الموجز
القافلة صحيفة بحرينية جامعة، صدر عددها الأول يوم الجمعة 19 صفر 1372هـ الموافق 7 تشرين الثاني/ نوڨمبر 1952، بوصفها صحيفة أسبوعية، لكنها صدرت في أولى مراحلها كل أسبوعين، نظرًا للصعوبات الفنية والطباعية التي كانت تواجهها البلاد آنذاك. تميزت بخطها التحريري العروبي والوطني، فأسهمت في تشكيل الوعي العام ومناهضة الاستعمار البريطاني ومساندة القضايا العربية.
على الرغم من عمرها القصير الذي لم يتجاوز العامين- إذ أُغلقت قسرًا في تشرين الثاني/ نوڨمبر 1954- تعدّ صحيفة القافلة من التجارب المؤثرة في العمل الصحفي الإخباري في البحرين والمنطقة.، وإحدى أبرز الصحف السياسية التي ظهرت في منطقة الخليج العربي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
السياق التاريخي والنشأة
نشأت صحيفة القافلة في مناخ سياسي واجتماعي ملتهب شهدته البحرين ومنطقة الخليج العربي في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين. فقد تميزت تلك الحقبة بتنامي المد القومي العروبي، وتأثير ثورة 23 تموز/ يوليو 1952 في مصر بقيادة جمال عبد الناصر (1918-1970)، ما أدى إلى تبدُّل المعادلات السياسية وزيادة تطلع الشارع البحريني إلى التحرر والإصلاح. وفي هذا السياق، اجتمع كل من علي سيّار (1928-)، ومحمود المردي (1924-1979)، ويوسف الشيراوي (1927-2004)، وأحمد يتيم (1921-1976)، وناصر بوحميد لبحث إصدار صحيفة تُلبي طموحات شباب البحرين المتحمس للكتابة والدخول إلى عالم الصحافة[1].
اتُّفِق في الاجتماع التأسيسي على تسمية الصحيفة بـ "القافلة"، "لما يحمله الاسم من رمز عروبي، بالرغم من اقتراح أحد المؤسسين بأن تُسمى الطاووس"[2]. ثم تقدمت المجموعة بطلبها إلى المستشار البريطاني في البحرين تشارلز بلغريف (Charles Belgrave، 1894-1969) للحصول على رخصة إصدار صحيفة أسبوعية تكون بديلًا شعبيًّا لصحيفة البحرين التي توقّفت عن الصدور عام 1944[3].
توزعت مهمات التحرير بين المؤسسين على النحو التالي: أحمد محمد يتيم مديرًا مسؤولًا عن الصحيفة[4]، وعلي سيّار سكرتيرًا للتحرير، بينما كتَبَ محمود المردي افتتاحيةَ العددين الأول والثاني[5]. كذلك ضمت أسرة تحريرها كلًّا من يوسف الشيراوي، وإبراهيم المؤيد، وناصر بوحميد[6].
يوضح علي سيّار الفرق بين صوت البحرين، التي أصدرها رفقةَ المردي عام 1950[7]، وبين صحيفة القافلة بقوله: "مثلت صوت البحرين الواجهة الثقافية والفكرية للبلد، وكان الطرح السياسي فيها يأخذ قالبًا فكريًّا، ويغلب عليها الطابع الثقافي. [أما] جريدة القافلة [فـ]كانت تتناول من منظور صحافي مباشر وتقريري. الأولى شهرية والثانية أسبوعية، فكانت ملاحقة الحوادث والتعليق عليها عملًا مباشرًا من أعمال جريدة القافلة"[8].
واجهت الصحيفة في بدايتها عقبات طباعية عِدة، إذ كانت تُطبع في مطبعة المؤيد بالبحرين التي كانت تعتمد على جمْع الحروف يدويًّا، وهي عملية شاقة تستغرق ساعات طويلة للمقال الواحد، ما حال دون صدورها أسبوعيًّا بانتظام في مراحلها الأولى وجعلها تصدر مؤقتًا كلَّ أسبوعين[9]. بدأت الصحيفة بقطع "التابلويد" في عددها الأول، ثم تحولت سريعًا من العدد الثاني إلى القطع العادي للصحف[10]. وشهدت تطورًا إخراجيًّا ملحوظًا في عددها السادس بزيادة عدد صفحاتها إلى ست صفحات واستخدام العناوين ذات الخلفيات السوداء، ثم بدأت بإدخال الصور لأول مرة في عددها التاسع[11]. ومع تطورها، اتسع نطاق توزيعها ليصل إلى مراكز بيع ثابتة في الخُبَر والدمّام (السعودية)، وقطر، والكويت، ومسقط، والبصرة[12].
موضوعات الصحيفة
اتسمت المادة التحريرية لصحيفة القافلة بالتنوّع والجرأة، وركزت على معالجة القضايا المحلية والقومية بأفق عروبي واضح[13]. ويمكن تقسيم أبرز موضوعاتها على النحو الآتي:
انحازت الصحيفة بشكل كامل إلى الخط الناصري وثورة تموز/ يوليو المصرية، ونشرت أخبارها ومعاركها ضد الاستعمار[14]، وكرست خطها التحريري تحت عبارات من قبيل "وحدوا صفوفكم، واجمعوا قواكم، بذلك تقضون على ألاعيب الاستعمار"[15]، كذلك ساندت بقوة هيئة الاتحاد الوطني في البحرين ومطالبها الإصلاحية[16].
- محاربة الطائفية والدعوة إلى الوحدة
ركزت الصحيفة على نبذ الانقسامات المذهبية التي حاول الاستعمار استغلالها[17]، واعتبرت أن وحدة الصف هي السلاح الأقوى لنيل الحرية[18]، وأن "الاتحاد هو الخطوة الأولى نحو الهدف"[19].
- حقوق العمال والعدالة الاجتماعية
أوْلَت الصحيفة اهتمامًا كبيرًا بالطبقة الكادحة، ودافعت عن حقوق العمال البحرينيين في مواجهة الشركات الأجنبية الكبرى مثل شركة نفط البحرين "بابكو". كذلك امتدت تغطيتها لتشمل أوضاع العمال في المنطقة كعمال شركة "أرامكو" في السعودية[20].
أتاحت الصحيفة صفحاتها للأقلام النسائية، مثل بدرية خلفان وشقيقتها شهلا خلفان، لطرح القضايا التي تمس واقع المرأة البحرينية والخليجية. وناقشت الصحيفة موضوعات مثل حق الفتاة في اختيار شريك حياتها، والتعليم الإلزامي للفتيات، والمطالبة بسن قوانين تحمي الأسرة وتسهم في الحد من الطلاق[21].
- القضية الفلسطينية ومقاطعة الصهيونية
رأت الصحيفة في فلسطين قضيةً مركزية، وقادت حملات توعية تدعو إلى مقاطعة التجار اليهود المرتبطين بالحركة الصهيونية العالمية في البحرين[22].
كُتّاب الصحيفة
ضمت أسرة تحرير القافلة ومحرروها نخبةً من رواد الصحافة والفكر في البحرين والخليج العربي، ومن أبرزهم: عبد الرحمن الباكر، الذي تولى تحرير ستة أعداد[23]؛ وعلي سيّار، الذي شغل مهمة سكرتير التحرير وكان أحد المؤسسين الفاعلين، إذ كتب على صفحاتها العديد من المقالات والتحقيقات. كذلك يُعَدُّ محمود المردي من أبرز كتاب القافلة، واشتهر بزاويته النقدية المعروفة باسم "سِياط"[24]. أما يوسف الشيراوي، فقد كان أحد المحررين الأساسيين الذين أسهموا في كتابة التعليقات السياسية في باب "أضواء على الحوادث"[25].
كذلك عمل ناصر سليمان بوحميد في تحرير المواد الأدبية، وأسهم من خلال نشر قصائده الأسبوعية في إثراء الجانب الأدبي للصحيفة[26]. أما الكاتبة بدرية خلفان فكانت من رائدات حقوق المرأة، إذ عُدَّت مقالاتها في القافلة من أبكر المحاولات لرسم خارطة طريق للحركة النسائية في البحرين[27]. ومن خارج البحرين، شارك الشاعر الكويتي علي السبتي بالكتابة في الصحيفة، فنشر فيها قصائده الأولى وأخبار الكويت[28].
الأثر
تركت صحيفة القافلة أثرًا كبيرًا في المشهد الثقافي والسياسي في البحرين ومنطقة الخليج العربي، فقد مثلت تحولًا نوعيًا من "صحافة الرأي والمقال الأدبي" إلى "الصحافة الإخبارية والتحقيقات"، بفضل الحس الخبري لروادها[29]. كما نجحت الصحيفة في كسر العزلة الثقافية ووصلت أرقام توزيعها إلى ما بين 4000 و5000 نسخة، وهو رقم قياسي بمقاييس تلك الحقبة التي اتسمت بارتفاع نسبة الأمية[30].
أسهمت الصحيفة أيضًا في بلورة الوعي السياسي والاجتماعي وتوحيد الجبهة الداخلية ضد السياسات الاستعمارية البريطانية[31]. ومثلت منصة حرة للمرأة، فشجّعتها على المشاركة في الشأن العام والكتابة. كما كانت الصحيفة لسان حال الحركة الوطنية والمعبِّر عن تطلعات الشارع البحريني نحو الإصلاح والديمقراطية[32].
الإغلاق
لم يَرُق الخط الوطني والقومي الذي اتبعته الصحيفة للسلطات الاستعمارية البريطانية ومستشار الحكومة تشارلز بلغريف. ومع تزايد حدة النقد الموجَّه للإدارة المحلية والتدخل البريطاني، وتضامُن الصحيفة مع الحركات العمالية الإقليمية (مثل عمال أرامكو)، وتضامنها مع إغلاق مجلة صوت البحرين، ضاقت السلطات ذرعًا بالصحيفة[33]. وفي تشرين الثاني/ نوڨمبر 1954، تلقّت إدارة الصحيفة أمرًا رسميًا مباشرًا بإيقاف القافلة نهائيًا وإلغاء ترخيصها، لكونها تسير في خط غير مَرْضيٍّ عنه، بحجة تجاوزها حدود الحرية الممنوحة لها[34].
بعد محاولات عديدة لاستئناف الصدور، اضطر القائمون عليها إلى القبول بشروط بلغريف، التي شملت تغيير اسم الصحيفة، وخضوعها للرقابة الحكومية المسبقة، وعدم إدراج اسم علي سيّار رئيسًا للتحرير أو حتى كاتبًا[35]. وبناءً على هذه الشروط، وُلِدت صحيفة الوطن في حزيران/ يونيو 1955 لتكون وريثًا لصحيفة القافلة وبديلًا عنها[36].
المراجع
أعلام من البحرين: روّاد التعليم والصحافة والطرب الشعبي. البحرين: وزارة الثقافة والإعلام، 2008.
الباكر، عبد الرحمن. من البحرين إلى المنفى: سانت هيلانة. بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة، 1965.
البسام، خالد. شخصيات بحرينية. بيروت: جداول للنشر والتوزيع، 2011.
"الحد في المقدمة". القافلة. العدد 45 (10/1954).
خلفان، بدرية. "بين الأمس واليوم". القافلة. العدد 43 (15/10/1954).
الشايجي، هلال. الصحافة في الكويت والبحرين منذ نشأتها حتى عهد الاستقلال. المنامة: منشورات بانوراما الخليج، 1989.
عزت، عزة علي. الصحافة في دول الخليج العربي. بغداد: مركز التوثيق الإعلامي لدول الخليج العربي، 1983.
القافلة. العدد 31 (26/3/1954).
القافلة. العدد 32 (12/4/1954).
القافلة. العدد 5 (2/1/1953).
مدن، حسن. حداثة ظهرها إلى الجدار: قراءات في التحولات الثقافية في مجتمعات الخليج والجزيرة العربية. بغداد: دار الرافدين، 2021.
النجار، سبيكة وفوزية مطر. المرأة البحرينية في القرن العشرين: مرحلة ما قبل الاستقلال (1900-1970). المنامة: مسعى للنشر والتوزيع، 2017.
[1] خالد البسام، شخصيات بحرينية (بيروت: جداول للنشر والتوزيع، 2011)، ص 106-107.
[2] المرجع نفسه، ص 107.
[3] المرجع نفسه.
[4]أعلام من البحرين: روّاد التعليم والصحافة والطرب الشعبي، ج 1 (البحرين: وزارة الثقافة والإعلام، 2008)، ص 48.
[5] عزة علي عزت، الصحافة في دول الخليج العربي (بغداد: مركز التوثيق الإعلامي لدول الخليج العربي، 1983)، ص 351.
[6] البسام، ص 107.
[7]أعلام من البحرين، ج 1، ص 42.
[8] حسن مدن، حداثة ظهرها إلى الجدار: قراءات في التحولات الثقافية في مجتمعات الخليج والجزيرة العربية (بغداد: دار الرافدين، 2021)، ص 253.
[9] البسام، ص 107.
[10] عزت، ص 350.
[11] المرجع نفسه.
[12] المرجع نفسه، ص 351.
[13] البسام، ص 109.
[14] المرجع نفسه، ص 110.
[15]القافلة، العدد 32 (12/4/1954)، ص 2.
[16] سبيكة النجار وفوزية مطر، المرأة البحرينية في القرن العشرين: مرحلة ما قبل الاستقلال (1900-1970) (المنامة: مسعى للنشر والتوزيع، 2017)، ص 431.
[17] "الحد في المقدمة"، القافلة، العدد 45 (10/1954)، ص 1.
[18]القافلة، العدد 31 (26/3/1954)، ص 4.
[19]القافلة، العدد 32 (12/4/1954)، ص 2.
[20] النجار ومطر، مرجع سابق.
[21] بدرية خلفان، "بين الأمس واليوم"، القافلة، العدد 43 (15/10/1954)، ص 5.
[22]القافلة، العدد 5 (2/1/1953)؛ عزت، ص 352.
[23] عبد الرحمن الباكر، من البحرين إلى المنفى: سانت هيلانة (بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة، 1965)، ص 45.
[24] البسام، ص 107.
[25] المرجع نفسه.
[26] البسام، ص 108.
[27] النجار ومطر، ص 522.
[28] البسام، ص 108.
[29] عزت، ص 149.
[30] البسام، ص 109.
[31] النجار ومطر، ص 431.
[32] مدن، ص 253.
[33] البسام، ص 111.
[34] المرجع نفسه، ص 112.
[35] المرجع نفسه.
[36] هلال الشايجي، الصحافة في الكويت والبحرين منذ نشأتها حتى عهد الاستقلال (المنامة: منشورات بانوراما الخليج، 1989)، ص 169؛ مدن، ص 253.