أسعد باشا العظم (1117-1171هـ/ 1705-1758م)، والي
إيالة الشام تحت الحكم العثماني من عام 1743 حتى عزله في عام 1757. كان مسؤولًا عن بناء العديد من المعالم العمرانية في دمشق وحماة.
عزز سلطته بالقضاء على منافسيه، واهتم بالبنى التحتية والتجارة، وكان أميرًا لمحمل الحج الشامي، وقد واجه تحديات مع أمراء لبنان ومع ظاهر العمر أمير الجليل والقبائل البدوية على طريق الحجاز.
عُزل ونُقل إلى
حلب ثم مصر ثم
سيواس، وقُتل عام 1758 وصُودرت أملاكه.
نشأته
ولد أسعد بن إسماعيل بن إبراهيم العظم في
معرّة النعمان في عام 1705، بدأ حياته
متسلّمًا عند أبيه في حماة والمعرة. وفي 1741 عُيّن مكان أخيه إبراهيم حاكمًا لصيدا، وظل في منصبه حتى آذار/ مارس 1742، ثم عُيّن حاكمًا لحماة[1]. وهو ثاني والٍ عربي لإيالة الشام بعد والده الذي يُعدّ مؤسس أحد أهم بيوتات الحكم والإدارة طوال قرن تقريبًا (1725-1808). وقد أدّت عدّة عوامل إلى بروز
آل العظم إلى الواجهة السياسية؛ إذ كانت الدولة تتّجِه نحو الاعتِماد أكثر على أمراء وحكّام محلّيين أقوياء قادِرينَ على ضَمان الاستقرار في مناطقهم من جهة، وعلى تزويد الحكومة بالرجال في أوقات الحروب من جهة أخرى، وبخاصّة مع اختلال ميزان القوى العسكرية نتيجة التخلّي عن نظام تجنيد الإنكشارية التقليدي (الدفشرمة/ الدوشيرمة) وغيرها من المشكلات. أما في
دمشق، فكانت هناك المشكلة الدائمة في تأمين قافلة الحجّ. ومع آل العظم باتت إمارة الحج من مهمات والي دمشق.
ولايته على الشام
في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 1743 وصل أسعد العظم إلى دمشق ليتسلّم حكم الإيالة، وكان في الثامنة والثلاثين من عمره. وبقي في الحكم مدّة أربعة عشر عامًا على التوالي. في عاميه الأولين لم يتمكن من تثبيت حكمه؛ إذ كانت المدينة تعاني من نفوذ الدفتردار
فتحي الفلاقنسي الذي جمع حوله
اليرليّة، ما أدى إلى استقطابٍ حادٍّ بينه وبين أعيان دمشق. وكانت تعديّات هذا الفريق تزداد أثناء خروج الوالي العظم لأداء الدورة خارج دمشق. وفي تلك الأثناء، حصل أن وصل إلى المدينة مبعوثٌ من إسطنبول، في مهمة هي جزء من إجراءات الدولة، لمصادرة أموال عمه
سليمان باشا العظم، غير أنها اعتُبرت إهانة للحاكم الجديد. وقد كان الدفتردار أحد المحرّضين على ذلك. ولم يبدِ أسعد العظم أي اعتراض على هذه الأمور، الأمر الذي أزعج أهالي المدينة الذين بدأوا التندّر به، إلى جانب ارتفاع الأسعار في الأسواق الذي زاد الأمر سوءًا[2].
سياسته
اليرلية وفتحي الدفتردار
في عام 1746، شنّ أسعد باشا حملة حاسمة ضد اليرليّة، وضد الدفتردار فتحي، معتمدًا على قواته من
الدالاتية. محاولًا دخول قلعة دمشق وإزاحة اليرليّة من داخلها في 17 آذار/ مارس 1746، وخدع اليرليّة في حي الميدان بمهاجمة
سوق ساروجا الأقل حماية، الأمر الذي أدى إلى هروب زعيمها. بعد ذلك، أخضع
حي الميدان، إذ هرب المدافعون بعد هجوم على السوق، وقد نهبت قواته حوالي خمسمئة منزل ودمرتها. وقضى أسعد باشا على بقية المتمردين في المدينة بمساعدة مشايخ الحارات وأئمتها[3].
رغم الفوضى التي أحدثتها قواته، رحب الدمشقيون بإجراءاته. وطلب أسعد باشا من السلطان إعادة
القابي قول، وهي بمنزلة الحرس السلطاني، إلى دمشق، لموازنة قوة اليرليّة والإبقاء على خضوعهم له، وقد تم له ذلك[4].
في خطوة لاحقة، تخلص أسعد باشا من فتحي الدفتردار بقتله في 5 تموز/ يوليو 1746، وقد كان نفوذه قد ضعُف بعد القضاء على أتباعه من اليرليّة، وبعد وفاة حاميه في إسطنبول، الكزلار آغا، فضلًا عن كراهية الصدر الأعظم
سيد حسن باشا (توفي 1748) له. وقد أيّد العديد من علماء دمشق طلب أسعد باشا بالتخلص من فتحي، ووعد أسعد باشا السلطان بألف كيس من ثروة فتحي مقابل قتله. وهو ما عرّض أتباع فتحي وأقاربه لأذى كبير بعد مقتله[5].
توطيد نفوذه
بعد القضاء على اليرليّة وفتحي، انصرف أسعد باشا إلى توطيد نفوذه وجمع الثروة وتشييد الأبنية، وقد واجه تمرد الدالاتية الذين ازداد غرورهم، فأعاد عساكر المغاربة إلى دمشق لموازنة قوتهم، وكان قد طردهم منها عام 1839. ولم يكن اليرلية في وضع قوي ليعارضوا عودة أعدائهم، وأصبحوا خاضعين لسلطته بعد أن صحبهم معه في حملاته ضد أمراء جبل لبنان، وازدادت سلطة آغا اليرليّة على أفراد طائفته بعد القضاء على المتمردين منهم (الزرب)، وقوي نفوذ
القابي قول بدعم الباشا، وتزايدت تعدّياتهم على السكان، وخاصة
الأشراف الذين هُزموا في عدّة اشتباكات مع القابي قول عام 1748. وعندما هاجم
الزرب (الأشقياء) الهاربون دمشق في تشرين الأول/ أكتوبر 1748 أثناء غياب أسعد باشا في الحج، قاتلهم المتسلّم موسى كاخيا بمساعدة قواته من الدالاتية والقابي قول، وفي ذلك الوقت، كان قد تَعاظم نفوذ القابي قول وجرائمه، وبرز انقسام كان الدمشقيون واليرليّة الضعفاء فيه من جهة، والقابي قول والدالاتية والمغاربة من جهة أخرى، وقد بات الدمشقيون منزعجين من تسلط هذه القوى الغريبة[6].
استغل أسعد باشا انشغال هذه القوى بخلافاتها ودعم القابي قول له لجمع الثروة. وقد حاول إبقاء أسعار المواد الغذائية مرتفعة بالتعاون مع شيخ الطّحانة، للاستفادة من بيع منتجاته في حماة. وقد استفاد من هذا الوضع كبار التجار والمتعاونون معه. في حين خفف من هذا وطأة هذا الاستغلال ازدهار الحالة الاقتصادية في دمشق بفضل نمو التجارة مع الفرنسيين ونشاط تجارة المنسوجات، وتأمينه لسلامة طريق الحج طوال عهده شجّع الحجاج والتجّار على السفر، وذلك أسهم في الازدهار الاقتصادي[7].
سياسته خارج دمشق
أمّا بالنسبة إلى سياسته خارج دمشق، فكان على أسعد العظم مواجهة ثلاثة تحديات:
أمراء جبل لبنان؛ وظاهر العمر (1689-1775)، والبدو. وبينما اتّبع سياسة الهجوم على الدروز عبر مواجهات عديدة لم تنتهِ لصالح أحد في النهاية، اتّبع سياسة الاستيعاب تجاه ظاهر العمر. أمّا مع البدو، فحاول السيطرة على بعض القبائل على حساب قبائل أخرى[8].
منجزاته المعمارية
قصر العظم
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ازدادت ثروة أسعد باشا، وبنى خان أسعد باشا الشهير في البزورية (1752-1753)، كما اشترى العديد من الممتلكات في دمشق وحوّل معظمها إلى وقف أهلي لذريته. وفي عام 1749 بدأ بناء قصره المشهور في البزورية، الذي اكتمل في العام اللاحق، وقد أنفق على بنائه أموالًا كثيرة وجهودًا عظيمة. كما رمّم أسعد باشا العديد من الجوامع والمدارس والمزارات، وبنى عدّة خانات أشهرها خانه في البزورية وفي حماة ومعرّة النعمان وخان شيخون، غير أنه لم يبنِ جوامع كبيرة على غرار سابقيه[9].
وفاته
بعد وفاة السلطان محمود الأول عام 1754 وتولي أخيه عثمان الثالث، حصل تبدّل في نفوذ الحاشية السلطانية، الأمر الذي أدّى إلى تراجع دور الأشخاص الذين يعتمد عليهم آل العظم في العاصمة. ونتيجة لذلك، عُزل أسعد العظم من ولاية دمشق في كانون الثاني/ يناير 1757 وعُيّن في حلب التي لم يبقَ فيها أكثر من شهر، ونُقل إلى مصر، ومن ثمّ إلى سيواس في أيلول/ سبتمبر من العام نفسه. وفي هذه الأثناء هاجم البدو قافلة في طريقها إلى الحجّ، واتُّهم أسعد العظم بالتدبير لذلك الهجوم الشرس، فأوقِف وحُكم عليه بالنفي إلى جزيرة كريت. وقُتل في طريقه إلى منفاه في نيسان/ أبريل 1758، وصُودرت أملاكه[10].
ومما ينفي التهمة عن أسعد باشا الأحداث التي جرت في إسطنبول؛ ففي 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1757، توفي السلطان عثمان الثالث وخلفه أخوه مصطفى الثالث، الأمر الذي أدى إلى تبدلات بين كبار الموظفين، ونُفي الكزلار آغا أحمد أبو قوف وصُودرت أمواله. وكانت أنباء الهجوم على قافلة الحج قد وصلت بعد فترة وجيزة من تولي السلطان مصطفى الثالث، ما جعله يغيّر العديد من الموظفين وقتل الكزلار آغا محمد أبي قوف في 27 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1757، وقد ذُكر على اللوحة التي عُلقت على رأسه أن الكزلار آغا كان سبب عزل حاكم الشام القوي أسعد باشا العظم وتعيين صنيعته حسين باشا، ما عُدّ مدحًا ضمنيًّا لأسعد باشا ونفيًا لتهمة تحريضه البدو[11].
المراجع
العربية
رافق، عبد الكريم.
المشرق العربي في العهد العثماني. ط 4. دمشق: منشورات جامعة دمشق، 1991.
العظم، عبد القادر.
الأسرة العظمية. دمشق: مطبعة الإنشاء، 1960.
القالش، حسان.
سياسة علماء دمشق: أسئلة الإصلاح والهوية والعروبة (1516-1916). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024.
الأجنبية
Rafeq, Abdul-Karim.
The Province of Damascus, 1723-1783. Beirut: Khayats, 1966.
[1] عبد القادر العظم،
الأسرة العظمية (دمشق: مطبعة الإنشاء، 1960)، ص 31.
[2] حسان القالش،
سياسة علماء دمشق: أسئلة الإصلاح والهوية والعروبة (1516-1916) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024)، ص 98-105.
[3] عبد الكريم رافق،
المشرق العربي في العهد العثماني، ط 4 (دمشق: منشورات جامعة دمشق، 1991)، ص 187.
[4] المرجع نفسه.
[5] المرجع نفسه.
[6] المرجع نفسه، ص 188.
[7] المرجع نفسه.
[8] Abdul-Karim Rafeq,
The Province of Damascus, 1723-1783 (Beirut: Khayats, 1966), pp. 160-208.
[9] رافق، ص 190.
[10] Rafeq, pp. 215-216.
[11] رافق، ص 193.