المِشْكاة صحيفة سياسيّة اجتماعيّة أدبيّة، صدرت في دمشق في 1 آذار/ مارس 1912. موَّلَتها الحكومة العثمانية في إسطنبول، ولذا عُدَّت صحيفة شبه رسمية[1]. صاحب امتيازها ومديرها المسؤول هو محمد توفيق عطّار حسن، ورئيس تحريرها هو الصَّحفي سليم عنحوري[2]، وكلاهما كانا من المُوالين لحزب الاتحاد والتَّرَقّي.
واظبت الصحيفة على الصدور في أربع صفحات من القَطْع المتوسِّط ثلاث مرات في الأسبوع، وكتبت في افتتاحية عددها الأول بقلم سليم عنحوري أنّ: "غايتها الكبرى ارتفاع سُؤْدُد الخلافة الإسلامية الكبرى، وتأييد شوكة السَّلطَنة العثمانية العظمى، وحفظ كيان البلاد المرتبطة بذلك العرش المجيد سالـمًا من التجزئة والتفريق...". وتبع ذلك مقال هجومي على خصوم الاتحاديِّين بعنوان "منطق المخالِفين"، فرسمت بذلك خطًا لها منذ عددها الأول، بصفتها صحيفة أُسِّسَت لمواجهة الصحف الإصلاحية والمعارِضة[3].
كانت الساحة السياسيّة في الدولة العثمانيّة آنذاك تشهد انقسامًا حادًّا بعد وصول حزب الاتحاد والترقي إلى الحكم عام 1908، إذ برز التنافس بينه وبين حزب الحرية والائتلاف. وبدأت تتبلور، في عام 1911، تيارات سياسية واضحة في الصّحافة السورية، إذ انحازت غالبية الصُّحف إلى حزب "الحرية والائتلاف" الذي دعم الحقوق العربية في اللامركزية، في حين سعى الاتحاديون إلى تأسيس صحف تعبِّر عن مواقفهم الموالية، من أبرزها صحيفة المِشكاة التي واصلت الدفاع عن سياساتهم، وشنّت هجومًا لاذعًا على خصومهم، فكان الخطاب فيها يتراوح بين الجَدَل والسِّجال الحادّ، وكثيرًا ما تجاوز ذلك إلى مستوى الشتائم[4].
تبنّت المِشكاة خطابًا مدافِعًا عن الذين أعلنوا الدستور، وسهروا على تطبيقه، كما امتدحت حكومة جعفر باشا في سورية. وجاء في مقال "منطق المخالفين" بقلم إلياس حبيب مطران: "إن الذين أعلنوا الدستور هم وأيم الحق أشدّ حنانًا عليه من الذين تبنَّوه، وإنّ الأم لا تقتل طفلها." وكتب، سليم عنحوري، في العدد الثامن من الصحيفة مقالًا جاء فيه:
"فانظروا حالتنا وحال هؤلاء الائتلافيِّين اسمًا، الدّاعين إلى التهاتُر والشِّقاق والشِّجار فعلًا... وتعالَوا نتحاسب ونتّحد، معتصمين بقوة هذه الخلافة الإسلامية والسَّلطَنة العثمانية، ملتفِّين حول هلالها"[5].
اتّجه كثير من الصحف العربية، في تلك المرحلة، إلى المطالبة باللامركزية، ووصل الأمر إلى الدعوة، صراحةً، إلى الاستقلال عن السلطة المركزية في إسطنبول، وانتشرت هذه الدعوات في مختلف الأوساط السياسية والثقافية[6]. أمّا المِشكاة، فقد عَدّت هذه المطالَبات خيانة صريحة للدولة العثمانية، وهاجمت الصُّحف التي تبنّتها بشدة. وفي إحدى مقالاتها، ردّت على ما نُشر في صحيفة القَبَس بقولها: "قامت جريدة القَبَس تُنذِرهم بالويل والثُّبور – المسلمين العثمانيين – وعظائم الأمور...". كما وجَّهت انتقاداتٍ حادّة للصُّحف التي انتقدت سياسات حزب الاتحاد والترقّي في فلسطين، واتهمتها بالمتاجرة بالقضية الفلسطينية، في مقابل دفاعها عن الاتحاديِّين، معتبرةً إياهم "أهل القضية" و"حُماة فلسطين"[7].
وقد تناول محمد كرد علي، صاحب صحيفة القبس المعارِضة، ظروف تأسيس الـمِشكاة في مذكراته، فقال: "جلب الاتّحاديون رجلًا مصريًّا محكومًا عليه في مصر بعدة أحكام لجُرأته على شتم قومه، كان يعزُّ وجود مثله في السُّفَهاء الهِجائيين، يحفظ من معاجم الشتم كلَّ قبيح مُقذِع. ولـمّا أغدقوا عليه الذَّهَب الوهّاج واتَته قريحته في اختراع أساليب التَّشَفِّي والتشهير، وكانوا لا يطلبون منه إلّا أن يقف مني ومن أصحابي، في جريدة لهم سمَّوها «الـمِشكاة»، موقفَ الهجاء"[8].
اتّبع حزب الاتحاد والترقّي سياسة ضغط مُمَنهَجة على الصحف، لإجبارها على نشر ما يوافق توجُّهاته السياسية. وقد أدّى هذا النهج إلى استقالة سليم عنحوري من رئاسة تحرير المِشكاة، احتجاجًا على التدخُّل في عمله الصّحفي. وبعد استقالته، بقيت الصحيفة فترةً من دون محرِّر فعلي، وبدأت الجمعية الاتحادية بمفاوضة عدد من الشبان لتولّي مسؤولية التحرير، إلى أن وقع الاتفاق مع الأديب بكري اللوجي لتولّي المهمة، إلّا أنّ اللّوجي لم يُكمِل العمل فيها، لعدم وفاء الجمعية باتفاقها الـمُسبَق معه على عدم التدخل في محتوى الصحيفة. ومنذ ذلك الحين، لم يظهر اسم أيّ محرِّر في الصحيفة، في حين استمر محمد توفيق حسن بصفته صاحب الامتياز. وتعرّضت المِشكاة لهجوم واسع من صحف موالية لحزب "الحرية والائتلاف"، وردّت عليها صحف عدّة، جادّة وهزلية، من أبرزها صحيفة الضمير الساخرة، التي أسَّسها الائتلافيُّون بعد صدور الـمِشكاة بسبعةَ عشَرَ يومًا، وقادت ضدّها حملات هجائيّة لاذعة[9].
عرفت المِشكاة فتراتٍ من التوقُّف، كان أولها في صيف عام 1912 بسبب قصورٍ في مواردها وإدارتها. ولكنّها ما لَبِثَت أن عادت إلى الصدور في ظلّ حكم الائتلافيِّين، متّخِذةً نبرة أكثر اعتدالًا، وافتتحت عودتها بمقال عنوانه "خطّة جديدة لجريدتنا"، جاء فيه: "إنّها لا تميل إلى حزب من الأحزاب، ولا تناصر جمعيةً من الجمعيات، إلّا حزب الحقّ وجمعيته". غير أنّ هذا التوجّه المعتدل لم يَدُم طويلًا؛ إذ سُرعان ما عادت إلى خطابها الحادّ، واستأنفت السِّجال العنيف مع صحيفة القبس وسواها من الصُّحف المعارِضة، مع مطلع عام 1913، إلى أن توقّفت نهائيًّا مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، إذ واجهت الصِّحافة نقصًا حادًّا في الموارد وفي الورق، وقد فرضت السلطات العثمانية، في تلك الفترة، رقابة صارمة على الصُّحف، فأصبحت مُلزَمَةً بنشر الأخبار الرسمية التي تُصدِرها الدولة، ما أدى إلى توقّف كثير من الصُّحف، ولا سيّما المعارِضة منها[10].
المراجع
إلياس، جوزيف. تطور الصحافة السورية في مئة عام (1865-1965) الجزء الأول. بيروت: دار النضال، 1982.
"جريدة المشكاة". الموسوعة الدمشقية. في: https://acr.ps/hBy6EG5
الرفاعي، شمس الدين. تاريخ الصحافة السورية في العهد العثماني 1800-1918. القاهرة: دار المعارف، 1969.
طَرّازي، فيليب دي. تاريخ الصحافة العربية. المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2023.
كرد علي، محمد. المذكَّرات. دمشق: مطبعة الترقي، 1948.
المَلُّوحي، مهيار عدنان. معجم الجرائد السورية 1865-1965. دمشق: الأولى للنشر والتوزيع، 2002.
[1] "جريدة المشكاة"، الموسوعة الدمشقية، د.ت، شوهد في 17 /4/2025. في: https://acr.ps/hBy6EG5
[2] مهيار عدنان المَلُّوحي، معجم الجرائد السورية 1865-1965 (دمشق: الأولى للنشر والتوزيع، 2002)، ص35.
[3] جوزيف إلياس، تطور الصحافة السورية في مائة عام (1865-1965) الجزء الأول (بيروت: دار النضال، 1982)، ص135.
[4] شمس الدين الرفاعي، تاريخ الصحافة السورية في العهد العثماني 1800-1918 (القاهرة: دار المعارف، 1969)، ص252.
[5] إلياس، ص118-119.
[6] الرفاعي، ص244.
[7] المرجع نفسه؛ إلياس، ص100، ص106-107.
[8] محمد كرد علي، المذكرات (دمشق: مطبعة الترقي، 1948)، ص23.
[9]إلياس، ص118، ص135.
[10] المرجع نفسه، ص120، ص136.