الموجز
أبو المحاسن يوسف بن المتوكل على الله محمد بن أبي بكر، الملقب بالمستنجد بالله، وهو ثاني الخلفاء العباسيين الذين حملوا هذا اللقب، والحادي والخمسون في ترتيب الخلفاء العباسيين (859–884هـ/1455–1479م)، والثالث عشر من خلفائهم في مصر.
تولى الخلافة سنة 859هـ/1455م، في عهد السلطان الملك الأشرف إينال (857-865هـ/1453-1461م)، بعد خلع أخيه الخليفة القائم بأمر الله حمزة (854-859هـ/1451-1455م). وبعد وفاة الأخير قلد السلطان لابنه المؤيد شهاب الدين أحمد (865هـ/1461م)، الذي ما لبث الأمراء المماليك أن خلعوه بعد تنصيبه بنحو أربعة أشهر، ونصبوا الظاهر خُشقَدَم (865-872هـ/1461-1467م) سلطانًا بديلًا عنه، فاحتجزه السلطان الجديد في القلعة بالقاهرة. وعاد إلى تقليده للسلاطين بعد وفاة السلطان خشقدم. وكانت فترة خلافته فترة صراعات ودورات انقسام بين المماليك، بحيث لم تدم سلطنة بعضهم إلا نحو شهرين، إلى أن استقرت السلطنة مع تولي قايتباي السلطنة (872-901هـ/ 1468-1496م).
اتسمت ممارسته لمهمات الخليفة بالتقوى وتعيين من هو كفء من قضاة ومدرسين، لكن السلطان الجديد قايتباي اضطهده، وأبقاه محتجزًا في القلعة، وجرده من قرية كانت مقطعة له. وتُوفي في القلعة عن عمر يناهز التسعين سنة أو ما يزيد سنة 884هـ/1479م، وتولى ابن أخيه المتوكل عبد العزيز الخلافة من بعده.
نسبه ومولده
الخليفة المستنجد بالله أبو المحاسن يوسف بن محمد المتوكل على الله محمد بن أبي بكر العباسي. ويورد المؤرخ شمس الدين السخاوي (831-902هـ/ 1428-1497م) نسبه الكامل على النحو الآتي: يوسف بن محمد بن أبي بكر بن سليمان بن أحمد بن حسين أمير المؤمنين المستنجد بالله أبو المظفر بن المتوكل على الله أبي عبد الله وأبي العز بن المعتصم باللَّه بن المستكفي بالله أبي الربيع بن الحاكم بأمر الله الهاشمي العباسي[1].
وُلد نحو سنة 790هـ/1388م، وقيل في ليلة 17 رمضان 798هـ الموافق 24 حزيران/ يونيو 1396م[2].
تولّيه الخلافة
تولّى الخلافة سنة 859هـ/1455م، في عهد السلطان الملك الأشرف إينال (857-865هـ/1453-1461م)، فاتخذ لقب المستنجد بالله[3].
دوره في انتقال السلطنة بعد وفاة إينال
بعد وفاة السلطان إينال سنة 865هـ/ 1461م، قلّد الخليفة المستنجد بالله السلطنة لابنه المؤيَّد شهاب الدين أحمد (865هـ/1461م)، غير أنّ حكمه لم يدم سوى نحو أربعة أشهر، إذ خلعه أمراء المماليك وبايعوا الظاهر خُشقَدَم سلطانًا (865-872ھ/ 1461-1467م)[4]. عقب مراسم تنصيب السلطان، وعلى الرّغم من فقدانه لمكانته السياسية كان الخليفة بما يتمتّع به من سلطة دينية وباحترام قطاعات بارزة من سكان القاهرة في مصر، يفوّض السلطة الكاملة على شؤون المسلمين إلى السلطان الذي يجلس على العرش، إضافة إلى الدعاء من أجل استمرار السلطنة ونجاحها[5].
إقامته في قلعة الجبل
في بداية سلطنة خُشقَدَم، قَدِم نائب الشام جانم الأشرفي[6] (ت. 867هـ/ 1462م) إلى مصر مع عساكره، لتولي السلطنة بعد خلع المؤيد شهاب الدين أحمد، وذلك بطلب من المماليك الأشرفيّة المنسوبين إلى السلطان الأشرف إينال. وقد أدى هذا التطور إلى اضطراب أحوال السلطان خُشقَدَم، فاستدعى الأمراء والخليفة والقضاة الأربعة إلى قلعة القاهرة[7].
وبعد مغادرة النائب جانَم الأشرفي مصر، ورجوعه إلى دمشق، أذن السلطان خُشقَدَم للأمراء والقضاة الأربعة بمغادرة القلعة والعودة إلى منازلهم. غير أنّ الخليفة المستنجد بالله بقي محتجزًا في القلعة، إذ أقامه السلطان في الحوش السلطاني، ومنعه من العودة إلى مسكنه في القاهرة. بل إنه عندما تُوفيت أخت الخليفة، الستّ مريم، لم يُسمح له بالخروج من القلعة للصلاة عليها، فظلَّ مقيمًا فيها منذ ذلك الحين حتى وفاته[8].
ويذكر زين العابدين محمد بن إياس (852-930هـ/ 1448-1524م): "صارت هذه عادة من بعده مع الخلفاء". ومع ذلك أمَّن السلطان خُشقَدَم للخليفة نفقات إقامته، وأمر أن يُقدَّم له يوميًا خمسة طيور دجاج، ورأس غنم، ورطلان من السكر، والبطيخ[9].
وبعد وفاة خُشقَدَم سنة 872هـ/1467م، أقرّ الخليفة المستنجد بالله يوسف سلطنة الظاهر سيف الدين بَلباي (872ھ/1467م)، غير أنّ حكمه لم يدم سوى شهرين إلا أربعة أيام، ثم تلاه على السلطنة الظاهر تمُربُغا (872هـ/1467م) الذي لم تتجاوز مدة حكمه ثمانية وخمسين يومًا، قبل أن تستقر السلطنة أخيرًا للسلطان الأشرف قايتباي (872-901هـ/ 1468-1496م) الذي امتد عهده حتى سنة 901هـ/ 1496م[10].
حياته الخاصة وصفاته
ويذكر السخاوي أن الخليفة المستنجد بالله تزوج من ألِف أم تقيّ الدين بن الرسام ابنة العلمي البُلقيني (868هـ/1464م)[11]، وأنجب منها ابنة سُمّيت ستّ الخلفاء، ولم يُرزق ولدًا ذكرًا.
ومن صفات المستنجد بالله التي تنقل عنه أنه كان مواظبًا على تلاوة القرآن الكريم[12]، وعن مناقبه، يقول جلال الدين السيوطي (849-911ھ/ 1445-1505م)، إنّه "لم يولّ بمصر صاحب وظيفة دينية -كالقضاة والمشايخ والمدرسين- إلا أصلح الموجودين لها، بعد طول تروية وتمهل، بحيث تستمر الوظيفة شاغرة الأشهر العديدة، ولم يولّ قاضيًا ولا شيخًا بمال قطّ"[13].
علاقته بالسلطان قايتباي
يورد ابن إياس في سياق حديثه عن بدايات حكم السلطان قايتباي بعض ما عدَّه من "مساوئ" سياسته، ولا سيما التدابير التي اتخذها بحق الخليفة العباسي المستنجد بالله. ففي ذي القعدة سنة 872هـ الموافق أيار/ مايو1468م، وبما أن الخليفة كان ممنوعًا من مغادرة القلعة، عمد قايتباي إلى انتزاع قرية إمبابة[14](شمال محافظة الجيزة حاليًا) منه -وكانت هذه القرية في حوزة الخليفة منذ أن أقطعَه إياها السلطان المؤيَّد شهاب الدين أحمد بن إينال عند اعتلائه عرش السلطنة سنة 865هـ/ 1461م - ومنحها إقطاعًا للأمير جانبك حبيب (ت. 893هـ/ 1487م). ثم جرّده من جزيرة الصابوني[15]، وأقطعها لبعض مماليكه[16].
وفاته
تُوفي الخليفة المستنجد بالله يوم السبت 14 محرم 884هـ الموافق 7 نيسان/ أبريل 1479م، بعد أن أُصيب بالفالج مدة سنتين. وصُـلّي عليه بالقلعة عند باب القلّة بحضور السلطان وجمع من الأمراء، ثم نُقل جثمانه إلى مدفن الخلفاء بجوار المشهد النّفيسي في القاهرة. وقيل إنه مات وقد ناهز التسعين من عمره أو جاوزها. أما شمس الدين السخاوي، فقد ذكر أنه سمع من يقول إن عمره كان "خمسًا وثمانين سنة ودون أربعة أشهر بأيام".[17]
تولّى الخلافة بعده ابن أخيه عبد العزيز المتوكل على الله (884-903ھ/ 1479-1497م).
المراجع
العربية
ابن إياس الحنفي، محمد بن أحمد. بدائع الزهور في وقائع الدهور. تحقيق محمد مصطفى. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1982.
ابن تَغري بَردي الأتابكي، جمال الدين أبو المحاسن يوسف. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة. تحقيق محمد حسين شمس الدين. بيروت: دار الكتب العلمية، 1992.
السخاوي، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن. الضوء اللامع لأهل القرن التاسع. بيروت: دار الجيل، 1992.
السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر. تاريخ الخلفاء. تحقيق إبراهيم صالح. بيروت: دار صادر، 1997.
المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي. المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار. تحقيق خليل منصور. بيروت: دار الكتب العلمية، 1998.
رمزي، محمد. القاموس الجغرافي للبلاد المصرية من عهد قدماء المصريّين إلى سنة 1945. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994.
الأجنبية
Ayalon, David. "Studies on the Transfer of the ‘Abbasid Caliphate from Bagdad to Cairo." Arabica. vol. 7, no. 1 (1960), p. 41-59.
Banister, Mustafa. "“Naught Remains to the Caliph but his Title”: Revisiting Abbasid Authority in Mamluk Cairo." Mamluk Studies Review. vol. 18 (2015), p. 219-245.
Holt, Peter M. "Some Observations on the ‘Abbasid Caliphate of Cairo." Bulletin of the School of Oriental and African Studies (BSOAS). vol. 47, no. 3 (1984), p. 501-507.
[1] شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، ج 10 (بيروت: دار الجيل، 1992)، ص 329.
[2] المصدر نفسه.
[3] للمعلومات عن الخلفاء العباسيين في مصر في العصر المملوكي، يُراجع:
Peter M. Holt, "Some Observations on the ‘Abbasid Caliphate of Cairo," Bulletin of the School of Oriental and African Studies (BSOAS), vol. 47, no. 3 (1984), p. 501-507; David Ayalon, "Studies on the Transfer of the ‘Abbasid Caliphate from Bagdad to Cairo," Arabica, vol. 7, no. 1 (1960), p. 41-59.
[4] جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تَغري بَردي الأتابكي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تحقيق محمد حسين شمس الدين، ج 16 (بيروت: دار الكتب العلميّة، 1992)، ص 225؛ محمد بن أحمد بن إياس الحنفي، بدائع الزهور في وقائع الدهور، تحقيق محمد مصطفى، ج 2 (القاهرة: الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1982)، ص 378.
[5] Mustafa Banister, "“Naught Remains to the Caliph but his Title”: Revisiting Abbasid Authority in Mamluk Cairo," Mamluk Studies Review, vol. 18 (2015), p. 219-245.
[6] جانم الأشرفي نسبة إلى السلطان برسباي، وهو قريبه، ويُعرَف أيضًا باسم "جانم المكحل".
[7] ابن تَغري بَردي، ج 16، ص 228؛ ابن إياس، ج 2، ص 383؛ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تاريخ الخلفاء، تحقيق إبراهيم صالح (بيروت: دار صادر، 1997)، ص 608.
[8] ابن إياس، ج 2، ص 457.
[9] ابن إياس، ج 2، ص 383، 457؛ السيوطي، ص 608؛ السخاوي، ج 10، ص 329.
[10] ابن تَغري بَردي، ج 16، ص 321، 334-335؛ ابن إياس، ج 2، ص 459، 467-468؛ المرجع نفسه، ج 3، ص 3-4.
[11] هو علم الدين صالح بن سراج الدين عمر البُلقيني (791-868هـ/1389-1464م)، فقيه شافعي، وقاضي القضاة في عصره. السَّخاوي، ج 3، ص 312-314.
[12] المرجع نفسه، ج 10، ص 330؛ ابن إياس، ص 151.
[13] السيوطي، ص 608.
[14] وردت عند تقي الدين أحمد المقريزي، وابن إياس باسم "إنبابة". وهي جزيرة تقع بين ضفّتي نهر النيل. محمد رمزي، القاموس الجغرافي للبلاد المصرية من عهد قدماء المصريّين إلى سنة 1945، ق 2، ج 3 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994)، ص 56.
[15] يقول المقريزي: إنّ جزيرة الصَّابوني تقع تجاه رباط الآثار، والرّباط من جملتها. وهذا الرّباط كان خارج مصر بالقرب من بركة الحبش، ومطلًا على النيل ومجاورًا للبستان المعروف بالمعشوق. تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، تحقيق خليل منصور، ج 3 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1998)، ص 305، 325. وهذه الجزيرة كانت إقطاعًا للخليفة المعتضد بالله أبي الفتح داود (816-845هـ/1414-1441م) حصل عليه من العزيز جمال الدين يوسف عند تولّيه السلطنة سنة 841هـ/1438م. ابن إياس، ج 2، ص 192؛ ابن تَغري بَردي، ج 15، ص 8.
[16] ابن إياس، ج 3، ص 13.
[17] السيوطي، ص 608؛ السخاوي، ج 10، ص 330.