً في صفوف التحالف الصليبي-الفاطمي، في حين تمكّن شيركوه من الانسحاب المُنظَّم نحو الإسكندرية لتنظيم جيشه واستعادة قوّته، الأمر الذي أجبر عموري وشاور على قَبول صلح يقضي بانسحاب الجيش الشامي مقابل إخلاء الصليبيّين للإسكندرية.

تُعدّ هذه المعركة من أبرز محطات الصراع النوري-الصليبي على مصر في النصف الثاني من القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، وتُمثّل الذروة العسكرية للحملة النورية الثانية على مصر التي أرسلها نور الدين زنكي (511-569هـ/ 1118-1174م، حكم بين عامَي 541هـ/ 1146م و569هـ/ 1174م) بقيادة أسد الدين شيركوه، بهدف نزع مصر الفاطمية من دائرة النفوذ الصليبي وربطها بجبهة الشام الإسلامية. وقد أسهمت معركة البابين في إطالة أمد التنافس النوري-الصليبي على مصر، ومهّدت للحملة النورية الثالثة عام 564هـ/ 1169م، التي انتهت بتولّي صلاح الدين الوزارة في القاهرة، ثم إسقاط الخلافة الفاطمية وقيام الدولة الأيوبية.

الزمان والمكان

وقعت معركة البابين في 25 جمادى الأولى 562هـ، الموافق 18 آذار/ مارس 1167م، بعد سلسلةِ تحرّكاتٍ عسكريةٍ بدأت في كانون الثاني/ يناير من العام نفسه[1] في منطقة البابين (التابعة حاليًا لمحافظة المنيا في مصر)، على الضفة الغربية لنهر النيل، في سهلٍ رمليٍّ مُتاخمٍ لحافّة الصحراء الغربية[2].

المقدّمات والأسباب

بدأت مقدّمات هذه المعركة مع سعي أسد الدين شيركوه، قائد القوات النورية، منذ أواخر عام 559هـ/ 1164م إلى انتزاع مصر من قبضة الدولة الفاطمية. وعلى الرغم من أن الدافع المُعلَن كان الردَّ على خيانة الوزير الفاطمي شاور بن مجير السعدي، الذي نكث اتّفاقَه مع القوات النورية بعد أن أعادته الحملة النورية الأولى على مصر إلى منصب الوزارة، فإن الدافع الأعمق تمثّل في استثمار حالة الضعف الداخلي التي كان الحكم الفاطمي في مصر يُعانيها آنذاك، والتخوّف من أن يؤدّي تقاعُس القوى السُّنّية في الشام إلى تمكين الصليبيّين من تحويل مصر إلى الإمارة الصليبية الخامسة[3]. كانت مصر -بما تمتلكه من ثروة زراعية وتجارية، وبحُكْم سيطرتها على طُرق الملاحة بين الجنوب والشمال- هدفًا استراتيجيًا ذا أولوية. وكان وقوعها أيضًا تحت النفوذ الصليبي يعني منح الصليبيّين موطِئ قدم في بحر القلزم (البحر الأحمر)، بما يضاعف خطرَهم على طُرق التجارة والحجّ. هذا الإدراك ترسّخَ في ذهن شيركوه، الذي ألحَّ مرارًا على نور الدين زنكي بضرورة التحرّك نحو مصر. بل تذكر بعض الروايات -كما عند المؤرِّخ وليام الصوري- أنه تجاوز سلطة نور الدين وخاطب الخليفة العباسي مباشرةً لإقناعه بخطّة غزو مصر. مهما يكن من أمر هذه الروايات، فإنها تبرز حقيقة أساسية، هي أن مصر منذ ذلك الحين أصبحت محورًا رئيسًا في تفكير القوى السُّنّية في الشام والعراق[4].

في الوقت نفسه، كان ملك بيت المقدس عموري الأوّل يسعى إلى العودة إلى التدخُّل في مصر، غير أن انشغاله بشؤون مملكته الداخلية أخّر تحرّكه. وعندما تحقّقت رغبة شيركوه هذه المرة، وصل إلى مصر في منتصف ربيع الأول 562هـ، الموافق كانون الثاني/ يناير 1167م، مُزوَّدًا بجيش أكبر، وعدّة حصار، وأقوات تكفي عدة أشهر -كما يذكر وليام الصوري- وهو ما يعكس تصميمَه الواضح على ضمّ مصر إلى دائرة النفوذ النوري. عندئذٍ، سارع شاور إلى مراسلة عموري الأول، عارضًا عليه المال وضريبةً سنويةً لقاءَ منعِه شيركوه من الاستيلاء على البلاد. غير أن عموري لم يكن في الواقع بحاجة إلى دعوة شاور إلى التحرّك، إذ كان يدرك خطورة التمدّد النوري على مملكته، فاجتمع بوُجهاء دولته لتدبير المال اللّازم، ووصل إلى مصر في أواخر ربيع الأول 562هـ، الموافق كانون الثاني/ يناير 1167م، في سرعةٍ تعكسُ حجمَ التهديد الذي مثّلهُ وجود القوات النورية بالنسبة إلى الصليبيّين عمومًا وصليبيّي بيت المقدس على وجه الخصوص[5].

وقد شكَّلَ الصعيد أهمية كبيرة للقوات النورية والصليبية والفاطمية على حدٍّ سواء، فعندما وصل أسد الدين شيركوه إلى مصر لم يتّجه مباشرةً إلى القاهرة أو الفسطاط، بل عَبَرَ نهرَ النيل عند أطفيح، ونزلَ معسكرًا في الجيزة[6]، التي تُعَدّ أُولى بلاد الصعيد المقابلة للفسطاط على الضفة الغربية للنيل. يكشف هذا الاختيار عن رؤية استراتيجية مركّبة، يمكن تلخيص عناصرها فيما يأتي:

  1. الاقتراب من قلب القوة السُّنّية في الفسطاط: تمركزُ شيركوه في الجيزة ووضعُ قوّاته قبالة الفسطاط مباشرةً، أتاحا له التقرّب من الأهالي ذوي النزعة السُّنّية، وإظهار نفسه بوصفه حاميًا لهم في مواجهة الفاطميّين. في الوقت نفسه، تمكّن من الضغط على العاصمة من موقعٍ آمنٍ نسبيًا.
  2. التحكّم في خطوط الإمداد والمؤن القادمة من الصعيد: كان الصعيد شريانًا غذائيًا واقتصاديًا حيويًا للفسطاط والقاهرة. وبالسيطرة على مقدّمته، ضَمِنَ شيركوه إمكانية قطع إمدادات المؤن والمال القادمة من الجنوب أو التحكّم فيها، وهو ما يُمثّل عنصرَ ضغط بالغ الأهمية في حال طال أمد العمليات أو الحصار.
  3. استغلال البيئة السياسية والاجتماعية للصعيد: تاريخيًا، كان الصعيد مصدرًا متكرّرًا للحركات المُعارِضة، ومسرحًا لتمرُّداتٍ متعاقبةٍ ضد الدولة الفاطمية. وعلى الرغم من ادّعاء بعض الباحثين انتشار التشيُّع في الصعيد خلال العصر الفاطمي، فإن هذه الصورة تفتقر إلى سندٍ مصدريٍّ قوي؛ إذ تبدو الحركات التي ظهرت بعد سقوط الفاطميّين، مطالِبةً بإعادة إحياء الدولة الفاطمية الشيعية -في جانبٍ منها- ردَّ فعلٍ على سياسة صلاح الدين التي قضت بإبعاد جماعات من أنصار الدولة الفاطمية والجند السودانيّين من القاهرة إلى الصعيد والسودان، أكثر من كونها تعبيرًا عن تشيُّعٍ عامٍّ لأهل الصعيد[7].
  4. السهولة الجغرافية والمزية العملياتية: تميَّزَ الصعيد -مقارنةً بالدلتا- بطبيعة جغرافية أوضح، حيث تمتدّ القرى والمدن على ضفتَي نهر النيل في خطٍّ طوليٍّ واضح، ما يُوفّر طُرقًا تسهُل مراقبتها وتأمين الإمداد عبرها، بخلاف دلتا النيل المتشابكة ومُعقَّدة المسالك. يتيح هذا الامتداد الطولي سرعة الحركة العسكرية، مع بقاء خطوط التموين أكثر أمانًا.
  5. الاقتراب المحسوب من العاصمة: مَنَحَ التمركزُ في الجيزة القريبة من القاهرة شيركوه موقعًا متوازنًا يُتيح له استنزاف قوّات الفاطميّين تدريجيًا، من دون المجازفة بهجوم مباشر قبل اكتمال استعداداته، مع الإبقاء على خيار التقدّم نحو العاصمة أو التراجُع إلى عمق الصعيد بحسب تطوّرات الموقف العسكري.

تكشف هذه العوامل أن اختيار الصعيد لم يكن قرارًا عفويًا، بل جزءًا من خطة مُحكَمة هدفت إلى الجمع بين الضغط العسكري والسيطرة الاقتصادية واستغلال التركيبة السُّكّانية، بما يُحقِّق أقصى قدر من المكاسب بأقل قدر من المخاطر، وهو ما يُبرِز بُعْدَ نظرِ شيركوه وقدرتَه على قراءة موازين القوى في مصر آنذاك.

يساعد فهم دوافع تمركز شيركوه في الصعيد على تفسير الأسباب التي دفعت الصليبيّين إلى مطاردته إلى هذه المنطقة البعيدة عن مراكز نفوذهم في فلسطين والشام، فقد أدرك عموري الأول وقياداته أن سيطرة شيركوه على الصعيد تعني إحكام قبضته تدريجيًا على سائر أراضي الدولة الفاطمية، بما ينذر في النهاية بوقوع مصر تحت النفوذ النوري، ومن ثم إحاطة ممتلكات الصليبيّين في الشام وفلسطين بين فَكَّي كماشة: من الشمال جيوش نور الدين؛ ومن الجنوب قوة نورية جديدة متمركزة في مصر[8].

لقد جعلت العوامل سالفة الذكر من تمركزِ شيركوه بقوّاته على رأس بلاد الصعيد، مصدرَ خطورةٍ شديدة للصليبيّين والفاطميّين معًا، لذا، ما إن وصل عموري الأول إلى مصر حتى اتّجه جنوبًا بصحبة شاور وبعض قوّاته المحدودة، وعسكروا شرقيّ النيل جنوب القاهرة والفسطاط، قبالة الموضع الذي تمركزت فيه قوّات أسد الدين شيركوه على الضفة الغربية[9]. وقد كانت مفاجأةً كبيرة لشيركوه أن يرى شاور وقد استدعى القوّات الصليبية، فأرسل إليه رسالة يقترح فيها التعاوُن على الانقضاض على قوّات عموري الأول والصليبيّين، تمهيدًا للقضاء على مملكة بيت المقدس نفسها، غير أن شاور رفض العرض، ربما ظنًّا منه أنه فخٌّ يهدف إلى التخلُّص منه بعد الانتصار على عموري، وأمر بقتل رسول شيركوه حامل الرسالة. في تلك الأثناء، عقدَ شاور اتّفاقًا جديدًا مع عموري الأول يقضي بدفع مبلغ قدره 400 ألف دينارٍ ذهبًا لملك بيت المقدس، مقابل تعهّده بعدم ترك مصر تقع في يد شيركوه وقوّاته، بل مساعدته على إخراجهم منها[10].

أعقب ذلك وقوع مناوشات شمال القاهرة بين بعض قوّات شيركوه من جهة، وقوّات عموري الأول والفاطميّين من جهة أخرى. في هذه الأثناء، وصلت تعزيزات صليبية من مملكة بيت المقدس إلى عموري الأول بقيادة همفري الثاني سيد تورون (Humphrey II of Toron، ت. 1179)، وفيليب الميلي، المعروف أيضًا باسم فيليب صاحب نابلس (Philip of Milly/ Philip of Nablus، 1120-1171)، الأمر الذي عزّز موقفه العسكري[11].

حاول عموري الأول في إثر ذلك عبورَ النيل إلى الضفة الغربية، مُستخدِمًا بعض السفن التي وفَّرها له حليفه شاور، غير أن محاولاته باءت بالفشل أمام متانة مواقع شيركوه. وإزاء تعقّد الموقف، اضطر شيركوه إلى الانسحاب بجنوده نحو الجنوب في أراضي الصعيد، فلحق به شاور وعموري الأول، أملًا في استغلال ابتعاد جزءٍ كبيرٍ من قوّات نور الدين زنكي عن قواعدها في الشام. استمرَّ شيركوه في تقدّمه حتى بلغ موضع البابين في صعيد مصر، وبعد أن أصبح قريبًا من عموري الأول، عقد الأخير مجلس حرب مع كبار قادة الصليبيّين، فأجمعوا على الإيقاع بشيركوه عند البابين، ورفضِ أي اقتراحٍ للصُّلح أو الاكتفاء بالمطاردة[12].

حجم القوى المُتحارِبة

يذكر المؤرِّخ اللاتيني وليام الصوري أن القوات الصليبية الفاطمية المشتركة تألَّفت من نحو 374 فارسًا صليبيًا، ونحو 4-5 آلاف راجل صليبي، إضافةً إلى قوات شاور التي ضمَّت -بحسبه- عددًا محدودًا من الفرسان وكثرة من الرجالة، معظمهم غير مدرَّبين، إذ جُمِعوا من أهل السُّخرة والعامّة، فشكّلوا عبئًا على القوة الصليبية لا دعامة لها. غير أن هذه الأرقام تبدو متحفِّظة، ولا تعكس -على الأرجح- الحجم الفعلي للجيش؛ إذ يُحتمَل أن وليام الصوري، وهو من رجال الدولة المُقرَّبين إلى عموري الأول، تعمَّد التقليل من قوة ملك بيت المقدس لتخفيف وطأة نتائج المعركة في روايته. وبالمقارنة بين مختلف الروايات، يمكن ترجيح أن القوات الصليبية والفاطمية مجتمعةً ربما قاربت 5 آلاف مقاتل، منهم ما لا يقل عن 1000-1500 فارس[13].

في المقابل، تشير المصادر الإسلامية إلى أن قوات أسد الدين شيركوه تراوحت بين ألفَيْن وثلاثة آلاف مقاتل، الراجح أن معظمهم من الفرسان، إذ لم يكن من العَمَليّ أن يصطحب معه أعدادًا كبيرة من المُشاة في مسيرٍ طويلٍ يمتدّ من الشام إلى الجيزة، ثم إلى نواحي منطقة البابين حيث وقعت المعركة[14]. لا يُستبعَد كذلك أن يكون بعض المصريّين قد شاركوا مع شيركوه في حملته، وربما منذ بدايتها، اعتمادًا على شبكة العلاقات التي نسجها في الحملة النورية الأولى عام 559هـ/ 1164م، إذ تُفيد الروايات بأن أهل الإسكندرية راسلوا شيركوه في تلك الفترة عارضين عليه القدوم إلى مدينتهم، وذلك يُفهَم من عبارة "السلاح وصل إلى الثغر" (المذكورة في المصدر المستشهد به) التي تشير إلى وجود تنسيقٍ أو تفاهُماتٍ مُسبَقة على إيصال أسلحة إلى مدينة الإسكندرية[15]. ويُحتمَل أن هذا النوع من الدعم المصري ظهر كذلك في الصعيد من خلال إمداد قوّات شيركوه ببعض العناصر المحلّية، ولو في إطار محدود، على مستوى الإرشاد والدلالة وتأمين الطُّرُق، أكثر من المشاركة بوصفهم فرسانًا أو جُندًا نظاميّين. يُعزِّز هذا الاحتمال أن الرشيد بن الزبير الأسواني (وهو من نواحي الصعيد وأحد نُظّار ثغر الإسكندرية) كان مِمَّن راسلوا شيركوه آنذاك، بما يشير إلى وجود شبكة من الاتصالات والتحالُفات المُسبَقة داخل البلاد[16].

أحداث المعركة

في 25 جمادى الأولى 562هـ، الموافق 18 آذار/ مارس 1167م، كانت القوّتان قد اقتربتا من بعضهما مسافةً ومسارًا، إذ كان أسد الدين شيركوه قد اجتاز منية الخصيب ودَلْجة، حتى وصل إلى موضع البابين متمركِزًا على الضفة الغربية للنيل، بحيث تظل الصحراء الغربية وراءه ملاذًا آمنًا في حال اضطر إلى الانسحاب. وقد استفاد من طبيعة هذا الموقع في تثبيت قوّاته المُعتادَة على القتال في الأجواء الصحراوية، بخلاف قوات عموري الأول الصليبية التي لم تكن متمرِّسةً على القتال في مثل هذه البيئات. أما قوات شاور الفاطمية، فكانت -كما سبقت الإشارة- أضعف من أن يكون لها تأثيرٌ حاسمٌ في سير المعركة[17]. ولَمّا وصلت قوات عموري الأول وشاور إلى دَلْجة، وأصبحت على مسافة قريبة من مواقع شيركوه، عقدَ عموري مجلسًا للحرب لتحديد خطة المواجهة. في المقابل، ظهرت في صفوف الجيش النوري أصوات متردّدة تُحذِّر من خوض معركة فاصلة بسبب البُعْد عن الشام وقلّة العدد قياسًا إلى قوات الصليبيّين والفاطميّين، غير أن القائد النوري شرف الدين برغش نجحَ في بثِّ الحماسة في نفوس الفرسان وحسْمِ حالةِ التردُّد، فمال الرأي في النهاية إلى قَبول القتال[18].

اندلعت المعركة في اليوم التالي قُبيل الظهيرة، أي في 25 جمادى الأولى 562هـ، الموافق 18 آذار/ مارس 1167م، في سهلٍ رمليٍّ يُلاصِق حافّة الصحراء الغربية عند البابين. وقد تميّز الموقع بوجود تلال وسهول رملية اختارها شيركوه بعناية، لأنها ملائمة لجنوده المُعتادين على القتال في أرض رملية، وقد مكّنته من توزيع قواته بين التلال بما يُخفي الحجم الحقيقي لجيشه عن أعين الخصم. اصطفَّ التحالُف الصليبي-الفاطمي، بحيث تمركزَ قسمٌ من فرسان الصليبيّين في الميمنة[19]، ووُضعت القوات الفاطمية المترجّلة في الميسرة، في حين اتّخذ عموري الأول وشاور -ومعهما نخبة الجنود- موضعهما في قلب الجيش. في المقابل، رُتِّب الجيش النوري على نحوٍ يجعل صلاح الدين الأيوبي يقود الميسرة في مواجهة ميمنة الصليبيّين والفاطميّين، وأمسك أسد الدين شيركوه بزمام القيادة في القلب، في حين تولّى شرف الدين برغش قيادة الميمنة. بدأت المعركة بهجوم فرسان الصليبيّين على قلب الجيش النوري الذي يقوده شيركوه، فتظاهر هذا الأخير بالانسحاب، مُفسِحًا المجال لقطعٍ من قوات عموري الأول للتوغُّل في وسط الجيش النوري والانشغال بجمع الغنائم. عندئذٍ، باغتت قوّات صلاح الدين ميمنة الصليبيّين، في حين واصل برغش هجومه على الميسرة التي ضمَّت راجلةً فاطميةً غير مدرّبة، ثم عاد شيركوه وانقضَّ مع بقية قواته على قلب الجيش الصليبي-الفاطمي[20].

بحلول عصر ذلك اليوم، كان الجيش النوري قد ألحق بالقوات الصليبية الفاطمية هزيمةً ساحقة، قُتِل فيها ما يربو على ألف مقاتلٍ بين فارس وراجل، وأُسِر نحو 100 فارس[21]، علاوة على كمية كبيرة من الغنائم التي استولى عليها النوريون. ظلّت قوات شيركوه تطارد فلول المنهزمين حتى مخاضة قرب منطقة الأشمونين، حيث تمكّنت القوات الصليبية-الفاطمية من عبور النيل إلى الضفة الشرقية، فعاد الجيش النوري عن المطاردة بعد أن حقّق نصرَه الكامل في ميدان البابين.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

النتائج

أسفرت معركة البابين عن هزيمةٍ ثقيلةٍ للتحالُف الصليبي-الفاطمي، أكّدت جدّية المشروع الذي تبنّاه نور الدين زنكي وقائده أسد الدين شيركوه لانتزاع مصر من قبضة الدولة الفاطمية، ومنع وقوعها تحت السيطرة الصليبية. وقد أدرك الطرفان هذه الحقيقة، فعاد عموري الأول وشاور مُسرعَيْن إلى القاهرة لإعادة تجميع قواتهما وترميم ما أصابها من خسائر بشرية ومادية جسيمة. أما شيركوه، فإنَّ تحرّكه بعد المعركة لم يتجه نحو استثمار النصر بالتقدّم مباشرةً إلى القاهرة، بل غادر الصعيد متجهًا إلى الإسكندرية لإعادة تنظيم صفوفه، وتزويد جيشه بالمُؤن، وإراحة جنوده، وتأمين الأسرى الذين وقعوا في يده. ولا يُنظَر إلى هذا التحرّك على أنه انسحابٌ استراتيجيّ، بل بوصفه خطوة مدروسة تُمهِّد لعودته إلى الصعيد مُجدَّدًا لاستكمال مشروعه العسكري. في المقابل، جعَلَ توجُّهُ القوات النورية إلى الإسكندرية[22] من المدينة نقطةَ تركيز رئيسة في حسابات عموري الأول، فتمكُّنُ شيركوه من ترسيخ وجوده في الإسكندرية كان يعني فتح جبهة ساحلية جديدة في مواجهة مملكة بيت المقدس، تُضاف إلى التهديد الذي مثّله أداؤه العسكري في صعيد مصر، وهو ما دفع عموري إلى المسارعة لمحاصرة المدينة ومنع ترسيخ النفوذ النوري فيها.

تكشف الحملة النورية الثانية، ومعركة البابين على وجه الخصوص، عن مدى ما بلغَتْهُ الدولة الفاطمية من ضعف، وعن التحوّل الذي طرَأ على موقع مصر في ميزان القوى الإقليمي، إذ أصبحت محورَ تنافس مباشر بين مشروع نور الدين في الشام، الذي رأى في مصر قاعدة استراتيجية لحماية جبهة الشام ومقاومة الصليبيّين، وبين مملكة بيت المقدس التي رأت فيها موضعًا لا بدّ من السيطرة عليه أو منع خصومها من امتلاكه. بذلك، غدت مصر ساحة صراع إقليمي حاسمة، يسعى كلُّ طرفٍ إلى تحويلها إلى نقطة ارتكاز لترجيح كفّة ميزان القوى في المشرق.

المراجع

العربية

ابن الأثير، علي بن محمد بن عبد الكريم. التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل. تحقيق عبد القادر أحمد طليمات. القاهرة: دار الكتب الحديثة، 1964.

________. الكامل في التاريخ. تحقيق عمر عبد السلام تدمري. بيروت: دار الكتاب العربي، 1997.

ابن الجوزي، يوسف بن قِزْ أُوغلي سبط. مرآة الزمان في تواريخ الأعيان. تحقيق محمد بركات وآخرون. دمشق: دار الرسالة العالمية، 2013.

ابن واصل، محمد بن سالم. مفرج الكروب في أخبار بني أيوب. تحقيق جمال الدين الشيال. القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية- المطبعة الأميرية، 1957.

إسكندر، فايز نجيب. "الصليبيون والفاطميون والزنكيون في معركة البابين: 18 مارس 1167م/ 25 جمادى الأولى 562هـ". مجلة الآداب والعلوم الإنسانية (جامعة المنيا). مج 48، العدد 2 (2003). ص 79-107.

الأصفهاني، عماد الدين محمد بن محمد الكاتب. البستان الجامع لجميع تواريخ أهل الزمان. تحقيق عمر عبد السلام تدمري. بيروت: المكتبة العصرية للطباعة والنشر، 2002.

رمزي، محمد. القاموس الجغرافي للبلاد المصرية من عهد قدماء المصريين إلى سنة 1945. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994.

الصوري، وليم. تاريخ الحروب الصليبية: الأعمال المنجزة فيما وراء البحار. ترجمة وتعليق حسن حبشي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991.

المقريزي، أحمد بن علي بن عبد القادر. اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا. تحقيق محمد حلمي أحمد وجمال الدين الشيال. ط 2. القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية وإحياء التراث، 1996.

________. كتاب المقفى الكبير. تحقيق محمد يعلوي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1991.

النويري، أحمد بن عبد الوهاب بن محمد. نهاية الأرب في فنون الأدب. تحقيق محمد محمد الأمين ومحمد حلمي محمد. ج 28. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992.

الأجنبية

Fulton, Michael S. Contest for Egypt: The Collapse of the Fatimid Caliphate, the Ebb of Crusader Influence, and the Rise of Saladin. Leiden: Brill, 2022.

Riley-Smith, Jonathan. The Knights Hospitaller in the Levant, c.1070–1309. Hampshire: Palgrave Macmillan, 2012.

Sheir, Ahmed M. “The Military Role of the Fief of Tibnīn against the Muslims in the Age of the Crusades (AH 498–583/ AD 1105–1187.” Journal of Religious Culture (Journal für Religionskultur). no. 188 (2014). pp. 14-15.

[1] علي بن محمد بن عبد الكريم ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، ج 9 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1997)، ص 327.

[2] وليم الصوري، تاريخ الحروب الصليبية: الأعمال المنجزة فيما وراء البحار، ترجمة وتعليق حسن حبشي، ج 4 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991)، ص 47-52؛ فايز نجيب إسكندر، "الصليبيون والفاطميون والزنكيون في معركة البابين: 18 مارس 1167م/ 25 جمادى الأولى 562هـ"، مجلة الآداب والعلوم الإنسانية (جامعة المنيا)، مج 48، العدد 2 (2003)، ص 79-107؛ محمد رمزي، القاموس الجغرافي للبلاد المصرية من عهد قدماء المصريين إلى سنة 1945، القسم 1 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994)، ص 54.

[3] Jonathan Riley-Smith, The Knights Hospitaller in the Levant, c.1070–1309 (Hampshire: Palgrave Macmillan, 2012), p. 40; Michael S. Fulton, Contest for Egypt: The Collapse of the Fatimid Caliphate, the Ebb of Crusader Influence, and the Rise of Saladin (Leiden: Brill, 2022), p. 32.

[4] الصوري، ص 47-52.

[5] المرجع نفسه.

[6] ابن الأثير، الكاملفي التاريخ، ص 327.

[7] المرجع نفسه.

[8] المرجع نفسه؛ يوسف بن قِزْ أُوغلي سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، تحقيق محمد بركات وآخرون، ج 21 (دمشق: دار الرسالة العالمية، 2013)، ص 133.

[9] ابن الأثير، الكاملفي التاريخ، ص 327.

[10] ابن الجوزي، ص 133.

[11] الصوري، ص 47-52؛

Ahmed M. Sheir, “The Military Role of the Fief of Tibnīn against the Muslims in the Age of the Crusades (AH 498–583/ AD 1105–1187,” Journal of Religious Culture (Journal für Religionskultur), no. 188 (2014), pp. 14-15.

[12] ابن الأثير، الكاملفي التاريخ، ص 327؛ ابن الجوزي، ص 133.

[13] الصوري، ص 47-52؛ ابن الأثير، الكاملفي التاريخ، ص 327؛ أحمد بن عبد الوهاب بن محمد النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، تحقيق محمد محمد الأمين ومحمد حلمي محمد، ج 28 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992)، ص 222.

[14] محمد بن سالم ابن واصل، مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، تحقيق جمال الدين الشيال، ج 1 (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية- المطبعة الأميرية، 1957)، ص 150.

[15] المرجع نفسه.

[16] المرجع نفسه.

[17] أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي، اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، تحقيق محمد حلمي أحمد وجمال الدين الشيال، ج 2، ط 2 (القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية وإحياء التراث، 1996)، ص 184؛ المرجع نفسه، ج 3، ص 266؛ أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي، كتاب المقفى الكبير، تحقيق محمد يعلوي، ج 2 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1991)، ص 512.

[18] ابن واصل، ص 150.

[19] ابن الجوزي، ص 133.

[20] عماد الدين محمد بن محمد الكاتب الأصفهاني، البستان الجامع لجميع تواريخ أهل الزمان، تحقيق عمر عبد السلام تدمري (بيروت: المكتبة العصرية للطباعة والنشر، 2002)، ص 392.

[21] المرجع نفسه.

[22] علي بن محمد بن عبد الكريم بن الأثير، التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل، تحقيق عبد القادر أحمد طليمات (القاهرة: دار الكتب الحديثة، 1964)، ص 122.


المحتويات

الهوامش