تسجيل الدخول

بشار بن برد

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الاسم الكامل

أبو معاذ بشّار بن برد

تاريخ الميلاد

نحو 95 أو 96هـ/ 714 أو 715م

مكان الميلاد

البصرة

تاريخ الوفاة

167هـ/ 782م (70 سنة)

مكان الدفن

البصرة

العصر

أواخر العصر الأموي والعصر العباسي الأول

الأصل والنشأة

من أصل فارسي، من موالي بني عقيل، نشأ في البصرة

مجاله

الشعر: الغزل، والمدح، والهجاء، والرثاء، والحكمة

مكانته

من مخضرمي الدولتين؛ عُدَّ آخر الشعراء القدماء ورأس المحدثين


الموجز

أبو معاذ بشّار بن برد (نحو 95 أو 96هـ/ 714 أو 715م–167هـ/ 782م)، شاعر عربي من أصل فارسي، وُلد أكمه في البصرة لأب من موالي بني عقيل، ونشأ في بيئة عربية فتضلّع من اللغة والأدب والقرآن وعلومه، واتصل بالمربد وحلقات العلم، وبدأ نظم الشعر في سن مبكرة. عاش الفقر واليتم، وعُرف بحدة الطبع والاعتداد بالنفس وقوة اللسان، وظل يفاخر بانتسابه إلى بني عقيل، مع إشارته أحيانًا إلى أصوله الفارسية.

أدرك بشار أواخر الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، ومدح رجال الدولتين، ثم اتصل بالخليفة المهدي ووزرائه وولاته، فاتخذ الشعر حرفة للتكسّب وطلب المكانة، كما جعله تعبيرًا عن ذاته وأهله وأصدقائه. تنقّل بين البصرة وبغداد، وأفضت جرأته في الهجاء والغزل، وما نُسب إليه من مجون وشعوبية وزندقة، إلى خصومات سياسية واجتماعية انتهت بقتله، على الأشهر، بأمر المهدي؛ غير أن بعض الدارسين، وفي مقدمتهم محمد الطاهر ابن عاشور، ناقشوا صحة تهمة الزندقة وردّوا مقتله إلى دوافع سياسية وخصومات شخصية.

كان بشّار شاعرًا مكثرًا، ضاع جانب كبير من شعره لاعتماده، بسبب عماه، على الرواة، ولم يصل ديوانه كاملًا؛ وما بين أيدي القراء جُمع من مخطوط ناقص ومن كتب الاختيارات والأدب، وتولى ابن عاشور تحقيقه واستدراك المتفرق منه.

جمع شعر بشار بين الجزالة الموروثة والسهولة المولّدة، وبرز في الغزل والمدح والهجاء والحكمة والرثاء والإخوانيات؛ فقد جدّد في الغزل بتوسيع موضوعاته لتشمل الجواري، وبإبراز الحديث والصوت وسيلتين إلى إدراك الجمال، فحوّل المسموع إلى صور مرئية وأقام تراسلًا بين الحواس، كما أكثر من الحوار واستمد صوره من حياته وواقعه. وفي المدح حافظ على بناء القصيدة القديمة وفخامتها، لكنه جدّد صور الكرم والبأس وأدمج ذاته في صورة الممدوح. واتخذ الهجاء وسيلة للدفاع والتكسّب، وجمع فيه بين الفحش القديم واللمحة الساخرة الموجعة ذات اللفظ السهل والصورة الطريفة، فمهّد لطريقة المحدثين التي تابعها أبو نواس وغيره. أما رثاؤه، على قلَّته، فغلبت عليه الذاتية، ولا سيما في رثاء ابنه وزوجته وأصدقائه، وامتاز بصدق تجربة الفقد. وتوزعت حكمته في مختلف الأغراض، ولا سيما الغزل والهجاء والمدح والإخوانيات، قائمة على الإيجاز والتأمل في الصداقة والمال والموت وتقلب الدهر. وبذلك جمع بشّار بين إتقان عمود الشعر والابتكار في المعنى والصورة والأسلوب، فعدّه النقاد آخر القدماء ورأس المحدثين، وكان أثره حاسمًا في انتقال الشعر العربي من تقاليد القصيدة القديمة إلى آفاق التجديد في العصر العباسي.

نشأة بشار بن برد

أبو معاذ بشار بن برد، وُلِد لأب من أصل فارسي، جيء به مع أهله من طخارستان (شرق بلاد فارس) إلى البصرة في سبي سباه المهلّب بن أبي صفرة في ولايته على خراسان (78-82هـ)، إثر حملة كان قد شنها على هذه المنطقة. ولما وصل يرجوخ (اسم الجد) إلى البصرة، صار وأهله موالي لخيرة بنت ضمرة القشيرية، وهي من بني عقيل. وكان بُرد ولد يرجوخ يعمل في ضرب قوالب الطين "ولما بلغ برد مبلغ الرجال زوجته مولاته خيرة فتاة من عقيل فولد له بشار"[1]، في تاريخ غير معروف بدقة، رجح المستشرق الفرنسي بلاشير أن يكون ما بين 95 و96هـ/ 714-715م[2]. وقد كان بشار ينتسب، ولا سيما في شبابه، إلى بني عقيل، لأنهم مواليه، ولكنه عمد أحيانًا إلى أن يطلب لنفسه نسبًا رفيعًا في فارس القديمة. ولم يكن ذلك منه، بدافع الشعوبية بقدر ما كان ناتجًا عن سببين: أولهما، ذكره بلاشير[3]، وهو محاولة صرف الأنظار عن تواضع أصوله العائلية، وقد ذُكر في الأغاني أنه كان يدعي له صلة نسب بملوك فارس[4]، والسبب الآخر هو رد الفعل إزاء تطاول بعض معاصريه من ذوي النسب العربي عليه، ومفاخرتهم إياه بمنطق قبلي بدوي.

ولد بشار أعمى (أكمه)، وعرف الفقر ثم اليتم وهو لا يزال حدثًا، وكان مع هذا –أو بسببه– ذا طبع حاد، وسلوك شرس، ولسان سليط، وشخصية صدامية. لُقب بشار بالمرعّث والمشنّف وكلاهما بمعنى "من يضع في أذنه حلقة"، مما قد تكون له علاقة ببعض الطقوس الإحيائية، وقد عُير بذلك، كما عُير وهجي ببعض الصفات الخَلقية كالعمى، والجُدري، وقبح الوجه.

بداياته الشعرية

نشأ بشار في البصرة، وكانت أيامها حاضرة عامرة، ناهضة في التجارة والثقافة، فتكوّن في كتاتيبها وحلقات العلم والمجالس التي كانت تعمر مساجدها ودور وجهائها، وقضى معظم شبابه بها، حيث تلقى فيها ضروبًا من العلم وألوانًا من الأدب، وأنس في نفسه ميلًا جارفًا إلى الشعر، وراض عليه نفسه، وهو لمّا يتجاوز العاشرة من عمره. وكان بشار كثير التردد على سوق المربد، الذي كان أيامها مستراحًا للقوافل التجارية، وملتقى للشعراء والخطباء، فكان بالنسبة إليه، وهو لا يزال شابًا شغوفًا بالشعر، بمثابة المدرسة التي تشبع فيها بتقاليد الشعر العربي في أصولها البدوية الحية، وقد كانت في أوج ازدهارها في وسط الجزيرة العربية وشرقها[5].

وفي المربد أُعجب بشار بالشاعر الأموي جرير بن عطية، وجعله مثله الأعلى، ويقال إنه حاول لفت نظره إليه بأن يهجوه، لكن جريرًا استصغره فتغاضى عنه. وفي شعر بشار الذي قاله -وهو في تمام نضجه- ما يؤكد إعجابه بجرير ورغبته في مضاهاته[6].

وفي البصرة، كان بشار يستكمل عدة الشعر ويقوله في الوقت نفسه، لأغراض منها التكسب، مدحًا وهجًاء، وطلب الشهرة والحظوة، والتعبير عن شؤون نفسه ورغائبها، ورياضة لاستكمال صناعة الشعر. وقد بدأ اسم بشار يُذكر في المديح أولًا، ويذكر بلاشير[7] أنه بدأ بمديح ولاة بني أمية، من أمثال يزيد بن عمر بن هبيرة (ت. عام 128هـ/ 744م)، وسلم بني قتيبة، كما مدح الأمير سليمان بن هشام بن عبد الملك، بل ومدح آخر الخلفاء الأمويين، مروان بن محمد، أيضًا.

مع تحول الحكم إلى بني العباس 132هـ/ 750م، نقل بشار ولاءه إليهم دون كبير عناء، وإن استغرق ذلك بعض الوقت، فبرزت حظوة بشار مع الخليفة المهدي بالخصوص، ومع بعض وزراء الدولة العباسية، وولاتها وكبرائها في عصره (156–170هـ)، قبل أن يجلب له شعره الآخر، ولا سيما شعر الهجاء وشعر الغزل، مشكلات لن يخرج منها سالمًا.

شعره

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


يعدُّ بشار بن برد شاعرًا مُكثرًا، وفي إكثاره تفاوت، لكنه اشتهر بالإجادة في مختلف أغراض الشعر. والأصل في أثره الشعري أنه ضخم، ولكن ما ورد منه أقل مما ضاع. وقد ذكر بلاشير[8]، في آخر مقال كتبه في حياته، وكان موضوعه بشار، أن عمى بشار جعله عالة على الرواة، وأشهرهم خلف الأحمر، وأن أيًا منهم لم يجمع ديوان الشاعر، فضاع الكثير منه حتى في حياة صاحبه، أو أن حوادث بعينها قد تكون تسببت في ضياعه، فلم يصل إلينا منه إلا ما دونه أصحاب المختارات، منذ القرن الثالث الهجري، من أمثال هارون بن علي (ت. 288هـ/ 900م) وأحمد بن أبي طاهر طيفور (ت.280هـ/ 893م) والخالديين (بين 380 و390هـ). وقد ذكر ابن النديم [9] في أواخر القرن الرابع الهجري، أنه قرأ مجموعًا من شعر بشار فيه نحو ألف ورقة. ولذلك فقد اعتمد محقق ديوان بشار، محمد الطاهر ابن عاشور، في تحقيقه له في الخمسينيات القرن العشرين، على مخطوط وحيد يعود تاريخ جمعه إلى القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، ويتضمن الأشعار التي نُظمت على القوافي من الألف إلى الراء. صدر العمل في ثلاثة أجزاء، أضيف إليها في ما بعد جزء رابع تضمن مستدركًا لما ورد من شعر بشّار ضمن المختارات وكتب الأدب العامة، ومجموع هذا، هو ما بين أيدي الناس اليوم من شعر بشار، ولعمل ابن عاشور، في تحقيقه لما بقي من شعر بشار اعتمادًا على هذا المخطوط، قيمة ودور لا يُنكران.

تجديد بشار في أغراض الشعر

 في الغزل

برز بشار في الغزل والفخر والمدح والهجاء والحكمة خاصة، وهو في شعر الغزل استمرار لعمر بن أبي ربيعة، مثلما أن العباس بن الأحنف، معاصره استمرار لجميل بن معمر العذري[10]. ويُعتبر أن أبرز إضافات بشار في شعر الغزل تتمثل في توسعه من الحرائر إلى الجواري، ففتح بذلك طريقًا للشعراء من بعده، ووسع حيز القول في الغزل، لأن سجل التغزل بالمرأة الحرة، البدوية أساسًا، كان قد أخذ يتشبع، ففتح بذلك لنفسه وللشعر الغزلي مجالًا جديدًا فسيح الأرجاء، متسع الإمكانات في التعبير، وبذلك دعم بشار حرية المرأة بحرية الفن، أي جعل الجارية التي يُشيد الشعر بجمالها ويرفع من شأنها تعرج اجتماعيًا وتكتسب ضربًا من ضروب الحسَب.

لم يقتصر هذا الأمر على العلجيات، أي الجواري البيض، من أمثال عبدة التي ارتفعت إلى مقام السيدة على حد قول أندري رومان (André Romand)[11]، ولا يقتصر على غير عبدة من الجواري الكثيرات اللاتي تناولهن بشعره، فظهرت في غزله فيهن معان لم تكن معروفة قبله، وإنما يتجاوز هؤلاء إلى الإماء، أي الجواري السود، وهو ، غالبًا، ما لم يُعرف لشاعر قبله، فقد أورد أبو الفرج الأصفهاني قوله في جارية سوداء كانت له:

وغادةٍ ســـــــوداءَ برَّاقــــــــةٍ

كالماءِ في طيبٍ وفي لينِ

كأنّها صيغتْ لِمَـــنْ نالها

من عنبرٍ بالمسكِ معجونِ[12]

هذه النقلة التي أحدثها بشار في الشعر الغزلي، إذ فتحه على عالم الجواري، أغنت القول في الغزل على مستويات الفن الشعري جميعها: المعجم والتركيب والتمثيل والدلالة، وحاكى في أسلوب تغزله بهن، أحوالهن ونفسياتهن، وافتعل محاورات معهن وحيلًا للإيقاع بالصغيرات الغريرات منهن، ماضيًا فيما سبقه إليه عمر بن أبي ربيعة، مما يدخل في باب الحجاج الغزلي، وفتح الشعر على الواقع، وتجديده، وتوسيع مجال فاعليته، ومما تكفي لتجسيمه رائيته:

عَجِبَت فَطمَةُ مِن نَعتي لَها

هَل يُجيدُ النَعتَ مَكفوفُ البَصَر

بل إن بشار بن برد قد مضى شوطًا آخر في توسيع حيز الشعر الغزلي، بأن نقل الحب والقول فيه من الإنسان إلى الحيوان، فجدده، إذ كان الشاعر السابق، ولعله الأوحد، الذي نظم قصيدة غزل على لسان حمار قتله العشق، واستطاع أن ينطق الحيوان الأعجم بالغزل الرقيق[13]، ولا يخفى أن وراء هذا القناع رغبة واضحة في إغناء المجالين الشعوري والشعري (الدلالي والأسلوبي) معًا، عبر محاولة فك طوق الحبسة التعبيرية، والبحث عن جديد يُقال، فقال بشار على لسان حماره:

سيّدي خُذْ بي أَتانًاا

عند باب الأصبهاني

تَيّمتْــــــنـــــي بِبِنــــــــانٍ[14]

وبدلٍّ قــــــــد شجاني

تيّمتنـــــي يومَ رُحْنَا

بثــــــناياها الحِسَـــــــانِ

وبِغُنْـــــــــــــجٍ ودلالٍ

سَلَّ جسمي وبَراني

ولها خــــــدٌّ أسيـــــــــلٌ

مثلُ خدِّ الشيْــــــــــــفرانِ

فلِذا مُتُّ ولوْ عِشْـــ

ـتُ إذنْ طالَ هواني[15]

وأبرز بدائع بشار في النسيب والغزل، استيعابه الحُسن والجمال، ولا سيما جمال المرأة، بسمعه، وهو أمر من آثار العمى ومن مظاهر شعريته بلا شك، ومن أهم شواهده في شعره قوله الشهير:

يا قومُ أذْني لبعــــــــــــضِ الحــــــيِّ عاشقةٌ

والأذْنُ تعشقُ قبْلَ العـــــــين أحيانَا

قالوا: بِمَنْ لا ترى تهذي؟ فقلتُ لهمْ

الأذْنُ كالعيْن تُوفي القلبَ ما كانا


وهو بهذا أول شاعر عربي أربك الخيال الشعري، وأحدث بين الحواس تراسلاً، فأخرج المسموع مخرج المرئي، مثلما جعل حديث المرأة مدخلًا إلى نعت جمالها، ومن ذلك قوله:

وكأنّ تحت لسانِها

هاروتَ ينفُثُ فيه سِحْرَا

وكأنّ رَجْعَ حديثها*

قِطَعُ الرّياضِ كُسِينَ زهرَا[16]

ولعل بشار أكثر شاعر جعل المرأة تتحدث، وجعل عذوبة الحديث معنًى غزليًا، وتكرر ذلك عنده وتواتر حتى بدا هذا التكرار، وهذا التواتر، خصيصة من خصائص شعره ومظهرًا من مظاهر شعريته. ومن الشواهد الكثيرة على ذلك قوله:

ودَعْجَاءِ المَحاجرِ من مَعَدٍّ

كأنّ حديثَها ثَمَرُ الجِنَانِ[17]

ومنه قوله:

مصوَّرةٌ يحارُ الطّرْفُ فيها

كأنّ حديثَها سُكْرُ الشّرابِ[18]

ومما هو جديد على شعر النسيب والغزل أيضًا استحضار بشّار الحبيبة عبر رسم صورتها على التراب، ثم مناجاته الصورة. وهذا إجراء أطرف ما فيه، أولًا، التشابه العجيب بين عمل الشاعر وعمل الساحر، ولا سيما فيما يُسمى السحر التشاكلي أو سحر المحاكاة، وثانيًا، بُعد التعقيد الفني في عمل الشاعر وعمل الشعر، إذ هو هنا رسم على رسم، وفن على فن:

ولمّـــــا فارَقـــــتْنا أمُّ بكـــــــــــــــــــــــــرٍ

وشطّتْ غُربــــــــــــــةً بعد اكتئابِ

وبتُّ بحاجةٍ في الصّدر منــــــــها

تَحَرَّقُ نارُها بين الحــــــــجابِ

خططتُ مِثالَها وجلستُ أشكو

إليها ما لقيتُ علـــــــى انتحابِ

أكلّمُ لمحةً فــــــــي التّـُــــرْبِ منها

كلام المستجيرِ مـــــــن العذابِ

كأنّـــــي عنــــــــدها أشكــــــو إليـــها

همومي، والشكاةُ إلى التراب[19]

وإن قوله "أشكو إليها"، بالخصوص، عمل سحري محض لأنّ فيه عبورًا من المثال واللّمحة إلى الشخص ذا[20]. ومن غزل بشار المفعم بالبوح والذاتية، قصيدته في عبدة، التي أبكت الوليد بن يزيد "حتى مزج كأسه بدمعه"[21] وعُدّ بها، عند بعض العلماء بالشعر "أشعر الناس"[22] ومنها قوله:

أيّها السّاقيانِ صُبَّا شرابي

واسقياني من ريقِ بيضاءَ رُودِ

إنّ دائـــــــي الظّــــــمَا وإنّ شفائي

غُبْرةٌ من رُضابِ ثَـــــــغْـــــرٍ بَرُودِ

ولها مضحكٌ كغُرِّ الأقاحي

وحديثُ كالوشْيِ وشْي البُرودِ

نزلتْ في السوادِ من حبّةِ

القلْـــــــبِ ونالـــــــتْ زيادَة المستزيــــــــدِ

ثــــــــــمّ قالـــــــتْ نلقاكَ بعد ليالٍ

واللَّيالي يُبْلينَ كــــــــــــــــلَّ جديدِ

عندها الصبرُ عن لقائي وعندي

زفراتٌ يأكلن قلبَ الحديدِ[23]

وهو كلام فيه توليد جيد معجب للفظ الساقيين من الرفيقين المخاطبين في مطالع القصائد القديمة، يضمن للقصيدة أصالتها، وتوحي فيه التثنية بشدة الرغبة في الشراب والحاجة إليه، ويبدو منه المنزع الجديد في إخراج المسموع مخرج المنظور "وحديث كالوشي ..." الذي قدم ما يضاهيه أعلاه، والذي أضحى، كما يبدو، من مميزات أسلوبه. وللبرود(جمع بُرد) والسواد والليالي في علاقتها بذاتية الشاعر، إذ هي عناصر تحيل عليه وتشكل لوازم منه، أهمية بالغة.

ربط بشار شعره بحياته، واستمد مادته من واقعه، ومن مظاهر ابتكاره وتجديده وسبقه وتطريفه- في هذا- قوله يخاطب بعض عرافي البصرة:

ألا يا كاهـــــــــنَ المِصْرِ

الذي ينظرُ في الزّيْتِ

تُرانــــــي عائـــــــشًا حتّى

أرى عبدة فـــــــي البيْتِ؟

فقال : ادْنُ، أرى مَوْتًا

ودورًا سابــــــقَ الموْتِ

سأرقيــــــــها فتـــــأتيــــكَ

ولو كانتْ على حُوتِ[24]


في المدح

اشتهر بشار بكثرة المديح، وتندرج بائيته في مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين، تحت أشهر مدائحه، ومطلعها: "جفا وُدّه أو ملَّ فازورَّ صاحبُه ..." وهي قصيدة بنت عصرها وزمانها، شبيهة بشاعرها، إذ هي عربية عروبية تشكل اكتمالًا لخصائص المدحة البدوية كما عُرفت عند القدماء. تدل على ذلك أمور كثيرة في مستوى بنائها، إذ هي ثلاثية مؤلفة من نسيب مشبع بمقطع تأمّل في الصداقة، تلاه رحيل نموذجي تضمن عنصري الزمان والمكان (الليل والمهمه) كما تضمن مطية انفتح ذكرها على مشهد لحمار الوحش، ثم أفضت القصيدة إلى المدح، وقد جاء هذا المدح مخضرمًا هو الآخر، لأن الشاعر أدمج فيه ذاته، وضم كيانه إلى كيان الممدوح وقومه وجنده، وأحدث فيه تراكبًا بين الفخر والمدح، ومنه:

إذا المَلِـــــكُ الجـــــبّارُ صعّــــــرَ خَــــــــــــدَّهُ

مَشيْنا إليه بالسيــــــــــــوف نُعاتبُهْ

ركبْــــنا لـــــــه جهــــــرًا بكلّ مُثـــــــــــقَّــــــفٍ

وأبيضَ تستسقي الدّماءَ مَضاربُهْ

وجيْش كجُنْحِ اللّيل يرجُفُ بالحصى

وبالشّوْكِ والخَطِيِّ حُمْرٌ ثعالِبُهْ

غدوْنا له والشَمسُ فـــــي خدْرِ أمّــــــــها

تُطالعُنا والطَلُّ لمْ يَجْــــــرِ ذائِبُهْ

كأنّ مُثارَ النّــــــــــــقْع فـــــــــــوق رؤوسِهـمْ

وأسيافَنا ليْلٌ تهاوَى كواكِبُـــــــهْ[25]


وإن جودة هذه القصيدة وكمالها واكتمال شروط المدح فيها، هو المبرر لمضاهاتها قصائد الفحول المتقدمين، ولعد بشار نفسه، وعد العلماء بالشعر إياه، من كبار الشعراء، قال بشار عن نفسه: "أزرى بشعري الأذان. يقول إنّه إسلامي"[26]. وروى أبو الفرج أن الأصمعي كان يقول: "بشار خاتمة الشعراء، واللّه لولا أن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم"[27].

ومن شعر بشار في المدح أيضًا قصيدته الهمزية في عقبة بن سَلْم الهِنائي، والي البصرة، لأبي جعفر المنصور، التي مطلعها "حَيِّيَا صاحبيَّ أمَّ العلاءِ ..."، وفيها يقول:

إنّما لــــــــــــذّةُ الجـــــوادِ ابنِ سَلْمٍ

في عطاءٍ ومركـــــبٍ للّقاءِ

كخراج السماءِ سيْـــــــبُ يَديْــــــهِ

لقريــــــــبٍ ونازحِ الدَّار نَاءِ

حرّم اللّهُ أنْ ترى كآبْـــــــــنِ سَلْمٍ

عقبةِ الخَيْرِ مُطعمِ الفقراءِ

يسقط الطيرُ حيث ينتثِرُ

الحَـــــــبُّ وتُغشَى منازلُ الكرماءِ

ليْس يُعطيكَ للرجاءِ ولا الخوُ

فِ ولكنْ يلَذُّ طعْمَ العطاءِ

صنَعتْنِي يــــــــــداهُ حتّــــــــى كأنّي

ذو ثراءِ من سرِّ أهلِ الثراء[28]

ولئن اقتضت ضغوط السنة المتبعة في المدحيات الرسمية أن تحتفظ هذه القصيدة بشرطي الطول والبناء النمطي الثلاثي، فقد جاءت أمضى في التجديد في كل أقسامها، ذلك أن الشاعر قال في النسيب "وغداةَ الخميسِ قد موّتتْني" وهذا "من الألفاظ الجديدة في شعر أهل العصر من المولَّدين" على ما قال محقق الديوان، ثم افتتح قسم الرحلة بتشبيه المها بالنساء، أي بقلب التشبيه في اتجاه تأنيس الحيوان، وسحب الإجراء نفسه على الناقة بقوله "همُّها أنْ تزور عقبةَ في المُلك..." ثم مضى إلى المدح فازداد تجديده وتبديعه وضوحًا عبر العدول التركيبي الذي استبدل بمقتضاه عبارة عقبة ابن سلم بعبارة الجواد ابن سلم وتركيب التشبيه على الكناية في قوله: كخراج السماء سَيْبُ يديْه، ورفع ممدوحه إلى درجة من المجد والكرم خيّل، بواسطة كناية التحريم، أن اللّه جعلها له هو بإطلاق وسابق مشيئة، فجعله استثناء في البشر بحكم رباني. ثم ولد من عبارة "مُطعِم الفقراء" صورة معقدة فنيًا قوامها التمثيل على طالبي جدواه بالطير، وعلى رغبته في الإحسان بفعل ناثر الحب، وعلى انجذاب المحتاجين إليه باهتداء الحيوان الأعجم إلى أسباب الحياة، سليقة وغريزة.

أما قوله "ليس يعطيك للرجاءِ ولا الخوف ..." ففيه تخليص لفعل الكرم، أو حدث الجود، من مبرراته العملية، لتكريس مبرره الأخلاقي المحض. وهذا الكلام سيكون له تأثير في الأدباء والشعراء بعده، ولا سيما في الجاحظ وفي ابن الرومي. ومن بديع مدح بشار كذلك داليته في مدح روح بن حاتم "يا دار أقوت بالأجالد ..." وقد بناها على نسيب ومدح، ونظمها على مجزوء الكامل، وصرف فيها اسم ممدوحه تصريفًا أفاد الشعر كثيرًا. هذا، وقد عد أبو عمرو بن العلاء بشارًا "أمدح الناس"[29] بقوله في الخليفة المهدي:

لمستُ بكفّي كفَّهُ أبتغي الغِنَى

ولمْ أدْرِ أنَّ الجُودَ من كفّهِ يُعدِي

فما أنا ممّا قد أفادَ ذوو الغنى

أفدْتُ، وأعداني فأتلفْتُ ما عندي[30]

على أن النزعة العامة التي اتسمت بها مدائح بشار في المهدي هي الحفاظ على الملامح التركيبية لقصيدة الفخامة، والحفل والالتزام بشرطي الطول والجزالة، مع توليد وتجديد في لوازم المعنى المدحي وصوره.

 في الهجاء

للهجاء في شعر بشار أهمية كمية ونوعية مشهود بها، كما أن لميله إليه واقتداره عليه مبررات وعوامل، بعضها نفسي، مثل عاهته وصعوبات طفولته، ونشأته بين الفقر والتهميش، وتعرضه للتعالي والميز العرقي. وبعضها ثقافي، ناتج عن تشبعه بنماذج الكمال التعبيري التي وصلت إليه من سابقيه، وبعضها فني ناجم عن موهبته وشاعريته.

هناك عدة ملاحظات على شعر بشار في الهجاء، منها، أنه كان بالنسبة إليه اضطرارًا أفضى به إليه التضارب الحاد بين العوامل التي ذكرت آنفًا من جهة، وبين اعتداده بنفسه اعتدادًا قويًا، وما تكون لديه من إيمان، قد يكون مبالغًا فيه، بأنه يستطيع، بالشعر، أن يقلب الوضع أو المعادلة لفائدته. ومع هذا كان الهجاء عنده اختيارًا أيضًا، يؤيده قول أبي الفرج الأصفهاني: "قيل لبشار إنك لكثير الهجاء! فقال: إني وجدت الهجاء المؤلم آخذ بضبع الشاعر (أي عضُده) من المديح الرائع، ومن أراد من الشعراء أن يكرم في دهر اللئام على المديح فليستعد للفقر، وإلا فليبالغ الهجاء ليخاف فيعطى"[31].

وكان الهجاء عنده، حينئذ، أداةً لدفع المضرة ووسيلة لجلب المنفعة. ولكنه، في شأنه، قد بالغ في استخدامه، واستخدمه أحيانًا بشيء من سوء التقدير، فتسبب، مع أمور أخرى متأتية من جرأته في الغزل وتحرر سلوكه، في قتله هجا الخليفة المهدي ووزيره يعقوب به داوود هجاء ألطفه قوله:

بنى أميّـــــــة هبُّـــــــوا طال نومكـــمُ

إنّ الخليفةَ يعقوبُ بنُ داوودِ

ضاعتْ خلافتُكمْ يا قومُ فالتمِسُوا

خليفةَ اللّهِ بين الزقِّ والعُـــــــــودِ[32]

إضافة إلى أن بشار اتجه في شعر الهجاء اتجاهين: أحدهما محافظ، نظم فيه القصائد راغبًا في إظهار اقتداره وفحولته، قصد تبكيت خصومه، ولا سيما الشعراء منهم، شأن أبي هشام الباهلي وحمّاد عجرد، وليس على هذا الضرب من الهجاء تنهض مقدرة بشار، إلا قليلًا، إذ قوامه الأساسي التعيير والتفاحش.

أما الاتجاه الثاني، فأكثر إظهارًا لشاعريته في هذا الغرض، وقد نزع فيه منزعًا مجددًا تأثر به شعراء الإحداث من بعده، وخصوصًا أبو نواس. ويتمثل في الغمز اللطيف اللبق في السلوك أو المعتقد أو الأخلاق أو النسب، بواسطة اللمحة الموجعة، واستخدام المعجم السهل، والصورة القريبة الطريفة غالبًا.

في هذا الضرب من الهجاء يُعتبر أن بشارًا صاحب طريقة، ومؤسس أسلوب سيصبح بعده مظهرًا من مظاهر ما يمكن أن نسميه شعرية الحداثة الأولى، ويجسم هذا مثل قوله في شخص يُدعى عمرو الظالمي:

إنّ عمرًا، فاعْرفوهُ

عربيٌّ من زجاجِ

مظلمُ النّسبةِ لا يُعْـ

ــرَفُ إلاّ بالسِّراجِ[33]

وكذلك قوله، في هجاء رجل من اسمه مسعود، كل قد مدحه فخيب رجاءه:

لمْ يَدْرِ ما قلتُ مسعودٌ فضيّعَهُ

يا سَوْأتَا من طِلابي جودَ مسعودِ

وقائلٍ كيف مسعودٌ؟ فقلتُ لهم

هو الجوادُ ولكنْ فاسِـــــقُ الجودِ[34]

وهو كلام استمد الشاعرية من تجهيل الشاعر مهجوه ورميه إيّاه سوء الفهم، لا لشعر المدح فحسب، بل للشعر عامة، بل للكلام مطلقًا، وهو معنى الصدر الأول، ثم من لوم الشاعر نفسه على ما فعل، واستغراب الناس الأمر كله، ثم تبرير الشاعر فعله بواسطة سلسلة من التعابير الاستعارية، أهمها العدول الأسلوبي في عبارة "فاسق الجود ...".

ومن أبرع الهجاء في اللفظ المهذب والمعنى المؤلم، هجاؤه لعبيد اللّه بن قزعة:

خليليَّ من كعْبٍ أعينَا أخاكُما

على دهرِهِ إنّ الكــــــــــريمَ مُعينُ

ولا تبخلاَ بُخْلَ ابنِ قزعةَ إنّـــه

-مخافةَ أن يُرجَى نداهُ- حزينُ

كأنّ عبيد اللّه لم يلــــــقَ ماجدًا

ولمْ يدْرِ أنّ المكرُماتِ تكــــــونُ

إذا جئْتَه في حاجةٍ سدَّ بابَـــــــهُ

فلمْ تلقــــــه إلاّ وأنـــــــتَ كَمينُ[35]

وهو كلام جددت الصورة المستعملة في آخره معنى الهجاء بالبخل تجديدًا حاسمًا، بالرغم من كثرة توارد الشعراء عليه. ومن هذا القبيل من الهجاء المجدد قوله في بني سَدوس، وقد استعداه عليهم مواليه من بني عقيل في مفاخرة:

كأنّ بني سَدوسٍ رهطَ ثوْرٍ

خنافسُ تحت منكسرِ الجدارِ

تُحــــــــــرِّكُ للفَـــــخارِ زُبانَيَيْها

وفخرُ الخُنفساءِ منَ الصَّغَارِ[36]

وقد فتح بشار، بهذا الضرب الأخير من الهجاء، سبيل التجديد المتمثل في بروز النزعة الساخرة والتهكم المضحك من المهجوين أمام من جاؤوا بعده. وكان أنجب تلاميذه في هذا الاتجاه أبو نواس، فقد قال أبو نواس في هجاء الفضل الرقاشي إنه عربي من صنعة السوق، وشبه قيان موسى بالخنافس في قوله:

خنافِسُ حولَ عيدانٍ قُعودٌ

يطوِّلُ قربُها اليومَ القصيرَا [37]

في الرثاء

كان بشار مقلًا في الرثاء؛ وقد فُسر هذا الإقلال إما بضياع شعره، وإن كان هذا أمرًا عامًا غير مرتبط بغرض بعينه، وقد يُفسر بعزوف بشار عن القول في هذا الغرض.

والملاحظة البارزة فيما وصل من شعره في الرثاء أنه رثاء ذاتي تبرره القرابة، الدموية أو النفسية من المرثي، إذ لا يوجد في شعره ما يسمى الرثاء الرسمي، بل ليس فيه سوى رثاء الأهل والأصدقاء. وعند استعراض مراثيه، مثل مرثيته في ابنه (محمد) بقصيدته البائية الشجية التي يقول فيها:

أجارتَنا لا تجزعـــــــــــــــــي وأنيبـــــي

أتاني من الموتِ المُطِلِّ نصيبي

لعمري لقد دافعتُ موتَ محمّــــدٍ

لوْ انّ المنايا ترعــــــــوي لطبيبِ

فأصبحتُ أُبدي للعيون تجـــلّدًا

ويَا لكَ منْ قلبٍ عليــــــه كئيبِ

يذكّرني نَوْحُ الحــمامِ فراقَــــــــــــهُ

وإرنانُ أبكارِ النّساءِ وثيـــــــــبِ

رُزئتُ بُنَيِّـي حين أورقَ عــــودُه

وألقى عليّ الهمَّ كـــــــلُّ قريبِ

وكان كريحان العروسِ بقـــاؤه

ذوى بعد إشراقِ الغصونِ وطيبِ[38]

تمثل هذه القصيدة حلقة مهمة من حلقات رثاء البنين، إذ يمثل بشار حلقة هامة ضمن سلسلة الشعراء الذين رثوا أبناءهم رثاء جيدًا فاشتهروا بذلك، وتنخرط في تقاليده التي تمثلها نصوص أخرى علامات منها ما هو سابق لبشار، مثل عينية أبي ذؤيب الهذلي أساسًا، ومنها ما هو لاحق به، مثل دالية ابن الرومي في ابنه محمد أيضًا، وغير ذلك مما تراكم في الشعر العربي من نصوص هذا الفرع الغرضي مثل نصوص التهامي والحصري وغيرهما. ومن خصائص هذا الرثاء قرب الفقد فيه من دائرة الذات، لأن الموت يصيب الوالد في المولود، فيلحق به العقم بعد الخصوبة، وانقطاع النسل بعد وعد الاستمرار، ويمارس عليه قسوة خاصة، لأنه يوقف برنامج خياله على نحو مفاجئ حاد مربك. ولكل هذا، فإن الموت هنا حدث مشترك بين الأب والابن، وحظ متبادل بينهما، وهو ما ينهض بالتعبير عنه في قصيدة بشار هذه، وإن عبر عن أشياء أخرى أيضًا، صدر البيت الأول منها: "أتاني من الموت المطلِّ نصيبي".

والنص الثاني الذي يجب الوقوف عليه في رثاء بشار هو مرثيته في حبيبته (والمرجح أنها زوجته) حمدة أو حُميدة، ومنها بالخصوص قوله:

إنّ التي سبقـــــــــتْ غُدوُّكَ أصبحتْ

عمّا لقيتَ كغائــــــــــــــبٍ لمْ يشْهَدِ

ملأتْ حشاك وربّما ملأ الحَـــــــــشا

وَجْدٌ بحمدةَ، مثلُه لمْ يُوجَـــــــــــــدِ

إنّ التي كانــــــــــت هواكَ فأصبحتْ

تحتَ السّفائفِ في الثرى المتلبِّدِ

ليســــــــتْ بسامعـــــــــةٍ وإنْ ناديتَــــــها

منكَ السّلامَ كذلكَ الميْتُ الرَّدِي

أحُمَيْدَ إن تَرِدِي المُصابَ فإنّـــــــــــه

رَهْنُ النفوسِ بمثلِ ذاكَ المورِدِ

أصبحتُ بعدكِ كالمُصابِ جناحُه

يُبكى لجانبِهِ إذا لمْ يَسْعَـــــــــــــــــدِ

نَفِدَ الزمان ومن حُميدَة لوعــــــــــــــةٌ

بين الجَوانحِ حــــــــــــــرُّها لمْ ينفَدِ

ولقد أقولُ غداةَ ينأى نعشُـــــــــــــــها

صلّى الإلاه عليكِ أمَّ محمّدِ[39]

إن الذي يقرب بين القصيدتين السابقتين هو تجربة الفقد الذاتي وكثافة حضور الأنا في النص المعبرة عن اضطلاع الشعر بما هو حميم من أحوال النفس المتكلمة فيه ومشاعرها.

فإذا صح أن المرأة المرثية في هذه القصيدة (أم محمد) هي زوجة بشار، فيظهر هنا عنصر آخر مهم من عناصر تأثره بجرير، وبإزاء النص الثاني الكبير من نصوص الشعر العربي القديم التي انصرفت إلى رثاء الزوجة، بعد قصيدة جرير في رثاء زوجته خالدة:

لَوْلا الحيَاءُ لعادني استعبارُ

ولَزرتُ قبرَكِ، والحبيبُ يُزارُ[40]

ففي هذه القصيدة عناصر ذاتية وتجديد وعاطفة غضة لا شك فيها: أهمها أنه فقد المرأة التي كانت منه "ملء الحشا" فأصبحت "تحت السفائف في الثرى المتلبد" وأن موتها "كسر جناحه" وأن لوعتها ينفد الزمان دون أن تنفد.

وغير بعيد عن دائرة الذات، فقد الأصدقاء، ورثاء الصديق تنويعة جديدة في شعر الرثاء لجدة الموضوع نفسه، وقال بشار وقد ذكر جماعة من أصدقائه وجلاسه الذين ماتوا:

بقـــــــــــــــــــيَ الناسُ بعـــــــــد هُلْكِ نَـــداما

يَ وُقوعًا لمْ يشعروا ما الكـــــلامُ

يا ابْن موسى، فقْدُ الحَبيبِ على العيْـ

ــنِ قذاةٌ وفي الفــــــــــــــــــــؤادِ سَقامُ

نَفسَــــــــــــتْهـــــــــمْ علـــــــيَّ أمّ المــــــنايا

فأُنامتْهـــــــــــــــمُ بعنــــــــــفٍ فنــــــــامُوا[41]

يلفت الانتباه في هذا الكلام قوله: "بقي الناس ... وقوعًا" جمع واقع بمعنى ساقط، إحالةً على عالم الطير، وهذه صورة موحية بالبهت والارتباك المعطل لكل حركة، ثم قوله "لمْ يشعروا ما الكلامُ" بمعنى لم يعلموا وهو كلام يُطنب على الدلالة السابقة ويقويها في التعبير عن أثر الفقد، وهذا ما جاء البيت الموالي لتدقيق صورته الحسية، فقدُ الحبيب قذى في العين وسقم في القلب.

في الحكمة

وثمة مجال آخر من مجالات شاعرية بشار، هو مجال التأمل والحكمة، وقد شهد العلماء بالشعر له بالتفوق فيه، والغالب على شعر بشار في التأمل والحكمة أنه لا يرد عنده على هيئة الغرض المستقل، مثلما هو الشأن عند صالح بن عبد القدوس (ت. 167هـ) في عصـــره، أو عند أبــــي العتاهيــــة (ت. 213هـ) بعده، إلا فيما ندر. ويرجع ذلك إلى سببين، أحدهما أن استقلال الحكمة إنما كان عند شعراء الوعظ والتزهيد أساسًا، وثانيهما أن الشاعر الجامع أو الشاعر الكلي، ترد الحكمة في جميع شعره مبثوثة، وتندس وتخفى وتظهر وتداخل كل غرض وتنجم في القصيدة نجومًا كلما جاد القول الشعري واقترب من حقيقة ذاته وكنه وظيفته الأصلية.

وبشار يستجيب، في هذا، لشرط من شروط بلاغة الشعر في نظر العلماء به في عصره، وما بعد عصره، وهو ألا يكون كله أمثالًا وحكمًا. وهذا ما يفسر أن الجاحظ يُثني في كتابه البيان والتبيين[42] على شعر صالح بن عبد القدوس، لكنه يعيب عليه فيه أنه مكتظ بالحكم، يقول: "لو أن شعر صالح بن عبد القدوس وسابق البربري (ت حوالي 123هـ) كان مفرّقًا في أشعار كثيرة لصارت تلك الأشعار أرفع ممّا هي بطبقات، ولصار شعرهما نوادر سائرة في الآفاق".

وفي تعقب الحالات القليلة التي استقلت فيها الحكمة عند بشار، وجد قصيدة له خالصة للحكمة، كافية لتجسيم استقلالها الغرضي لديه، منها قوله:

كُلُّ اِمرِئٍ نَصْبٌ لِحاجَتِـــــــــــــــــــهِ

وَعَلَيهِ يُحمَلُ أَو لَهُ نَصَبُــــــــه

فَاربَعْ عَلى خُلُقٍ لَهُ خَطَــــــــــــــــــرٌ

في الصالِحينَ يَفوزُ مُحتَسِبُه

عِيُّ الشَريفِ يَشيـــــــــــــــنُ مَنصِبَهُ

وَتَرى الوَضيـــــــــعَ يَزينُهُ أَدَبُه

وَحِراثَةُ التَقـــــــــــــــوى لِمُحتَرِثٍ

كَــــــــــــرَمُ المَعادِ وَما لَهُ حَسَبُه

يَرِدُ الحَريصُ عَلـــــــــــــى مَتالِفِهِ

وَاللَيثُ يَبعَــــــــــثُ حَتفَهُ كَلَبُه[43]

وتتمثل مقومات الخطاب الحكمي في هذه القصيدة، أولًا، في سمة الإيجاز والتكثيف التعبيري التي تسمها، وثانيًا، في هيمنة الجمل الاسمية وأسلوب الأمر عليها، بما يخدم الشاغل التعليمي فيها ويمحضها لتكون درسًا في الأخلاق السامية، والأدب الرفيع، والسلوك الحسن، والتدبير الصالح للدنيا والدين.

ولكن الغالب على حكم بشار هو أن ترد مقاطع أو نتفًا وأبياتًا مبثوثة في قصائده. ويلفت الانتباه، في محاولة تحديد مواضع الحكمة ومواقعها من شعر بشار، ورودها أحيانًا مقدمة لقصيدة الغزل، وهذه مسألة بنيوية تبدو هامة في تتبع مظاهر تجديده في هذا الغرض، لأنها ليست من المعتاد أن يستهل بها القول في قصائد الغزل، كما تبدو هامة في تجسيم رغبة الشاعر في إضفاء مسحة من الهيبة على القصيدة الغزلية، وسعيه إلى إظهار شاعريته أيضًا، ذلك أن ابتداء القصائد بإرسال الأمثال "من مرامي البلغاء"[44] ومثال على هذا الأمر قصيدة بشار الدالية التي يستهلها بقوله:

يَعيشُ بِجِدٍّ عاجِــــــــــــــــــــزٌ وَجَليــــــــــــــدُ

وَكُـــــــلُّ قَريــــــــــــــــــــبٍ لا يُنالُ بَعيدُ

وَفي الطَمَعِ التَنصيبُ وَاليَأسُ كَالغِنى

وَلَيسَ لِما يُبـــــقي الشَحيحُ خُلودُ

وَلا يَدفَعُ المَــــــــــــوتَ الأَطِبّاءُ بِالرُقى

وَسَيّانِ نَحسٌ يُتَّـــــقى وَسُعـــــــــــــودُ

يَفوتُ الغِنى قَوماً يَخِفّـونَ لِلغِنـــــــــى

وَيَلقى رَباحاً آخَـــــــــــــــرونَ قُعـــــودُ

وَلِلخَيرِ أَســــــــــــــــبابٌ وَلِلعَينِ فِتنَــــــــةٌ

وَمَن ماتَ مِن حُبِّ النِساءِ شَهيدُ[45]

والظاهر أن البيت الأخير من هذه المقدمة الحكمية هو الوحيد الذي اشتقه الشاعر من المناسبة الغرامية وعقده بالمقام الغزلي، فهو بيت التخلص من الحكمة العامة إلى الحكمة المقامية، حكمة الحب والغزل، ولذلك أخذ بعده مباشرة في كلام الغرض بقوله:

وبيضاءَ مكسالٍ كأنّ حديثها

إذا أُلقيتْ منه العيونُ بُرودُ

أما ما يجسم ملابسة الحكمة في شعره للأغراض وورودها ضمنها، فوجودها أولًا في غضون الغزل، هذا هو الأمر الغالب على شعره، وله على ما يبدو، مبررات عدة، منها مبرر كمي يتصل بكثرة النسيب في مقدمات القصائد وبإكثار بشار من الغزل، ومبرر نوعي يتعلق بكون هذا المجال من مجالات الشعر يعدّ مظهرًا بارزًا من مظاهر إجادة بشار ومعرضًا من معارضها: والحكمة، إزاء ما سلف ذكره، من أبرز آثار فعل التجويد في الشعر، على صعيدي الفكرة والعبارة على السواء.

على أن الذي يجب إبرازه في هذا المقام ليس الحكمة التي يكون شعر النسيب والغزل مجرد حاضن لها، وإنما تلك التي يفرزها هذا الشعر، إذ تكون منه بمثابة الامتداد العقلاني للأهواء والعواطف والمشاعر، وتأتي كي توسع من طاقته التعبيرية، وتُمده برافد من روافد الحجاج، على غرار قول بشار داعيًا معشوقته عبدة إلى الوصل مهونًا عليها كلام الوشاة:

عَلِّلِينِي ياعَبْدَ أنْتِ الشِّــــــــــــــفاءُ

واتْرُكِي ما يقُولُهُ الأَعْــــــــــــدَاءٌ

كلُّ حيٍّ يُقالُ فيه، وذو الحِلـــــ

ـــمِ مُرِيـــــحٌ، وللسَّفِيهِ الشَّقَاءُ[46]

ويمكن القول إن الاتجاه العام لما سبق، وسُمي بالحكمة الغزلية[47] في شعر بشار، هو مبادرة إلى لذة اللقاء، وتحين فُرصها واغتنامها بمجرد أن تسنح، ثم الإقبال عليها:

فادْنُ ممَّنْ تحبُّ غيرَ مَلــــــــــومٍ

ليس في الحبّ راحةٌ من بعيدِ[48]

وعدم تأجيل لذة اليوم إلى غد:

تَرْجُو غَداً وغَـــــــــــــدٌ كَحَامِلَــــــةٍ

في الحيّ لا يدرونَ ما تَلِدُ

في اليوم حظُّكَ إن أخذتَ بـه

وغدٌ ففي تِلقائــــــــــــــهِ العَدَدُ[49]

على أن العدد في قوله هذا معناه العَدُّ أي الظن والشك، ففي الكلام حينئذ دعوة جادة إلى إصابة اللذة متى سنحت فرصتها لأن تأجيلها قد يتسبب في تضييعها إذ لا ضامن لأن تتكرر الفرصة.

وقد ترد الحكمة الغزلية خاتمة لكلام في النسيب أو في الغزل، غايته تعزية المحب الفاقد، وتهوين أثر الفراق عليه، وتسكين جزعه، وذلك شأن قول بشار:

رأيتُ الدّهر يَشْعَبُ كلَّ إِلْفٍ

ولا يبقَى لوحدتهِ الوحيدُ[50]

والهجاء معرض آخر من معارض الحكمة في شعر بشار، وحاضن آخر لها، وفرصة للتأمل في السلوك البشري إزاء المال بشكل خاص، وفي مواقف الإنسان من المال، ولا سيما موقف البخل. والمثال على هذا ما أفضى إليه هجاؤه للعباس بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس، وقد مدحه واستمنحه فلم يعطه شيئًا فقال فيه:

ظِلُّ اليَسارِ عَلى العَبّاسِ مَمدودُ

وَقَلبُهُ أَبَــــــــــــداً بِالبُخـــــلِ مَعقودُ

إِنَّ الكَريمَ لَتَخفى عَنكَ عُسرَتُهُ

حَتّــــى تَراهُ غَنِيّاً وَهــــــوَ مَجهودُ

وَلِلبَخيلِ عَلـــــــى أَموالِـــــــــــهِ عِلَلٌ

زُرْقُ العُيونِ عَلَيها أَوْجُهٌ سودُ[51]

وهذا هجاء أنيق، في فكرته وعبارته، لأن الشاعر انصرف عن هجاء هذا الرجل، بسبب مقامه على ما يبدو، مكتفيًا بملاحظة المفارقة بين ثرائه وحبه البخل، ثم أخذ في كلام تأملي عام في الظاهر، متجه إلى المهجو بلا شك.

 وقد تلابس الحكمة المدح، فتظهر في التمهيد له أو في متنه، مشارًا بها إلى غير الممدوح، من خصومه أو من خصوم الشاعر، على سبيل التعريض الداعم للمدح أو المحقق لتقاطع بينه وبين الهجاء. فمن الحكم التي هذا شأنها قول بشار ضمن أرجوزته "يا طللَ الحيّ بذاتِ الصّمْدِ..." معرّضًا بعقبة بن رؤبة بن العجاج، وقد كان تحداه أن يُحسن الرجز، مثله ومثل أبيه وجده:

الحُرُّ يُوصَى والعصا للعبْدِ

وليس للمُلحِفِ مثْلُ الردِّ[52]

ومن حِكم المدح التي هي مادة من مواده ومقوم من مقوماته، مثلما هو معرض من معارضها، قول بشار من مدحته الهمزية في عقبة بن سلم:

يسقط الطيرُ حيث ينتثرُ الحَــ

ـبُّ وتُغشَى منازلُ الكرماءِ[53]

في الإخوانيات

ومن شعر بشار الذي يظهر فيه تجديده وحكمته، قوله السائر في الصداقة والصديق:

أَخـــــوكَ الَّـــــذي إِن رِبتَــــــــهُ قالَ إِنَّــــما

أَُرِبْــــــــتُ، وَإِنْ عاتبْتَـــــهُ لانَ جانِبُـــــهْ

إذا كنـــــــتَ فـــــي كلّ الأمـــــور مُعاتـباً

صديقَك لمْ تَلْقَ الـــــــذي لا تُعاتبُهْ

فَعِــــــشْ واحــــدًا أوْ صِـــــلْ أخاكَ فإنّه

مُقـــــــارفُ ذنـــــــبٍ مــــــرّةً ومُجانبُــــهْ

إذا أنتَ لم تشربْ مرارًا على القذَى

ظمئْتَ، وأيُّ الناس تصفو مشاربُهْ؟[54]

على أن لبشار سبقًا وريادة لا ينازعه فيهما منازع في الإخوانيات، وشعره هو المرجع في موضوع الصداقة والصديق في الشعر العربي القديم، سواء بهذا الكلام أو بقوله:

خَيرُ إِخوانِكَ المُشارِكُ في المُرِّ

وَأَينَ الشَريكُ في المُرِّ، أَينَا؟

الَّذي إِنْ شَهِدتَ سَرَّكَ في الحَيــــــيِّ

وَإِنْ غِبْتَ كــــــانَ أُذْناً وَعَيْنَا

مِثلُ حُرِّ الياقوتِ إِنْ مَسَّــــــهُ النّا

رُ جَــــــــلاهُ البَلاءُ فَازْدَادَ زَيْنَا[55]

أما القصيدة المتمحضة لغرض الإخوانيّات المكرسة لاستقلاله وظهوره المتمايز على يدي بشار بالذات، فهي بائيته التي يقول فيها:

وَأَخٍ ذي ثِــــقَـــــــــةٍ آخَــــيْــــتُهُ

ماجِدِ الأَعراقِ مَأمـــــــونِ الأَدَبْ

أَمْــــحَـــضَ اللّهُ لَهُ أَخـــلاقَهُ

*فَهيَ كَالإِبريزِ مِن سِرِّ الذَهَــــــــبْ

فَـإِذا أَبـصَـرَ وَجـهـي مُـقـبِـلاً

 ضَـحِـكَـتْ عَـيـنـاهُ مِن غَيرِ سببْ

وَإِذا كَــــــلَّمـــــتُهُ واحِــــــــــــدَةً

**هَـيَّجـَتْ مِـنـهُ عُـلالاتِ الطَّـرَب[56]

وهي قصيدة خالصة لهذا الغرض، لا يخالطه فيها غرض شعري آخر. ويلفت الانتباه فيها، وفي غيرها من النماذج التي سبق إيرادها، أن بشارًا يحتفظ بلفظ الأخ، لكن مع إفراغه من دلالتيه الدموية والدينية ويشحنه بدلالة جديدة هي دلالة الصداقة، إذ أصبح الأخ في شعره هو الصديق، ويؤكد ذلك قوله في مطلع القصيدة آخَيْتُه أي اتخذته أخًا.

في الوصف

الوصف في الشعر لا يعني مجرد تصوير الأشياء والكائنات والظواهر، وإنما يعني الكلام عليها كلامًا يكشف عن ملامحها "مضفيًا عليها غَيْمَ الشعر، ملتمسًا في القول عليها خطاب الجمال لا خطاب الإحاطة والدقّة"[57]، ولبشار إضافة لافتة إلى القول في حقيقة الوصف الشعري، ويتجلى ذلك في قوله في نسيب له ببعض النساء:

وصَفَتْ مَجَاسِدُها رَوادِفَ فَعْمَةً

ومُهَفْهَفًا قَلِقَ الوشاحِ خَضِيدَا [58]

الوصف، هنا، إذ يقع على الأشياء أو الذوات، أي الموصوفات، يُظهرها ويُجليها ويبرز ملامحها، تمامًا كما تفعل المجاسد في قول بشار، وهي الثياب الرقيقة الشفافة التي تلبسها المرأة على جسدها مباشرة، فتُبرز أجمل ما فيه. على أن الغالب على الوصف في شعر بشار أنه ليس غرضًا مستقلًا تستقل به القصيدة وتُفرد له، وإنما هو أسلوب تستخدمه الأغراض المختلفة، فتلونه بألوانها، أو لوحات ومشاهد ترد ضمن مقدمات القصائد ولوازم أغراضها.

ومن اللوحات الوصفية لبشار في شعره التي برز فيها على كثير من سابقيه، قوله، في وصف رحلة حمار الوحش بأتنه إلى الماء، وقد صوح النبات أوائل الصيف:

رَعى وَرَعَيْنَ الرَّطْبَ تِسعينَ لَيلَــــــــــةً

عَلى أَبَقٍ وَالرَوضُ تَجري مَذانِبُهْ

فَلَمّا تَوَلّى الحَرُّ وَاِعتَصَــــــــــرَ الثَّــــرَى

لَظى الصَيْفِ مِن نَجمٍ تَوَقَّدَ لاهِبُهْ

وَطارَتْ عَصافيرُ الشَقائِقِ وَاِكتَســـــى

مِــــــــــــنَ الآلِ أَمثالَ المُلاءِ مَسارِبُهْ

غَدَتْ عانَةٌ تَشكُو بِأَبصارِها الصَّدَى

إِلى الجَأْبِ إِلّا أَنَّـــــــــها لا تُخاطِبُهْ

وَظَلَّ عَلــــــــى عَلياءَ يَقسِمُ أَمــــــرَهُ

أَيَمضــــــــــي لِوِردٍ باكِرٍ أَمْ يُؤاوِبُهْ[59]

وقد سرد بشار، ضمن قسم الرحلة من بائيته في مروان بن محمد، وهي إحدى مدحياته الكبرى، حكاية حمار الوحش، قرين الناقة، في مقطع أطول مما ورد، مستوفيًا فيها أركان الصورة وجزئياتها النمطية محدِثًا في صورة المعنى تحويرات معجبة، من أبرزها، فضلًا عما تقدم، قوله في حمار الوحش، مضيفًا إلى ما قاله سابقوه من الشعراء إضافة دالة وحاسمة:

أَقبَّ نَفَى أبناءَهُ عن بناتهِ

بِذي الرَّضْمِ حتّى ما تُحَسَّ ثَوالِبُهْ

إذ دل لفظ أقب على صفة الضمور والنحول في الحيوان (الحمار هنا) وأفاد قوله "نفَى أبناءه عن بناته" أن الحمار فصل أبناءه من الذكور وأبعدها عن الإناث لاصطفائهنّ لنفسه، أي أنه إنما فعل ذلك لئلا يشعر أبناؤه بأنه اتخذ بناته حلائل له، مما هو من مثالب البشر، وهذا من أبدع معاني الشعر حقًّا ومن أجدّها جدّة.

ومن أوصاف بشار البديعة ما قاله في جواد، ضمن مقدمة مدحته في روح بن حاتم، ومنه:

وَمُنيــــفُ القَــــــــــذالِ وَقَّــــــرَهُ القَوْ*

دُ وَذَكّى فُـــــــــــؤادَهُ الإِجْلابُ

فَهُوَ صافي الأَديمِ كَالدُّملُجِ الأَحمَــ

ـــرِ طِرْفٌ تَزينُهُ الأَقــــــــــرابُ

شاخِصُ القَلبِ وَالمَسامِعِ وَالطَّــــــر

فِ إِلى ما يُهابُ أَو لا يُهابُ

وَإِذا ما جَــــــــــــــرى لِيُـــــــدرِكَ شَيــــــئاً

فاتَهُ وَاِنتَحــــــــــــــى بِهِ الإِدآبُ

قُلتَ ريحٌ تَحِـــــــــــــــــنُّ بَيــــــــنَ أَواسٍ

أَو يَراعٌ غَنّى بِـــــــــهِ القَصّابُ

وهذه صورة لحصان جسيم وسيم، طويل القامة رفيع الهامة، وقور المنظر ذكي الفؤاد، يقظان الشعور متحفز الحواس، عداء يفوت الطريدة، له من الريح سرعتها وصوتها، وله من القصبة (الشبّابة) خفتها ولحنها. على أن الملفت في هذا المقطع، ولا سيما في بيته الأخير، وهو تشبيه المرئي (سرعة الجواد) بالمسموع (حنين الرّيح بين الأعمدة وغناء العازف على القصبة)، وهذا مثال آخر على ما يمكن أن تسميته بتراسل الحواس، أو تراسل السمع والبصر في شعر بشار[60].

وأما المحمل الغرضي الأساس للوصف عنده، فهو شعره الغزلي، وليست الغاية تحليل مقاطع الوصف في شعره، وهي كثيرة جدًا، وإنما الإشارة إلى تمييز بشار بين الوصف والنعت، وإدراكه لما بينهما من فرق دقيق، والمرجع في هذا هو مطلع قصيدته الشهيرة:

عَجِبَتْ فطمةُ من نعتي لها

هلْ يُجيدُ النعتَ مكفوفُ البَصَرْ؟[61]

والفضل في اكتشاف هذا المنحى اللطيف يعود للمحقق ابن عاشور، إذ يقول: "والنعت خاصّ بوصف المحاسن والكمالات، يُقال الوصفُ الفلاني نَعْتٌ والوصفُ الفلاني عَيْبٌ. ومعنى البيت أنّه وصفها، وهي تسمع، صفةً تطابق الواقع فتعجّبت من إجادة وصفه."

ويفضي ما سبق إلى استنتاج مفاده أن قدرة بشار شاعرًا لم تتمثل في القول في الأغراض أو الأصول التي كرسها الشعراء قبله فحسب، وإنما تجلت، على نحو خاص، في توسيع مجالات التجديد والإضافة فيها، فقد كان مدّاحًا بارعًا، وهجّاءً مقتدرًا، وشاعر غزل متميزًا، ورثاءً شجيًا. كما كان شعره، فضلًا عن ذلك، حاضنًا لجل أغراض الشعر التي أخذت تستقل منذ عصره أو بُعيد عصره، من قبيل الحكمة والزهد والخمريات والشكوى والإخوانيات، ونبغ بوجه خاص في شعر الصداقة والصديق، وكان وصّافًا بارعًا، بالرغم من عماه.

وفاته

تضافرت عوامل عدة أفضت إلى أن تكون نهاية بشار القتل بتهمة الزندقة {{الزندقة: مصطلح ذو أصول فارسية، يدل على التظاهر بالإيمان وإبطان عقائد أخرى ذات صلة بالمانوية أو الزرادشتية}}، من أهمها: استهانته بالأخلاق والمواضعات الاجتماعية، وما كان يروج عنه من تهتك ومجون، وعدم تحرجه من العبث بالمقدسات، ورقّة دينه أو غموض عقيدته، ما جعل معاصريه ينسبونه إلى التشيع المغالي حينًا، وإلى المانوية حينًا آخر، أو يرمونه بالزندقة وسوء الاعتقاد، ويكتمل ذلك بنسبته إلى الشعوبية ثم بجرأته على هجاء كبراء زمانه، ما تسبب أولًا في نفيه من البصرة إلى حرّان، ثم في تأليب المجتمع، ومن ثم الخليفة عليه.

أضف إلى ذلك أنه "كان يظهر من أخباره أنه كان شجاع القلب قليل الاكتراث بالمخاطر، قويًا في الثبات على رأيه، وكان نزّاعًا إلى العصيان والثورة. قال في الأغاني: كان يُفسد موالي العرب عليهم"[62]، ولهذا كله قُتل بشار عام 167هـ/ 782م، على الأشهر، وهو في نحو السبعين من عمره.

على أن معطيات كثيرة، وأخبارًا وتحليلات، أبرزها تحليل محمد الطاهر ابن عاشور[63]، تنفي عن بشار تهمة فساد الدين، وتنسبه إلى صحة عقيدة الإيمان، وتبرئه من شبهات كثيرة، وترجع الأمر إلى سببين: أولهما نقمة معاصريه عليه، بدافع الحسد أو الهجاء أو الفحش، وثانيهما عدم تحرّجه في دينه وسيرته فيه، إضافة إلى أنه وافق حملة المهدي على الزنادقة، وهي حملة يبدو أن الغالب على دوافعها كان سياسيًا، ذا صلة بالحد من مطامع الأعاجم في الحكم.

المراجع

 العربية

ابن النديم. الفهرست. بيروت: دار الكتاب العربي، 1952.

ابن برد، بشار. ديوان بشار بن برد. تكميل وشرح محمد الطاهر ابن عاشور. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1966.

ابن قتيبة. الشعر والشعراء. تحقيق أحمد محمد شاكر. ط 2. القاهرة: دار المعارف 1958.

أبو نواس، الحسن بن هانئ. ديوان أبي نواس. بيروت: دار الكتاب العربي، 1984.

الأصفهاني، أبو الفرج. الأغاني. بيروت: دار الثقافة، 1983.

الجاحظ. البيان والتبيين. تحقيق عبد السلام هارون. ط 4. القاهرة: الخانجي، 1975.

جرير. ديوان جرير. بيروت: دار صادر. ]د. ت.[.

الشريف المرتضى، علي بن الحسين الموسوي. أمالي المرتضى: غرر الفوائد ودرر القلائد. تحقيق محمد أبو الفضل. القاهرة: عيسى البابي الحلبي، 1954.

فروّخ، عمر. تاريخ الأدب العربي. بيروت: دار العلم للملايين، 1968.

الفيفي، عبد الله بن أحمد المغامري. الصورة البصرية في شعر العميان: دراسة نقدية في الخيال والإبداع. الرياض: النادي الأدبي، 1996.

المناعي، مبروك. أبو الطيب المتنبي: قلق الشعر ونشيد الدهر. الجزائر/القاهرة: دار مداد/ دار بهاء الدين /دار الآفاق العربيّة، 2018.

--------. الشعر والسحر. بيروت/ القاهرة/ تونس: دار التنوير، 2016. 

--------. حداثة القديم: بحث في شعرية بشار بن برد. تونس: دار كلمة، 2022.

--------. في إنشائيّة الشعر العربي. تونس/الجزائر/لبنان: دار محمد علي/ دار بهاء / دار التنوير، 2018.

الأجنبية

Blachère, Régis. Analecta. Damas : Analecta de l’Institut Français de Damas, 1975.

Encyclopédie de l’Islam. Leiden: E. J. Brill, 1960.

 Encyclopédie de l’Islam. Paris: G. P. Maisonneuve et Larose, 1960.

Romand, André. “Un Poète et sa dame : Baššār et Abda.” Revue des Etudes Islamiques. no. 37 (1969). pp. 325-336.

[1] عمر فروّخ، تاريخ الأدب العربي، ج 2 (بيروت: دار العلم للملايين، 1968)، ص 92.

[2]Encyclopédie de l’Islam, vol. 1 )Leiden: E. J. Brill, 1960), p. 1112./ Encyclopédie de l’Islam, vol. 1 Paris: G. P. Maisonneuve et Larose, 1960), p1112.

[3] المرجع نفسه.

[4] أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، ج 3 (بيروت: دار الثقافة، 1983)، ص 135.

[5] المرجع نفسه.

[6] أوضح دليل على ذلك هو معارضته له بقصيدته "وذات دلّ كأنّ البدر صورتها...": راجع: بشار بن برد، ديوان بشار بن برد، تكميل وشرح محمد الطاهر ابن عاشور، ج 4 (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1966)، ص 224.

[7] يُنظر:

Encyclopédie de l’Islam, op. cit.

[8] Régis Blachère, “Le cas Baššār dans le développement de la poésie arabe,” in: Analecta (Damas : Analecta de l’Institut Français de Damas, 1975), pp. 583-602.

[9] ابن النديم، الفهرست (بيروت: دار الكتاب العربي، 1952)، ص 159.

[10] يُنظر: رائيّته "قد لا مني في خليلتي عمرُ"، في: الأصفهاني، ص 177؛ ابن برد، ج 2، ص 40، 207.

[11] يُنظر:

André Romand, “Un Poète et sa dame: Baššār et Abda,” Revue des Etudes Islamiques, no. 37 (1969), pp. 325-336.

[12] الأصفهاني، ص 188.

[13] نسبة الحب إلى الحيوان وجدت عند المنخّل اليشكري (ت. 602م) في قوله في هند بنت المنذر أخت النعمان:

وأحبُّها وتحبّني***ويحبُّ ناقتَها بعيري

يُنظر: ابن قتيبة، الشعر والشعراء، تحقيق أحمد محمد شاكر، ط 2 (القاهرة: دار المعارف 1958)، ص 405.

[14] البِنان: جمعَ بنّة، وتعني الرائحة.

[15] ابن برد، ص 214.

[16] المرجع نفسه، ص 55-56.

[17] المرجع نفسه، ص 198.

[18] المرجع نفسه، ص 249. 

[19] المرجع نفسه، ج 2، ص 248-249؛ على أن لبشّار في استلهام طاقات السحر في شعره، مما هو مظهر قدرة إبداعية باهرة، أمثلة أخرى دالة منها أيضًا قوله متغزلًا:

تدنو مع الذِّكْرِ كلُّما نزحتْ***حتّى أرى شخصَها وما اقتربَا

يُنظر: المرجع نفسه، ج 1، ص 324.

[20] مبروك المناعي، الشعر والسحر (بيروت/ القاهرة/ تونس: دار التنوير، 2016)، ص 41.

[21] الأصفهاني، ج 3، ص 181. 

[22] علي بن الحسين الموسوي الشريف المرتضى، أمالي المرتضى: غرر الفوائد ودرر القلائد، تحقيق محمد أبو الفضل، ج 1 (القاهرة: عيسى البابي الحلبي، 1954)، ص 98.

[23] ابن برد، ص 272. (وفي رواياتها اختلاف).

[24] المرجع نفسه، ج 2، ص 16.

[25] المرجع نفسه، ج 1، ص 317-318.

[26] الاصفهاني، ص 136.

[27] المرجع نفسه، ص 137.

[28] المرجع نفس، ص 101، 109.

[29] الأصفهاني، ص 144.

[30] ابن برد، ص 44.

[31] الأصفهاني، ص 202.

[32] ابن برد، ص 45-46.

[33] المرجع نفسه، ص 31؛ يُنظر في المهجوّ ذاته: المرجع نفسه، ص 50. 

[34] المرجع نفسه، ص 2.

[35] المرجع نفسه، ص 211؛ يُنظر: الأصفهاني، ص 181. 

[36] الأصفهاني، ص 205.

[37] الحسن بن هانئ أبو نواس، ديوان أبي نواس (بيروت: دار الكتاب العربي، 1984)، ص 540؛ وفي هجاء الفضل يُنظر: المرجع نفسه، ص 524.

[38] ابن برد، ص 254-256.

[39] المرجع نفسه، ص 166.

[40] راجعها كاملة في: جرير، ديوان جرير (بيروت: دار صادر،]د. ت.[)، ص 154.

[41] ابن برد، ص 178. 

[42] الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، ج 1، ط 4 (القاهرة: الخانجي، 1975)، ص 206.

[43] ابن برد، ص 252.

[44] يُنظر: هامش صفحة 162، في: ابن برد.

[45] المرجع نفسه.

[46] ابن برد، ص 115.

[47] يُنظر: مبروك المناعي، حداثة القديم: بحث في شعرية بشار بن برد (تونس: دار كلمة، 2022)، ص 24.

[48] ابن برد، ص 276.

[49] المرجع نفسه، ج 3، ص 63.

[50] المرجع نفسه، ص 18، 308.

[51] المرجع نفسه، ص 127-128.

[52] المرجع نفسه، ص 224.

[53] المرجع نفسه، ج 1، ص 111.

[54] المرجع نفسه، ص 308-309. وقد استبدلت كلمة الذنوب في البيت الثاني بالأمور، على أشهر الروايات.

[55] المرجع نفسه، ص 221. 

[56] المرجع نفسه، ص 304.

[57] يُنظر: مبروك المناعي، "الوصف ووظائفه في الشعر العربي"، في: في إنشائيّة الشعر العربي (تونس/الجزائر/لبنان: دار محمد علي/ دار بهاء / دار التنوير، 2018)، ص 213.

[58] ابن برد، ج 2، ص 328. والمجاسِد/ مِجْسَد: القميص الداخلي.

[59] المرجع نفسه، ج 1، ص 311.

[60] يُنظر: عبد الله بن أحمد المغامري الفيفي، الصورة البصرية في شعر العميان: دراسة نقدية في الخيال والإبداع (الرياض: النادي الأدبي، 1996).

[61] ابن برد، ج 1، ص 68.

[62] مقدمة ابن عاشور في: ابن برد، ج 1، ص 12.

[63] المرجع نفسه، ص 20-21، 28-29.


المحتويات

الهوامش