الموجز
جلسات "التَفْرِطة" هي جلسات اجتماعية للنساء في المدن اليمنية، وخاصة في العاصمة صنعاء، إذ تجتمع النساء اللائي تربطهن علاقة صداقة أو جوار في منزل إحداهن، في فترة ما بعد الظهر، لأداء واجب اجتماعي أو تلبية لدعوة في المناسبات الاجتماعية المختلفة مثل الولادة، والزواج، والوفاة، والأعياد، أو للالتقاء بصديقة أو جارة عائدة من سفر بعيد، وغيرها من المناسبات.
كانت جلسات التفرطة في المجتمع الصنعاني التقليدي هي الوسيلة الوحيدة لقضاء المرأة وقتًا للراحة مع جاراتها وصديقاتها، وعندما انتشرت ظاهرة تعاطي القات في المجتمع اليمني، باتت جلسات التفرطة جلسات نسائية لتعاطي القات، مقابلة لجلسات تعاطي القات الرجالية، التي يطلق عليها اسم "جلسات المقيل".
التسمية
تختلف تسمية الجلسات النسائية الخاصة باختلاف المدن والمحافظات اليمنية، إلا أن تسمية جلسات "التفرطة" هي الأكثر انتشارًا. يرجع ذلك إلى أنها التسمية المستخدمة في العاصمة صنعاء، أكبر المدن اليمنية، فضلًا عن استخدامها لدى كثير من الباحثين والكتاب الأجانب، أما في مدينتي تعز وعدن، فيطلق على الجلسات النسائية تسمية "القيلة" أو "الشوهة"، وفي مدينة الحديدة تطلق على الجلسات النسائية الخاصة تسمية "النشرة"[1].
التاريخ
يربط البعض بين جلسات التفرطة وانتشار ظاهرة تعاطي القات[2] في المجتمع اليمني، والحقيقة أن جلسات التفرطة انتشرت في مدينة صنعاء قبل انتشار ظاهرة مضغ القات، وذلك رغم أن جلسات التفرطة باتت خلال العقود الأخيرة جلسات نسائية لمضغ القات.
أنواع المجالس النسائية
يمكن تمييز نوعين من المجالس الخاصة بالنساء في اليمن، يمكن تسميتها مجازًا بالمجالس العامة، والمجالس الخاصة[3]:
المجالس العامة
المجالس العامة هي مجالس تقام في مناسبات اجتماعية مثل الأعياد، أو يومية لمجرد الاجتماع مع الأخريات، وتناول القات، وتكون مفتوحة تحضرها النساء من دون دعوات شخصية، ويمكن تسميتها مجازًا بالمجالس العامة، لأنها أقرب إلى لقاءات المجال العام، وقد تتناول القات بعضُ المشاركات في هذه المجالس.
هذا النوع من المجالس هو أقدم ما ذكر في المصادر التاريخية من جلسات التفرطة، وهي غالبًا تحدث خلال مناسبات اجتماعية مثل الأعياد، والأعراس، والولادات، وحالات العزاء، ولأنها جلسات مفتوحة، قد يصل عدد الحاضرات أحيانًا إلى مئتي امرأة، ولا ترتبط المشاركات في هذه الجلسات بعلاقات شخصية، وتحضر النساء هذه الجلسات بعد صلاة العصر مباشرة، وينصرفن قبيل أذان المغرب أو بعده بقليل[4]، وتشارك في مثل هذه الجلسات نساء ينتمين إلى مستويات طبقية وفئات وشرائح اجتماعية مختلفة، وأعمار متفاوتة.
يشير البعض إلى أن هذا النوع من المجالس جاء للتكيف مع حرمان المرأة اليمنية تقليديًا من المشاركة في أنشطة المجال العام المشتركة، وحصر حق المشاركة في أنشطة المجال العام على الرجال، الأمر الذي دفع النساء إلى تشكيل مجال عام خاص بهن، يتفاعلن من خلاله مع قضايا المجتمع، والملاحظ أن الكثير من العادات والتقاليد المرتبطة بتلك المناسبات ما تزال تُمارس كما كانت تُمارس في القرون الماضية، وإن أُدخلت عليها بعض التعديلات أو التغييرات التي تعكس ما يشهده المجتمع اليمني من تغيرات اجتماعية اقتصادية[5].
إذا كانت جلسة التفرطة العامة جلسة عزاء، يستأجر أهل الميت مُنشدة أو قارئة قرآن، وإذا كانت جلسة عرس أو جلسة "ذبال" أو "حمام" أو جلسة "وفاء"[6]، يستأجر أهل العرس مغنية، وتشارك الحاضرات بالرقص[7].
المجالس الخاصة
يمكن تصنيف مجالس التفرطة الخاصة ضمن مجالس المجال الخاص، إذ تجتمع فيها مجموعة من النساء اللائي يرتبطن بعلاقة صداقة أو علاقة قرابة أو نسب، وتقام دون أية مناسبة وبصورة شبه دائمة، وتتناول القات فيها معظم المشاركات، وتكون مقتصرة على مجموعة معينة من النساء. ويمكن تسميتها مجازًا بمجالس القات الخاصة، وتطلق عليها النساء (جلسة قات)، وهذا النوع من المجالس يشكل ظاهرة جديدة في المجتمع اليمني، تعود إلى سبعينيات القرن العشرين، ارتبطت بانتشار ظاهرة مضغ القات لدى النساء، بعد أن كانت هذه الظاهرة مقتصرة على الرجال.
كان هذا النوع من المجالس يقام على استحياء باعتبار أن تناول المرأة للقات –وخاصة غير المتزوجة– وبشكل علني من الأمور غير المقبولة اجتماعيًا، غير أن الأمر ما لبث أن تطور، فأصبح الآن من المألوف أن تقيم النساء هذه المجالس وبصورة عادية[8].
جلسات التفرطة الخاصة تجتمع فيها مجموعة محددة من النساء بشكل دوري يوميًا أو أسبوعيًا، يرتبطن بعلاقة صداقة شخصية أو قرابة قوية، وينتمين إلى مستويات اجتماعية اقتصادية متساوية أو متقاربة جدًا، ومجموعات عمرية متقاربة، عشرينات أو ثلاثينات أو أربعينات أو خمسينات مثلًا، ومن النادر أن تنضم إلى المجموعة امرأة ليست من المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو التعليمي نفسه، ويتراوح عدد النساء في كل مجموعة تفرطة في الغالب ما بين خمس إلى عشر نساء، جميعهن يمضغن القات، وبعضهن يدخن "المداعة" أو السجائر. هذه المجالس مغلقة، فلا يسمح بدخول أية امرأة لا تعرفها المشاركات بصورة شخصية، وغالبًا ما تبدأ هذه المجالس في وقت متأخر من النهار، وتمتد حتى الساعة الثامنة مساءً.
المراجع
الأكوع، محمد علي. صفحة من تاريخ اليمن الاجتماعي وقصة حياتي. صنعاء: مطابع 14 أكتوبر للصحافة والطباعة والنشر، 1991.
خليل، نجاة محمد صائم. المرأة اليمنية ومجالس القات (التفرطة). صنعاء: دار المجد للطباعة والنشر، 1998.
القاسمي، سامية. "التفرطة، عادات نسوية في صنعاء". 26 سبتمبر. 2/11/2022. في: https://acr.ps/hBy2sBy
اليماني، عبد الواسع بن يحيى الواسعي. تاريخ اليمن، المسمى فرجة الهموم والحزن في حوادث وتاريخ اليمن. صنعاء: الدار اليمنية للنشر والتوزيع، 1982.
[1] نجاة محمد صائم خليل، المرأة اليمنية ومجالس القات (التفرطة) (صنعاء: دار المجد للطباعة والنشر، 1998)، ص 59.
[2] نبات القات، واسمه العلمي Catha Edulis، عبارة عن شجرة غير مثمرة، دائمة الخضرة، وتقطف الأغصان صباحًًا لتُتناول طرية، في فترة ما بعد الظهر في مجالس خاصة لذلك. وفي الغالب يفضل المستهلكون القات ذا الأغصان الغضة والأوراق الصغيرة. ويطلق على تناول القات في اليمن كلمة (تخزين)، إذ يُحتفظ بتلك الأوراق في جانب من الفم، على شكل كرة صغيرة.
[3] خليل، ص 59.
[4] عبد الواسع بن يحيى الواسعي اليماني، تاريخ اليمن، المسمى فرجة الهموم والحزن في حوادث وتاريخ اليمن (صنعاء: الدار اليمنية للنشر والتوزيع، 1982)، ص 136.
[5] محمد علي الأكوع، صفحة من تاريخ اليمن الاجتماعي وقصة حياتي، ج 2 (صنعاء: مطابع 14 أكتوبر للصحافة والطباعة والنشر،1991)، ص 144.
[6] جلسات الذبال والحمام هي جلسات تقام للعروس قبل عرسها، أما جلسة الوفاء فهي جلسة تقام للمرأة في اليوم الأربعين على ولادتها.
[7] سامية القاسمي، "التفرطة، عادات نسوية في صنعاء"، 26 سبتمبر، 2/11/2022، شوهد في 11/6/2025، في: https://acr.ps/hBy2sBy
[8] خليل، ص68