عمرو بن الأهتم المنقري (ت. 57هـ/ 676م)، شاعر مخضرم، من أشراف بني تميم وساداتهم وشعرائهم في صدر الإسلام. عاش في بادية بني تميم في البصرة، وقدم ضمن وفد من وجوه قومه على النبي محمد ﷺ بالمدينة فأسلم وحسُن إسلامه ونال إعجاب النبي وثناءه على فصاحته وبلاغة بيانه لأنّه كان –فضلًا عن موهبته في الشعر- خطيبًا. وهو من الشعراء المقلّين الذين انتخب أصحاب كتب الاختيارات لهم أشعارًا من جيّد الشّعر.
ترجمته
عمرو بن سنان (الأهتم) بن سميّ بن سنان بن خالد بن منقر، ولذلك يلقّب عمرو بالمنقري وبالتميمي لأن نسبه يتّصل ببني سعد بن تميم. كان سيّدًا من سادات قومه وأشرافه -في أواخر الجاهلية وصدر الإسلام-، منزله بأرض بني تميم في بادية البصرة. وكان شاعرًا وخطيبًا بليغًا مقدّمًا في قومه، وكان وسيمًا جميلًا، لذلك لُقّب بـ"المكحّل"[1]. وكان يقال عن شعره "الحُلل المنشّرة" من باب الاستحسان.
قدم عمرو بن الأهتم على النبي محمد ﷺ في وفد بني تميم في عام 9هـ/ 630م، وكان في مَن قدم معه الزبرقان بن بدر (ت. 45هـ/ 665م) وقيس بن عاصم وعطارد بن حاجب (ت. 45هـ/ 665م) والأقرع بن حابس (ت. 31هـ/ 651م)، فأسلموا وبقوا مدّة في المدينة يتعلّمون القرآن وقواعد الدين، ثم لما همّوا بالعودة وزّع عليهم النبي ﷺ عطايا، وكان آخر من نالوا عطيّته عمرو بن الأهتم لأنّه كان غلامًا وكان على ركاب القوم. وأراد بعضهم -الزبرقان بن بدر أو قيس بن عاصم– حرمانه لمشاحنة كانت بينهما، ولكن النبي ﷺ أحضره فأعجب به وأعطاه مثل ما أعطاهم، وسأله عمّن صغّر شأنه وأزرى به لديه منهم، فمدحه ثم ذمّه بكلام فصيح بليغ، وصدقَ في الحاليْن، فقال النبي ﷺ قوله الشهير الذي أضحى مرجعًا في البلاغة: "إنّ من البيان لسحرًا"[2].
ولمّا بلغه –أي عمرو- قول من غضّ من شأنه عند النبي ﷺ قال فيه أبياته التي منها:
ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الْهَلْباءِ تَشْتُمُنِي
| عِنْدَ الرَّسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ وَلَمْ تُصِبِ |
وقد عاش عمرو كريمًا مبجّلًا في قومه ولدى غيرهم من الأقوام في صدر الإسلام، وكان ذا حضور فاعل وكلمة مسموعة، إلى أن توفّي في حدود عام 57هـ/ 676م.
ما وصل من شعره
ليس لعمرو بن الأهتم ديوان شعر بالمعنى المعياري للكلمة، ولذلك فهو يُعدّ من الشعراء المقلّين، علمًا بأن من أهمّ أسباب الإقلال بهذا المعنى: عدم احتراف الشعر وعدم نظمه في التكسّب. ومن نتائج هذا أن ما أنقذه التدوين وحفظته المصادر القديمة من شعر هذا الشاعر قليل من حيث عدد النصوص، وبعضه منسوب إليه وإلى غيره، مثل القصيدة التي مطلعها:
أَلَمْ تَرَ ما بَيْنِي وَبَيْنَ ابنِ عامِرٍ
| مِنَ الوُدِّ قَدْ بالَتْ عَلَيْهِ الثَّعالِبُ |
وهي تُنسب أيضًا إلى أبي الأسود الدؤلي (ت. 69هـ/ 688م). أمّا ما هو ثابت النّسبة إليه فهو قصيدته المفضليّة رقم 23 ومطلعها:
أَلا طَرَقَتْ أَسْماءُ وَهْيَ طَرُوقُ
| وَبانَتْ عَلى أَنَّ الْخَيالَ يَشُوقُ[3] |
والمفضّليّة رقم 123، ومطلعُها:
أَجَدَّكَ لا تُلِمُّ وَلا تَزُورُ
| وَقَدْ بانَتْ بِرُهْنِكُمُ الْخُدُورُ[4] |
وللقصيدتين أهميّة خاصّة في بابهما وإضافة مهمة من نوعهما.
شعره في كرم الضيافة
تتمثّل قيمة عمرو بن الأهتم في كونه شاعرًا، وتتحدّد مكانته في الشعراء القدامى عمومًا وضمن مخضرمي الجاهلية والإسلام خصوصًا بقصيدة هي -في ما هو باقٍ ومعلوم من شعر الجاهليين والمخضرمين- ثاني أقدم نصّ في الفخر بكرم الضيافة {{كرم الضيافة: هو أشهر أشكال الكرم ضمن ما كان سائدًا من أشكاله في الجاهلية والعصور اللاحقة، ويتمثّل في إيواء الضيف عابر السبيل – ليلًا في الغالب - وتقديم القِرى – أي الطعام والشراب- له ومحادثته ومفاكهته. أما سائر أشكال الكرم فأبرزها الرِّفْدُ، وهو الإحسان إلى الأقارب والأجوار؛ والمنيحة، وهي مساعدة من كان من هؤلاء مدقعًا بحلوبة ينتفع بلبنها أثناء موسمه.}}[5] وفي تزيين فضيلة الكرم وإعلاء شأنها وبيان أهميتها في الشعر العربي القديم، وهي القصيدة القافيّة المشار إليها أعلاه "ألا طرقتْ أسماءُ وهي طَروقُ"[6].
أما النصّ الأول –الذي يسبق قصيدة عمرو- فهو قصيدة الشاعر الجاهلي القديم عوف بن الأحوص الذي شهد يوم شِعب جبلة (553م تقريبًا) وهو شيخ، ومطلعها:
ومُسْتَنْبِحٍ يَخْشَى الْقَوَاءَ ودُونَهُ | مِنَ اللَّيلِ بابا ظُلْمَةٍ وسُتُورُها[7] |
وتتميّز قصيدة عمرو بن الأهتم بالدخول في تفاصيل الضيافة، كذلك تتميّز بالخوض فيما يمكن أن يُسمّى "الأساس النظري" أو "الأرضيّة الأخلاقية" لتبرير الكرم فكريًّا.
ابتدأت هذه القصيدة –وهي فخريّة تتألّف من 23 بيتًا على البحر الطويل- بنسيب أثّثه الشاعر بموضوع زيارة الطيف –طيف الحبيبة أو خيالها-، واستخدم لذلك عبارة "طرقتْ أسماء" كي يتجانس قسم النسيب (في الأبيات الثلاثة الأولى) مع قسم الفخر بإكرام الضيف "الطارق" ليلًا (في معظم القصيدة).
وهذا مظهر أوّل من مظاهر الإقناع بالمقدرة الشعرية ووحدة الخيال، ودليل قويّ من أدلّة وجود وحدة في القصيدة العربية القديمة، يعزّزه تشبيه الشاعر فؤاده –ضمن قسم النسيب- بجناحٍ وَهَى عَظْماهُ فهو "خَفُوقُ" (البيت 3) ثمّ حديثه -ضمن الفخر في نطاق الغرض- عن زمن قدوم الضيف "وقد حان من نجم الشتاء خُفُوق".
بعد هذا يأتي تفصيل الشاعر لمراحل الضيافة ومكوّناتها وهي: اقتراب الضيف، واستنباحه الكلاب كي ينتبه صاحبها فيخرج إليه، ووصف زمن الضيافة إذ كان في ليلة مطر وزمهرير، ثمّ الترحاب بالضيف وبدء القِرى بتقديم اللّبن ريثما تُنحر له جَزور (في الحالات النّموذجيّة)، ثمّ تقديم الشواء والطعام الدسم والمفاكهة {{المفاكهة: محادثة الضيف على الطعام أو بعده. ومن أهمّ استعمالاتها في الشّعر -ولعلّه أهمّها- قول امرئ القيس: يُفاكِهُنا سَعدٌ وَيَغْدُو لِجَمعِنا بِمَثْنى الزِّقاقِ المُترَعاتِ وَبِالجَزْرِ.}} ثمّ توفير الغطاء والدفء له كي ينام هانئًا آمنًا، وهو قول عمرو بن الأهتم:
ومُسْتَنْبِحٍ بَعْدَ الْهُدُوءِ دَعْوَتُهُ | وَقَدْ حانَ مِنْ نَجْمِ الشِّتاءِ خُفُوقُ |
يُعالِجُ عِرْنِينًا مِنَ اللَّيْلِ بارِدًا | تَلُفُّ رِياحٌ ثَوْبَهُ وبُرُوقُ |
|
أَضَفْتُ فلم أُفْحِشْ عليهِ ولم أَقُلْ | لأَحْرِمَهُ: إِنَّ الْمَكانَ مَضِيقُ
|
فَقُلْتُ لَهُ أَهْلًا وَسَهْلًا وَمَرْحَبًا | فَهذا صَبوحٌ راهنٌ وَصَديقُ[8] |
ثمّ قوله:
وَضاحَكْتُهُ منْ قبْلِ عِرفانِيَ اسْمَهُ ليَأْنسَ بي، إنَّ الكَريمَ رفيقُ |
وهو إضافة إلى قصيدة عمرو بن الأهتم توجد في الدّيوان الذي صنعه محمود عبد الجبار سعود[9] ولا توجد في المفضّليّات، ووظيفتها دعم ظاهرة "المفاكهة".
ثم قوله عن تقديم لحم الجَزور، ثم توفير المنام الهانئ:
فَباتَ لَنَا مِنْها وللِضَّيْفِ مَوْهِنًا
| شِوَاءٌ سَمِينٌ زَاهِقٌ وَغَبوقُ |
وبَاتَ لَهُ دُونَ الصَّبَا وَهْيَ قَرَّةٌ
| لِحَافٌ ومَصْقُولُ الْكِسَاءِ رَقِيقُ[10] |
ثم تحدث عما في نفسه من أساس نظري وأخلاقي للكرم وفق تصوره في القصيدة؛ بعدّه كرم الضيافة من "الحقوق" (البيت 6)؛ أي من الواجبات الأخلاقية التي تجب في حقّ عابر السبيل، ثم قوله عن البخل والكرم في علاقتهما بـ"الأخلاق":
ذَرِيني فَإِنَّ البُخْلَ يا أُمَّ هَيْثَمٍ
| لِصالِحِ أَخْلاقِ الرِّجالِ سَرُوقُ |
وَكُلُّ كَريمٍ يَتَّقي الذَّمَّ بِالْقِرى | وَلِلْخَيرِ بَيْنَ الصَّالِحِينَ طَريقُ |
لَعَمرُكَ ما ضاقَتْ بِلادٌ بِأَهْلِها | وَلَكِنَّ أَخْلاقَ الرِّجالِ تَضيقُ[11] |
وهذا كلام يُحوّل مقولة الضّيق (وهي ضدّ الاتساع) من مقولة جغرافية إلى مقولة نفسية.
وهذا من أهمّ ما صاغه الشعراء القدامى في تكريس الكرم وإعلاء مكارم الأخلاق، بل من أهمّ ما صاغوه في تدقيق الفعل الأخلاقي أصلًا.
شعره في الوصيّة
تُعدّ قصيدة عمرو بن الأهتم الرائيّة (المفضّليّة رقم 123) من أبرز أمثلة الوصية الشعرية وشواهدها في الأدب العربي، ومطلعها:
أَجَدَّكَ لا تُلِمُّ وَلا تَزُورُ | وَقَدْ بانَتْ بِرُهْنِكُمُ الخُدورُ
|
يُعدّ موضوع القصيدة الرئيس الوصية، وإن افتتحها بالنسيب والفخر، وهي عادة متبعة في الشعر في الحقبة الجاهلية وصدر الإسلام والدولة الأموية، والوصية عادةً ما يكون في سنّ متقدّمة أو يأتي على إثر مرض يستشعر معه المرء أن أجله بات قريبًا وأن له شيئًا مهمًا يريد أن يأتمن عليه -بعد رحيله- أقرب الناس إليه، وهو عادةً الابن الأكبر. وإن ما يحدّد هذا الموضوع هو تنصيص الشاعر على فعل "الوصيّة" وعلى المستفيد منه، وهو ابنه "ربعي" وذلك قوله:
لَقَدْ أَوْصَيْتُ رِبْعِيَّ بْنَ عَمْرٍو
| إِذا حَزَبَتْ عَشِيرتَكَ الأُمُورُ[12] |
ويتألّف خطاب الوصية في هذه القصيدة أيضًا من عنصرين: محتوى الوصيّة ومكوّناتها من جهة، والأساس النظري الأخلاقي المبرّر لها -باعتبارها مكرمة أخلاقية- من جهة ثانية. فأما ما ينصرف إلى مكوّنات الوصيّة فهو قول الشاعر (مخاطبًا ولده):
بِأَنْ لا تُفْسِدَنْ ما قَدْ سَعَيْنا
| وَحِفْظُ السُّورَةِ العُلْيا كبيرُ | |
وَجارِي لا تُهِينَنْهُ، وَضَيْفِي | إِذا أَمْسَى وَراءَ الْبَيْتِ كُورُ
|
أَصِبْهُ بِالْكَرامَةِ وَاحْتَفِظْهُ | عَلَيْكَ فَإِنَّ مَنْطِقَهُ يَسيرُ |
|
وَإِنْ جَهَدُوا عَلَيْكَ فَلا تَهَبْهُمْ | وَجاهِدْهُمْ إِذا حَمِيَ الْقَتيرُ |
فَإِنْ قَصَدُوا لِمُرِّ الْحَقِّ فَاقْصِدْ | وَإِنْ جارُوا فَجُرْ حَتَّى يَصيروا[13] |
فهو يوصيه بأن يحافظ على ما بنى آباؤه قبله من مجد، كذلك يوصيه بالإحسان إلى الجار وإكرام الضيف كي "يسير منطقه" في شأنه بالذكر الحسن، ثمّ يوصيه بمكافأة الرجال في حاليِ العدل والجوْر معًا.
وأما ما ينصرف من القصيدة، إلى الأساس الأخلاقي والمبرّر "النظري" –أي العقلي- للفعل الأخلاقي الذي يفضي إلى نيل "المجد"، ويؤهّل المرء له فهو قوله:
وَإِنَّ الْمَجْدَ أَوَّلُهُ وُعُورُ
| وَمَصْدَرُ غِبِّهِ كَرَمٌ وَخِيرُ |
وإِنَّكَ لَنْ تَنالَ الْمَجْدَ حتَّى | تَجُودَ بِما يَضِنُّ بِهِ الضَّمِيرُ |
بِنَفْسِكَ أَوْ بِمالِكَ في أُمُورٍ | يَهابُ رُكُوبَها الْوَرِعُ الدَّثُورُ[14] |
تُشكّل هذه الأبيات صميم ما يمكن أن يُسمّى بـ"الفعل الأخلاقي" فلسفيًّا لأنها تربط فعل الخير بإكراه النفس على التضحية بما لا ترغب في التضحية به.
المراجع
البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. تحقيق مصطفى ديب البغا. ط 5. دمشق: دار ابن كثير؛ دار اليمامة، 1993.
الدينوري، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة. الشعر والشعراء. تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر. ط 2. القاهرة: دار المعارف، 1951.
سعود، محمود عبد الجبار. شعر الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1984.
الضبّي، أبو العباس المفضّل بن محمد بن يعلى. المفضّليّات. تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون. ط 6. القاهرة: دار المعارف، 1979.
المنّاعي، مبروك. الشّعر والمال. بحث في آليّات الإبداع في الشعر العربي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998.
________. المفضّليّات مدخلًا إلى الشّعر العربي القديم. تونس: الدار التونسية للكتاب، 2016.
[1] أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، الشعر والشعراء، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر، ج 2، ط 2 (القاهرة: دار المعارف، 1951)، ص 618.
[2] أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، تحقيق مصطفى ديب البغا، ج 5، ط 5 (دمشق: دار ابن كثير؛ دار اليمامة، 1993)، ص 2176.
[3] أبو العباس المفضّل بن محمد بن يعلى الضبّي، المفضليات، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون، ط 6 (القاهرة: دار المعارف، 1979)، ص 125.
[4] المرجع نفسه، ص 409.
[5] أبو العباس المفضّل بن محمد بن يعلى الضبّي، ص 125 وما بعدها؛ مبروك المنّاعي، المفضّليّات مدخلًا إلى الشّعر العربي القديم (تونس: الدّار التونسية للكتاب، 2016)؛ مبروك المنّاعي، الشّعر والمال، بحث في آليّات الإبداع في الشعر العربي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998).
[6] المرجع نفسه: المفضّليّة رقم 23، ص 125 وما بعدها.
[7] الضبّي، ص 176.
[8] المرجع نفسه، ص 126.
[9] محمود عبد الجبار سعود، شعر الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1984)، ص 71.
[10] الضبّي، ص 127.
[11] المرجع نفسه، ص 125-127.
[12] المرجع نفسه، ص 409.
[13] المرجع نفسه، ص 410.
[14] المرجع نفسه.