الموجز
الجماعة السلفية المحتسبة جماعة دينية سعودية تأسست في المدينة المنورة عام 1966، نشأت من الحالة الدينية الوهابية بهدف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحظيت في بداياتها بمباركة المؤسسة الدينية الرسمية، ثم تحولت تدريجيًا بقيادة جهيمان بن محمد العتيبي (وُلد نحو عام 1936، وأُعدم في 9 كانون الثاني/ يناير 1980) إلى حركة معارضة جذرية للنظام السياسي السعودي. بلغت ذروتها في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1979، وهو اليوم الأول من سنة 1400 هجرية والتي عُدّت رأسَ القرن الهجري الخامس عشر، حين أقدم نحو ثلاثمئة من أتباعها على اقتحام المسجد الحرام بمكة المكرمة، وإعلان رفيق جهيمان، محمد بن عبد الله القحطاني (1935-1979)، مهديًا منتظرًا. امتدّ الحصار أسبوعين، وانتهى باسترداد المسجد وإعدام ثلاثة وستين من المهاجمين، من بينهم جهيمان نفسه.
تُعدّ الحركة واحدة من الحركات التي أثرت بالتيارات الجهادية اللاحقة، وقد أعادت الدولة السعودية بعد الحادثة تنظيم المجال الديني، وأطلقت موجة من الإجراءات المحافِظة في الفضاء العام.
السياق والنشأة
تكوّنت الجماعة السلفية المحتسبة في المدينة المنورة في النصف الثاني من ستينيات القرن العشرين، في سياق يتقاطع فيه عاملان أساسيان، الأول هو صعود تيار ما سمي أهل الحديث في المدينة بتأثير من الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (1914-1999)، الذي كان يدعو إلى تنقية الحديث النبوي مما يراه من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، والثاني هو نشوء توجه احتسابي شعبي عند بعض الشباب الذين رأوا قصورًا في أداء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الرسمية في إنفاذ ما يعتبرونه واجبًا شرعيًا[1].
في عام 1965 تعرّض عدد من الناشطين الشباب لاعتقالات بسبب اعتدائهم على متاجر تعرض دمى نسائية وعلى استوديوهات تصوير في المدينة، وجرى ترحيل اثنين من الطلاب غير السعوديين في الجامعة الإسلامية بالمدينة.
دفعت هذه الحادثة ستة من النشطاء السعوديين الشباب، من بينهم جهيمان العتيبي إلى التفكير في تأسيس إطار جماعي يضمن لهم استمرار النشاط الاحتسابي بمعزل عن الاصطدام بالأجهزة الأمنية، فتوجّهوا إلى الشيخ عبد العزيز بن باز (1912-1999)، نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة آنذاك، وعرضوا عليه تولّي إرشاد الجماعة، فقبل بشرط إضافة صفة "المحتسبة" إلى الاسم على نحو يُقرّب الجماعة من المرجعية الفقهية الوهابية ويُبعدها عن شبهة الجماعات المُختلَف في مشروعيتها[2].
تسمية الجماعة جاءت مساومةً بين نزوع شبابي إلى التنظيم وحرص على البقاء داخل المظلة المؤسسية الدينية، واختار ابن باز للجماعة نائبًا للمرشد هو الشيخ أبو بكر الجزائري (1921-2018)، الذي درّس في دار الحديث ثم في الجامعة الإسلامية بالمدينة منذ خمسينيات القرن العشرين، وكان معروفًا بولائه للسلطتين السياسية والدينية في السعودية، وشُكّل مجلس إداري من خمسة أعضاء بينهم الجزائري وأربعة من المؤسّسين الأصليين، في حين اعتاد الأعضاء أن ينادي بعضُهم بعضًا بلقب "الإخوان"[3].
التطور التنظيمي والتوسع الجغرافي
دخلت الجماعة طور التوسّع الفعلي في مطلع سبعينيات القرن العشرين، حين أنشأت لها مقرًا في حي الحرة الشرقية في المدينة المنورة، وكان مبنى من طابقين بُني لهذا الغرض وأُطلق عليه "بيت الإخوان". تولّى إدارة البيت طالب يمني في الجامعة الإسلامية بالمدينة يُدعى أحمد المعلّم، وتحوّل المقرّ إلى فضاء للدروس اليومية في علم الحديث ومحاضرات أسبوعية لأعضاء الجماعة. ألقى الدروس عدد من العلماء المنتسبين رسميًا إلى الجماعة كأبي بكر الجزائري وعلي المزروع ومقبل بن هادي الوادعي (1933-2001)، إضافة إلى شيوخ مقرّبين منها كالشيخ بديع الدين السندي (1926-1996) والشيخ سعد ندا. ووفق بعض الروايات، كان الألباني نفسه يلقي محاضرات حين زار المملكة في موسم الحج[4].
اتسعت الجماعة فأنشأت بيوتًا للإخوان في مدن أخرى على غرار بيت المدينة. وبحلول عام 1976، كان لها فروع في مكة المكرمة والرياض وجدة والطائف وحائل والدمام وبريدة، يرأس كل فرع منها "أمير". وداخل المقرّ الرئيس بالمدينة، نشأت أقسام وظيفية تتولّى ترتيب رحلات الأعضاء بين الفروع، واستقبال الضيوف، وتنظيم الجولات الدعوية في الريف. ترأّس جهيمان لفترة قسم الرحلات، وامتد نشاط الجماعة إلى عدد من دول الخليج، لا سيما الكويت حيث كان لها أتباع كثر[5].
تشير الإحصاءات المتوفرة في الدراسات الأكاديمية إلى أن عدد المنتمين إلى الجماعة ظلَّ محدودًا بالقياس إلى التيارات الإسلامية الأخرى في المملكة، لكنّ بنيتها التنظيمية وانضباطها الداخلي وقدرتها على التركيز في حيّز جغرافي محدود، عوامل منحتها حضورًا ملموسًا في المجال الديني خلال النصف الثاني من السبعينيات. وقد سعت الجماعة إلى مزاحمة هيئة الأمر بالمعروف الرسمية في عدد من وظائفها، من تنظيم حلقات التوعية وتوزيع الكُتيّبات إلى الاحتساب الميداني، بل والإفتاء[6].
الانشقاق وبروز جهيمان قائدًا
بدأت التوترات بين الجماعة والمؤسسة الدينية الرسمية عام 1976 إثر فتوى أصدرها علي المزروع تجيز للمسلم الاستمرار في الأكل في رمضان بعد الأذان الأول، استنادًا إلى تأويل بأنّه يدلّ على دخول وقت الصلاة لا على طلوع الفجر. أثارت الفتوى استياء العلماء الوهابيين بحكم مخالفتها للمشهور في المذهب الحنبلي، فمُنع المزروع من التدريس في المسجد النبوي. واستُدعي مقبل الوادعي للاستجواب من سلطتين دينيتين رفيعتين في المدينة هما القاضي عطية سالم (1927-1999) ومساعد الأمين العام للجامعة الإسلامية بالمدينة عمر فلاتة (1945-2024)، بشأن اثنتي عشرة من ممارسات الجماعة الدينية التي اعتُبرت إشكالية[7].
الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
توترت العلاقة مع الجماعة أواخر صيف 1977 حين توجّهت مجموعة من العلماء بقيادة أبي بكر الجزائري ومحمد السبيّل (1924-2012)، أحد أئمة المسجد الحرام، إلى بيت الإخوان في المدينة للضغط على الجماعة في اتجاه التخلّي عن ممارساتها المعارضة لما تعدّه المؤسسة الرسمية مذهبًا سائدًا. وانتهى الاجتماع المنعقد على سطح المبنى بمواجهة شفهية حادّة بين جهيمان والجزائري، وانفرط الاجتماع على التفاف غالبية الأعضاء، لا سيما الشباب، حول رفض جهيمان للمصالحة، في حين أعلن الجزائري عودة بيت الإخوان إلى المعيار الحنبلي-الوهابي[8].
تحوّل الانشقاق عمليًا إلى قطيعة كاملة، إذ انتقل جهيمان وأتباعه إلى مقرّ خاص هو بيت جهيمان، ثم أعلنت فروع الجماعة الأخرى ولاءها له، في حين تخلّت العناصر القريبة من المؤسسة الرسمية، ومن بينهم الجزائري، عن الجماعة. وسحبت الجماعة الرسمية التابعة للجامعة الإسلامية بالمدينة دعمها، وفي عام 1977 قُطعت كل الصلات الرسمية بين هيئة الأمر بالمعروف والمحتسبين الشعبيين الذين كانوا يُعتبرون أعضاء فخريين في جماعة جهيمان، وكثّفت السلطات السياسية جهودها لاحتواء التيار في إطار عملها لاستعادة احتكارها لوظيفة الحسبة، حيث أصدر الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود (1913-1982) في عام 1976 مرسومًا ملكيًا وحّد بموجبه لجان هيئة الأمر بالمعروف في رئاسة عامة واحدة بمرتبة وزير[9].
في كانون الأول/ ديسمبر عام 1977 حدثت موجة اعتقالات شملت نحو مئة وخمسين شخصًا من أعضاء الجماعة، من بينهم علي المزروع ومقبل الوادعي ومحمد بن عبد الله القحطاني وبديع الدين السندي. أُفرج عنهم بعد أكثر من شهر بقليل بشفاعة عدد من علماء المؤسسة الرسمية، وفي مقدّمتهم ابن باز. أما جهيمان نفسه، فقد بلغه التحذير من اعتقال وشيك قبل الموجة بقليل، فتمكّن من الفرار إلى البادية النجدية. وبدأت رحلة هروب طويلة لم تنتهِ إلا في تشرين الثاني/ نوفمبر 1979، ظلّ خلالها على اتصال وثيق بأتباعه عبر شبكة من المُقرّبين الذين يحملون إليه رسائل القيادة ويعقدون باسمه اجتماعات سرّية في مواقع نائية[10].
فكر جهيمان ورسائله
أنتجت الجماعة بين منتصف عام 1978 ومطلع عام 1979 اثنتي عشرة رسالة جاءت في ثلاث دفعات: رسالة أولى، ثم سبع رسائل، ثم أربع رسائل ختامية. تُعرف هذه الرسائل بـرسائل جهيمان، وإن كان عدد منها لا يحمل توقيعه الشخصي، حملت ثماني رسائل فقط توقيع جهيمان، في حين وقّع القحطاني رسالة واحدة، وحسن بن محسن الواحدي اليمني رسالة أخرى، ووقّعت رسالتان باسم مستعار هو "أحد طلبة العلم"، وكان جهيمان قد ترك المدرسة في مرحلة مبكرة من تعليمه الابتدائي[11].
طُبعت رسائل الجماعة في الكويت في مطابع صحيفة الطليعةاليسارية، عبر اتصال أتاحته العلاقات العائلية لأحد الأعضاء الكويتيين، وهو عبد اللطيف الدربس. وقد وافق أصحاب الصحيفة الذين رأوا في الأمر إسهامًا في مواجهة ما عدّوه النظام الرجعي لآل سعود، على تحرير الفواتير بسعر التكلفة[12].
أُتيحت الرسالة الأولى المعنونة رفع الالتباس عن ملة من جعله الله إمامًا للناس في توزيع متزامن في عواصم المملكة في آب/ أغسطس عام 1978. ولحقتها السبع التالية في موسم الحج في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، ثم الأربع الأخيرة في الأشهر التالية. ووفق رواية جهيمان نفسه، عُرضت بعض الرسائل على ابن باز قبل النشر، فأقرّ مضمونها العام مع تحفّظه على استهداف السعودية تحديدًا[13].
تكشف الرسائل عن منظومة فكرية ثلاثية الأركان، أولها الالتزام الصارم بفكرة التوحيد وفق الرؤية الوهابية، وثانيها رفض شرعية الدولة السعودية لاعتبارات تتعلق بسلوك نظامها الحاكم وعدم انتساب الأسرة الحاكمة إلى قريش، وثالثها هي المهدوية، وهي انتظار عودة المهدي المنتظر وربط الأحداث المعاصرة بأشراط الساعة.
ترسم الرسالة الأولى من رسائل الجماعة موقعها في المجال الديني السعودي عبر التمييز بين ثلاث جماعات: الأولى يصفهم جهيمان بأنهم وهابيون يواجهون عبّاد القبور والصوفية، والثانية أهل حديث يتوسّعون في نقد المذاهب الفقهية وتنقية السنة (في إشارة إلى الألباني وأتباعه)، والثالثة تخصّص جهدها لمواجهة الشيوعية وتسعى للانخراط في الحكم (في إشارة إلى تيار الإخوان المسلمون). ويرى جهيمان أن جماعته يجب أن تتميّز عن الجميع بالتمسّك بمبدأ "ملة إبراهيم"، الذي يستلزم البراءة الكاملة من غير الموحّدين، سواء أكان شركهم دينيًا أم سياسيًا، مع رفض التقليد المذهبي والاكتفاء بالاستدلال بالقرآن والحديث[14].
في رسالة البيان والتفصيل في وجوب معرفة الدليل، التي كتبها صهر جهيمان محمد القحطاني، تتخذ الجماعة موقفًا يرى فساد المدارس والمعاهد والكليات في السعودية، حيث تراها قائمة على معصية الله باستخدام الصور الفوتوغرافية، ورفقاء السوء، وسوء طرق التعليم[15].
في رسالة الإمارة والبيعة والطاعة، يُقدّم جهيمان موقفه السياسي الأكثر تفصيلًا، حيث يصف الدولة السعودية بأنها جعلت الدين وسيلة لحفظ مصالحها في الدنيا، وأوقفت الجهاد، وأعطت الولاء للنصارى، ونشرت الفساد بين المسلمين[16]، لكنّه يرفض إعلان التكفير الفردي على الحكام، وينقل النقاش إلى مستوى المؤسسات، من خلال التصويب على شرعية الدولة في ذاتها. ووفق هذا التمييز، يرى جهيمان، أن البيعة تَبطُل بين الدولة السعودية وشعبها بسببين متلازمين هما، وفق رؤية جهيمان وجماعته، مخالفة الشريعة في السلوك والسياسات العامة، وكون آل سعود ليسوا من قريش، وفق ما يراه جهيمان شرطًا للإمامة، وهو يرى أن النتيجة العملية لذلك هي الدعوة إلى مقاطعة مؤسسات الدولة، بما فيها التعليم الرسمي، الذي يصفه بأنه يقع تحت سيطرة الإخوان والاستقالة من الوظيفة العامة. استجاب كثير من أعضاء الجماعة من الطلاب في الجامعة الإسلامية بالمدينة ومن الموظفين الحكوميين لهذا التوجيه[17].
أبقى جهيمان على تمييز بين الأفراد والمؤسسات في تعامله مع علماء المؤسسة الدينية الرسمية، إذ كان شديد النقد للمؤسسة الدينية، لكنه تجنب التكفير الشخصي، وأبقى على احترام خاص لابن باز حتى نهاية حياته[18].
الفكرة المهدوية وتعيين القحطاني
كانت فكرة المهدوية مركزية في فكر جهيمان، وكانت القناعة الراسخة لديه ولاتباعه بأن مجيء المهدي وشيك وأن مكة هي المدينة التي سيحل بها[19]. وظلّت مسألة المهدي وأشراط الساعة موضع اهتمام في الجماعة منذ بداياتها، لكنّها لم تنتقل إلى مركز الخطاب إلا في صيف 1978 بتأثير من جهيمان، حيث خُصّصت الرسالة الأولى من الرسائل السبع للحديث عن المهدي حصرًا، والتي سماها جهيمان الفتن وأخبار المهدي ونزول عيسى وأشراط الساعة، ويستعرض فيها جهيمان ما يعتبره من الأحاديث الصحيحة في الموضوع، ويُحاول ربطها بأحداث تاريخية حديثة في الجزيرة العربية[20].
في الفترة نفسها أعلن جهيمان أن رؤيا في المنام أكّدت له أن رفيقه وصهره محمد بن عبد الله القحطاني، الإمام السابق لمسجد الرويل في الرياض، هو المهدي المنتظر، حيث رأى جهيمان أن القحطاني كانت تنطبق عليه الأوصاف الواردة في بعض الأحاديث حول المهدي المنتظر، فاسمه واسم أبيه يطابقان اسمَي النبي محمد وأبيه، وادّعى أنه شريف يصل نسبه إلى النبي محمد، ووصفه يتطابق مع أوصاف المهدي في الأحاديث، وسبق هذا الإعلان تداولُ فكرة مهدوية القحطاني في الحلقة الضيقة من تلاميذه في مسجد الرويل قبل سنوات، وبتبنّي جهيمان للموقف صار خطًا رسميًا للجماعة[21].
لم يكن الخطاب المهدوي محل إجماع داخل الجماعة، إذ ترك بعضُهم الجماعة، في حين بقي آخرون إما وفاءً للجماعة أو انجذابًا لكاريزما جهيمان، والمجموعة المتبقّية بعد هذا الفرز الأخير هي التي أقدمت على اقتحام المسجد الحرام[22].
التخطيط لاقتحام الحرم
ترافق التحول المهدوي للجماعة مع عسكرة متصاعدة، استلزمتها قناعة المجموعة بأن مواجهة قوى تعارض ظهور المهدي ستكون حتمية. منذ أواخر 1978، شرع أعضاء الجماعة في جلب أسلحة من اليمن عبر طرق التهريب التقليدية في جنوب السعودية. وفي الأشهر التي سبقت الاقتحام، انخرط الأعضاء في تدريبات على استخدام الأسلحة في مناطق ريفية قرب مكة والمدينة. وعقدوا في تشرين الأول/ أكتوبر عام 1979 اجتماعًا في مكة المكرمة في موسم الحج، قبل أسابيع من بداية القرن الهجري الخامس عشر[23].
اختار جهيمان اليومَ الأول من سنة 1400 هجرية (الموافق 20 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1979) لتنفيذ العملية، استلهامًا لحديث نبوي يُنبئ بمجيء مجدّد للدين في رأس كل قرن. كان الهدف المباشر هو السيطرة على المسجد الحرام ومبايعة القحطاني مهديًا بين ركن الكعبة الذي يحتوي الحجر الأسود ومقام إبراهيم، وكان جهيمان وأتباعه يعتقدون أن هذه المبايعة ستفتح مرحلة حكم المهدي كمقدّمة لنهاية العالم[24].
شارك في اقتحام المسجد الحرام مئات المسلحين من جماعة جهيمان العتيبي، وقدّرت برقية دبلوماسية أميركية معاصرة للحادثة عددهم بنحو 300 شخص[25]، وأنهم خبّأوا في أقبية المسجد الحرام قبل أيام من الهجوم كميات محدودة من المؤن[26].
الاقتحام والحصار
في فجر يوم الثلاثاء 20 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1979، الموافق للأول من شهر محرّم عام 1400 للهجرة، أقدم جهيمان ومجموعته على اقتحام المسجد الحرام عقب صلاة الفجر، وأعلنوا للحجاج الحاضرين ظهور المهدي ووجوب مبايعته. وضع هذا الأمر السلطة السعودية أمام إشكال شرعي حقيقي، إذ تمنع الأحكام الفقهية الكلاسيكية القتال داخل الحرم، وهو ما استلزم تدخّل المؤسسة الدينية الرسمية لإصدار غطاء شرعي يُجيز استخدام القوة، وهو ما تحقق بفتوى أصدرتها هيئة كبار العلماء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز[27].
استغرقت العملية العسكرية لاسترداد الحرم المكي أسبوعين كاملين، شاركت فيها القوات السعودية بمساعدة استشارية من فريق فرنسي تابع لمجموعة التدخل التابعة للدرك الوطني (GIGN) بقيادة النقيب بول باريل (Paul Barril)[28].
قُتل القحطاني في الأيام الأولى من الحصار في تبادل لإطلاق النار، وسعى جهيمان إلى إخفاء النبأ عن أتباعه خشية انهيار معنوياتهم، حتى إن بعض الناشطين ظلّ مقتنعًا بحياة المهدي لسنوات بعد العملية، رغم بثّ التلفزيون السعودي صور جثته من زوايا متعددة[29].
النهاية والإعدامات
جهيمان العتيبي عقب اعتقاله عام 1980
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أسفرت عملية اقتحام واحتلال الحرم المكي ثم تحريره عن مقتل 127 ضابطًا وجنديًا سعوديًا، وإصابة 450 بجروح[30]، بالإضافة لمقتل 75 من المسلحين، و26 من المدنيين، وإصابة ما يقارب 110، وذلك وفق تقارير سعودية. بينما تذهب تقارير أخرى لتجاوز عدد الضحايا الألف قتيل[31].
بعد محاكمات سريعة، نُفذ حكم الإعدام في ثلاثة وستين من المشاركين في احتلال الحرم، من بينهم جهيمان، وذلك في 9 كانون الثاني/ يناير 1980، في حين حُكم على الباقين بأحكام سجن طويلة. وأعقبت عملية تحرير الحرم موجة اعتقالات واسعة طالت من كان له اتصال بالجماعة في الأشهر والسنوات السابقة، وجرى تفكيك الجماعة بشكل شبه كامل في السعودية خلال أسابيع، في حين لجأ من تبقّى من الأعضاء إلى المناطق الصحراوية في شمال السعودية، أو إلى الكويت واليمن حيث ظلّ للجماعة بعض القواعد، وأُعلن الألباني الذي اتُّهِمَ بإلهام جهيمان شخصًا غير مرغوب فيه في السعودية لعدة سنوات[32].
أعادت السلطات السعودية بعد الحادثة هيكلة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأصدرت لائحة تنظيمية وطنية جديدة لها بعد أشهر قليلة من العملية، وكلفت رئيسها آنذاك عبد العزيز بن محمد آل الشيخ (ت. 2005) بإعادة تنظيم بنيتها، وتضاعفت ميزانيتها، فارتفعت من 85,7 مليون ريال عام 1979 إلى أكثر من 203 ملايين ريال عام 1985، وذلك رغم الأزمة الاقتصادية الحادّة في هذه الفترة بسبب تراجع أسعار النفط، كما توسّعت مظاهر الالتزام الديني في الفضاء العام السعودي، فأُغلقت دور السينما، واختفت المغنيات من شاشة التلفزيون السعودي، وأصبح للمجال الديني حضور أقوى في ميزانية الدولة وفي المنابر الرسمية[33].
المراجع
العربية
الحزيمي، ناصر. أيام مع جهيمان: كنت مع الجماعة السلفية المحتسبة، ط 2، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2011.
العتيبي، جهيمان. رسالة الإمارة والبيعة والطاعة وحكم تلبيس الحكام على طلبة العلم والعامة. منبر التوحيد والجهاد، نسخة إلكترونية.
الأجنبية
Bunzel, Cole ."Toward the Seizure of the Grand Mosque in Mecca: The Writings and Ideology of Juhaymān al-ʿUtaybī and the Ikhwān." DieWeltdesIslam, vol. 63, no. 4 (2023), pp. 1-35.
Hegghammer, Thomas & Stéphane Lacroix. "Rejectionist Islamism in Saudi Arabia: The Story of Juhayman al-ʿUtaybi Revisited." International Journal of Middle East Studies. vol. 39, no. 1 (2007), pp. 103-122.
Lacroix, Stéphane. Awakening Islam: The Politics of Religious Dissent in Contemporary Saudi Arabia. George Holoch (trans.). Cambridge, MA: Harvard University Press, 2011.
Mouline, Nabil. The Clerics of Islam: Religious Authority and Political Power in Saudi Arabia. Ethan S. Rundell (trans.). New Haven: Yale University Press, 2014.
Trofimov, Yaroslav. The siege of Mecca: the forgotten uprising in Islam’s holiest shrine and the birth of al Qaeda. New York: Anchor House, 2007.
- Telegram From the Embassy in Saudi Arabia to the Department of State and Multiple Diplomatic and Consular Posts, Office of the Historian, 21/11/1979.
[1] Stéphane Lacroix, Awakening Islam: The Politics of Religious Dissent in Contemporary Saudi Arabia, George Holoch (trans. ((Cambridge, MA: Harvard University Press, 2011), pp. 88-89.
[2] Lacroix, p. 89.
[3] Ibid., p. 90. And: Nabil Mouline, The Clerics of Islam: Religious Authority and Political Power in Saudi Arabia , Ethan S. Rundell (trans. ((New Haven: Yale University Press, 2014), p. 211.
[4] Lacroix, p. 90.
[5] Lacroix, p. 91.
[6] Mouline ,pp. 211-212.
[7] Lacroix, pp. 91-92.
[8] Lacroix, pp. 92-93.
[9] Mouline, p. 212.
[10] Lacroix, pp. 93-94.
[11] Thomas Hegghammer & Stéphane Lacroix, "Rejectionist Islamism in Saudi Arabia: The Story of Juhayman al-Utaybi Revisited," International Journal of Middle East Studies, vol. 39, no. 1 (2007), pp. 109-112; Lacroix, pp. 94-95.
[12] Lacroix, p. 95.
[13] Ibid.
[14] Lacroix, pp. 96-97.
[15] ناصر الحزيمي، "أيام مع جهيمان: كنت مع الجماعة السلفية المحتسبة"، ط 2، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2011)، ص 91-92.
[16] جهيمان العتيبي، "رسالة الإمارة والبيعة والطاعة وحكم تلبيس الحكام على طلبة العلم والعامة"، منبر التوحيد والجهاد، نسخة إلكترونية، ص 35.
[17] Lacroix, p. 97; Hegghammer & Lacroix, pp. 110-115.
[18] Lacroix, p. 97.
[19] Cole Bunzel, “Toward the Seizure of the Grand Mosque in Mecca: The Writings and Ideology of Juhaymān al-ʿUtaybī and the Ikhwān," Die Welt des Islams, vol. 63, no. 4 (2023).
[20] الحزيمي، ص 72-74.
[21] Ibid.
[22] Ibid.
[23] Lacroix, pp. 98-99.
[24] Lacroix, p. 99, and: Hegghammer & Lacroix, pp. 115-118.
[25] “201. Telegram From the Embassy in Saudi Arabia to the Department of State and Multiple Diplomatic and Consular Posts,” Office of the Historian, 21/11/1979, accessed on 12/10/2026 on: https://acr.ps/hBy7v9t
[26] Lacroix, p. 99.
[27] Hegghammer & Lacroix, pp. 115-120; Lacroix, p. 99.
[28] Lacroix, p. 99.
[29] Lacroix, p. 99.
[30] Yaroslav Trofimov, “The siege of Mecca: the forgotten uprising in Islam’s holiest shrine and the birth of al Qaeda,” (New York: Anchor House, 2007), p. 285.
[31] Ibid, p. 222-225.
[32] Lacroix, pp. 99-100.
[33] Mouline, pp. 213-214.