الموجز
كتاب الساق على الساق في ما هو الفارياق من أبرز النصوص النثرية في أدب النهضة العربية، وهو من تأليف الأديب والمفكر النهضوي العربي أحمد فارس الشدياق (1804–1887).
صدر الكتاب لأول مرة في باريس سنة 1855، في سياق تاريخي وثقافي اتّسم بتحولات فكرية واجتماعية عميقة شهدها المشرق العربي مع بدايات عصر النهضة. وينظر إليه في الدراسات الأدبية الحديثة بوصفه أحد النصوص المبكرة التي أسهمت في تمهيد الطريق لظهور السرد العربي الحديث.
يتميّز هذا العمل بطابعه المركّب، إذ يجمع بين عناصر السيرة الذاتية وأدب الرحلة والنقد الاجتماعي والتجريب اللغوي، ما جعله عملًا فريدًا في سياق تطور النثر العربي في القرن التاسع عشر. ويعكس الكتاب تحولًا ملحوظًا في طبيعة الكتابة النثرية العربية، إذ ينتقل الشدياق من الأساليب التقليدية للنثر الكلاسيكي إلى أسلوب أكثر تحررًا يعبّر عن التجربة الفردية والتأمل في قضايا المجتمع والثقافة.
وقد حظي هذا العمل باهتمام واسع في الدراسات الأدبية المعاصرة، إذ يُنظر إليه بوصفه نصًّا انتقاليًّا بين التراث الأدبي القديم وبدايات الأدب العربي الحديث، كما يعكس جانبًا من التحولات الفكرية التي شهدها القرن التاسع عشر، حيث بدأت النخب المثقفة بإعادة النظر في علاقتها بالتراث وبالعالم الخارجي في ظل تزايد الاحتكاك بأوروبا. ومن هذا المنظور يمكن قراءة الساق على الساق بوصفه نصًا يعبر عن وعي نقدي متنامٍ لدى المثقف العربي في عصر النهضة، يجمع بين التجربة الذاتية والتأمل الفكري في قضايا المجتمع والثقافة.
كذلك أسهمت الترجمة الإنكليزية الكاملة للكتاب في توسيع دائرة تلقيه. فقد أنجز المترجم البريطاني همفري ديفيز (Humphrey Davies) أول ترجمة إنكليزية كاملة للعمل، وصدرت في أربعة مجلدات ثنائية اللغة ضمن سلسلة مكتبة الأدب العربي عن مطبعة جامعة نيويورك بين عامي 2013 و2014، ثم صدرت في طبعة مجمعة سنة 2015. وقد لقيت الترجمة اهتمامًا نقديًا واسعًا، وأسهمت في إعادة تقديم الشدياق بوصفه أحد الوجوه المؤسسة للأدب العربي الحديث أمام جمهور أوسع من القراء والباحثين عالميًا.
السياق التاريخي والثقافي
أُلّف كتاب الساق على الساق في ما هو الفارياق في مرحلة تاريخية شهدت تحولات عميقة في العالم العربي، فقد تميز القرن التاسع عشر بتزايد الاتصال بين المشرق العربي وأوروبا، سواء من خلال البعثات التعليمية أو النشاطات التبشيرية أو حركة الطباعة والترجمة. وأسهمت هذه التفاعلات في ظهور حركة فكرية وثقافية عُرفت باسم النهضة العربية[1].
وقد ارتبطت هذه النهضة بمحاولات إصلاحية هدفت إلى تطوير التعليم، وإحياء اللغة العربية، وإعادة النظر في عدد من القضايا الاجتماعية والثقافية. وبرز في هذه المرحلة عدد من المفكرين والأدباء الذين سعوا إلى التوفيق بين التراث العربي الإسلامي ومتطلبات العصر الحديث. ومن بين هؤلاء المفكرين فارس الشدياق الذي كان له دور مهم في تطوير النثر العربي وفي الدفاع عن اللغة العربية.
تتميز سيرة الشدياق الشخصية بأنها تعكس إلى حد كبير طبيعة المرحلة التي عاش فيها، فقد وُلد في جبل لبنان، ونشأ في بيئة دينية مسيحية مارونية، لكنه عاش لاحقًا حياة مليئة بالتنقل بين عدد من البلدان، مثل مصر ومالطا وإنكلترا وفرنسا وتونس وإسطنبول، وقد أتاحت له هذه الرحلات الاحتكاك بثقافات مختلفة، الأمر الذي كان له أثر كبير في تشكيل رؤيته الفكرية والأدبية.
ويرى الباحثون أن تجربة الشدياق تمثل نموذجًا للمثقف العربي في عصر النهضة، إذ جمع بين التكوين اللغوي التقليدي والانفتاح على الثقافة الأوروبية الحديثة، وقد انعكس هذا التفاعل الثقافي في كتاباته التي تجمع بين عناصر التراث العربي الكلاسيكي وأفكار حديثة تتعلق بالإصلاح الاجتماعي والثقافي[2].
حياة فارس الشدياق وأثرها في الكتاب
ارتبط كتاب الساق على الساق في ما هو الفارياق ارتباطًا وثيقًا بالسيرة الشخصية لمؤلفه أحمد فارس الشدياق، إذ يعكس النص في كثير من جوانبه تجربة الكاتب الحياتية وتحولاته الفكرية والثقافية، فقد عاش الشدياق حياة اتسمت بالتنقل بين بيئات دينية وثقافية متعددة، وكان لهذه التجربة أثر واضح في تشكيل رؤيته الفكرية والأدبية التي ظهرت في كتاباته، ولا سيما في هذا العمل الذي يعد من أبرز مؤلفاته[3].
وُلد أحمد فارس الشدياق في جبل لبنان في أسرة مارونية معروفة، وكان محيطه الاجتماعي والثقافي الأول قائمًا على التقاليد الدينية والتعليم اللغوي الكلاسيكي، فقد تلقى في شبابه تعليمًا تقليديًّا ركّز على علوم اللغة العربية والآداب والعلوم الدينية، وقد أتاح له انخراط أسرته في الحياة الثقافية المحلية فرصة الاطلاع المبكر على التراث العربي المكتوب، فأسهمت هذه البيئة في تكوين اهتمامه العميق باللغة العربية وآدابها، وهو اهتمام سيظهر لاحقًا بوضوح في مؤلفاته اللغوية والأدبية[4].
غير أن حياة الشدياق شهدت تحولات حاسمة كان لها أثر كبير في تشكيل وعيه الفكري، فقد تعرّض أخوه أسعد الشدياق (1798-1830) للاضطهاد بسبب تحوله إلى المذهب البروتستانتي، وانتهى الأمر بسجنه ووفاته في ظروف قاسية، وقد ترك هذا الحدث أثرًا عميقًا في نفس الشدياق، إذ دفعه إلى إعادة النظر في عدد من القضايا الدينية والاجتماعية التي كانت سائدة في بيئته، وولّد لديه نزعة نقدية تجاه التعصب الديني والقيود الفكرية[5].
أثرت هذه التجربة في كتاباته اللاحقة، إذ ظهرت في بعض مؤلفاته مواقف نقدية تجاه بعض الممارسات الاجتماعية والدينية، كما برزت فيها دعوة واضحة إلى الانفتاح الفكري وإلى الدفاع عن حرية الاعتقاد، وقد انعكس هذا التوجه أيضًا في كتاب الساق على الساق، إذ يستخدم الشدياق السرد الأدبي للتعبير عن تجربته الشخصية ولمناقشة عدد من القضايا الاجتماعية والثقافية[6].
وقد أدت الرحلات الكثيرة التي قام بها الشدياق دورًا مهمًّا في تشكيل رؤيته الفكرية وتوسيع آفاقه الثقافية، فقد تنقّل بين عدد من البلدان مثل مصر ومالطا وإنكلترا وفرنسا وتونس وإسطنبول، ومن خلال احتكاكه بالمجتمعات الأوروبية، اطّلع على أنماط جديدة من التفكير والتنظيم الاجتماعي، الأمر الذي دفعه إلى عقد مقارنات بين المجتمعات الأوروبية والمجتمعات العربية[7].
وقد انعكست هذه التجربة في كتاب الساق على الساق الذي يتضمن وصفًا لعدد من المدن والمجتمعات التي زارها المؤلف، وملاحظات نقدية حول العادات الاجتماعية وأنماط الحياة في الشرق والغرب، ومن خلال هذه المقارنات حاول الشدياق أن يطرح أسئلة تتعلق بأسباب التقدم والتأخر في المجتمعات المختلفة، وهي أسئلة كانت تشغل عددًا من مفكري النهضة العربية في القرن التاسع عشر.
ومن ناحية أخرى، أسهمت تجربة الشدياق في مجال الصحافة والترجمة في تشكيل أسلوبه الأدبي، فقد عمل في الصحافة العربية وشارك في مشاريع ترجمة مختلفة، وهو ما جعله أكثر اطلاعًا على أساليب الكتابة الحديثة، وقد انعكس ذلك في كتاباته التي اتسمت بأسلوب يجمع بين البلاغة الكلاسيكية والنبرة النقدية الحديثة، وهو ما يظهر بوضوح في كتاب الساق على الساق.
بنية العمل
لا يلتزم الشدياق في كتابه الساق على الساق ببنية خطية واحدة، بل يتخلل العمل عدد كبير من الاستطرادات الفكرية واللغوية، إضافة إلى توظيف أجناس أدبية متعددة يطوعها لخدمة الفكرة أو القضية التي يريد إيصالها.
السيرة الذاتية
يتخذ الكتاب شكل سرد طويل يتناول فيه المؤلف مراحل مختلفة من حياته وتجربته الفكرية، وقد اشتق الشدياق اسم بطل العمل الفارياق من تركيب اسمه ولقبه؛ إذ جمعت "فار" من فارس و"ياق" من الشدياق، في إشارة واضحة إلى أن الشخصية الرئيسة في الكتاب تمثل المؤلف نفسه، فيبدأ بسرد نشأته في قرية عشقوت في جبل لبنان، إذ يصف طفولته وتعليمه المبكر والبيئة الاجتماعية التي نشأ فيها، ويحتوي كتاب الساق على الساق على تقليد أدبي يمكن ربطه بجنس السيرة الذاتية، وهو نوع من الكتابة يسرد فيه المؤلف قصة حياته من منظوره الشخصي، غير أن السيرة الذاتية لا تقتصر على تسجيل الأحداث الماضية، بل تمثل عملية سردية معقدة تتضمن إعادة بناء الذاكرة، وإعادة تأويل التجربة الشخصية في ضوء وعي لاحق، فالكاتب يستعيد أحداث حياته ويعيد تنظيمها وفق رؤية معينة تهدف إلى تقديم صورة متماسكة عن الذات وعن علاقتها بالعالم[8].
ويرى عدد من الباحثين أن السيرة الذاتية تمثل خطابًا يقع بين الأدب والتاريخ؛ فهي من جهة تعتمد على وقائع حقيقية عاشها الكاتب، ومن جهة أخرى تستخدم أدوات السرد الأدبي مثل الانتقاء والتخييل وإعادة البناء الزمني. ولذلك، فإن السيرة الذاتية ليست مجرد وثيقة تاريخية، بل هي أيضًا عمل أدبي يعكس رؤية الكاتب لذاته ولمجتمعه[9].
وفي الأدب العربي الكلاسيكي، ظهرت أشكال متعددة من الكتابة التي يمكن اعتبارها قريبة من السيرة الذاتية، مثل كتب التراجم والطبقات والسير الشخصية وكتب الرحلات. غير أن هذه النصوص لم تكن دائمًا تعبيرًا صريحًا عن التجربة الذاتية كما هو الحال في السيرة الذاتية الحديثة، إذ كانت تركز غالبًا على الجوانب العلمية أو الاجتماعية للشخصية أو على إنجازاتها في مجال معين، دون أن تعطي مساحة واسعة للتأمل الذاتي أو لتحليل التجربة الشخصية[10].
وظّف الشدياق السيرة الغيرية أيضًا، بما في ذلك سيرة زوجته وعدد من الشخصيات الأخرى، من أجل إبراز شخصيته وسيرته. ويشكل الصراع ونجوى الذات في السيرة الذاتية أهم مظاهر الحياة الشخصية لكاتبها، إذ إن القيمة الحقيقية في السيرة تكمن في الصراع، وفي مقدار القوة التي تمنحها للقارئ، لأنها تقدم له مثالًا حيًّا من تجارب الحياة.
وقد استخدم كذلك ضمير الغائب في سرده للتعبير بوعي عن مجريات حياته؛ لذلك، جاء كلامه بصيغة الغائب، فكان يقول: "كان الفارياق"، ولا يقول: "كنت"[11]. وقد اتصف الشدياق بالموضوعية في أكثر من موضع في سيرته، إذ تحدث عن نفسه بقدر من الصراحة، فذكر ما له وما عليه، معترفًا ببعض أخطائه ومبينًا جوانب الضعف في سلوكه[12].
الشعر
من خلال الساق على الساق حاول الشدياق إظهار موهبته الشعرية التي اكتسبها منذ الصغر، إذ استخدم الشعر في كتابه لعدة أغراض، وهي: المديح، والهجاء، والرّثاء، والوصف، والهزل، والمجون[13].
الخطابة
توافرت في أحمد فارس الشدياق مجموعةٌ من الصفات التي أهّلته لأن يكون خطيبًا ناجحًا ومؤثرًا، وقد ظهرت هذه الصفات بوضوح في كتابه، ويمكن القول: إن هذه الصفات منها ما هو فطري، ومنها ما هو مكتسب، غير أن أهمها تمثّل في الموهبة الخطابية وفصاحة اللسان والقدرة على التأثير في المتلقي، وقد استثمر الشدياق هذه الموهبة في صياغة خطبه ونصوصه بأسلوب يجمع بين قوة الحجة وجمال العبارة، ومن الأمثلة التي توضّح نظرته إلى فن الخطابة قوله[14]: "قلت: بودي لو كانت النساء يخطبن على المنابر كالرجال. قالت: لأبكينهم دمًا، ولكن هيهات؛ فإن الرجال من أثرتهم استبدوا بجميع الأمور المعاشية والمعادية وبمراتب العز والجاه، وحرموا النساء من أن يشاركنهم فيها، فما كان أبهج الكون وأعمره لو كانت النساء تتولى هذه الرتب، وكما أن الدنيا مؤنثة، وكذا السماء والأرض والجنة والحياة والروح والنفس والنبوة والرسالة والسعادة والحظوة والغبطة والعزة والنعمة والرفاهية والأبَّهة والعظمة والخطابة والفصاحة والبلاغة ]...[".
ولا يقتصر حضور الخطابة في كتابات الشدياق على انتقاء الألفاظ الرصينة فحسب، بل يتجلّى أيضًا في التزامه بالبنية التقليدية للخطبة، التي تقوم على المقدمة والعرض والخاتمة، وهو ما يضمن للنص نوعًا من الوحدة العضوية والترابط الفكري. وقد اتسمت خطبه كذلك بالنزعة التحليلية، إذ اعتمد على عرض الأفكار ومناقشتها بطريقة أقرب إلى الدراسة والتأمل الفكري.
كما تميّز أسلوبه بوضوح المعنى وسهولة العبارة، مع اهتمامٍ ملحوظٍ بالشكل الأدبي وجمال الصياغة، وتراوح أسلوبه بين الإيجاز والإطناب تبعًا لمقتضيات المقام وطبيعة الموضوع، وهو ما يعكس تمكّنه من أدوات البلاغة العربية.
ومن الخصائص البارزة في خطبه أيضًا، اعتماده الأسلوب التصويري في عرض أفكاره، إذ لجأ إلى وسائل الإثارة والتشويق والإقناع بهدف التأثير في السامعين وحملهم على تبنّي موقف معيّن[15].
استخدم الشدياق في خطبه التناص الديني، ولا سيما الاقتباس من الآيات القرآنية، وهو أسلوب شائع في الخطابة العربية لما يحمله من قوةٍ إقناعية وتأثير روحي في المتلقي[16]، وقد أسهم هذا التوظيف للنصوص الدينية في تعزيز البعد البلاغي والأخلاقي في خطابه، وفي إضفاء طابع حجاجي على مواقفه الفكرية والاجتماعية.
الرسائل
استخدم الشدياق في كتابه أسلوب الرسائل، وهو أسلوبٌ معروف في التراث الأدبي العربي، إذ ظهرت في الأدب العربي أنواع مختلفة من الرسائل الإخوانية والعلمية والأدبية التي شكّلت جزءًا مهمًّا من تقاليد النثر العربي، مثل: رسائل الجاحظ، ورسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، ورسائل بديع الزمان الهمذاني. وقد استفاد الشدياق من هذا التقليد، فضمّن كتابه عددًا من الرسائل التي تعكس أسلوبه البلاغي وقدرته على توظيف الخطاب الأدبي في التعبير عن آرائه ومواقفه، على سبيل المثال تضمّن الكتاب رسالة بعث بها الشدياق إلى أخيه طنوس (1794-1861) من مدينة لندن، وقد تضمّنت نقدًا للجزء الأول من كتابه أخبار الأعيان في جبل لبنان[17].
المقامة
ويستفيد الشدياق في كتابته من تقاليد النثر العربي الكلاسيكي، ولا سيما أسلوب المقامة الذي يمزج بين السجع والبلاغة والروح الساخرة، غير أنه يطوّر هذا الأسلوب ويستخدمه بطريقة أكثر تحررًا، ما يمنح النص طابعًا تجريبيًّا يختلف عن كثير من النصوص النثرية التقليدية[18].
أدب الرحلة
استخدم الشدياق في كتابه الساق على الساق عناصر من أدب الرحلة، وهو جنسٌ أدبي ازدهر في القرن التاسع عشر مع ازدياد الاتصال بين العالم العربي وأوروبا في عصر النهضة، وقد انعكست في الكتاب تجاربه في السفر والتنقّل بين عدد من البلدان الأوروبية، إذ قدّم ملاحظاته حول المجتمعات التي زارها وعاداتها وأنماط حياتها، وأسهم توظيف أدب الرحلة في توسيع أفق النص السردي، إذ مكّن المؤلف من عرض مشاهداته الشخصية وعقد مقارنات بين الشرق والغرب، كما عكس تحوّل هذا الفن في تلك المرحلة من مجرد وصف للأماكن إلى وسيلة للتأمل الثقافي والاجتماعي[19]، ويبدو أن الشدياق تأثّر في هذا المجال بأسلوب رفاعة الطهطاوي (1801-1873)، الذي قدّم نموذجًا بارزًا في أدب الرحلة في كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريز.
الجنس القصصي
جمع الشدياق في كتابه عددًا من عناصر الأجناس السردية المختلفة، إذ لم يقتصر على شكل قصصي واحد، بل مزج بين الحكاية والقصة والأقصوصة وبعض ملامح الرواية. وقد أسهم هذا التنوع في إثراء البناء السردي للعمل، إذ استخدم الأشكال الحكائية لعرض أفكاره وتجربته الشخصية بأسلوب يجمع بين السرد والتأمل والنقد الاجتماعي، ويعكس هذا المزج بين الأجناس الأدبية طابع النص المركب وطبيعته التجريبية في سياق تطور السرد العربي الحديث[20].
الجنس المسرحي
أفرد فارس الشدياق في كتابه عددًا من المقاطع القصصية التي تحمل ملامح العمل المسرحي من حيث تعدد الشخصيات ووجود الصراع النفسي وبناء المشاهد، ما يجعلها قريبة من شكل المسرحية المكتملة الأركان. ومع ذلك، لم يكن هدف الشدياق تأليف نصوص مسرحية لتمثيلها على خشبة المسرح، بل جاءت هذه المقاطع في إطار السرد الأدبي، وقد منح استخدام الحوار وتبادل الأدوار بين الشخصيات هذه النصوص طابعًا دراميًّا واضحًا، بحيث يمكن النظر إليها بوصفها نصوصًا قصصية ذات أسلوب حواري قريب من الأسلوب المسرحي، حتى وإن لم تُكتب أساسًا لغرض التمثيل[21].
المقالة
وظّف الشدياق في كتابه أسلوب المقالة ضمن بنية العمل السردية، إذ جاءت بعض مقاطعه قريبة في طبيعتها من المقالة القصصية، عرض فيها قضايا فكرية واجتماعية، وناقشها بأسلوب منطقي يستند إلى عرض المقدمات والاستدلال بها للوصول إلى نتائج معينة، ويظهر هذا الأسلوب بوضوح في بعض مقالاته التي تجمع بين السرد والتحليل، مثل مقالته المعروفة "في خان وإخوان وخوان"، إذ يتداخل الطابع القصصي مع الطرح الفكري والنقدي[22].
الترجمة
ضمّن فارس الشدياق في كتابه بعض الترجمات لنصوص أجنبية، في إطار رغبته في تعريف القارئ العربي بنماذج من الأدب والثقافة الأوروبية، فقد ترجم أولًا مقطعًا من مقدمة ديوان الشاعر الفرنسي ألفونس دو لامارتين (Alphonse de Lamartine، 1790-1869)، الذي يُعد من أبرز شعراء الرومانسية في الأدب الفرنسي، ولا سيما من ديوانه المعروف التأملات الشعرية، وأورد أيضًا ترجمة لمقطع من رحلة الكاتب الفرنسي فرانسوا رينيه دي شاتوبريان ( François-René de Chateaubriand، 1768-1848)، أحد أعلام الأدب الرومانسي في فرنسا، إذ وصف فيه منزل رئيس الولايات المتحدة بأسلوب يجمع بين الوصف والتأمل[23].
ويبدو أن مقصد الشدياق من إدراج هاتين الترجمتين في كتابه لم يكن مجرد نقل نصوص أجنبية، بل الإشارة إلى اهتمام الأوروبيين بتدوين مشاهداتهم وتوثيق ما يقع في مجتمعاتهم من أحداث وتجارب، ومن خلال ذلك أراد إبراز حرصهم على تسجيل الوقائع والاهتمام بالكتابة والتوثيق، والتنبيه إلى أهمية هذا النهج في الحياة الثقافية والفكرية.
الأسلوب الأدبي واللغة
تميّز كتابه بأسلوب أدبي خاص يجمع بين السخرية واللعب اللغوي والنقد الاجتماعي؛ فالشدياق لا يكتفي بسرد أحداث حياته، بل يجعل من النص وسيلة للتعليق على عدد من الظواهر الاجتماعية والثقافية التي يلاحظها في المجتمعات المختلفة، مستفيدًا من السرد في طرح آرائه ومواقفه تجاه تلك القضايا[24].
ويظهر في الكتاب اهتمام واضح باللغة العربية نفسها؛ فقد عُرف الشدياق بشغفه بالدراسات اللغوية والمعجمية، ويتجلى ذلك في كثرة الاستطرادات التي تتناول المفردات العربية وأصولها واستعمالاتها، وقد ألّف لاحقًا معجمه المعروف سر الليال في القلب والإبدال، وهو ما يدل على اهتمامه العميق بقضايا اللغة ومحاولته إبراز ثرائها ومرونتها.
ومع ذلك، لم يتردد الشدياق في استخدام بعض الألفاظ الخارجة عن المألوف في الذوق الأدبي السائد في عصره، ومنها ألفاظ تميل إلى المجون أو الجرأة في التعبير، ويبدو أن هذا التوظيف لم يكن اعتباطيًا، بل جاء في سياق رغبته في إظهار قدرته على توظيف اللغة العربية وتطويعها للتعبير عن مختلف المعاني والأساليب[25].
النقد الاجتماعي وقضية المرأة
إلى جانب طابعه الأدبي، يتضمن الكتاب نقدًا اجتماعيًّا واضحًا لعدد من القضايا الاجتماعية التي كانت مثار جدل في عصره، مثل التعليم والعلاقات الاجتماعية ومكانة المرأة في المجتمع.
ومن أبرز الجوانب الفكرية في الكتاب، دفاعه عن تعليم المرأة ودعوته إلى توسيع دورها في الحياة الاجتماعية، فقد رأى أن المجتمع الذي يحرم النساء من التعليم والمعرفة لا يمكن أن يحقق تقدمًا حقيقيًّا. ويُعد هذا الموقف جزءًا من التيار الإصلاحي الذي بدأ يظهر في الفكر العربي خلال القرن التاسع عشر، وأبرز مثال على ذلك ما قدمه الطهطاوي في تخليص الإبريز[26].
وقد عبّر الشدياق عن هذه الأفكار بأسلوب يجمع بين الحجة العقلية والسخرية الأدبية، منتقدًا بعض الأعراف الاجتماعية التي كانت تحدّ من مشاركة المرأة في الحياة العامة، ويرى بعض الباحثين أن هذه المواقف تعكس تأثر الشدياق بالأفكار الإصلاحية التي انتشرت في أوروبا في تلك الفترة، وتعكس في الوقت نفسه محاولة لإعادة قراءة الواقع الاجتماعي في المجتمعات العربية[27].
مكانة الكتاب في الأدب العربي الحديث
يُنظر إلى الساق على الساق بوصفه نصًّا مهمًّا في تاريخ الأدب العربي الحديث، لأنه يجمع بين السرد الذاتي والتأمل الفكري والنقد الاجتماعي في إطار لغوي مبتكر، ويعكس التحولات الثقافية والفكرية التي شهدها العالم العربي في القرن التاسع عشر.
وقد فتح هذا العمل المجال أمام أشكال جديدة من الكتابة التي تجمع بين التعبير عن الذات ومناقشة قضايا المجتمع والثقافة، ولذلك يرى بعض الباحثين أن الشدياق قدّم نموذجًا مبكرًا للكتابة الحديثة التي تتجاوز الحدود التقليدية بين الأجناس الأدبية[28].
امتد تأثير هذا العمل إلى تطور تقليد السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث، إذ ظهرت لاحقًا أعمال مهمة في هذا المجال لدى عدد من الكتاب العرب في القرن العشرين، مثل طه حسين (1889-1973) في كتابه الأيام وأحمد أمين (1886-1954) في حياتي. وبذلك يمكن القول إن الساق على الساق يمثل محطة مهمة في مسار تطور الكتابة السردية العربية الحديثة[29].
يُعدّ كتاب الساق على الساق في ما هو الفارياق لأحمد فارس الشدياق واحدًا من النصوص المفصلية في تاريخ الأدب العربي الحديث، إذ يجسّد مرحلة انتقالية بين تقاليد النثر العربي الكلاسيكي وبدايات الكتابة السردية الحديثة في القرن التاسع عشر، وقد تميّز هذا العمل بطبيعته المركّبة التي تجمع بين السيرة الذاتية وأدب الرحلة والنقد الاجتماعي والتجريب اللغوي، ما يعكس تحوّلًا واضحًا في طبيعة التعبير الأدبي وازدياد حضور التجربة الفردية في الكتابة العربية.
يعبّر الكتاب أيضًا عن وعي نقدي متنامٍ لدى المثقف العربي في عصر النهضة، إذ سعى الشدياق إلى إعادة النظر في عدد من القضايا الاجتماعية والثقافية، معبّرًا عن رؤيته للإصلاح والتجديد في ضوء التفاعل مع الثقافات الأوروبية. ومن خلال هذا العمل أسهم الشدياق في توسيع آفاق النثر العربي وتطوير إمكاناته التعبيرية، فاتحًا المجال أمام أشكال جديدة من الكتابة السردية التي ستتبلور لاحقًا في الأدب العربي الحديث.
ترجمته إلى الإنكليزية
صدرت أول ترجمة إنكليزية كاملة للكتاب بعنوان Leg over Leg، والتي أنجزها المترجم البريطاني همفري ديفيز (Humphrey Davies)، ونشرها مشروع مكتبة الأدب العربي (Library of Arabic Literature) التابع لمطبعة جامعة نيويورك في أربعة مجلدات بين عامَي 2013 و2014، في طبعةٍ ثنائية اللغة يقابل فيها النصُّ العربيّ ترجمتَه. اعتمد ديفيز نصّ طبعة باريس الأولى الصادرة سنة 1855 تحت إشراف الشدياق نفسه، متجاوزًا التدخّلات التحريرية التي لحقت بالطبعات اللاحقة. وقد بلغت الترجمة القائمة القصيرة لجائزة "أفضل كتاب مترجم" (Best Translated Book Award) سنة 2014، وهي وهي جائزة أميركية تمنحها جامعة روتشستر لأبرز الأعمال الأدبية المترجمة إلى الإنكليزية.
المراجع
العربية
إبراهيم، عبد الله. السردية العربية الحديثة. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1996.
تيمور، محمود. دراسات في القصة والمسرح. كفر الشيخ: المطبعة النموذجية، [د. ت.]
جبري، شفيق. أنا والنثر. القاهرة: معهد الدراسات العربية العالية، 1960.
جو، فرح ناز رفعت. المقامة بين الأدب العربي والأدب الفارسي: الحريري والحميدي خصوصًا. بيروت: دار الكتب العلمية، 2011.
حسن، محمد عبد الغني. أحمد فارس الشدياق. القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، [د. ت.].
حمزة، مريم. الأدب بين الشرق والغرب: مفاهيم وأنواع. بيروت: دار المراسم، 2004.
حوراني، ألبرت. الفكر العربي في عصر النهضة: 1798-1939. ترجمة كريم عزقول. بيروت: دار النهار للنشر، 1986.
الشدياق، طنوس. أخبار الأعيان في جبل لبنان. بيروت: الجامعة اللبنانية، 1969.
الشدياق، فارس. الساق على الساق في ما هو الفارياق. باريس: بنجامين دوبرات، 1855.
الصلح، عماد. أحمد فارس الشدياق: آثاره وعصره. بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 1987.
الطهطاوي، رفاعة رافع. تخليص الإبريز في تلخيص باريز، أو الديوان النفيس بإيوان باريس. القاهرة: دار الهلال، 2001.
عبد الدايم، يحيى إبراهيم. الترجمة الذاتية في الأدب العربي الحديث. القاهرة: مطبعة السعادة، 1997.
علي، غيضان السيد. "نقد المدنية الغربية من منظور الرحالة العرب: أحمد فارس الشدياق أنموذجًا". مجلة جامعة المعارف، العدد 6 (تموز/يوليو 2022).
عبود، مارون. صقر لبنان. القاهرة: دار المكشوف، 1950.
المطوي، محمد الهادي. أحمد فارس الشدياق: حياته وآثاره وآراؤه في النهضة العربية الحديثة. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1989.
النساج، سيد حامد. مشوار كتب الرحلة قديمًا وحديثًا. القاهرة: مكتبة غريب، [د. ت.].
الأجنبية
Allen, Roger. The Arabic Novel: An Historical and Critical Introduction. 2nd ed. Syracuse, NY: Syracuse University Press, 1995.
de Man, Paul. “Autobiography as De-facement.” MLN, vol. 94, no. 5 (1979).
- Reynolds, Dwight. Interpreting the Self. Berkeley: University of California Press, 2001.
Lejeune, Philippe. On Autobiography. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989.
[1] غيضان السيد علي، "نقد المدنية الغربية من منظور الرحالة العرب: أحمد فارس الشدياق أنموذجاً"، مجلة جامعة المعارف، العدد 6 (تموز/ يوليو 2022)، ص 162.
[2] عبد الله إبراهيم، السردية العربية الحديثة، ج 1 (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1996)، ص 103-104.
[3] عماد الصلح، أحمد فارس الشدياق: آثارهوعصره (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 1987)، ص 198–200.
[4] محمد الهادي المطوي، أحمد فارس الشدياق:حياته وآثاره وآراؤه في النهضة العربية الحديثة، ج 1 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1989)، ص 58–63.
[5] طنوس الشدياق، أخبار الأعيان في جبل لبنان، ج 2 (بيروت: الجامعة اللبنانية، 1969)، ص 239–340.
[6] محمد عبد الغني حسن، أحمد فارس الشدياق (القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، [د. ت.])، ص 5.
[7] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة: 1798-1939، ترجمة كريم عزقول (بيروت: دار النهار للنشر، 1986)، ص 125–126.
[8] Philippe Lejeune, On Autobiography (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989), p.4–9.
[9] Paul de Man, “Autobiography as De-facement,” MLN, vol. 94, no. 5 (1979), p.919–930.
[10] Dwight F. Reynolds, Interpreting the Self (Berkeley: University of California Press, 2001), p. 8–15.
[11] الصلح، ص 171.
[12] فارس الشدياق، الساق على الساق في ما هو الفارياق (باريس: بنجامين دوبرات، 1855)، ص 340، 356.
[13] مارون عبود، صقر لبنان (القاهرة: دار المكشوف، 1950)، ص 130.
[14] فارس الشدياق، ص 572.
[15] المرجع نفسه، ص 450.
[16] المرجع نفسه، ص 450-451.
[17] المرجع نفسه، ص 56-57.
[18] فرح ناز رفعت جو، المقامة بين الأدب العربي والأدب الفارسي: الحريري والحميدي خصوصًا (بيروت: دار الكتب العلمية، 2011)، ص 38.
[19] سيّد حامد الّنساج، مشوار كتب الرحلة قديماً وحديثاً (القاهرة: مكتبة غريب، [د. ت.])، ص 5.
[20] محمود تيمور، دراسات في القصّة والمسرح (كفر الشيخ: المطبعة النموذجية، [د. ت.])، ص 99.
[21] مريم حمزة، الأدب بين الشرق والغرب: مفاهيم وأنواع (بيروت: دار المراسم، 2004)، ص 391.
[22] فارس الشدياق، ص 219-220.
[23] المرجع نفسه، ص 101-103.
[24] يحيى إبراهيم عبد الدّايم، الترجمة الذاتيّة في الأدب العربي الحديث (القاهرة: مطبعة السعادة، 1997)، ص 75.
[25] شفيق جبري، أنا والنثر (القاهرة: معهد الدراسات العربية العالية، 1960)، ص 147.
[26] رفاعة رافع الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، أو الديوان النفيس بإيوان باريس (القاهرة: دار الهلال، 2001).
[27] عبد الدايم، ص 75.
[28] Roger Allen, The Arabic Novel: An Historical and Critical Introduction, 2nd ed. (Syracuse, NY: Syracuse University Press, 1995), p.44.
[29] إبراهيم، ص 101-105.