الموجز
النفور من الغموض (Ambiguity Aversion) هو نمط تفضيلي في صنع القرار في ظلّ عدم اليقين، إذ يفضل الوكيل الاقتصادي بشكل منهجي الخيارات ذات الاحتمالات المعروفة على الخيارات ذات الاحتمالات غير المعروفة، أو غير المعرّفة، أو غير المحدّدة، حتى عندما يمكن ترتيب الخيارات بحيث يكون لها العائد المتوقع نفسه في ظل بعض التقييمات الاحتمالية المعقولة.
يُعدّ الغموض نوعًا محددًا من "عدم اليقين" (Uncertainty)، ويختلف عن المخاطرة (Risk) من حيث توفر التوزيع الاحتمالي. يُميَّز عادةً في التحليل الاقتصادي بين "النفور من الغموض" و"النفور من المخاطرة"؛ فالمخاطرة تتعلق بالنتائج التي تخضع لتوزيع احتمالي محدّد بدقة، في حين يتعلق الغموض بعدم اليقين بشأن التوزيع الاحتمالي الصحيح. وقد دخل مفهوم النفور من الغموض إلى علم الاقتصاد من خلال تجارب دانيال إلسبرغ (Daniel Ellsberg،1931-2023)، قبل أن يصبح محوريًا في النظريات الحديثة للاختيار في ظل عدم اليقين.
اكتسب هذا المفهوم أهميته في النظريات الحديثة للاختيار في ظل عدم اليقين، لأنه يُجسّد السلوك الذي يُخالف إطار
المنفعة المتوقعة الذاتية {{المنفعة المتوقعة الذاتية: (Subjective Expected Utility) نموذج للاختيار في ظل عدم اليقين، تتيح فيه تفضيلات الوكيل الاقتصادي تمثيل التوقعات لدالّة منفعة فون نيومان - مورغنسترن (Neumann-Morgenstern utility function) بشأن النتائج. وفي ظل قواعد العقلانية المناسبة، مثل قواعد ساڤاج (Savage’s axioms)، فإن الاحتمال الذاتي والمنفعة يميزان معًا اتخاذ القرارات المتسقة من خلال تعظيم المنفعة المتوقعة.}} الكلاسيكي، ويكتسب بذلك أهميةً تجريبية واقتصادية كبيرة.
مفارقة إلسبرغ وجذور النفور من الغموض
دانيال إلسبرغ
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
دخل مفهوم النفور من الغموض إلى علم الاقتصاد من خلال تجارب دانيال إلسبرغ الشهيرة، والمعروفة باسم "مفارقة إلسبرغ"[1]. ففي هذا المثال الكلاسيكي، يختار صانع القرار بين رهانين على وعاءين: أحدهما ذو تركيبة معروفة (مثلًا، 50 كرة حمراء، و50 كرة سوداء)، في حين الآخر ذو تركيبة غير معروفة (مثلًا، 100 كرة حمراء أو سوداء بنسبةٍ غير معروفة). ويفضل العديد من الأفراد الرهان على الوعاء ذي التركيبة المعروفة، ويفعلون ذلك بطريقة لا يمكن تمثيلها بنظرية "المنفعة المتوقعة الذاتية" باستخدام توزيعٍ احتمالي ذاتي واحد على الحالات. وقد بيّن إلسبرغ أن هذه التفضيلات تتعارض مع البديهيات الأساسية المستخدمة لتبرير نظرية "المنفعة المتوقعة الذاتية"، وأشهرها مبدأ اليقين (Sure-Thing Principle) عند جيم ساڤاج (Leonard Jimmie Savage، 1917-1971)، وهي قاعدة استقلالية تنصّ على أنه إذا فضل الوكيل الاقتصادي الفعل (ف) على الفعل (ج) بشرط حدوث حدثٍ معين (د)، وفضل أيضًا (ف) على (ج) بشرط حدوث المكمل (د^س)، فينبغي على الوكيل أن يفضل (ف) على (ج) من دون قيدٍ أو شرط. وبالمثل، عندما يتطابق فعلان في (د^س)، فإن التفضيل بينهما ينبغي أن يعتمد فقط على عواقبهما على (د)، وليس على العواقب المشتركة في مواضع أخرى. وقد أظهرت مفارقة إلسبرغ بذلك أن الأفراد لا يرغبون، أو لا يستطيعون، تشكيل توزيعٍ ذاتي واحد في الحالات التي تكون فيها البُنى الاحتمالية غير معرّفة أو غامضة. وبدلًا من ذلك، فهم يميلون إلى تفضيل الخيارات التي يكون توزيعها الاحتمالي محددًا بوضوح، وهو ما حفّز لاحقًا برنامجًا بحثيًا واسع النطاق حول نماذج عدم اليقين غير القائمة على نظرية النفور من الغموض الذاتي.
تجدر الإشارة إلى أنه قبل تجارب إلسبرغ، نجد جذورًا للتمييز المفاهيمي بين المخاطرة وعدم اليقين في أعمال
فرانك نايت (Frank H. Knight،1972-1885 ) وجون ماينارد كينز (John Maynard Keynes،1946-1883 ) في أوائل القرن العشرين. فقد عرّف نايت المخاطرة بأنها المواقف التي يمكن فيها قياس الاحتمالات، وعدم اليقين بأنه المواقف التي لا يمكن فيها قياس الاحتمالات أو حتى تحديدها كميًا على نحوٍ ذي معنى[2]. وعلى نحوٍ مماثل، أكّد كينز على حدود الاحتمالات العددية، وإمكانية أن تدعم الأدلة أحكامًا جزئية أو ذات قيم فاصلية فحسب[3].
التفسيرات الاقتصادية للنفور من الغموض
فسر الاقتصاديون النفور من الغموض بعدة طرق، من أهمها:
- المعتقدات غير الدقيقة (عدم اليقين عند نايت): لا تحدد معلومات الفاعل توزيعًا احتماليًا فريدًا؛ بل تُمثَّل المعتقدات بمجموعة من التوزيعات المعقولة (الاحتمالات المسبقة). ومن ثمّ، يعكس النفور من الغموض موقفًا حذرًا تجاه هذا الغموض.
- عدم اليقين في النموذج: يشكّ الوكيل الاقتصادي في صحة النموذج الإحصائي المرجعي، ويتصرف كما لو كان يحذر من سوء التحديد.
- تأثيرات الثقة والكفاءة: يفضل الأفراد المخاطر "المعروفة" لأنهم يشعرون بمزيد من الكفاءة في المجال ذي الصلة.
تشترك هذه التفسيرات في فكرة أن عدم اليقين قد يكون أعمق هيكليًا من المخاطر القياسية، وقد يستدعي قواعد اتخاذ القرار التي تفصل القيود المعلوماتية للوكيل الاقتصادي عن موقفه تجاه الغموض الناتج.
نماذج
الاحتمالات المسبقة المتعددة (أقصى وأدنى فائدة متوقعة)
تُعدّ الاحتمالات المسبقة المتعددة إحدى أكثر الصيغ تأثيرًا ضمن نماذج النفور من الغموض، وهي تُمثّل المعتقدات بمجموعة من الاحتمالات المسبقة غير الأحادية، وتُقيّم الأفعال بناءً على أسوأ قيمة متوقعة للمنفعة ضمن هذه المجموعة؛ أي القيمة المتوقعة القصوى الدنيا[4].
المعتقدات غير الجمعية (المنفعة المتوقعة لشوكيه)
في
نظرية المنفعة المتوقعة لشوكيه (Choquet Expected Utility)، يُعبَّر عن "احتمالية" الفاعل بقدرةٍ غير جمعية، ويُقيم عبر
تكامل شوكيه {{تكامل شوكيه: (Choquet Integral) عامل توقّع عام يدمج دالة النتيجة (أو المنفعة) فيما يتعلق بـ"القدرة" (Capacity)، بدلًا من مقياس الاحتمال الإضافي. ويوفر قاعدة التجميع القياسية في نماذج مثل "المنفعة المتوقعة لشوكيه" (Choquet Expected Utility)، ما يسمح للتفضيلات بأن تعكس ظواهر مثل المواقف الغامضة، وترجيح الاحتمالات التي لا يمكن تمثيلها بالمنفعة المتوقعة القياسية.}}[5]. ويمكن أن ينشأ النفور من الغموض نتيجةً لتشوهاتٍ في كيفية ترجيح الأحداث غير المؤكدة بالنسبة إلى المنفعة المتوقعة الاجتماعية، ما يُجسد مجموعةً من السلوكيات المتوافقة مع مفارقة إلسبرغ.
تفضيلات الغموض السلس
لفصل المعتقدات الغامضة عن درجة النفور من الغموض بمرونة أكبر، تُقدّم نماذج الغموض "من الدرجة الثانية"، أو "نماذج الغموض السلس" (Smooth Ambiguity Models) تقييمًا ثنائي المراحل، إذ يأخذ الوكيل الاقتصادي توقعاته فيما يتعلق باحتمال مسبق على الاحتمالات المسبقة (أو توزيع على نماذج الاحتمالات)، ثم يُطبّق مُعامل انحناء يُجسّد موقف الغموض[6].
الغموض الدينامي والافتراضات المسبقة المتعددة المتكررة
في السياقات الزمنية المتعددة، يثير الغموض قضايا إضافية تتعلق بالاتساق الدينامي والتعلم. ويُعمم أحد المناهج البارزة منفعة الاحتمالات المتعددة على نحوٍ متكرر، ويفرض شروطًا تُوفق بين النفور من الغموض والتخطيط المتسق بمرور الزمن[7].
التحكم القوي وعدم اليقين في النموذج
يُستمد إطار عمل تطبيقي وثيق الصلة من مفهوم
التحكم القوي، إذ يتعامل الأفراد مع نموذج احتمالي مرجعي على أنه تقريبي، ويختارون خيارات تُحقق أداءً جيدًا في مواجهة الانحرافات المعقولة إحصائيًا.
تطبيقاته الاقتصادية
استخدم مفهوم النفور من الغموض لتفسير العديد من الظواهر ذات الأهمية الاقتصادية، ومنها:
- اختيار المحفظة وتسعير الأصول.
-
التأمين والسلوك الوقائي.
- ديناميات
الاقتصاد الكلي.
-
السياسات الاقتصادية في ظل عدم اليقين العميق.
تشترك هذه التطبيقات في آلية مشتركة، وهي أن تجنب الغموض يغير كيفية تجاهل الوكلاء للمعلومات المتعلقة بالاحتمالات والتصرف بناءً عليها، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى خيارات أكثر تحفظًا عندما تكون الأدلة ضعيفة أو متنازع عليها.
المراجع
Ellsberg, Daniel. “Risk, Ambiguity, and the Savage Axioms.”
The Quarterly Journal of Economics. vol. 75, no. 4. (November 1961). pp. 643-669.
Epstein, Larry G. & Martin Schneider. “Recursive Multiple-Priors.”
Journal of Economic Theory. vol. 113, no. 1. (November 2003). pp. 1-31.
Gilboa, Itzhak & David Schmeidler. “Maxmin Expected Utility with Non-Unique Prior.”
Journal of Mathematical Economics. vol. 18, no. 2. (1989). pp. 141-153.
Keynes, John Maynard.
A Treatise on Probability. London: Macmillan, 1921.
Klibanoff, Peter, Massimo Marinacci & Sujoy Mukerji. “A Smooth Model of Decision Making under Ambiguity.”
Econometrica. vol. 73, no. 6 (November 2005). pp. 1849-1892.
Knight, Frank H.
Risk, Uncertainty, and Profit. Boston/ and New York: Houghton Mifflin Company, 1921.
Schmeidler, David. “Subjective Probability and Expected Utility without Additivity.”
Econometrica. vol. 57, no. 3 (May 1989). pp. 571-587.
[1] Daniel Ellsberg, “Risk, Ambiguity, and the Savage Axioms,”
The Quarterly Journal of Economics, vol. 75, no. 4 (1961), pp. 643-669.
[2] Frank H. Knight,
Risk, Uncertainty, and Profit (Boston/ New York: Houghton Mifflin Company, 1921).
[3] John Maynard Keynes,
A Treatise on Probability (London: Macmillan and co., 1921).
[4] Itzhak Gilboa & David Schmeidler, “Maxmin Expected Utility with Non-Unique Prior,”
Journal of Mathematical Economics, vol. 18, no. 2 (1989), pp. 141-153.
[5] David Schmeidler, “Subjective Probability and Expected Utility without Additivity,”
Econometrica, vol. 57, no. 3 (May 1989), pp. 571-587.
[6] Peter Klibanoff, Massimo Marinacci & Sujoy Mukerji, “A Smooth Model of Decision Making under Ambiguity,”
Econometrica, vol. 73, no. 6 (November 2005), pp. 1849-1892.
[7] Larry G. Epstein & Martin Schneider, “Recursive Multiple-Priors,”
Journal of Economic Theory, vol. 113, no. 1 (November 2003), pp. 1-31.