الموجز
آرثر أونكن لَفْجُوي (Arthur Oncken Lovejoy، 1873-1962)، هو فيلسوف أميركي من أصل ألماني. يُعَدّ المؤسّس الفعلي لحقل تاريخ الأفكار (History of Ideas) بوصفه تخصصًا أكاديميًا مستقلًّا، ومن مؤسسي مبادئ الحرية الأكاديمية، من خلال تأسيسه الرابطة الأميركية لأساتذة الجامعات. وقد وصفَهُ قسم الفلسفة في جامعة جونز هوبكنز بأنه كان، منذ عام 1915 وحتى عام 1940، الفيلسوف الثاني من حيث المكانة في الفلسفة الأميركية بعد جون ديوي.
اشتهر لَفْجُوي بمجلده الكلاسيكي سلسلة الوجود الكبرى (1936)، الذي وُصف بأنه -على الأرجح- العمل المفرد الأكثر تأثيرًا في تاريخ الأفكار في الولايات المتحدة خلال النصف الأخير من القرن العشرين. عُرف كذلك بنقده الصارم للبراغماتية في مقالته "البراغماتيات الثلاث عشرة" (1908)، وبدوره المحوري في تأسيس الرابطة الأميركية للأساتذة الجامعيين. وقد أنجز هذا كلّه من دون الحصول على درجة الدكتوراه.
حياته الشخصية والمهنية
وُلد آرثر أونكن لَفْجُوي في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 1873 في مدينة برلين، "حيث كان والده والاس ويليام لَفْجُوي (Wallace William Lovejoy) يُجري أبحاثًا طبية. وكانت أُمّه سارة أغنيس أونكن (Sara Agnes Oncken) ألمانية الأصل، وابنة المبشّر البروتستانتي يوهان غيرهارد أونكن (Johann Gerhard Oncken، 1800-1884)، مؤسس الحركة المعمدانية في ألمانيا. عاد والده بالأُسرة إلى بوسطن عام 1875، غير أن الأمّ تُوفّيت في العام نفسه. وقد رسّخ هذا الفقد الاسم الذي اختاره آرثر لنفسه لاحقًا، إذ بدّل اسمه الأوسط من "شوفلر" إلى "أونكن" تخليدًا لذكرى أُمّه وعائلتها"[1].
التحق لَفْجُوي بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، حيث دفعه الفيلسوف جورج هولمز هاويسون (George Holmes Howison، 1834-1916) نحو دراسة الفلسفة، فحصل على درجة البكالوريوس عام 1895. ثم التحق بجامعة هارفارد، حيث نال درجة الماجستير عام 1897، تحت تأثير أُستاذَيْن على طرفَي نقيض: ويليام جيمس (William James، 1842-1910) الإمبريقي ذي النزعة النفعية؛ وجوسايا رويس (Josiah Royce، 1855-1916) المثالي المتأثّر بهيغل. "ومن الواضح أن براغماتية جيمس كان لها الأثر الأكبر في تفكيره [...] على الرغم من أنه سيصبح على مدار العقود اللاحقة من كبار نُقّادها"[2].
أمضى لَفْجُوي بعد ذلك عام 1898/ 1899 في السوربون لدراسة الأديان المقارنة. ويُذكر أنه لم يحصل قطُّ على درجة الدكتوراه، وهو أمر استثنائي في تاريخ الفلسفة الأكاديمية، لكن هذا لم يمنعه من أن يصبح من الأعلام في مجاله. وقد بدأ مسيرته الأكاديمية أستاذًا للفلسفة في جامعة ستانفورد عام 1899. وفي عام 1901، استقال احتجاجًا على فصل زميله عالم الاجتماع إدوارد ألسورث روس (Edward Alsworth Ross، 1866-1951) بسبب آرائه السياسية، بعد اعتراض أبداه أحد أُمناء الجامعة. وقد سعى قسم الفلسفة في هارفارد إلى ضمّه، غير أن رئيس الجامعة أبوت لورانس لويل (Abbott Lawrence Lowell، 1856-1943) أسقط ترشيحه، لأنه لم يكن بنَّاءً للأنظمة، بل ناقدًا لها[3]. قد يكون هذا الرفض بالذات الحافز الذي دفعه إلى تأسيس الرابطة الأميركية للأساتذة الجامعيين لاحقًا. أمضى لَفْجُوي العقد التالي في جامعات واشنطن في سانت لويس (1901-1907)، وكولومبيا (1907-1908)، وميزوري (1908-1910).
غلاف إحدى طبعات ”سلسلة الوجود الكبرى“
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في عام 1910، انضمَّ لَفْجُوي إلى قسم الفلسفة في جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins University)، حيث قضى بقية حياته الأكاديمية. وتقاعد منها عام 1938، ليظلّ فيها أستاذًا متميزًا فخريًا حتى وفاته. وقد أسّس فيها عام 1923 -مع مجموعة من المفكرين- "نادي تاريخ الأفكار" (History of Ideas Club)، الذي استقطب الفلاسفة ومؤرّخي الأفكار والنُّقاد الأدبيين في بيئة متعددة التخصصات. وفي عام 1940، أسّس -رفقة فيليب بول فينر (Philip P. Wiener، 1905-1992)- مجلة تاريخ الأفكار (Journal of the History of Ideas)[4]، التي لا تزال تصدر حتى اليوم.
أعماله ومؤلفاته الفلسفية
تأخّر لَفْجُوي كثيرًا -على خلاف معظم أقرانه من الأكاديميين- في نشر أعماله الكاملة، مُكتفيًا لعقود بالمقالات. وكان الأشهر بينها مقاله الذي نقد فيه البراغماتية: "البراغماتيات الثلاث عشرة"[5]، انطلاقًا من تحليل ثلاثة عشر مفهومًا مستقلًّا ومتمايزًا من الوجهة المنطقية، تندرج جميعها تحت مسمّى "البراغماتية". ثم جاء كتابه الثورة على الثنائية[6] المستمدّ من محاضرات كاروس عام 1927، الذي دافع فيه عن الثنائية الإبستيمولوجية في وجه المذاهب الواحدية.
غلاف كتاب "الثورة على الثنائية"
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وفي عام 1935، أصدر بالاشتراك مع جورج بواس (George Boas، 1891-1980) كتاب المذهب البدائي وأفكار ذات صلة في العصور القديمة[7]، الذي جاء تطبيقًا نموذجيًا لمنهجه في التفكير. وكانت ذروة إنتاجه كتاب سلسلة الوجود الكبرى[8]، المستمدّ من محاضرات ويليام جيمس في هارفارد عام 1932-1933. ثم أصدر بعد ذلك كتابَي مقالات في تاريخ الأفكار (1948)[9]، وتأملات في الطبيعة البشرية (1961)[10]. وصدرت مجموعة البراغماتيات الثلاث عشرة عام (1963)[11] بعد وفاته بعام.
تاريخ الأفكار: حقل جديد ونهج مبتكر
يُمثِّل تأسيس تاريخ الأفكار الإسهام الأكثر استمراريةً في مسيرة لَفْجُوي، الذي انطلق من قناعة أن الحدود التخصّصية التقليدية بين الفلسفة والأدب والعلم والتاريخ واللاهوت تحجب رؤية الشبكات الحقيقية للعلاقات والتأثير والاستلهام. وقد شبّه مشروعه بعمل الكيميائي التحليلي، لا الفيلسوف النسقي: فكما يفكّك الكيميائي المركّبات إلى عناصرها الأولية، يفكّك لَفْجُوي المنظومات الفلسفية والأيديولوجيات الثقافية إلى ما سمّاه "الأفكار- الوحدة" (Unit-Ideas)؛ أي المفاهيم الأولية البسيطة القابلة للتمييز والتتبّع عبر العصور والتخصّصات والحدود الجغرافية. ومن أمثلة هذه الأفكار- الوحدة "أنماط من المقولات والأفكار ذات الصلة بجوانب محددة من الخبرة المشتركة، والافتراضات المسبقة الضمنية والصريحة، وصيغٌ مقدّسة وشعارات رائجة، ونظريات فلسفية محدّدة، أو فرضيات أوسع وتعميمات وافتراضات منهجية لمختلف العلوم؛ كلها تمتلك تواريخَ حياة طويلة قائمة بذاتها، وتتجلى فاعليتها في أقصى ميادين تاريخ التفكير والشعور الإنساني تنوّعًا؛ والتي كانت استجاباتُ البشر العقلية والوجدانية لها -سواء على مستوى الأفراد أم الجماعات- بالغة التبايُن"[12]. والمهمة التي يعينها لَفْجُوي لمؤرخ الأفكار هي "أن يتعقّب الأفكار- الوحدة في مظاهرها وتحولاتها المختلفة عبر الزمن"[13].
يرى لَفْجُوي أن معظم المنظومات الفلسفية والأدبية الكبرى ليست أصيلة في مكوّناتها الجوهرية، بل في التركيبات الجديدة التي تُجريها على أفكار أولية موروثة: "معظم المنظومات الفلسفية متميزة أو أصيلة في أنماطها لا في مكوّناتها". وقد استلزم هذا المشروع خلق بيئة بحثية متعددة التخصصات هي نادي تاريخ الأفكار، يجتمع فيها الفيلسوف والمؤرّخ الأدبي والعالِم الطبيعي والمؤرّخ الاجتماعي. وقد أسس لَفْجُوي هذا النادي مع مجموعة صغيرة من أساتذة هوبكنز، أمثال جورج بواس وهنري كارينغتون لانكستر (Henry Carrington Lancaster، 1882-1954) عام 1923[14]، بغرض "الدراسة التاريخية لتطور التصورات الفلسفية العامة والأفكار الأخلاقية والتيارات الجمالية الرائجة وتأثيرها في الأدب الغربي، ولدراسة علاقات هذه العناصر بتجليات الأفكار والاتجاهات نفسها في تاريخ الفلسفة، وفي تاريخ العلم، وفي تاريخ الحركات السياسية والاجتماعية"[15].
يميّز لَفْجُوي منهجه عن منهج تاريخ الفلسفة التقليدي من جهتَيْن: الأولى اهتمامه بالأفكار- الوحدة لا بالفلاسفة العظام؛ والأخرى عنايته بانتشار الأفكار وتحوّلاتها في سياقات متنوعة. وعلى الرغم من تشابه مبحث تاريخ الأفكار (History of Ideas) مع تاريخ الفكر (History of thought)، غير أنه يتميز عنه في "تقسيم مادته بطريقة خاصة، وتركيب أجزائها في مجموعات وعلاقات جديدة، والنظر إليها في ضوء أغراض مختلفة"[16]. ولكي يتمكّن الباحثون من إجراء استقصاءٍ وافٍ في معظم الحقول التاريخية الأخرى، ينبغي أولًا تدريبهم تدريبًا ملائمًا على تاريخ الأفكار الفلسفية والمناهج الفلسفية في التحليل، وثانيًا دراسة تاريخ الفلسفة ذاته، "بمزيدٍ من العناية بعواقب الأفكار الفلسفية وتبعاتها خارج الأنساق التقنية الكبرى، وتقديمها بطريقة تختلف بالأحرى عن الطريقة المُعتادة. ومن شأن ذلك أن يجعلها أكثر قبولًا وفائدة لغير الفلاسفة"[17].
سلسلة الوجود الكبرى
يمثّل كتاب سلسلة الوجود الكبرى التطبيق الأمثل لمنهج لَفْجُوي، إذ يتتبَّع فيه ثلاث أفكار وحدية متشابكة بدأت من أفلاطون وأرسطو، ثم استمرت بتركيبات مختلفة عبر الفلسفة الهلنستية واللاهوت المسيحي والتقليد الرومانسي، وصولًا إلى القرن التاسع عشر. المبدأ الأول هو "الامتلاء" (Plenitude)، أي إن الله يخلق أكمل العوالم الممكنة، ما يستلزم وجود جميع أنواع الكائنات. ولا يقتصر هذا المبدأ على الأطروحة الأفلاطونية القائلة إن الكون هو امتلاءٌ من الصور (plenum formarum) تُستنفَد فيه جميع إمكانات التنوع المُتصوَّر لأنواع الكائنات الحية، بل يشمل أيضًا "كل استنتاج آخر يُستمَدّ من الافتراض القائل إنه لا يمكن لأي إمكانية حقيقية للوجود أن تظلّ غير متحقّقة، وإن مدى الخلق ووفرته يجب أن يبلغا حدّ إمكان الوجود، وأن يكونا على قدر الطاقة الإنتاجية لمصدر "كامل" لا ينفد، وإن العالم يكون أفضل بقدر ما يحتويه من أشياء أكثر"[18].
المبدأ الثاني الذي يستنبطه لَفْجُوي من مبدأ الامتلاء مباشرة هو "الاستمرارية" (Continuity)، أي أنه ليس ثمة فجوات في هذا التسلسل، "إذ يتدرّج الوجود بصورة متّصلة، فإذا وُجد بين نوعَيْن طبيعيَّيْن مُعيّنَيْن نمطٌ وسيطٌ ممكن من الناحية النظرية، وجب أن يتحقّق هذا النمط، وهكذا إلى ما لا نهاية"[19]. المبدأ الثالث المُتمِّم للمبدأَيْن السابقَيْن هو "التدرّج" (Gradation)، أي إن الكائنات مرتّبة في تسلسل هرمي من الأبسط إلى الأكمل. يستلهم لَفْجُوي هذا المبدأ من أرسطو، ويدمجه مع التصورات الأرسطية الأخرى عن التراتبيات الحيوانية والنفسية، ليصل إلى الفرض الذي مؤدّاه أن "ثمة امتلاء واستمرارية كيفية في سلسلة صور الوجود الطبيعي"[20].
تكمُن المحصلة النهائية للمبادئ الثلاثة مجتمعة فيما يسمّيه لَفْجُوي "سلسلة الوجود الكبرى"، المؤلَّفة من "عدد هائل أو -بحسب منطق مبدأ الاستمرارية الصارم الذي يندُر تطبيقه- من عدد لا نهائي من الحلقات والروابط المتدرجة في نظام تراتبي يبدأ من أضأل ضروب الموجودات، التي تكاد لا تُفلت من اللا وجود، وتمرّ عبر كل مرتبة ممكنة، صعودًا إلى الأكمل وجودًا (ens perfectissimum)"[21].
ما يجعل الكتاب فريدًا، أن لَفْجُوي لا يكتفي بتتبّع هذه الأفكار في سياق الفلسفة الاحترافية (Professional Philosophy) فحسب، بل يرصد حضورها في الأدب والشعر والعلم الطبيعي واللاهوت عبر ألفَي عام، ويُظهر كيف أن الفكرة الواحدة قد تتحوّل من مبدأ دافع للتأمّل اللاهوتي في العصور الوسطى إلى أداة علمانية لتبرير التفاؤل الميتافيزيقي في عصر التنوير، ثم إلى محرّك للتفكير التطوّري قبل داروين. وقد وصف المؤرّخ الفكري وليام بينام (William F. Bynum، 1943-) الكتاب في ذكراه الأربعين بأنه "ظاهرة مألوفة في المشهد الثقافي"[22]، مُشيرًا إلى استمرار تداوله ودوام أثره التأسيسي.
الواقعية النقدية ونقد البراغماتية
تبنّى لَفْجُوي في حقل الإبستيمولوجيا مذهب الواقعية النقدية (Critical Realism) الذي يُقِرّ بوجود عالم مادي مستقلّ عن الإدراك، لكنه يؤكّد أن المعرفة به تتوسّطها تمثيلات ذهنية لا تتطابق مع موضوعاتها الخارجية تطابقًا مباشرًا. وقد دافع عن هذا الموقف في سياق مقال بعنوان "البراغماتية في مواجهة البراغماتي"، ضمن كتاب جماعي بعنوان مقالات في مذهب الواقعية النقدية صدر عام 1920[23]، عالج فيه مسألة ما إذا كان المذهب البراغماتي يشير ضمنًا إلى حقيقة المذهب الواقعي أم المذهب المثالي. انتهى لَفْجُوي إلى نقد كلٍّ من الواقعية الجديدة التي ترى أن الوعي يتّصل مباشرةً بموضوعاته، والمثالية التي تردّ العالم إلى الوعي.
يتكامل مع هذا الموقف ما سمّاه لَفْجُوي "الواقعية الزمانية" (Temporalistic Realism)؛ إذ يرى أن الزمن واقعي وغير قابل للاختزال، وأن الواقع في جوهره في تحوّلٍ مستمرّ، ويُضيف إلى نفسه باستمرار. من هذا المنطلق الزماني، أسّس لَفْجُوي نقده للبراغماتية: فالفلاسفة البراغماتيون "تحت تأثير التجريبية الراديكالية (Radical empiricism) تعاملوا مع مقولاتهم الزمانية بارتباك"[24]. كذلك فإن "تطبيق مطلب الدقة الزمانية (Temporalistic Precision) في التعامل مع نظرية المعرفة البراغماتية يكشف عن كونها تؤول في النهاية إلى فلسفة آنية تتجاهل التمايزات الزمانية وتجعل المعرفة مرادفة للمباشرة (Immediacy)، وهو ما يحول دون إدراك الفلسفة للعناصر الوظيفية والاجتماعية الضرورية للموقف المعرفي[25]. وفي حين أن البراغماتية تميل إلى التعامل مع الحقيقة بوصفها ذات طابع وظيفي وعملي، يؤكد لَفْجُوي أن الاعتقاد بوجود زمن سابق لا رجعة فيه يستلزم الإقرار بوقائع مستقلّة عن فائدتها الراهنة.
في مقاله "البراغماتيات الثلاث عشرة"، استعرض لَفْجُوي ثلاثة عشر معنًى مستقلًّا ومتمايزًا منطقيًا، تتضمّنها ادعاءات نسخة جيمس من المذهب البراغماتي، مُبيّنًا أنها لا تشكّل نظرية متماسكة. يخلُص لَفْجُوي في مقاله إلى أن محاولته "لحصر أبرز تنويعات مذهبٍ يُفترَض اسميًا أنه واحد غير منقسم، وإلى توضيح ما ينطوي عليه ضمنًا من غموض والتباس، تُقدَّم بوصفها ضربًا من "تمهيدٍ لكل براغماتية مُقبلة"[26]. وقد ردّ جيمس على هذه الانتقادات في مراسلة مطوّلة، ما يدلّ على أن العلاقة بينه وبين لَفْجُوي كانت حوارًا فكريًا مثمرًا[27].
الحرية الأكاديمية والنشاط العام
لم تكن استقالة لَفْجُوي من ستانفورد عام 1901 نزوة عابرة، بل كانت تعبيرًا عن مبدأ راسخ أفضى إلى أحد أبرز إنجازاته المؤسَّسية؛ فبعد أن رأى كيف يمكن لأمين جامعي أن يُطيح بأستاذ بسبب آرائه، انكبّ على صياغة إطار مبدئي للحرية الأكاديمية. وفي عام 1915، شارك في تأسيس الرابطة الأميركية للأساتذة الجامعيين (American Association of University Professors- AAUP)، رفقة جون ديوي وأقرانه، وأصبح أوّل أمين عامّ لها، وتولّى رئاستها عامَي 1919 1920[28]. وكان إسهامه المميّز هو صياغة المبادئ الأساسية للحرية الأكاديمية التي تنظّم العلاقة بين الأستاذ ومؤسّسته حتى اليوم.
لم يكن موقف لَفْجُوي من الحرية الأكاديمية مُطلَقًا بلا قيود؛ إذ رأى -على غرار مُعاصِره سيدني هوك (Sidney Hook، 1902-1989)- أن بعض أشكال الانتماء التنظيمي، ولا سيما حين يرتبط بمنظّمات تسعى إلى تقويض الأنظمة الديمقراطية، قد تشكّل سببًا مشروعًا للإقصاء من المناصب الأكاديمية. وقد عبّر عن هذا الموقف صراحة في مقال "الحرية الأكاديمية ومقتضيات اللياقة المهنية" عام 1952[29]، في سياق الجدل بشأن حدود الحرية الأكاديمية ومسؤولياتها، الذي شارك فيه عدد من الفلاسفة المُعاصرين، من بينهم إرنست ناغل (Ernest Nagel، 1901-1985).
تأثيره وحضوره في الفكرَيْن الغربي والعربي
غلاف الطبعة العربية من كتاب ”سلسلة الوجود الكبرى“ بترجمة ماجد فخري
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أثّر لَفْجُوي تأثيرًا بالغًا في ثلاثة حقول متمايزة: الدراسات الأدبية والفكرية، والفلسفة الأكاديمية، وأخلاقيات المهنة الأكاديمية؛ ففي الدراسات الأدبية والفكرية، لا يزال كتاب سلسلة الوجود الكبرى مرجعًا ثابتًا في دراسة الفكر الغربي وتاريخه من أفلاطون إلى داروين؛ وفي الفلسفة، كان نقده للبراغماتية حافزًا مهمًا دفع الفلاسفة البراغماتيين إلى مزيد من التدقيق في مواقفهم، ولا سيما نظرية الحقيقة والصدق؛ أما في مجال الحرية الأكاديمية، فإن المبادئ التي أسهم في صياغتها للرابطة الأميركية للأساتذة الجامعيين لا تزال تُشكّل إطارًا مرجعيًا للنقاشات المؤسَّسية في الجامعات الأميركية. وقد كرّست دورية تاريخ الأفكار (Journal of the History of Ideas) العدد الرابع من مجلدها التاسع كله عام 1948 لتكريم مسيرته، وضمّت مقالات لعدد من أبرز مُعاصريه، منهم جورج بواس، وفيليب فينر، وموريس مانديلباوم (Maurice Mandelbaum، 1908-1987). ولا تزال المجلة التي أسّسها عام 1940 تصدر بانتظام، شاهدةً على استمرارية المشروع الذي أطلقه.
في المقابل، لا يزال حضور لَفْجُوي شديد المحدودية في الأدبيات الفلسفية العربية؛ فلم تُترجم أيٌّ من مؤلَّفاته أو مقالاته، سوى سلسلة الوجود الكبرى[30]، ولم تُفرد له رسالة أكاديمية مخصّصة لمناقشة أفكاره. ويقتصر حضوره في السياق العربي على بعض الإشارات والإحالات المرجعية في الدراسات الأكاديمية المتخصصة[31]. ولعلّ من أسباب ذلك أن منهج تاريخ الأفكار يتطلّب إلمامًا واسعًا بالتقاليد الفكرية الغربية عبر عصورها المختلفة، فضلًا عن أن الفلسفة العربية المعاصرة انصرفت -في كثيرٍ من اتجاهاتها- إلى دراسة الأنساق الكبرى أكثر من اهتمامها بالتحليل المفاهيمي التفكيكي. ومع ذلك، تظلّ فكرة "الأفكار- الوحدة" أداة تحليلية ثريّة يمكن توظيفها في قراءة تاريخ الفكر العربي، قراءةً تتجاوز الحدود التخصّصية التقليدية.
المراجع
العربية
سكنر، كونتن. "المعنى والفهم في تاريخ الأفكار". ترجمة علي حاكم صالح. أسطور. مج 9، العدد 18 (2023). ص 127-163.
لفجوي، آرثر أونكن. سلسلة الوجود الكبرى: محاضرات في تاريخ الفكر الفلسفي. ترجمة ماجد فخري. بيروت: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1964.
الأجنبية
Boas, George. “A. O. Lovejoy as Historian of Philosophy.” Journal of the History of Ideas. vol. 9, no. 4 (1948). pp. 404-411.
Bynum, William F. “The Great Chain of Being after Forty Years.” History of Science. vol. 13, issue 1 (1975). pp. 1-28.
Drake, Durant et al. (eds.). Essays in Critical Realism: A Co-operative Study of the Problem of Knowledge. London: Macmillan and Co., 1920.
“History of Ideas Club.” John Hopkins Libraries. at: https://acr.ps/hBy5Ok0
Lovejoy, Arthur O. & George Boas. Primitivism and Related Ideas in Antiquity. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1935.
________. “Academic Freedom and Proprieties.” The Journal of Philosophy. vol. 49, no. 19 (September 1952). pp. 573-585.
________. “The Thirteen Pragmatisms.” The Journal of Philosophy, Psychology and Scientific Methods. vol. 5, no. 2 (January 1908). pp. 5-12.
________. Essays in the History of Ideas. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1948.
________. Reflections on Human Nature. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1961.
________. The Great Chain of Being: A Study of the History of an Idea. New Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 2009.
________. The Revolt Against Dualism: An Inquiry Concerning the Existence of Ideas. La Salle, ILL: Open Court Publishing, 1930.
________. The Thirteen Pragmatisms and Other Essays. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1963.
Shook, John R. (ed.). The Bloomsbury Encyclopedia of Philosophers in American from 1600 to the Present. London: Bloomsbury Academics, 2016.
Wilson, Daniel J. Arthur O.Lovejoy and the Quest for Intelligibility. Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1980.
________. Arthur O. Lovejoy: An Annotated Bibliography. New York: Garland Publishing, 1982.
قراءات إضافية
Kelley, Donald R. “Intellectual History and Cultural History: The Inside and the Outside.” History of the Human Sciences, vol. 15, no. 2 (2002). pp. 1-19.
Mandelbaum, Maurice. “Arthur O. Lovejoy and the Theory of Historiography.” Journal of the History of Ideas. vol. 9, no. 4 (1948). pp. 412-423.
Skinner, Quentin. “Meaning and Understanding in the History of Ideas.” History and Theory. vol. 8, no. 1 (1969). pp. 3-53.
[1] Daniel J. Wilson, Arthur O. Lovejoy: An Annotated Bibliography (New York: Garland Publishing, 1982), pp. xiii-xiv.
[2] Ibid., p. xiv.
[3] George Boas, “A. O. Lovejoy as Historian of Philosophy,” Journal of the History of Ideas, vol. 9, no. 4 (1948), pp. 404-411.
[4] Wilson, Arthur O. Lovejoy, p. xxiii.
[5] Arthur O. Lovejoy, “The Thirteen Pragmatisms,” The Journal of Philosophy, Psychology and Scientific Methods, vol. 5, no. 2 (January 1908), pp. 5-12.
[6] Arthur O. Lovejoy, The Revolt Against Dualism: An Inquiry Concerning the Existence of Ideas (La Salle, ILL: Open Court Publishing, 1930).
[7] Arthur O. Lovejoy & George Boas, Primitivism and Related Ideas in Antiquity (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1935).
[8] Arthur O. Lovejoy, The Great Chain of Being: A Study of the History of an Idea (New Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 2009).
[9] Arthur O. Lovejoy, Essays in the History of Ideas (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1948), p. 9.
[10] Arthur O. Lovejoy, Reflections on Human Nature (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1961).
[11] Arthur O. Lovejoy, The Thirteen Pragmatisms and Other Essays (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1963).
[12] Ibid., p. 9.
[13] Daniel J. Wilsons, “Lovejoy, Arthur Oncken,” in: John R. Shook (ed.), The Bloomsbury Encyclopedia of Philosophers in American from 1600 to the Present (London: Bloomsbury Academics, 2016), p. 596.
[14] “History of Ideas Club,” John Hopkins Libraries, accessed on 20/9/2026, at: https://acr.ps/hBy5Ok0
[15] Lovejoy, Essays in the History of Ideas, p. vii.
[16] Lovejoy, The Great Chain of Being, p. 3.
[17] Lovejoy, Essays in the History of Ideas, p. 8.
[18] Lovejoy, The Great Chain of Being, p. 52.
[19] Ibid., p. 58.
[20] Ibid, p. 59.
[21] Ibid.
[22] William F. Bynum, “The Great Chain of Being after Forty Years,” History of Science, vol. 13, issue 1 (1975), p. 1.
[23] Arthur O. Lovejoy, “Pragmatism versus the Pragmatist,” in: Durant Drake et al. (eds.), Essays in Critical Realism: A Co-operative Study of the Problem of Knowledge (London: Macmillan and Co., 1920), p. 35.
[24] Ibid., p. 79.
[25] Ibid.
[26] Lovejoy, “The Thirteen Pragmatisms,” pp. 38-39;
يُشار هنا إلى أن العبارة الأصلية التي يُوردها لَفْجُوي في المقال هي:
"Prolegomena zu einem jeden künftigen Pragmatismus"
على غرار عنوان كتاب كانط مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة (Prolegomena zu einer jeden künftigen Metaphysik). وإعادة الصياغة هنا مقصودة لتوظيف المرجعية الكانطية في التعامل مع الميتافيزيقا، ولتوضيح أن ما يُقدّمه في المقال ليس نظرية نهائية عن البراغماتية، بل هو تمهيد تحليلي نقدي يسبق أي صياغة منضبطة محتملة لها.
[27] Daniel J. Wilson, Arthur O.Lovejoy and the Quest for Intelligibility (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1980), p. 83.
[28] Wilsons, “Lovejoy, Arthur Oncken,” p. 596.
[29] Arthur O. Lovejoy, “Academic Freedom and Proprieties,” The Journal of Philosophy, vol. 49, no. 19 (September 1952), pp. 573-585.
[30] آرثر أونكن لفجوي، سلسلة الوجود الكبرى: محاضرات في تاريخ الفكر الفلسفي، ترجمة ماجد فخري (بيروت: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1964).
[31] يُنظر في ذلك على سبيل المثال: كونتن سكنر، "المعنى والفهم في تاريخ الأفكار"، ترجمة علي حاكم صالح، أسطور، مج 9، العدد 18 (2023)، ص 127-163.