الموجز
الخربة السمراء، بلدة أردنية في قضاء بلعما بمحافظة المفرق شمال شرقي الأردن، تقع على طرق التجارة القديمة بين البتراء وبصرى الشام، ما أكسبها أهمية اقتصادية منذ العصور القديمة. تعود جذور الاستيطان فيها إلى العصر الحجري، وتوالت عليها الحضارات النبطية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، فاشتُهرت بمعالمها الأثرية، ولا سيما الكنائس البيزنطية المزخرفة بالفسيفساء والنقوش الإغريقية. كذلك اكتسبت أهمية خلال العصور الأموية والعثمانية بفضل موقعها على طريق الحج الشامي. يعتمد سكانها اليوم على الزراعة وتربية المواشي، وفيها مرافق خدمية وتعليمية وصحية.
موقعها وخصائصها الجغرافية
تقع قرية الخربة السمراء على بعد 29 كيلومترًا جنوب غرب مدينة المفرق، على دائرة عرض 32.10481 شمال خط الاستواء، وعلى خط الطول 36.09457 شرق خط غرينتش[1]. وترتفع عن مستوى سطح البحر بمقدار 565 كيلومترًا، وتقع على هضبة بازلتية سوداء. ويحدها من الجنوب محافظة الزرقاء، ومن الغرب بلديات بلعما والمزرعة والزنية، ومن الشمال بلدية حيان الرويبض[2]، ومن الشرق بلدية الخالدية وبلدية الحلابات[3]. وتعتبر قرية الخربة السمراء إحدى قرى قضاء بلعما التابعة للواء قصبة المفرق، حيث يسود الإقليم الصحراوي، الجاف والحار صيفًا، والمعتدل شتاء[4].
تقع الخربة السمراء قرب مجموعة من التلال الجيرية المرتفعة التي يتخللها وادٍ وجرف عميق من الشرق، والأراضي الزراعية وبعض المراعي من ناحية الشمال، ومن ناحية الجنوب وادي الضليل الزراعي، إضافة إلى العديد من الكهوف المحيطة بالخربة[5].
تاريخها ومعالمها الأثرية
يُشير اسم الخربة على المستوى اللغوي إلى الخراب، وهو ضدّ العمران، وجمعها أخربة أو خربات. وتُطلق على الموضع الذي حلّ به الخراب، كما يُقال: دارٌ خربةٌ، أي مهجورة أو مهدّمة، ويُقال: أخربها صاحبها، أي تركها حتى تهدّمت، ومنه جاء الفعل التخريب بمعنى الهدم. وقد ارتبط هذا المفهوم تاريخيًا بما كانت تخلّفه الحروب أو ما كان يُخرّبه الملوك من عمران أثناء النزاعات[6].
أما السمرة، فهي في الأصل منزلة بين البياض والسواد، وتُستعمل وصفًا لألوان الناس والإبل وغيرهما[7]، ويُرجّح أن تسمية المنطقة تعود إلى لون حجارتها السوداء البازلتية[8].
وتذكر الروايات أن صلاح الدين الأيوبي (ت. 589هـ/ 1193م) مرّ بالمنطقة عام 565هـ/ 1169م في طريقه إلى الكرك، فأقام فيها 3 أيام، وأطلق عليها اسم الخربة السمراء[9].
تعود جذور الاستيطان الأولى في المنطقة إلى العصر الحجري القديم بمراحله المختلفة[10]، إذ عُثِر على أدلة مادية ملموسة تشير إلى ذلك، مثل الأدوات الصوانية والمكاشط والمقاحف وغيرها من الأدوات. وفي العصر البرونزي المبكر، عُثر على بقايا معمارية وصوانية وفخارية، إضافة إلى المقابر الرجمية في أعلى المرتفعات المحيطة بالمنطقة[11]. وفي القرن الأول الميلادي، بنى الأنباط محطة تجارية على الطريق الواصل بين البتراء وبصرى الشام، وعلى أثره تأسس طريق تراجان الملكي[12].
أما في القرن الثاني الميلادي، أي في العصر الروماني المبكر، فوسّع الرومان المحطة التجارية للقوافل ووفّروا المستلزمات الرئيسة[13]، إذ أقاموا بركة مياه صغيرة وبئرًا لجمع مياه الأمطار، وبنوا باحات مسورة، إذ يحيط بالمنطقة الأثرية سور حجري لتوفير الأمن والحماية[14].
ومما عُثر عليه في الخربة السمراء نتيجة التنقيب: عدة كنائس معاصرة لبعضها، ما يدل على وجود أكثر من مذهب ديني في البلدة. وما يميز تلك الكنائس أنها مزخرفة بالفسيفساء والأشرطة الكتابية باللغة الإغريقية البيزنطية، وهي اللغة الرسمية للإمبراطورية آنذاك[15].
وقد عُثر على مقبرة بيزنطية شرق أسوار البلدة، فيها مدافن فردية محفورة في التربة الطرية ومغطاة بالشبائح الحجرية، وحول كل قبر صف من الحجارة، يوضع عليه حجر عليه كتابة أو صليب عند الرأس. وقد عُثر على أرضية المقبرة تلك مع مئات النصائب الحجرية الخاصة بالمقابر، ووُجد عليها مجموعة من الكتابات باللغة السريانية[16].
أرضية فسيفسائية في الكنيسة البيزنطية في الخربة السمراء
المصدر : عبد العزيز محمود ومهند طراد، "الكنائس البيزنطية في الخربة السمرا"، مجلة البيان (جامعة آل البيت)، مج 7، العدد 1 (تشرين الثاني/ نوڤمبر 2016)، ص 32.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وفي العصر الأموي، عاش المسلمون والمسيحيون فيها معًا، وزُينت ورُممت معظم الكنائس، واكتسبت المنطقة أهمية لوقوعها على طريق الحج الشامي. ويُلحَظ وجود قطع فخارية تعود إلى العهد الأموي، إضافة إلى المسكوكات الأموية وبعض الإضافات المعمارية في المنطقة. وقد هُجِرت المنطقة بعد الزلزال الذي وقع عام 749، ولكن أُعيد بناء الطريق على نحو موسع خلال العصرين الأيوبي والمملوكي[17]. وفي تلك الفترة، لوحظ انتشار الفخار المكثف، وظهرت الوظيفة التجارية والعسكرية للموقع، وأطلق أحد قادة صلاح الدين الأيوبي عليه اسم الخربة السمراء عام 565هـ/ 1169م[18].
أما في العصر العثماني، فقد استخدمت القوات العثمانية المرابطة على طول طريق الحج الشامي الموقعَ بوصفه ثكنة عسكرية لصد غارات البدو. وفي عام 1904، بُنِيت محطة الخربة السمراء التابعة لسكة حديد الحجاز، وهذه المحطة تتكون من مبنًى مبنيٌّ بحجارة البازلت مكونٍ من طابقين؛ ومبنًى آخر أصغر حجمًا[19].
إدارتها وتقسيماتها الإدارية
قرية الخربة السمراء ضمن قضاء بلعما-لواء قصبة الفرق
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تُدار قرية الخربة السمراء إداريًا من قضاء بلعما، الذي يتبع للواء قصبة المفرق في محافظة المفرق وتُعدّ إحدى التجمعات السكانية التابعة للقضاء، الذي يتولى الإشراف على شؤونها الإدارية والتنظيمية[20].
اقتصادها
يعمل سكان الخربة السمراء في العديد من الوظائف الحكومية، إضافة إلى تربية الماشية[21] والرعي والتجارة مع سوق البدو، والزراعة[22]، إذ إن وجود 8 آبار أرتوازية في البلدة أسهم في تطور قطاع الزراعة في عدة محاصيل، أبرزها: الحبوب، والخضراوات، والأشجار المثمرة المختلفة. وتوجد في البلدية المؤسسة العربية للصناعات المعدنية التي تنتج مادة الحديد[23].
خصائصها السكانية
بلغ عدد سكان قرية الخربة السمراء نحو 6,985 نسمة وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة الأردنية لنهاية عام 2025[24]، في حين تبلغ مساحتها 15,640 دونمًا[25]، ويشكّل سكانها مجتمعًا عشائريًا يغلب عليه الانتماء إلى عشيرة المشاقبة التي تعود إلى قبيلة بني حسن، ومن عائلاتها: الرشيد، والدغمي، والعلاكمة، والقهموس، والدعاس، والطالب[26]، والعليمات، والسميرات، والسويلم، والعمرو، والبصابصة[27].
[الجدول 1]
تقدير عدد سكان قرية الخربة السمراء حسب التجمّع والجنس وعدد الأسر لنهاية عام 2025
المجتمع
| ذكور | إناث | مجموع |
|---|
الخربة السمراء
| 3,725
| 3,260 | 6,985 |
المصدر: المملكة الأردنية الهاشمية، دائرة الإحصاءات العامة، "التقديرات السكانية لنهاية عام 2025" (عمّان: 2026)، ص 21.
خدماتها وبنيتها التحتية
تستفيد قرية الخربة السمراء من موقعها ضمن نطاق محافظة المفرق، ما يجعلها تعتمد بدرجة رئيسة على شبكات البنية التحتية والمرافق العامة المتوفرة في المحافظة والقرى المجاورة. وتشمل هذه المرافق شبكات المياه والكهرباء، والطرق الرئيسة التي تربطها بالمراكز الحضرية، إلى جانب الخدمات التعليمية والصحية الأساسية. وتتوفر في القرية خدمات الاتصالات والإنترنت. وقد أُسِّست بلدية الخربة السمراء عام 1988 لتتولى تقديم الخدمات البلدية. وتضم البلدية ضمن نطاق مسؤوليتها عددًا من الأحياء، منها: حي رابعة العدوية، وحي الميدان الثالث، وحي القادسية، وحي المدارس، وحي النزهة، وحي الروضة، وكلها اندمجت ببلدية الخربة السمراء بعد تأسيسها، وضمت البلدية مكتب بريد واحدًا يخدم الأحياء التابعة لها جميعًا[28].
وفي المجال التعليمي، تتبع الخربة السمراء لمديرية تربية لواء قصبة المفرق، وتضم مدرستين: إحداهما أساسية والأخرى ثانوية، تؤديان دورًا مهمًا في توفير التعليم لأبناء القرية والمناطق المجاورة[29]. أما في المجال الصحي، فيوفر مركز صحي الخربة السمراء خدمات الرعاية الصحية الأولية للسكان. وتضم القرية مسجدًا واحدًا، هو: مسجد صلاح الدين[30]، ودائرة للآثار، وجمعية تُعنى بذوي الاحتياجات الخاصة[31].
المراجع
ابن منظور، محمد بن مكرم. لسان العرب. تحقيق عبد الله علي الكبير [وآخرون]. القاهرة: دار المعارف، 1986.
القبلان، غازي سلطان فلاح. تنمية المجتمع المحلي والعوامل المؤثرة على دور الحكام الإداريين دراسة ميدانية. عمّان: دار الخليج للنشر والتوزيع، 2017.
"اكتشافات أثرية جديدة في محافظة المفرق". الرأي. العدد 8441. 25/9/1993.
حتاملة، محمد عبده. موسوعة الديار الأردنية. عمّان: مطبعة الجامعة الأردنية، 2010.
الحصان، عبد القادر محمود. محافظة المفرق ومحيطها عبر رحلة العصور. عمّان: مطابع الأرز، 1999.
الدوايمة، أحمد أبو فروة. موسوعة المدن والقرى الأردنية. عمّان: وزارة الثقافة، 2012.
السرحاني، سلطان طريخم. موسوعة محافظة المفرق (دراسة أدبية، تاريخية، جغرافية، آثار، عشائر). عمّان: دائرة المكتبة الوطنية، 2001.
محمود، عبد العزيز ومهند طراد. "الكنائس البيزنطية في الخربة السمرا". مجلة البيان (جامعة آل البيت). مج 7، العدد 1 (تشرين الثاني/ نوڤمبر 2016).
"مديرية التربية والتعليم لمنطقة قصبة المفرق". وزارة التربية والتعليم الأردنية. في: https://acr.ps/hBya1t1
"المفرق مدينة الثقافة الأردنية 2017". وزارة الثقافة الأردنية. في: https://acr.ps/hBya1im
المملكة الأردنية الهاشمية. دائرة الإحصاءات العامة. "التقديرات السكانية لنهاية عام 2025". عمّان: 2026.
هويدي، عبد العزيز محمود. البيئة والثقافة والمجتمع في البادية الأردنية. عمّان: وزارة الثقافة، 2017.
[1] للاطلاع على الإحداثيات، يُنظر: https://maps.app.goo.gl/JGkBjkvweio5d1to6
[2] سلطان طريخم السرحاني، موسوعة محافظة المفرق (دراسة أدبية، تاريخية، جغرافية، آثار، عشائر) (عمّان: دائرة المكتبة الوطنية، 2001)، ص 296.
[3] عبد العزيز محمود ومهند طراد، "الكنائس البيزنطية في الخربة السمرا"، مجلة البيان (جامعة آل البيت)، مج 7، العدد 1 (تشرين الثاني/ نوڤمبر 2016)، ص 32.
[4] غازي سلطان فلاح القبلان، تنمية المجتمع المحلي والعوامل المؤثرة على دور الحكام الإداريين دراسة ميدانية (عمان: دار الخليج للنشر والتوزيع، 2017)، ص 152.
[5] المرجع نفسه.
[6] محمد بن مكرم ابن منظور، لسان العرب، تحقيق عبد الله علي الكبير [وآخرون]، ج 2 (القاهرة: دار المعارف، 1986)، ص 381.
[7] المرجع نفسه، ج 4، ص 245.
[8] أحمد أبو فروة الدوايمة، موسوعة المدن والقرى الأردنية (عمّان: وزارة الثقافة، 2012)، ص 292.
[9] السرحاني، ص 296
[10] "المفرق مدينة الثقافة الأردنية 2017"، وزارة الثقافة الأردنية، شوهد في 4/5/2026، في: https://acr.ps/hBya1im
[11] عبد القادر محمود الحصان، محافظة المفرق ومحيطها عبر رحلة العصور (عمّان: مطابع الأرز، 1999)، ص 294-295.
[12] محمود وطراد، ص 33.
[13] الحصان، ص 295.
[14] محمود وطراد، ص 33.
[15] "اكتشافات أثرية جديدة في محافظة المفرق"، الرأي، العدد 8441، 25/9/1993، ص 32.
[16] الحصان، ص 297.
[17] المرجع نفسه، ص 299.
[18] محمود وطراد، ص 34.
[19] عبد العزيز محمود هويدي، البيئة والثقافة والمجتمع في البادية الأردنية (عمّان: وزارة الثقافة، 2017)، ص 240-241.
[20] محمد عبده حتاملة، موسوعة الديار الأردنية، ج 2 (عمّان: مطبعة الجامعة الأردنية، 2010)، ص 194.
[21] حتاملة، ص 195.
[22] محمود وطراد، ص 36.
[23] السرحاني، ص 297.
[24] المملكة الأردنية الهاشمية، دائرة الإحصاءات العامة، "التقديرات السكانية لنهاية عام 2025" (عمّان: 2026)، ص 21.
[25] الدوايمة، ص 292.
[26] هويدي، ص 241.
[27] حتاملة، ص 195.
[28] السرحاني، ص 296-298.
[29] "مديرية التربية والتعليم لمنطقة قصبة المفرق"، وزارة التربية والتعليم الأردنية، شوهد في 4/5/2026، في: https://acr.ps/hBya1t1
[30] السرحاني، ص 459.
[31] حتاملة، ص 195.