تسجيل الدخول

علي الدرويش

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الاسم

علي بن إبراهيم بن علي الدرويش المصري

تاريخ الميلاد

1884

مكان الميلاد

حلب، ولاية حلب، الدولة العثمانية

تاريخ الوفاة

1952 (68 عامًا)

مكان الوفاة

حلب، الجمهورية السورية

الجنسية

سورية

الدور العام

أستاذ موسيقي

​أبرز المؤلفات
النظريات الحقيقية في علم القراءة الموسيقية​

الموجز

علي الدرويش (1884-1952)، أستاذ موسيقى وملحن وأحد أهم موثقي الموسيقى العربية في القرن العشرين. نشأ في حلب في بيئة صوفية مولوية صقلت مواهبه النغمية مبكرًا. تلقى علومه الموسيقية الأولى على كبار شيوخ الطرب في حلب، ثم تعمق في المقامات والإيقاعات الشرقية على يد الموسيقي التركي كوجك عثمان بك (Küçük Osman Bey، 1825-1900)، وتعلم النوتة والنظريات الغربية من المعلم مهران السلانيكي. جمع الدرويش بين الأصالة التراثية والمعرفة الأكاديمية، فبرع في العزف على آلة الناي، والتدوين الموسيقي بالنوتة الحديثة، والتدريس، والتلحين في مختلف القوالب التقليدية كالموشحات والأدوار والسماعي واللونغة. اتسمت مسيرته المهنية بالترحال والبحث والتنظير، فبين عامي 1912 و1914، قاد فرقة موسيقية بدعوة من حاكم المحمرة الشيخ خزعل الكعبي (1861-1936)، زار خلالها العراق وإيران والهند للاطلاع على موسيقاها. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، انتقل إلى الأناضول ثم الأستانة، حيث درس ودَرّس في معهد دار الألحان (Darülelhan)، ووضع مؤلفه النظريات الحقيقية في علم القراءة الموسيقية. عقب عودته إلى حلب عام 1923، أسس فرقة موسيقية أحيت حفلات في سورية وتركيا. وفي عام 1927، دُعي للتدريس في المعهد الملكي للموسيقى العربية بالقاهرة، حيث أسهم في توثيق الموشحات. 

ارتبط الدرويش بعلاقة علمية وثيقة بالمستشرق البارون رودولف ديرلانجي (Rodolphe d'Erlanger، 1872-1932)، وسافر إلى تونس عام 1931 لمعاونته في إعداد أبحاث مؤتمر الموسيقى العربية الأول بالقاهرة (1932)، الذي كان فيه الدرويش الممثل الوحيد لسورية في لجان المقامات والإيقاعات. امتدت إقامته في تونس حتى عام 1939، حيث دَرّس في المعهد الرشيدي وعمل في الإذاعة التونسية، وأجرى مسحًا تراثيًّا شاملًا نجح من خلاله في تدوين 14 نوبة من المالوف الأندلسي، كذلك شارك في صياغة الجزأين الخامس والسادس من موسوعة ديرلانجي الموسيقى العربية (1930-1959)La musique arabe، واضعًا نظامًا سلّميًّا دقيقًا يقوم على "الكوما الهُلْدِرِيّة" (Holdrian comma). 

قضى الدرويش أعوامه الأخيرة متنقلًا بين التدريس والتسجيل الإذاعي، فزار إذاعة القدس عام 1944، ثم دَرّس في معهد الفنون الجميلة ببغداد (1946-1951)، وتتلمذ على يديه عازفون منهم الأخوان منير بشير (1930-1997) وجميل بشير (1921-1977). عاد الدرويش إلى حلب عام 1951، حيث عمل في معهدها وإذاعتها الناشئة، حتى وفاته فيها، تاركًا إرثًا تدوينيًّا ونظريًّا أسهم في حفظ التراث الموسيقي العربي وتوثيقه.

نشأته وتعليمه

وُلد علي بن إبراهيم بن علي الدرويش المصري في مدينة حلب لأسرة صوفية، وتعود أصوله العائلية إلى مديرية المنوفية بمصر، إذ وفد جده علي إلى بلاد الشام ضمن حملة إبراهيم باشا (1789-1848) العسكرية، ثم استقر في حلب وتزوج فيها، ليرزق بإبراهيم الذي أصبح لاحقًا أحد أعلام الطريقة المولوية المعروفة باهتمامها بفنون النغم والإيقاع والرقص الصوفي. تلقى علي الدرويش تعليمه الابتدائي في المدرسة الأشرفية، وواكب خلال تلك الفترة حلقات الذكر والإنشاد في التكية المولوية. حظيت موهبته الموسيقية المبكرة برعاية شيخ الطريقة المولوية في حلب، عامل جلبي (ت. 1908)، الذي عهد إليه بأداء الأذان خلال شهر رمضان، ووجه والده إلى تلقينه ألحان المولوية وموشحاتهم لإشراكه في الحفلات الصوفية[1].

تتلمذ الدرويش على أيدي أبرز علماء الموسيقى والطرب في عصره، وحفظ عنهم قوالب الغناء التقليدية السائدة كالموشحات، والتواشيح، والقصائد، والأدوار، والقدود. عُرف في الأوساط الفنية الحلبية بنباهته، وقوة ذاكرته، وسعة درايته بالمقامات والإيقاعات الشرقية. ومن أبرز الأساتذة الذين تلقى العلم عنهم: محمد الوراق (1828-1910)، ومصطفى المعظم (1829-1929)، وإسماعيل الناشد (1840-1920)[2].

وأُتيح للفتى أن يدرس الفن على يد واحد من أبرز الموسيقيين الأتراك، هو كوجك عثمان بك، مؤذن السلطان عبد العزيز (1830-1876)، الذي أبعده السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918) إلى حلب، فتعلم على يديه المقامات الموسيقية، والإيقاعات وكيفية ضربها باليدين وباليد الواحدة، مع تحليل كل إيقاع منها على أصل قاعدة البسيط والمركب والأعرج[3].

تعلم الدرويش قواعد الصولفيج والقراءة الموسيقية على يد المعلم مهران السلانيكي، وتلقى دروسًا خاصة في آلات النفخ وأصول الغناء والإيقاع على يد شرف الدين بك، كذلك أخذ رقص السماح عن الشيخين: أحمد عقيل (1813-1913)، ومحمد صالح الجذبة (1858-1922). وبالتوازي مع دراسته الموسيقية، التحق بالمدرسة العثمانية المتوسطة وتخرج فيها بعد أربعة أعوام، فنُسب إليها بلقبه العثماني. أما لقب الدرويش فجاء لانتسابه إلى الطريقة المولوية وحيازته رتبة قُدُوم زَن باشي (رئيس جماعة الموسيقيين والمنشدين في التكية المولوية)[4].

بحثه الموسيقي ورحلاته الأولى

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ركز الدرويش أبحاثه الموسيقية الأولى على تقصي أصول الموسيقى العربية، فجمع وتدارس تراث الموشحات، والأغاني الشعبية، والقدود الحلبية، ويُعدّ أول من دوّن وثبّت فاصل "اسقِ العطاش" الشهير، إلى جانب توثيقه ألحان أبي خليل القباني (1842-1902) وموشحاته. اتسعت دائرة بحوثه لاحقًا لتشمل المقامات والموسيقى العراقية. وفي إطار الموسيقى الصوفية المولوية، وضع مؤلفات نغمية خاصة بالأصوات والآلات، ونماذج غنائية باللغة التركية متأثرة بالموسيقى العثمانية القديمة، إضافةً إلى صياغته ألحانًا مولوية طقسية مشتركة الكلمات بين العربية والتركية تُعرف بـ "آيين شريف" (الألحان القدسية)، ومنها فاصل "آيين كرديلي حجاز كار" المدون بالنوتة الحديثة والمحفوظ في مكتبته الخاصة بحلب[5].

رحلته إلى إمارة المحمرة

وصلت أخبار علي الدرويش إلى أسماع حاكم المحمرة والأحواز الشيخ خزعل الكعبي، فأرسل إليه طالبًا تشكيل فرقة غنائية تحل في دياره وقصره. وكان الشيخ خزعل مولعًا بالموسيقى والغناء، وله ميول أدبية واضحة. فشكل الدرويش فرقةً من أهم موسيقيي حلب، ضمت: عمر البطش (1885-1950)، وعازف الإيقاع محمد طيفور، وسواهما. وأقامت الفرقة في المحمرة عامين (بين 1912 و1914)، ارتبط خلالهما بعلاقة صداقة وطيدة بالشيخ خزعل، وفي أثناء ذلك زار بغداد وطهران ومومباي في الهند، للاطلاع على الموسيقى الفارسية والهندية، وكان يخوض سجالات موسيقية مع الموسيقيين والمغنين الفرس الذين كان الشيخ خزعل يستضيفهم في قصره[6].

رحلته إلى تركيا

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، عاد علي الدرويش من المحمرة إلى مدينته حلب، وتقدم لمسابقة اختيار مدرسين لمادة الموسيقى، هربًا من التجنيد الإلزامي على ما يبدو، فقُبل وعُين في مدارس ولاية قسطموني (Kastamonu)، شمال الأناضول، وأسس هناك عدة فرق نحاسية وضع لها الألحان العسكرية، كذلك ألف في هذه الفترة عددًا من الموشحات التركية. وبعد نهاية الحرب، التحق بمعهد دار الألحان في العاصمة، الذي يُعد أكاديمية عليا للموسيقى في ذلك العهد، فتعمقت معارفه الموسيقية على يد كبار أساتذة النغم الأتراك، أمثال: العواد علي صلاحي (Ali Salahi Bey، 1878-1945)، ورؤوف يكتا بك (Rauf Yekta Bey، 1871-1935)، وإسماعيل بك حقي (İsmail Hakkı Bey، 1865-1927)[7].

فرقة موسيقية حلبية

عاد علي الدرويش من إسطنبول إلى حلب عام 1923، وترأس قسم الموسيقى في نادي الصنائع للفنون النفيسة، فشرع فور تسلمه هذا المنصب في تأسيس فرقة موسيقية كبيرة ضمت خيرة عازفي حلب ومطربيها آنذاك، وبدأت الفرقة بإقامة الحفلات في حلب وبعض المدن السورية، فحظيت بشهرة كبيرة وصل صداها إلى إسطنبول، التي أرسلت إليهم دعوات للغناء على مسارحها، فسافرت الفرقة إليها في صيف عام 1924، وأقامت عدة أشهر تحيي الحفلات في مختلف مسارح المدينة. وعادت إلى حلب عام 1925 لتواصل حفلاتها وتقدم الجديد من الألحان والموشحات حتى عام 1927[8].

رحلته إلى مصر

في أواخر عام 1927، تلقى علي الدرويش دعوة من إدارة النادي الموسيقي الشرقي في القاهرة (المعهد الملكي للموسيقى العربية) للتدريس في المعهد، واشتُريت حقوق كتابه النظريات الحقيقية في علم القراءة الموسيقية لتدريسه في المعهد، وعقدوا معه عقدًا مدته ثلاثة أعوام، كتب خلالها الموشحات والأدوار القديمة المعروفة في مصر، ودرّس الصولفيج تلامذةَ المعهد، ودرّس الناي، واشترك معهم في حفلاتهم[9].

صداقته مع المستشرق ديرلانجي

التقى الدرويش عام 1931 بالمستشرق والمؤرخ الموسيقي البارون رودولف ديرلانجي، الذي كان يزور مصر بصحبة كاتبه المنوبي السنوسي (1901-1966) بدعوة من الملك فؤاد الأول (1868-1936) لتقييم الوضع الموسيقي بالمعهد الملكي. توثقت الصلة بين الطرفين، وحين رغب ديرلانجي في مراجعة وثائق المقامات والإيقاعات الشرقية التي جمعها سابقًا من إسكندر شلفون (1882-1934) للتحقق من علميتها قبل عرضها في المؤتمر الدولي المزمع عقده، طلب من الملك فؤاد إيفاد الدرويش معه إلى تونس. نال الدرويش إجازة رسمية من المعهد وسافر إلى تونس، حيث أقام في قصر البارون بضاحية سيدي بوسعيد، وتشاركا الأبحاث النظرية التي مهدت لوضع التصورات الأساسية لـ"مؤتمر الموسيقى العربية الأول"[10].

مؤتمر الموسيقى العربية الأول

انعقد مؤتمر الموسيقى العربية الأول بالقاهرة في 16 آذار/ مارس 1932 بناءً على مقترح قدمه البارون ديرلانجي للملك فؤاد الأول. شارك الدرويش في المؤتمر بدعوة رسمية من الديوان الملكي، إلى جانب نخبة من علماء الموسيقى والمستشرقين العرب والأوروبيين. تميز الدرويش بكونه الممثل الوحيد لسورية في اللجان البحثية للمؤتمر الذي استمر قرابة شهر، وتركزت إسهاماته في لجنتي المقامات والإيقاعات، إذ قدّم دراسات تحليلية حول الأنغام المستعملة في الأقطار العربية عامةً، ومدينة حلب خاصةً. وثق المؤتمر تلك الأبحاث مع الإشادة بأدائه وتطبيقاته العملية خلال الجلسات، ونُشرت أعماله لاحقًا ضمن كتاب المؤتمر الشامل الذي تُرجم إلى عدة لغات[11].

إقامته في تونس (1932-1939)

عاد الدرويش إلى تونس عقب اختتام أعمال المؤتمر لمتابعة أبحاثه المشتركة مع البارون ديرلانجي. وتعاقدت معه وزارة المعارف التونسية لتدريس النظريات الموسيقية، والقراءة (الصولفيج)، وآلة الناي، إضافةً إلى تدريب الفرق الغنائية على الموشحات والمقطوعات التراثية في "المعهد الرشيدي للموسيقى التونسية". امتدت إقامته هناك قرابة سبعة أعوام، شارك خلالها عازفًا وملحنًا مع كبار أقطاب الموسيقى التونسية، وفي مقدمتهم: خميس الترنان (1894-1964)، ومحمد التريكي (1899-1998). ومن أبرز تلاميذه الذين تخرجوا على يديه الموسيقار صالح المهدي (1925-2014)[12].

مع الطرب الأندلسي المغاربي

أجرى الدرويش برفقة البارون ديرلانجي مسحًا ميدانيًا شاملًا استغرق عامًا كاملًا، طافا خلاله مختلف أنحاء البلاد التونسية وأقطار المغرب العربي، بحثًا وتنقيبًا عن المأثورات الغنائية والموسيقية المنحدرة من الأصول الأندلسية. اعتمد هذا المسح التراثي على تدوين الألحان بالنوتة الموسيقية الحديثة وتسجيلها على أسطوانات مباشرة من الرواة والحفظة المحليين، ونجح الدرويش في جمع رصيد وافر من النوبات والملحقات الأندلسية وتدوينه، محتفظًا بنسخ منها في مكتبته الخاصة بحلب[13]. وعقب وفاة البارون ديرلانجي أواخر عام 1932، تولى الدرويش إكمال الفصول الناقصة من موسوعته الموسيقى العربية التي صدرت لاحقًا. ويشير عدد من الباحثين الموسيقيين إلى بصمة الدرويش الجلية وتأثيره العلمي في صياغة بعض فصول هذا العمل[14].

في الإذاعة التونسية

عمل علي الدرويش في الإذاعة التونسية، وقدم بعض الإنتاج الموسيقي الإذاعي، وتحتفظ الإذاعة التونسية الآن بعدد كبير من الموشحات السورية والحلبية بصوت فرقة الإذاعة التونسية أشرف على تسجيلها علي الدرويش. وخلال إقامته هناك، تجول برحلات من تونس مع بعض أصدقائه من الفنانين التونسيين إلى أوروبا، فزار إيطاليا وفرنسا وألمانيا وغيرها، حيث شاهد واستمع طويلًا إلى الحفلات السيمفونية ودور الأوبرا والأوبريت، وأُعجب بتقدم ذلك الفن. وفي نهاية عام 1939، مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، قفل الشيخ عائدًا إلى حلب للمرة الأخيرة، مصطحبًا تلك المؤلفات الموسيقية القيمة التي حصل عليها خلال إقامته في الديار التونسية[15].

أعوامه الأخيرة

عاد علي الدرويش إلى مدينته حلب التي لم ينقطع عنها في العطلات الصيفية خلال إقامته المديدة في تونس، حيث أسهم في صيف عام 1935 بتأسيس نادي حلب للموسيقى[16]، ثم أخذ يعد سلسلة من المقالات الموسيقية في بعض الصحف والمجلات منها مقالات في صحيفة الدستور الحلبية. وفي عام 1942، عُيّن عميدًا ومدرسًا في القسم الشرقي للمعهد الموسيقي، ولكن بسبب ظروف الحرب أُغلق المعهد في أوائل عام 1944[17].

في إذاعة القدس

وفي عام 1944، دُعي علي الدرويش إلى دار الإذاعة الفلسطينية في القدس لتسجيل مجموعة من الموشحات الأندلسية القديمة، بمرافقة فرقة الإذاعة الموسيقية ومنشدي "كورس القدس"، وهناك عرف كثيرًا من الفنانين الفلسطينيين أمثال يوسف البتروني (ت. 1958)، الذي كان مسؤولًا عن فرقة الموسيقى العربية الحديثة في الإذاعة وتدريبها، والفنانين: يحيى السعودي (1905-1965)، ويحيى اللبابيدي (1900-1941) اللذين كانا مسؤولين عن قسم الموسيقى العربية في إذاعة القدس، والفنان الملحن والمطرب روحي الخماش (1923-1998)[18].

أستاذ في معهد فنون بغداد

دُعي علي الدرويش عام 1946 للتدريس في معهد الفنون الجميلة في بغداد، وهناك دعته أيضًا دار الإذاعة العراقية إلى تسجيل نخبة من ألحان التراث القديم والموشحات الأندلسية، فعمل على تسجيلها مع الفرقة الموسيقية والمنشدين العائدين إلى الإذاعة العراقية. وبعد خمسة أعوام في العراق، ألم به مرض عضال فتقدم باستقالته عام 1951، وقفل عائدًا إلى حلب ليعمل في معهدها الموسيقي وإذاعتها المنشأتين حديثًا، بعد أن ترك في بغداد نخبة طيبة من طلابه أشهرهم عازفا العود الأخوان منير وجميل بشير. ولم يلبث في مدينته حلب غير عام واحد، حيث عمل في معهدها الموسيقي وفي إذاعتها، وسجل عددًا من الموشحات النادرة مع فرقة إذاعة حلب قبل وفاته عام 1952[19].

إسهاماته

تنوعت جهود الدرويش الموسيقية، وتوزعت عبر مسيرته الحافلة بالترحال بين مجالات التنظير والتدريس، والممارسة الفنية عازفًا وملحنًا ومنشدًا. ويمكن إجمال أبرز إسهاماته في المحاور الرئيسة الآتية.

في التنظير للموسيقى العربية وضبط قواعدها

وضع الدرويش خلال إقامته في تركيا (1914-1923) مؤلفًا شاملًا للمعارف الموسيقية بعنوان النظريات الحقيقية في علم القراءة الموسيقية، وفي عام 1927، وقع عقدًا مع مصطفى بك رضا، رئيس النادي الموسيقي الشرقي في مصر، تنازل بموجبه عن حقوق طبع الكتاب لصالح النادي، وتظهر بنود العقد توزيع المادة العلمية للكتاب على سبعة أجزاء رئيسة: يبحث أولها في علامات النوتة الغربية وتطبيقاتها على السلم الموسيقي الشرقي، ويُعنى الثاني بعلم توافق الأصوات (الهارموني)، في حين يدرس الجزء الثالث نسبة المقامات الشرقية إلى النوتة الغربية، ويشرح الرابع أوزان الموسيقى الشرقية وإيقاعاتها، وخُصص الخامس لوصف آلات الموسيقى الشرقية وطرائق استعمالها، ويتضمن الجزء السادس تدوين مجموعة من الموشحات التراثية القديمة، وينتهي الكتاب في جزئه السابع بتقديم تطبيقات عملية وشاملة على مشتَمَلات الأجزاء الخمسة الأولى[20]. لم يُنشر هذا الكتاب لأسباب تاريخية غير معلومة، غير أن عديدًا من مباحثه وعناصره النظرية ضُمنت لاحقًا في الجزأين الخامس والسادس من موسوعة الموسيقى العربية للبارون ديرلانجي، التي أسهم الدرويش في صياغتها وتأليفها، ففي الجزء الخامس من هذا الكتاب، ظهر علي الدرويش من ضمن المنظرين للسلم الموسيقي العربي، وأُثبت فيه جدول بسلّمه[21]، يقوم على قسمة الديوان الموسيقي إلى 53 جزءًا متساويًا بنسبة \(\sqrt[53]{2}\)، وهو ما يُعرف بـ "الكوما الهُلْدِرِيّة". ومن نقاط القوة في هذا السلم أن علي الدرويش ميز فيه بين نوعين من نصف الطنيني: بعد الفضلة أو نصف البعد المقامي، كما يُعرف في الاصطلاح الحديث، وهو بعد بنسبة ( \(\frac{256}{243}\)، 90 سنتًا) ويوجد -مثلًا- بين اليك-گاه وقرار الشوري، وبين الراست وقرار الكناز [...]، وبعد الأبوطوم أو نصف البعد اللوني بنسبة ( \(\frac{2187}{2048}\)، 114 سنتًا)، الذي يوجد بين اليك-گاه وقرار الحِصار، وبين التشهار-گاه والحجاز [...].

ومن نقاط القوة أيضًا في نظام علي الدرويش احتواؤه على عدد من المصطلحات الخاصة بأسماء بعض درجات السلم التي لا توجد لها أسماء في الأنظمة السلمية الأخرى، إضافةً إلى تغيير بعض الأسماء المتداولة حتى تكون أقرب إلى منطق الأشياء. فعلى سبيل المثال، اعتاد الموسيقيون على تسمية درجتي لا (♭) وصول (♯) باسم واحد هو "الحِصار" على الرغم من وجود فارق في الدرجة بينهما. ولتجاوز هذا الإشكال النظري، ترك الدرويش اسم "الحصار" لدرجة صول (♯) المستعملة في مقام بالاسم نفسه، وخص درجة لا (♭) باسم "الشوري" لوجودها في مقام البياتي شوري[22].

ويظهر علي الدرويش مرة أخرى في هذا الجزء الخامس نفسه من كتاب البارون، مستعرضًا للأجناس الستة عشر الداخلة في تركيب المقامات العربية[23]، ومراجعًا ومثبتًا لسلالم المقامات الـ119 التي تضمنها، ومحددًا لمساراتها اللحنية، وهي المقامات التي حللها إسكندر شلفون في وقت سابق لحساب البارون. وقد أنشأ الدرويش فضلًا عن ذلك تقسيمًا في كل واحد من هذه المقامات ودونه، حتى يكون شاهدًا عمليًا على سير العمل في المقام[24].

في توثيق التراث الموسيقي العربي

تميز الدرويش بإتقانه التدوين الموسيقي بالنوتة الغربية وبراعته في رصد تفاصيل الألحان ونقلها من المشافهة السمعية إلى التوثيق المكتوب، فشملت مدوناته مختلف الألوان الموسيقية التي عاصرها في رحلاته الشرقية والغربية. وعلى الرغم من أن الجزء الأكبر من أرشيفه الخاص لم يُنشر كله بعد، فإن مركز الموسيقى العربية والمتوسطية (النجمة الزهراء - Ennejma Ezzahra) في سيدي بوسعيد بتونس أتاح جانبًا مهمًا من هذا الأرشيف رقميًا ضمن وثائق البارون ديرلانجي، يضم مدونات عديدة بخط الدرويش نفسه، أو منسوخة بخط المنوبي السنوسي، وتُعد هذه المخطوطات وثائق تاريخية نادرة تؤرخ للموسيقى العربية في النصف الأول من القرن العشرين[25].

وفي الجزء السادس والأخير من كتاب الموسيقى العربية للبارون ديرلانجي المخصص لدراسة الإيقاعات العربية وقوالب التأليف الغنائي والآلاتي، كان إسهام علي الدرويش أساسيًا فيه، إذ دون وحلل 111 إيقاعًا مستخدمًا في الموسيقى التقليدية المشرقية[26]، ثم دون في كل واحد من هذه الإيقاعات موشحًا[27] أو قطعة آلاتية من التراث القديم[28]. ويشتمل أيضًا هذا الجزء من الكتاب على 30 مدونة أخرى لأمثلة للقوالب المدروسة، بعضها من تلحين الشيخ[29]. ومن بين مدونات الدرويش في هذا الجزء نوبة رمل الماية من المالوف التونسي ومقطوعات أخرى من المالوف أيضًا[30]. وتجدر الإشارة إلى أنه خلال إقامته بتونس، دوَّن الدرويش نوبات كاملة من المالوف التونسي منها: نوبة رصد الذيل، ونوبة الصيكة، ونوبة المزموم، وأشرف فيما بعد على تسجيل بعضها بصحبة فرقة حلبية في إذاعة حلب[31].

في العزف والتلحين

عُد الدرويش أحد أبرز عازفي آلة الناي في عصره، فقاد وشارك عازفًا في محافل موسيقية متعددة داخل سورية وخارجها. وخلال إقامته بمصر أواخر عشرينيات القرن العشرين، أحيا حفلات النادي الموسيقي الشرقي التزامًا ببنود عقده، وسجل أسطوانات لصالحه ولحساب شركة غراموفون (Gramophone Company). وفي تونس مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، قدم عروضًا في قصر البارون ديرلانجي، وأشرف على تدريبات الجوق التونسي المعد لمؤتمر القاهرة، كذلك وثق لاحقًا لإذاعتي حلب والقدس (1944) رصيدًا من وصلات الموشحات الحلبية ونوبات المالوف التونسي والألحان التراثية. وإلى جانب العزف، برز الدرويش ملحنًا في القوالب التقليدية الغنائية والآلاتية كالموشح، والدور، والسماعي، واللونغة، ومن أشهر مؤلفاته: سماعي زنكولاه، وسماعي نهاوند، وموشح يا ساكنًا بفؤادي من مقام السيكاه، ولا تزال بعض أعماله تُدرس في المعاهد الموسيقية شواهد مقامية وتدريبية، وتُؤدى في عروض الموسيقى التراثية[32].

تكريمه

حظي الدرويش بالتقدير محليًا ودوليًا خلال مسيرته وبعد وفاته، ففي عام 1931، منحه أحمد باشا باي (1862-1942)، باي تونس، وسام الافتخار (Nichan Iftikhar) من الصنف الثالث[33]. وتخليدًا لذكراه، أُسند إليه عام 1997 وسام "الأورنينا الذهبية" خلال مهرجان الأغنية السورية الرابع المنعقد في مسقط رأسه حلب، وصاحب ذلك عرض فيلم وثائقي يتناول سيرته الفنية[34]. كذلك أطلقت مدينة حلب اسمه على أحد شوارعها تقديرًا لإسهاماته في تطوير الموسيقى السورية والعربية[35].

[1] مصطفى الدرويش، الشيخ علي الدرويش حياته وأعماله 1884-1952 (حلب: [د.ن.]، 2000)، ص 19.

[2] محمد قدري دلال، العالم الرحالة الشيخ علي الدرويش الحلبي (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2008)، ص 11-14.

[3] أدهم آل جندي، أعلام الأدب والفن، ج 1 (دمشق: مطبعة مجلة صوت سورية، 1954)، ص 326.

[4] الدرويش، الشيخ علي الدرويش، ص 20.

[5] المرجع نفسه، ص 20-21.

[6] دلال، العالم الرحالة، ص 70.

[7] المرجع نفسه، ص 71-72.

[8] المرجع نفسه، ص 73-75.

[9] آل جندي، أعلام الأدب والفن، ص 326-327.

[10] الدرويش، الشيخ علي الدرويش، ص 27.

[11] المرجع نفسه، ص 31-32؛ يُنظر: مؤتمر الموسيقى العربية المشمول برعاية حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول المنعقد بمدينة القاهرة في سنة 1350هـ-1932م (القاهرة: المطبعة الأميرية، 1933)، ص 99-187.

[12] الدرويش، الشيخ علي الدرويش، ص 32.

[13] المرجع نفسه، ص 33.

[14] دلال، العالم الرحالة، ص 88-89.

[15] الدرويش، الشيخ علي الدرويش، ص 34.

[16] دلال، العالم الرحالة، ص 111.

[17] الدرويش، الشيخ علي الدرويش، ص 36-37.

[18] المرجع نفسه، ص 36-38.

[19] المرجع نفسه، ص 39-40.

[20] يمكن الاطلاع على نص هذا العقد على الرابط التالي: https://acr.ps/hByaRiq؛ ولمشاهدة جانب من مقابلة ابنه نديم الدرويش، يُنظر: "لقاء مع الأستاذ نديم الدرويش في برنامج الموسيقى العربي عام 1964"، يوتيوب، شوهد في 25/7/2026، في: https://acr.ps/hByaQtZ

[21] رودولف ديرلانجي، الموسيقى العربية: السلم العام للأصوات-النظام المقامي، ترجمة محمد الأسعد قريعة، ج 5 (تونس: مركز الموسيقى العربية والمتوسطية/ منشورات سوتيميديا، 2018)، ص 38-39.

[22] محمد الأسعد قريعة، "نظرية السلم الموسيقي لدى الشيخ علي الدرويش"، الحياة الموسيقية، العدد 56 (2010)، ص 65.

[23] ديرلانجي، الموسيقى العربية، ص 89-110.

[24] المرجع نفسه، ص 130-345.

[25] للاطلاع على بعض مدوَّنات الشيخ علي الدرويش بخطه، يُنظر: “131-11: Exemples musicaux: transcriptions et textes,” Archives Ennejma Ezzahra, accessed on 25/7/2026, at: https://acr.ps/hByaRuv مع ملاحظة أن النصوص الموسيقية بخط الشيخ في هذه الوثيقة هي التي تشتمل على مقاطع لفظية باللغة العربية. أما النصوص الأخرى التي تضم إشارات ومقاطع لفظية مكتوبة بالفرنسية، فهي منقولة عن أصول الشيخ بخط المنوبي السنوسي، بعد تعديل طبقتها تمهيدًا لنشرها في كتاب البارون.

[26] Rodolphe d'Erlanger, La musique arabe, vol. 6: Essai de codification des règles usuelles de la musique arabe moderne (suite) (Paris: Lib. Orientaliste P. Geuthner, 1959), pp. 31-137; للاطلاع على الأصل العربي بخط الشيخ علي الدرويش، يُنظر: “163-02: 111 Rythmes orientaux par Ali al-Darwish,” Archives Ennejma Ezzahra, accessed on 25/7/2026, at: https://acr.ps/hByaReS

[27] للاطلاع على تدوين بعض هذه الموشحات بخط الشيخ علي الدرويش، يُنظر: “195-02: Vingt-deux muwaššaḥāt: transcriptions musicales et textes des paroles,” Archives Ennejma Ezzahra, accessed on 25/7/2026, at: https://acr.ps/hByaQJC

[28] Erlanger, La musique arabe, pp. 205-339.

[29] Ibid., pp. 31-137.

[30] Ibid., pp. 569-613.

[31] الدرويش، الشيخ علي الدرويش، ص 52.

[32] للاستزادة يُنظر: صميم الشريف، الموسيقى في سورية: أعلام وتاريخ (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011)، ص 94-107.

[33] دلال، العالم الرحالة، ص 108.

[34] "الموسيقار الشيخ علي الدرويش"، يوتيوب، شوهد في 25/7/2026، في: https://acr.ps/hByaQZf

[35] دلال، العالم الرحالة، ص 136.

المراجع

العربية

آل جندي، أدهم. أعلام الأدب والفن. ج 1. دمشق: مطبعة مجلة صوت سورية، 1954.

الدرويش، مصطفى. الشيخ علي الدرويش حياته وأعماله 1884-1952. حلب: [د.ن.]، 2000.

دلال، محمد قدري. العالم الرحالة الشيخ علي الدرويش الحلبي. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2008.

ديرلانجي، رودولف. الموسيقى العربية: السلم العام للأصوات-النظام المقامي. ترجمة محمد الأسعد قريعة. ج 5. تونس: مركز الموسيقى العربية والمتوسطية/ منشورات سوتيميديا، 2018.

الشريف، صميم. الموسيقى في سورية: أعلام وتاريخ. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011.

قريعة، محمد الأسعد. "نظرية السلم الموسيقي لدى الشيخ علي الدرويش". الحياة الموسيقية. العدد 56 (2010).

"لقاء مع الأستاذ نديم الدرويش في برنامج الموسيقى العربي عام 1964". يوتيوب. في: https://acr.ps/hByaQtZ

مؤتمر الموسيقى العربية المشمول برعاية حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول المنعقد بمدينة القاهرة في سنة 1350هـ -1932م. القاهرة: المطبعة الأميرية، 1933.

"الموسيقار الشيخ علي الدرويش". يوتيوب. في: https://acr.ps/hByaQZf

الأجنبية

Erlanger, Rodolphe d’. La musique arabe. vol. 6: Essai de codification des règles usuelles de la musique arabe moderne (suite). Paris: Lib. Orientaliste P. Geuthner, 1959.

“131-11: Exemples musicaux: transcriptions et textes.” Archives Ennejma Ezzahra. at: https://acr.ps/hByaRuv

“163-02: 111 Rythmes orientaux par Ali al-Darwish.” Archives Ennejma Ezzahra. at: https://acr.ps/hByaReS

“195-02: Vingt-deux muwaššaḥāt: transcriptions musicales et textes des paroles.” Archives Ennejma Ezzahra. at: https://acr.ps/hByaQJC



المحتويات

الهوامش