التورية مصطلح بلاغي مشتق معجميًّا من الفعل "ورَّى"، أي أخفى الشيء بأن جعله وراءه. وتعني التورية اصطلاحًا أن يستعمل المتكلم لفظًا مفردًا له معنيان محتملان، أحدهما قريب إلى فهم المتلقي والآخر بعيد، ويكون المعنى المقصود هو البعيد. تُعدّ التورية محسنًا كلاميًّا يصنَّف ضمن المحسنات المعنوية في علم البديع، وتشيع في الكلام اليومي قدر شيوعها في الأدب. تُستعمل التورية لوظائف متنوعة منها التعمية، وإيهام المخاطَب، وحفزه على بذل جهد كبير في فهم المعنى، والتخلص من تبعات الكلام، وإثراء معنى النصوص وفتحها أمام التأويل.
تعريفها
التورية مصطلح بلاغي يعني استعمال المتكلم لفظًا مفردًا له معنيان محتملان، أحدهما قريب إلى فهم المتلقي والآخر بعيد، والمعنى المقصود هو البعيد. ويُعرفها أسامة بن منقذ (488هـ/ 1095م – 584هـ / 1188م) بقوله "أن تكون الكلمة بمعنيين، فتريد أحدهما، فتوري عنه بالآخر"[1]. ويُستعمل في الإشارة إلى التورية مصطلح آخر هو "الإيهام"؛ وذلك مثل قول الشاعر:
أَقُولُ وَقَدْ شَنُّوا إِلَى الحَرْبِ غَارَةً | دَعُونِي فَإِنِّي آكُلُ العَيْشَ بِالجُبْنِ
|
فلكلمة (الجبن) معنيان محتملان، القريب إلى فهم المتلقي هو طعام الجبن، لتوافقه مع الفعل (أكل)، لكن المقصود هو الجزع والخوف، الذي يتوافق مع المقطع الأول من البيت، والمعنى المقصود هو أن خوف المتكلم وجزعه سيحول دون موته. ويتكون أسلوب التورية من جزأين، هما المورَّى به وهو طعام الجبن، والمورَّى عنه وهو افتقاد الشجاعة.
الأصل اللغوي والتصنيف العلمي
كلمة التورية مشتقة من الفعل "ورَّى"؛ أي ستر الشيءَ وأخفاه، بأن جعله المرء وراءه فلا يُرى. ويتفق هذا المعنى مع وظيفة التورية، التي تهدف إلى ستر المعنى وإخفائه. تُنسب التورية إلى
علم البديع {{علم البديع: علم تعرف به وجوه تحسين الكلام من حيث الألفاظ ووضوح الدلالة على نحو يكسب التعبير الشعري صراحة وجدة.}} من
علوم البلاغة العربية {{علوم البلاغة العربية: مجموعة من العلوم اللغوية تدرس الكلام لفظًا ومعنى ومطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته، وإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة، والعمل على تحسين اللفظ والمعنى بوجوه مختلفة.}}، وتُصنَّف ضمن
البديع المعنوي. فعلى الرغم من وجود معنيين في التورية أحدهما مقصود والآخر غير مقصود، فإنها تندرج ضمن علم البديع، إذ لا يوجد انتقال من معنى حقيقي إلى آخر مجازي، على نحو ما يوجد في الأساليب المندرجة ضمن علم البيان. ويُنظر إلى التورية حديثًا على أنها نوع من
التلاعب اللفظي {{التلاعب اللفظي: هو أن يُذكر للفظ المفرد معنيان، أحدهما قريب غير مقصود، ودلالة اللفظ عليه ظاهرة، والآخر بعيد مقصود، ودلالة اللفظ عليه خفيّة.}}، ويقتصر استعمالها على المفردات التي لها معنيان فأكثر، أي المشترك اللفظي.
يذهب عبد العزيز عتيق (1906-1976) إلى أن الشعراء العرب في عصور ما قبل الإسلام وفي العصر الأموي لم يهتموا بالتورية، وأن بداية الاهتمام بها ترتبط بشعراء البديع المحدثين في أوائل العصر العباسي، ثم تولَّع بها الشعراء المتأخرون وبالغوا في استعمالها وتكلَّفوا فيها[2]. في المقابل، تكشف النصوص النثرية عن شيوع التورية في خطابات الحياة اليومية، ولعل مرجع ذلك تنوع الوظائف التداولية والجمالية التي تناط بها.
وظيفتها
تُستعمل التورية في خطابات الحياة اليومية وفي أنواع الأدب كافة، وتوظَّف لأغراض متنوعة، منها الإيهام والتعمية. مثال ذلك، ما روي من أن النبي محمد ﷺ حين خرج مع جيش المسلمين في
غزوة بدر، سأله شخص "ممَّ أنتم؟"، فقال "من ماء". فالسائل الراغب في الحصول على معلومات عن جيش النبي فَهِمَ أنهم من قبيلة "ماء"، في حين قصد النبي أنه ومن معه بشر مخلوقون من الماء، في إشارة إلى قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: 30). والهدف من التورية إيهام المخاطَب وتعميته عن معلومات حساسة قد تضر بالجيش.
ترتبط التورية التي تهدف إلى التعمية على المخاطَب وإيهامه، بفنون عربية تُنجِز هذه المهمة، مثل
فن الملاحن {{فن الملاحن: هو الانزياح في استعمال لفظة معينة عن دلالتها العامة إلى دلالة معجمية أخرى، ولا يُعرف معناها إلا بعد مراجعة المعجم أو تفسيرها.}} وفن المعمَّى {{فن المعمَّى: هو تحويل نص واضح إلى آخر غير مفهوم باستعمال طريقة محددة يستطيع من يعرفها أن يفهم النص.}}، ففي كليهما يتعمد المتكلم إخفاء المعنى وإشاعة غموض متعمد، يُشوّش على قدرة متلقٍ محدد على الفهم، لذا يشيع استعمال التورية في هذين الفنين، لتحقيق وظيفة التعمية وإيهام المخاطَب.
تُستعمَل التورية كذلك للتخلص من تبعة الكلام، كما هو الحال حين تستعمل للاستهزاء والسخرية. ومن الأمثلة الشائعة في هذا السياق، ما نُسب إلى
أحمد شوقي وحافظ إبراهيم من مشاكسة شعرية، إذ يُنسب إلى حافظ إبراهيم قوله:
يَقُولُونَ إِنَّ الشَّوْقَ نَارٌ وَلَوْعَةٌ | فَمَا بَالُ شَوْقِي الْيَوْمَ أَصْبَحَ بَارِدا
|
ويُنسب إلى أحمد شوقي رده قائلًا:
وَأَوْدَعْتُ إِنْسَانًا وَكَلْبًا وَدِيعَةً | فَضَيَّعَهَا الإِنْسَانُ وَالكَلْبُ حَافِظُ[3]
|
التورية، في البيت الأول في كلمة "شوقي" التي تحمل معنيين: الأول هو المعنى الشائع الأقرب إلى الذهن، وهو معنى اشتياق المرء إلى شيء أو شخص ما، والمعنى الثاني هو البعيد المقصود، وهو اسم أحمد "شوقي" نفسه. وجاء رد شوقي بتورية شبيهة، لكنها أشد غلظة وقسوة، فكلمة "حافظ" لها معنيان: أولهما هو الأقرب، يعني أن الكلب لم يُضيع الأمانة، والمعنى الثاني البعيد المقصود، هو نعت "حافظ" إبراهيم بأنه كلب، وتلك إساءة واضحة قد تضع قائلها موضع مساءلة قانونية. وتبرز وظيفة التورية في أنها تمكّن قائلها من إنجاز مثل هذه الإساءة اللغوية، دون تبعة أو مسؤولية؛ إذ يمكن التملص منها بالإحالة إلى المعنى اللغوي لكلمة "حافظ".
يكشف بيتا حافظ إبراهيم وأحمد شوقي عن أن المعنى البعيد في التورية سياقي، لا يفهمه إلا من يملك المعلومات الكافية للوصول إليه، فمن لا يعرف بأن بيت أحمد شوقي موجه لحافظ إبراهيم تحديدًا، وأنه في سياق سجال ومشاكسة، ربما لا يمكنه إدراك المعنى المقصود. ويترتب على ذلك أن التورية لا تُدرك إلا إذا كان المتلقّي قادرًا على الوصول إلى المعنى البعيد، وإلا فُهِم الكلام على ظاهره.
وتثير هذه المسألة إشكالًا يتعلق بمعيار تحقق التورية: هل هو فهم المتلقي أم مقصَد المتكلم أم كلاهما معًا؟ وتزداد أهمية هذا الأمر في الأمثلة التي تُستعمَل فيها التورية أداة للتعمية المقصودة. وتكشف الأمثلة التي يوردها البلاغيون أن التورية تشترط قصد المتكلم لها، لكنها لا تشترط فهم المستهدف بها، بل إن التورية في حالات استعمالها بقصد التعمية والإيهام، لا تحقق غرضها إلا إذا لم يدرك المتلقي أنها تورية، وتعامَل مع المعنى القريب على أنه المعنى المقصود.
ثمة أسلوب يستعمل فيه المتلقي حيلة شبيهة بالتورية، إذ يستبعد المتلقي المعنى القريب للكلمة الذي قصده المتكلم، ويفتش عن معنى بعيد بهدف تحقيق غرضه هو، أي المتلقي، ويطلق على هذا الأسلوب أسلوب الحكيم، ومن ذلك القصة المعروفة التي تروى عن الحجاج بن يوسف الثقفي (ت. 95هـ/ 714م)، حين قبض على القبعثري الخارجي وقال له: "لأحملنَّك على الأدهم". فقال القبعثري: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب. فقال الحجاج: ويلك، إنه لحديد. فردّ القبعثري: لأن يكون حديدًا خير من أن يكون بليدًا. فالحجاج استعمل لفظ الأدهم بمعنى القيد، بهدف تهديد القبعثري بأنه سيزج به في السجن، فأراد القبعثري النجاة من الأذى، فأوَّلَ كلمة الأدهم على أنها تعني الفرس الأسود، وردَّ يمدح الحجاج على كرمه لحمله على الفرس الأدهم، فأراد الحجاج تصحيح فهم القبعثري، مستعملًا تعبير "ويلك"، وهو للتهديد، ثم مستعملًا صفة مرتبطة بالقيد، وهي أنه قيد حديدي. فأعاد القبعثري استعمال التقنية نفسها، مستبعدًا المعنى القريب لكلمة حديد، ومنتقلًا إلى معنى بعيد يخدم مصلحته، فجعل كلمة حديد وصفًا للفرس، أي إنه قوي نشيط، وقال: لأن يكون حديدًا (أي الفرس) خير من أن يكون بليدًا، فقلب تهديد الحجّاج إلى وعد بالعطاء والتكريم[4].
يشترك أسلوبا الحكيم والتورية في الإفادة من وجود معنى أو أكثر للكلمة، لتحقيق أغراض تواصلية، ويستمد الأسلوبان مادتهما من المشترك اللفظي؛ أي الألفاظ التي تدل على أكثر من معنى. كذلك تشترك التورية مع الكناية في وجود معنى قريب غير مقصود وآخر بعيد مقصود، لكن الكناية تتكون من تعبيرات لها معانٍ حقيقية وأخرى مجازية، مرتبطة غالبًا بالبيئة والثقافة، والمقصود هو المعنى المجازي. على خلاف ذلك، تتكون التورية من لفظ واحد يحمل في ذاته معنيين، قد يكونا حقيقيين أو مجازيين، أو يكون أحدهما حقيقيًّا والآخر مجازيًّا.
أنواعها
ميَّز البلاغيون العرب بين أربعة أنواع من التورية؛ هي:
أولًا: المجرَّدة: وهي ما لم يُذكر فيها ما يُشير إلى المورَّى به أو المورَّى عنه، أو وَرَد فيها ما يشير إلى الاثنين معًا دون ترجيح، مثل قول أبي بكر الصديق (ت. 13هـ/ 634م) لسائل عن النبي في أثناء تخفيهما في رحلة الهجرة، هذا "هادٍ يهديني"، فالمعنى الظاهر القريب أن النبي مرشد أو دليل سفر، والمعنى البعيد المقصود أن النبي يُرشد أبا بكر في الإسلام، ولم يَرِد في القول ما يشير إلى المعنى الأول أو الثاني.
ثانيًا: المرشَّحة: وهي ما ورد فيها لفظ يشير إلى المورَّى به، سواء ورد ذكره قبل التورية أو بعدها، مثل قول الشاعر:
مُذْ هِمْتُ مِنْ وَجْدِيَ فِي خَالِها | وَلَمْ أَصِلْ مِنْهُ إِلَى اللَثْمِ |
قَالَتْ: قِفُوا وَاسْتَمِعُوا مَا جَرَى | خَالِيَ قَدْ هَامَ بِهِ عَمِّي[5] |
ففي البيت الثاني، يرد لفظ "خالي" الذي يحمل معنيين، هما الشامة في الجسم أو أخ الأم، والمعنى المورَّى عنه هو الأول. وفي نهاية البيت يورد الشاعر كلمة "عمِّي" أي أخ الأب، وهي كلمة تُشير إلى المعنى المورَّى به، فالعم والخال متصاحبان لفظيان يستدعي أحدهما الآخر.
ثالثًا: المبيَّنة: وهي ما ورد فيها ما يشير إلى المورَّى عنه، سواء ورد ذكره قبل التورية أو بعدها، مثل قول البحتري:
وَوَرَاءَ تَسْدِيَةِ الوِشَاحِ مَلِيَّةٌ
| بِالحُسْنِ تَمْلُحُ فِي القُلُوبِ وَتَعْذُبُ
|
فلكلمة تملح معنيان؛ الأول من ملوحة الملح وهو المعنى المورى به، والثاني من الملاحة؛ أي الحسن والجمال، وهو المعنى المورَّى عنه. وعبارة (مليَّة بالحسن) الواردة في البيت، تشير إلى المعنى المورَّى عنه.
رابعًا: المهيَّئة: وهي ما جرى التمهيد لها بذكر لفظ آخر غير لفظها، مثل قول الشاعر:
لَوْلَا التَّطَيُّرُ بِالخِلَافِ وَأَنَّهُمْ | قَالُوا مَرِيضٌ لَا يَعُودُ مَرِيضًا |
لَقَضَيْتُ نَحْبِي فِي جَنَابِكَ خِدْمَةً | لِأَكُونَ مَنْدُوبًا قَضَى مَفْرُوضَا[6]
|
فالتورية في كلمة "مندوب"، التي تحمل معنًى قريبًا هو المستحب شرعًا، ومعنى بعيدًا مقصودًا هو الميت المبكي عليه، وجرى التهيئة للتورية بعبارة (قضيتُ نحبي).
ترتبط أنواع التورية بوظائفها، فالتورية المرشَّحة أكثر فعالية في إنجاز التعمية، لأنها تجذب الانتباه إلى المورَّى به، فيخفى المورَّى عنه. وعلى العكس من ذلك، فإن التورية المبيَّنة تُحقق عادة وظائف أخرى غير التعمية، لأن المتكلم يمد القارئ بما يعينه على فهم المعنى المورَّى عنه.
المراجع
ابن منقذ، أسامة.
البديع في نقد الشعر. تحقيق أحمد بدوي وحامد عبد المجيد. القاهرة: الإدارة العامة للثقافة، 1960.
الثعالبي، أبو منصور.
رسائل الثعالبي. القسطنطينية: مطبعة الجوائب، 1884.
عبد الغني، أيمن أمين.
الكافي في البلاغة: البيان والبديع والمعاني. القاهرة: دار التوفيقية للتراث، 2011.
عتيق، عبد العزيز.
علم البديع. بيروت: دار النهضة العربية، [د. ت.].
[1] أسامة بن منقذ،
البديع في نقد الشعر، تحقيق أحمد بدوي وحامد عبد المجيد (القاهرة: الإدارة العامة للثقافة، 1960)، ص 60.
[2] عبد العزيز عتيق،
علم البديع (بيروت: دار النهضة العربية، [د. ت.])، ص 133-134.
[3] أيمن أمين عبد الغني،
الكافي في البلاغة: البيان والبديع والمعاني (القاهرة: دار التوفيقية للتراث، 2011)، ص 281.
[4] أورد القصة أبو منصور الثعالبي (ت. 429هـ)، وجعلها ضمن أبواب الكناية والتعريض. يُنظر: أبو منصور الثعالبي،
رسائل الثعالبي (القسطنطينية: مطبعة الجوائب، 1884)، ص 80.
[5] عتيق، ص 218.
[6] عتيق، ص 130.