تسجيل الدخول

الوباء الأنطوني

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

اسم الحدث

الوباء الأنطوني

التاريخ

النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي

المكان

بلاد ما بين النهرين؛ روما؛ شمال أفريقيا؛ الصين

الأطراف المشاركة

الإمبراطورية الرومانية

نوع الحدث

وباء

المدى الزمني

150-200م

الأثر البيئي والسكاني

الإفراغ الديموغرافي لعدد من المناطق؛ وانتشار الفقر؛ وتراجع الأنشطة الاقتصادية؛ وتناقص الموارد الجبائية؛ والتلوث


الموجز

الوباء الأنطوني وباء انتشر منذ النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي، وسُمّي بالأنطوني نسبة إلى السُّلالة الأنطونية التي كانت تتولّى مقاليد حكم الإمبراطورية الرومانية حينئذٍ. كانت بدايته في بلاد ما بين النهرين (العراق)، في أثناء الحملة الرومانية عليها، ثم أخذ بالانتشار إلى بقية المناطق، مثل: روما، وشمال أفريقيا، والصين، وغيرها. وقد كان لهذا الوباء آثار مُدمرة، تفاوتت من منطقة إلى أخرى، لكنها تركت بصماتها في عدد من الوثائق المكتوبة، كنصوص المؤرخين والأطباء والفلاسفة وغيرهم، والوثائق المادية، مثل النقود، والنقائش المؤرَّخة، والآجر المَختوم، وعقود الإيجار المِصرية، والدبلومات العسكرية، وغيرها.

نشأة الوباء الأنطوني

يُعَدّ الوباء الأنطوني الذي طابقه عدد من الباحثين مع وباء الجُدري في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي من أكثر الأوبئة في العصور القديمة توثيقًا[1]. وقد تميّز هذا الوباء بانتشاره الواسع وآثاره المُدمرة، مثل: الوفيات الكثيرة، وقد قدّرها ديون كاسيوس (Dion Cassius، 165-235) بألفي حالة وفاة في اليوم بمدينة روما وحدها عام 189م في بعض الفترات[2]؛ فضلًا عن الإفراغ الديموغرافي لعدد من المناطق؛ وانتشار الفقر؛ وإضعاف الجيش الروماني؛ وتراجع الأنشطة الاقتصادية؛ وتناقص الموارد الجبائية، وهو ما حدا ببعضهم إلى إخضاع هذه النصوص للنقد الداخلي، فضلًا عن البحث عن القرائن المادية المؤكدة أو النافية لمضامينها بشأن هذا الوباء.

الوباء والمصادر الكلاسيكية

يتوفّر عدد من الإشارات المصدرية بخصوص الوباء الأنطوني الذي ظهرت أولى علاماته في بلاد ما بين النهرين، في أثناء الحملة العسكرية الرومانية ضد الإمبراطورية البارثية (الفرثية)، زمن حُكم الإمبراطورَيْن مَاركُوس أورِيليُوس (Marcus Aurelius، 121-180) بين عامي 161 و180م، ولُوكيُوس أورِيليُوس ويرُوس Lucius Aurelius Verus)، 130-169) بين عامي 161 و169م، التي انتهت باقتحام مدينة سلوقية عام 166م. لكن التفشي السريع للوباء ضمن الوحدات العسكرية الرومانية، أجبرها على التراجع والعودة إلى مراكزها الأصلية، ناقلة بذلك الوباء إلى عدد من الأقاليم الرومانية، ولا سيما إلى العاصمة روما التي استنزفها لما يقرب من عشرة أعوام، قبل عودته في موجة ثانية زمن حكم الإمبراطور كومُودُوس (Commodus، 161-192م) بين عامي 180 و192م [3]. لهذا السبب، عدَّه بعض الباحثين علامة مُؤشّرة على نهاية العصر الذهبي للأباطرة الأنطونيّين، وبداية أزمة الإمبراطورية ككُل[4]. إضافة إلى انتقال الوباء إلى الصين عام 166م، عبر المسالك التجارية، أو بوساطة إحدى البعثات الدبلوماسية[5].

تتسم المصادر المُعاصرة للوباء، مثل كتابات الطبيب غاليَان (Galien، 129-216)، وأستاذ البلاغة والفلسفة أرستِيد (Aristide، 117-180)، والفيلسوف والكاتب لوكيان (Lucien) المُتوفّى نحو 180م، بابتعادها عن النهج الإسطوغرافي وأهدافه، عكس النصوص المتأخرة ذات الطابع التاريخي، مثل كتابات المؤرخ مَاركولان (Marcelin، 330-400)، والمؤرخ أوترُوپ (Eutrope، 316-380)، والكاهن أورُوز (Orose، 385-417)، والتاريخ الأوغسطي (Historia Augusta) التي اشتملت على سَرد مُفصل لأخبار الوباء، عبر تلخيصها مجموعة من النصوص المفقودة أو نقلها عنها. وقد أثار الباحث بُنوا رُوزينيول (Benoît Rossignol) الانتباه إلى اختلاف الصورة المُقدّمة للوباء في هذه المصادر، فهو أكثر خُطورة وفتكًا -حسب المصادر المُتأخرة- مُقارنة بما ورد بشأنه في المصادر المُعاصرة، ويعود ذلك في الغالب إلى اعتماد الكُتّاب المُتأخرين على أعمال سَردية، بَالغت في تصوير أهمية الوباء ونتائجه[6].

الوباء والسلاسل الوثائقية

أولت الكتابات التاريخية المعاصرة اهتمامًا كبيرًا لهذا الوباء، وانعكاساته على الإمبراطورية الرومانية، مُعتمدةً في ذلك على مجموعة متنوعة من المصادر الأدبية، والأركيولوجية، والبَردِية، والإبيغرافية، مثلما فعل الباحث البريطاني ريتشارد دُونكان جُونز (Richard Duncan-Jones، 1937-2024) في دراساته الكمّية للمصادر المُتوفرة، مثل: النقود، والنقائش المؤرَّخة، والآجر المَختوم، وعقود الإيجار المِصرية، قُبَيل الوباء وفي أثنائه وبعده، مُتتبعًا كلّ انخفاض غير اعتيادي في كميّاتها في أثناء المرحلة الوبائية، بوصفه دليلًا على حدوث اضطرابات واختلالات في التوازنات القائمة[7].

[الشكل رقم 1]

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

كانت عقود الإيجار السنوية للأراضي الزراعية في مِصر شائعة إلى عام 165م تقريبًا، ثم اختفت بين عامي 166 و182م، مُفسحةً المجال لعقود الكِرَاء (الإجارة) البالغة مُدتها أربعة أعوام أو أكثر. ويعود ذلك -حسب جُونز- إلى الخسائر الناجمة عن الوباء التي جعلت من الصعب استئجار الوحدات الزراعية الكبيرة. كذلك تخللت سلسلة التقارير الرسمية عن فيض نهر النيل تغيّرات كمية خلال النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي، فقد بلغت أوجَهَا عام 160م، لكنها انخفضت بسرعة كبيرة في نهاية عام 164م، قبل اختفائها كليًّا عام 172م. ولم تظهر من جديد إلا بحلول عام 190م، ثم اختفت مُجددًا بعد عام واحد من ذلك، إلى حدود عام 195م، بسبب العودة المُحتملة للوباء خلال هذه المرحلة. وتكشف الانقطاعات الطويلة عن انهيار نظام المُتابعة للسجلات، وتدهور البيروقراطية المِصرية، الأمر الذي تؤكده مُعطيات أخرى مُستقاة من الوسط المصري، فقد كانت أخبار وفيّات الأباطرة الرومانيين قبل الوباء تصل مصر خلال مدة قصيرة نسبيًّا، كما هو الشأن بالنسبة لخبر وفاة الإمبراطور ترايانوس (Traianus، 53م-177) عام 117م الذي استغرق خمسة عشر يومًا؛ وخبر وفاة الإمبراطور هادريانوس (Hadrianus، 76-138) الذي استغرق سبعة أيام، وخبر وفاة الإمبراطور أنطونينوس ﭘيُوس (Antoninus Pius، 86-161) الذي استغرق خمسة أيام. لكن الأمور تغيرت بعد وصول الوباء إلى الأراضي المصرية، وعرقلته عمليات التسجيل والاتصال، إذ سيستغرق وصول خبر وفاة الإمبراطور مَاركُوس أورِيليُوس وتسجيله عام 180م ستة وأربعين يومًا؛ كذلك استغرق نقل خبر وفاة الإمبراطور كومُودُوس وتسجيله نهاية عام 192م ستة وخمسين يومًا.

وبتغيير سُلّم التحليل، وُجِدت آثار أخرى مُحتملة للوباء الأنطوني في المجال المتوسطي، فقد أسفرت الدراسة الكمية والكرونولوجية للدبلومات العسكرية الرومانية عن مُلحوظة مفادها توقف إصدار تلك الدبلومات بشكل كُلي بعد عام 167م، ثم عادت إلى الظهور مُجددًا عام 177م، وهو ما عدَّه الباحث علامة على انهيار التوثيق العسكري فترة انتشار الوباء، وهو ما يعني أن الوباء تفاقمت حِدّته بسبب نقص المعادن والمشكلات المُرتبطة باستخراجها. كذلك كشفت الأبحاث المتعلقة بعلم حلقات جذوع الأشجار في التأريخ (الدندروكرونولوجية) في أوروبا الوسطى (ألمانيا، وشمال شرق فرنسا)، عن انخفاض قوي لوتيرة قطع الأشجار خلال المرحلة الوبائية، ما يدل على تراجع أنشطة البناء في هذه المناطق، وتقلص حجم الطلب على الخشب والفحم الخشبي. فضلًا عما سبق، أظهرت دراسات حديثة للعَيّنات الجَليدية في جزيرة غرينلاند، هبوطًا حادًّا في معدلات التلوث بالرصاص في أوروبا زمن الوباء، بسبب الاختلال الطارئ على استغلال المناجم، بوصفه نتيجة للنزيف الديموغرافي، والهجرة من المناطق المنجمية، وتراجع الطلب[8].

[الشكل رقم 2]

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ومع هذا كله، لا يمكن القطع بتفسير هذه التغيّرات كافة في السلاسل الوثائقية بالانعكاسات المُباشرة للوباء، ذلك أنّ الحروب قد أسهمت مع المجاعات والثورات، خلال مرحلة حكم الإمبراطور مَاركُوس أورِيليُوس، في نشوء تلك الاضطرابات والاختلالات، ومن ثم فمن الأجدر أن يُقدَّم الوباء بوصفه واحدًا من أعراض الأزمة ومظاهرها، بدلًا من عدِّه السبب الرئيس المُفسّر لها[9].

[الشكل رقم 3]

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

أما في منطقة شمال أفريقيا فقد توصل الباحث دُونكان جُونز في دراسته لمُختلف السلاسل الوثائقية في الشمال الأفريقي، إلى وُجود تباين في مستويات التأثر بالوباء، فقد سجّل نشاط البناء والتشييد العُمومي استمرارية في المدن الداخلية، فضلًا عن ارتفاع مُعدلات إنتاج المواد الخزفية، مُقابل حدوث انقطاعات طويلة في السلاسل الساحلية الأفريقية في فترة انتشاء الوباء. ومن ثم، فلا مجال لتعميم الكارثة على المنطقة كلها انطلاقًا من الأوصاف التعميمية في المصادر الأدبية، ولا يمكن الجزم رغم ذلك بارتباط تلك الانقطاعات بالظاهرة الوبائية، ما دامت لائحة العوامل المُفسرة مفتوحة أمام عدد كبير من الاحتمالات[10].

المراجع

Cascio, Elio Lo (ed.). L’impatto della “peste Antonina.” Bari: Edipuglia, 2012.

Duncan-Jones, Richard P. “The Antonine Plague revisited.” Arctos. no. 52 (2018), pp. 41-72.

Duncan-Jones, Richard P. “The impact of the Antonine Plague.” Journal of Roman Archaeology. no. 9 (1996). pp. 108-136.

 Fisher, Greg. Rome, Persia, and Arabia. Shaping the Middle East from Pompey to Muhammad. London/ New York: Routledge, 2020.

 Hanna, Eriny. “The Route to Crisis: Cities, Trade, and Epidemics of the Roman Empire.” Vanderbilt Undergraduate Research Journal. vol. 10 (2015), pp. 1-10.

Harper, Kyle. The Fate of Rome: Climate, Disease, and the End of an Empire, Princeton: Princeton University Press, 2017.

Lamoine, Laurent, Clara Berrendonner & Mireille Cébeillac-Gervasoni (eds.). Gérer les territoires, les patrimoines et les crises. Le quotidien municipal II. Clermont-Ferrand: Presses Universitaires Blaise-Pascal, 2012.

Le peuplement du Maghreb antique et médiéval. Proceedings of the 3rd International Conference. Sousse, May 5-7, 2016. Sousse: University of Sousse, Faculty of Letters and Humanities, 2017.

  1. de B.G (trad.). Histoire de Dion Cassius de Nicée. abrégée par Xiphilin. Paris: Claude Barbin, 1674.

 Rossignol, Benoît. “La peste Antonine (166 ap. J.-C.).” Hypothèses. vol. 1, no. 3 (2000). p. 31-37.

 ________. “Études sur l’empire romain en guerre durant le règne de Marc Aurèle (161-180 ap. J.-C.).” PhD Dissertation, Paris 1 University. Sorbonne I Pantheon, 2004.

Duncan-Jones, Richard. Structure and Scale in the Roman Economy. Cambridge: Cambridge University Press, 1990.

[1] Benoît Rossignol, “′Il avertissait les cités de se méfier des pestes, des incendies, des tremblements de terre.‵ Crises militaire, frumentaire et sanitaire: les cités de l’Occident au temps de la peste Antonine,” in: Laurent Lamoine, Clara Berrendonner & Mireille Cébeillac-Gervasoni (eds.), Gérer les territoires, les patrimoines et les crises. Le quotidien municipal II (Clermont-Ferrand: Presses Universitaires Blaise-Pascal, 2012), p. 463; Yan Zelener, “Genetic evidence, density dependence and epidemiological models of the Antonine plague,” in: Elio Lo Cascio (ed.), L’impatto della “peste Antonina” (Bari: Edipuglia, 2012), pp. 167-177; Kyle Harper, The Fate of Rome: Climate, Disease, and the End of an Empire (Princeton: Princeton University Press, 2017), pp. 104-107.

[2] M. de B.G (trad.) Histoire de Dion Cassius de Nicée, abrégée par Xiphilin (Paris: Claude Barbin, 1674), LXXII. 14, pp. 3-4.

[3] Guyon, p. 120; Benoît Rossignol, “La peste Antonine (166 ap. J.-C.),” Hypothèses, vol. 1, no. 3 (2000), p. 32; Jean-Pierre Laporte, “Peuplement et catastrophes naturelles dans l’Afrique du Nord ancienne,” in: Le peuplement du Maghreb antique et médiéval, Proceedings of the 3rd International Conference, Sousse, May 5-7, 2016 (Sousse: University of Sousse, Faculty of Letters and Humanities, 2017), p. 140; Greg Fisher, Rome, Persia, and Arabia. Shaping the Middle East from Pompey to Muhammad (London/ New York: Routledge, 2020), p. 56.

[4] Rossignol, “La peste Antonine,” p. 31.

[5] Richard P. Duncan-Jones, “The impact of the Antonine Plague,” Journal of Roman Archaeology, no. 9 (1996), p. 136; Eriny Hanna, “The route to crisis: Cities, trade, and epidemics of the Roman Empire,” Vanderbilt Undergraduate Research Journal, vol. 10 (2015), p. 5.

[6] Rossignol, “La peste Antonine,” p. 33.

[7] Richard P. Duncan-Jones, “The Antonine Plague revisited,” Arctos, no. 52 (2018), pp. 41-72; Duncan-Jones, “The impact,” pp. 108-136.

[8] Ibid.

[9] Rossignol, “La peste Antonine,” p. 32.

[10] Duncan-Jones, “The impact,” pp. 128-129; Duncan-Jones, “The Antonine Plague,” p. 63; Benoît Rossignol, “Études sur l’empire romain en guerre durant le règne de Marc Aurèle (161-180 ap. J.-C.),” PhD dissertation, Paris 1 University, Sorbonne I Pantheon, 2004, pp. 1320-1326.

المحتويات

الهوامش